إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مدام زنوبا في باب الرخاء..

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مدام زنوبا في باب الرخاء..

    مدام زنوبا في باب الرْخأء....(قصة8)
    تقول المدام عن نفسها ليس لها مثيل في نساء المدينة وليس في الحي وحده سواء في الجمال او الكمال العقلي الا ان حظها البئيس يعاكسها ..(ماعندي.. زهر..)وهي بذلك تعيش محصورة مابين حواجز زهرها المنيوك. واحراهات الحياة الصعبة .وحتى لا نقول كما قال المسيو بوفاري في نهاية القصة المعلومة التي لم يكن هو فيها بطلا..ولو للحظة واحدة ما ردده لعشيق زوجته رودولف في الحانة انه( غير حاقد علي احد.).بل هو حاقد على اخطاء القدر..وكان للقدر المجهول اخطاء و كبوات ..ومدام زنوبا ماعندها زهر.... وهذا ما تشعر به و هي ليست حاقدة على احد ..احيانا كانت تقول لنفسها انه كان عليها ان لا تتزوج المعلم بو شعيب . فهو بمثابة الرجل المنكوذ الذي تطارده المشاكل بل الكوارث من كل صوب ..وفي ظروف هذا الوباء القاتل الذي اربك العالم ..زاول المعلم الكثير من المهن والحرف الشعبيه وهو اليوم قد استقر حاله نسبيا علي طهي وبيع البيصارة في ساحة باب الرخاء وزنوبا زوجته تشتغل معه اليد في اليد..دورها محدد في طبخ الحساء البيصارة ليلا ..وفي الصباح الباكر تدفع معه الكروسه والمواعين من الدار الي هذا الباب اسفل السور..تجلس قرب الحائط تغسل الصحون والاكواب لعدة مرات متوالية وهي ترتدي لباس حديث .. عبارة عن كنزة بيضاء وسروال من الدجين ازرق على شعرها تخفيه في داخل كاسيطة بيضاء لامعه تحميها من اشعة الشمس وتلصق في