إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

بعد غياب

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • بعد غياب

    لا أعرف كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحال؛ سنة أو عشر سنواتٍ أو ربما أكثر بكثير. كنتُ أركض مسرعة إلى البيت لما وقع من ذاكرتي الزمن، وعندما وصلت الشارع الذي أقطن به وجدتُ أنّ كلّ شيء قد تغير.
    العمارات شاهقة مرتفعة جداً؛ متصلة بغيوم السماء، وكانت قبلاً كلّ العمارات في شارعنا عبارة عن ثلاث طوابق لا أكثر.
    سكان الحي.. الجيران.. تغيرت أشكالهم؛ في الحقيقة لا أعرف كيف أصفها؛ قامات طويلة جداً، بل هي أرجلهم التي طالت وأيضاً أيديهم بينما الجذع بقي على حجمه الذي أعرفه. أمرّ من بينهم كما لو أنني نملةٌ وما من أحد ينتبه لوجودي.
    أمرٌ غريب.. كيف صاروا بهذا الحجم، ولماذا يتحركون بشكل عجيب؛ كانهم آلالات على هيئة بشر.
    فركت عيوني بأصابعي لعلي أحلم..
    لا أنا لستُ في حلم.. إنها الحقيقة!
    ولكن أين هو بيتي؟
    شقتنا حيث ولدتُ كانت في الطابق الثاني من ثالث عمارة باتجاه الطريق الرئيسي الذي يخترق البلد من شرقها إلى غربها.
    بعد عملية حسابية طويلة أجريتها شفاهة في عقلي؛ استطعت أن أتعرف على بيتي. أنا بحاجة ماسّةٍ لمأوى.. لقد تعبت جداً من الركض.. أذكر أنني كنتُ أركض هرباً من أمرٍ ما.. من صوت مرعب ومن جسدٍ ضخم كاد أن يأخذ مني حياتي..
    لعله فعل ذلك حينها، لكن كيف عادت لي الحياة؟!
    غير أنني في حياة لا تشبه حياتي الماضية..
    هذا بيتي الذي ولدت به.. ذات الصور على الحيطان لكنها أكبر كثيراً مما عهدتها، أبي وأمي لم تتغير ملامح وجهيهما لكنهم بسيقان وأذرع طويلة، وكذلك أخوتي..
    هذة أمي في المطبخ تحضر طعاماً.. كانها تقطع الخضار
    أرى البندورة بحجم بطيخة كبيرة، والخيار بحجم شجرة صغيرة!!
    أشعر بالجوع..
    أنادي والدتي: ماما متى سنأكل أنا جائعة؟!
    لا تجيب وكأنها لم تسمعني.
    أركض إلى حيث يجلس أبي يشاهد التلفاز.. تبدو الصورة أكبر من حجم عيني بكثير.. أحاول أن أتسلق الكنبة التي يجلس عليها والدي لأجلس بقربه لعلي أشاهد الصورة كاملة وبشكل أفضل..
    ياااااه أحتاج وقتاً طويلاً كي أصل حضنه
    تصفيق حاد وهتافات تمجيد أسمعها تخرج من التلفاز
    وأبي يضحك بصوت عالٍ
    تسأله أمي من المطبخ: يا رجل ما بك تضحك كثيراً.. ما الخبر؟!
    يجيب والضحك يملأ فمه: استفتانا.. ونجح..
    ـ كالعادة.. تجيب أمي وتضحك..
    أصرخ بوجههم مندهشة.. اما زال؟!
    لا جواب.. لم تسمعني أمي ولم يسمعني أبي، أذهب إلى الشرفة وأصرخ بصوت أعلى لعل الجيران يسمعوني، لكن الصخب كان أقوى فلم يسمع صوتي الصغير أحد..
    أنظر بحزن إلى جسدي الضيئل بحجم نملة
    متى سأصبح مثلهم كبيرة ؟!
    أشعر بالتعب.. أحتاج أن أنام
    أسأل أمي: ماما أين سأنام؟!
    أمي تفتح صندوقاً خشبياً تُخرج منه صوراً.. وتبكي..
    أتسلق الصندوق..
    احاول ان أمسح دمعة أمي لكن يدي أصغر من دمعتها بكثير.
    أرى صورتي بين الصور.
    أنسحب تحتها.. أجعلها لحافاً وأنام.
يعمل...
X