إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

التأويل في مختبرات العقول الصغيرة: رشيد المومني

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التأويل في مختبرات العقول الصغيرة: رشيد المومني

    التأويل في مختبرات العقول الصغيرة

    رشيد المومني

    Sep 17, 2016
    لعل أهم ما يضطلع به التأويل من أدوار، هو تحقيق مختلف تلك الانتقالات الممكنة بين الأبعاد الدلالية التي يوحي سياق القول بحضورها فيه، إلى جانب تجديده لدينامية التواصل، عبر شحنها بطاقة مضاعفة، تنأى به عن حافة الاحتقانات، التي يؤدي تفاقمها إلى تكدير أجواء التفاهم بين الأطراف المتواصلة. وهي الطاقة ذاتها التي تخفف من حدة القطائع التي يحدث أن تقع لسبب أو لآخر، بين التوجهات الفكرية والحضارية.
    إن التأويل من هذا المنطلق، يتسرب إلى تلك التفاصيل المحتجبة المؤثرة سلبا على تفعيل التواصلات الحضارية، كي يعيد صياغتها بما يساعد على إخماد جذوة الدلالات التي تكون سببا في تصعيد حالات الخلاف، متخذا بذلك منحى إيجابيا، بفضل ما يمتلكه من قوة إجرائية، كفيلة بتبديد غيوم الالتباس. وهو بذلك يمنحنا، إمكانيات جديدة للتنقل بين الدلالات النصية، كما يحررنا من إقاماتها المغلقة على ذاتها، فضلا عن كونه يفتح أمامنا مسالك جديدة، قد تقودنا إلى منازل دلالية وتواصلية، تساهم في مد الجسور بين أراضي القول وسمواته، حيث يصح اعتباره بمثابة أداة ربط، وتفاعل ترتفع معها القطائع والحواجز، الفاصلة عادة بين الخطابات وتلقيها، حيث سيكون لتساكن الغيمة في الضوء، ما يبرره فيزيائيا ودلاليا. إلا أن هذا الجانب الإيجابي والبنَّاء، قد ينقلب إلى نقيضه، حينما يلجأ التأويل إلى ممارسة نوع من التكييف القسري، الذي يُكْرِهُ النص/الخطاب، على الحديث بلغة غريبة عن بنيته الظاهرة والمتخفية، طلبا لإرضاء قراءات موجَّهة بمقصدياتها البراغماتية، متحولا بذلك إلى قانون، يجيز ارتكاب خيانات مضادة، في حق جميع النصوص، خاصة الإبداعية والجمالية منها، علما بأن القراءات المفتقرة إلى الحدوس العميقة، سوف تجد ضالتها المنشودة في هذا القانون، مستندة إليه في إذكاء جذوة التأليب والصدام.
    أيضا، قد يؤدي التأويل البراغماتي، إلى تكريس الدلالة المسطحة، والمنحرفة عن مساراتها، وهو ما ينسجم مع الخطابات المنغلقة على قناعاتها، سواء كانت دينية أو علمانية، سلفية أو حداثية. لأن كارثية الرؤية المنغلقة، لا تقتصر على توجه دون آخر، باعتبار أن العلماني المتطرف، لا يختلف في شيء عن الأصولي الأكثر ظلامية. وهذه الخطابات عموما هي نتاج فكر خامل، يفتقر إلى إواليات الفهم والتفسير، اللذين يتعذر بدونهما الحديث عن رؤية تأويلية ما. إنها الخطابات الحريصة على التماهي مع التلقي المتواجد في كافة الأمكنة والأزمنة، بالمفهوم الانتهازي لمفهوم التلقي. وهو أمر لا يتحقق إلا بِخُلُوِّها، من أي بعد عقلاني، جدلي ومستقبلي، يمكن أن يورطها، في اختيارات نظرية مغايرة للسائد، للمسكوك ولكل ما هو جاهز للتداول السهل والمنزه عن روح النقد والمساءلة.
    وإذا كان كل خطاب يُنتِج بشكل أو بآخر، قراءاتِه ومقارباته عبر ما يفتحه، «أو يغلقه» من مسارات تأويلية، فإنه أيضا، يُنتج أكثرها إفسادا وتلويثا للفضاءات العامة والخاصة، وهي المقاربات التي تتشكل من سِقط الأحكام والانطباعات المرتجلة، الناتجة عن اصطداماتها المتتالية والعنيفة بالممانعة النصية، التي لا تسمح لها بالاختراق، مادامت تفتقر إلى الإواليات المعرفية التي تقتضيها منهجية التأويل العقلاني.
    إن العجز عن التفاعل التأويلي مع النص، يشحن الأحكام المحايثة له بهاجس انتقامي، يتم بموجبه اختلاق تأويلات غريبة عن خصوصيته، كما يؤدي إلى إنتاج محكيات مغرضة، قابلة لأن تتحول تدريجيا، وبفعل قوة تداولها من قبل العقول الصغيرة، إلى نصوص بديلة، عن النص المرجعي، بدعم من الفاعلية الموضوعية، والموظفة بشكل منحرف، لمقولة الانفتاح النصي على المقاربة والتأويل. كما أن خطورة هذه القراءات /التأويلات، تتمثل أيضا في تحولها إلى كمائن، لا تنجو من كيدها حتى الذهنيات الحداثية، التي تكون مضطرة للدخول معها في معارك سجالية، تصرفها عن التفرغ إلى إنتاج خطاباتها المهتمة بتأطير أسئلتها التاريخية، ذات الصلة بخصوصيتها التنويرية، كما تصرفها عن مسؤولية فتح حوار عقلاني مع مختلف أنماط التلقي المعنية برسائلها. إنها وبموجب ذلك، تستنزف أرصدتها المعرفية في مواجهة التحريفات التأويلية، المتداولة من قبل العقول الصغيرة، ومعالجة أعطابها بالترميم والتصويب، وهو مجهود يكون معرضا، أو بالأحرى ملزَما في أحايين كثيرة، بخيانة ميكانيزماته، والانزياح عن مساراته العقلانية، باعتماده المنهجية الهجومية نفسها، الموظفة من قبل التأويل الساذج والمتخلف، حيث يتعذر على ضوء هذا الواقع، القول بإمكانية بناء واجهة حقيقية متماسكة ومتكاملة تميز سيرورة الخطاب التنويري المستقل بحضوره وبسلطته، بعيدا عن سوء تفاعله مع التأويلات التبسيطية، التي تجعله عرضة لأعطابه الدائمة، لأن العقول الصغيرة تكون هي أيضا حاضرة في قلب الخطابات، التي تحاول محاورة نصوص إشكالية، على غرار النصوص الدينية، كما هي متواجدة بالكيفية ذاتها في جل الفضاءات، من أجل إعادة إنتاج وتكريس وقائع تلفيقية، معدة بشكل مبيت لتشويه وتحريف أي كتابة محكومة بتأملها العقلاني والاستشرافي.
    ومن المؤكد أن هذا التداخل الحاصل بين حقائق التأويل وأباطيله، يُحدث فوضى عارمة في فضاء العلاقات القائمة بين النصوص وقراءاتها، كما يضاعف من فرص التراكم اللاعقلاني، لأكوام لا حصر لها من القناعات والسجالات، والتوجهات، كما أن ظاهرة اليقين التي يتم تأطيرها بها، هي أحد الأسباب العجائبية الفاعلة في تمكينها من مقومات التلاحم والتماسك، كي تكون جاهزة للانصهار في خطابات، تشق شيئا فشيئا طريقها باتجاه منابرها المنتقاة بعناية جد فائقة، وباتجاه الفضاءات التي تتواجد في رحابها كل من العقول الصغيرة والكبيرة، على حد سواء.
    إن ظاهرة اليقين المبطن بغروره الأعمى، غالبا ما تكون في المراحل التمهيدية لتأقلمها وتبيئتها، مدعاة للسخرية من قبل المهتمين والمختصين، بالنظر لما تتميز بها من نكهة ترفيهية، إلا أنها لا تلبث أن تُحكم طوقها على المشهد، حيث تتحول تدريجيا إلى طاقة سحرية، تندلق حرارتها في ألياف الحروف و الكلمات والخطابات، مكتوبة كانت أو شفاهية، كي تصبح أكثر إثارة وأكثر جاذبية، من أي لغة معززة برصانة قيمها العقلانية. بمعنى أنها تتحول إلى طرف مركزي وأساسي في أي معادلة فكرية أو اجتماعية أو سياسية. هذه الطاقة قد يكون لها دور كبير في استقطاب القراءات، وفي إنجاز عمليات التجييش، وفي الهيمنة على أكثر المواقع الثقافية والإدارية حساسية، وقد غدت سلطة لها شراستها الردعية والقاتلة أيضا. الأنكى من ذلك، هو تحول الظاهرة إلى عنوان مرحلة، تطبع مسار زمن ثقافي وحضاري، فتُسرِّب سلطها إلى الأفراد والجماعات والمؤسسات، حيث تتمكن من خلق قيمها الأخلاقية والاجتماعية. ولعل قوة انتشارها، ناتجة عن تبلورها في مختبرات الأمية المعتدة بتطاولها، وهي مختبرات العقول الصغيرة، المتميزة بشراستها، وعنفها الخاص، وأيضا باستراتجيتها الغريزية، التي لا يمكن أن نجد لها شبيها، إلا لدى أكثر القوارض بدائية ووحشية.
    مقابل السلط التأويلية والكاسحة، التي تدير بها العقول الصغيرة شؤوننا الثقافية والعقدية والسياسية، يبدو الأفق التنويري والعقلاني، بعيدا وشاحبا، بالكاد تلمحه عين القراءة، لسبب أساسي ومركزي، يمكن اختصاره في تمَنُّع أنساقها على القراءات التبسيطية والاختزالية، بالنظر إلى تورطها في تناول القضايا الفكرية والمجتمعية، التي يتطلب استيعابها، التوافر الفعلي لشروط النضج الثقافي والمعرفي لدى مختلف القطاعات الاجتماعية، خاصة أن الأمر يتعلق بأنساق مفاهيمية على درجة كبيرة من التركيب، الشيء الذي يجعل منها مجرة حقيقية من الدلالات، التي تجد نفسها في ظل ارتفاع منسوب الأمية الحضارية، عاجزة عن توسيع مجال تفاعلها وانتشارها وتأثيرها، حيث تظل حبيسة، الحلقات الفكرية الخاصة والمغلقة، مما يقلص من مساحة تأثيرها وفعاليتها، بخلاف نَقِيق العقول الصغيرة، الذي يتميز بقابليته للتبني، تماما كما هو الشأن بالنسبة لآلية انتشار الإشاعة والفضيحة اللتين تمتلكان ما يكفي من المرونة والفاعلية، للتمظهر في أكثر من شكل وفي أكثر من نسق.
    إلا أن الغريب في الأمر، كون هذا النقيق- كي لا أسميه خطابا – الذي تطمئن فيه العقول الصغيرة – بكل من شقها الأصولي والعلماني – على امتياز حضورها واستبدادها بالمشهد، لا يستشعر أي إحراج في اقتحام مدارات النصوص الإشكالية، خاصة منها النصوص الدينية، حيث يتم إخضاعها لمشارط تأويلية، تتحول معها هذه النصوص إلى مجرد خِرقٍ مزركشة، لا تختلف في شيء عن تلك التي يتنكر فيها الدراويش المزيفون والحكاؤون، الخبيرون بتقنيات التنويم، بعد أن يتم إفراغها تماما من مضامينها، لتبدو مؤطرة، ومؤسطرة بلغات الغرائبي والعجائبي، ضدا من سلطة العقل، الذي ليس له سوى أن يظل هناك، محتجبا في دكنة النسيان، إلى أجَل لم تتضح بعد أي من ملامحه.

    ٭ شاعر مغربي
    http://www.alquds.co.uk/?p=598697




يعمل...
X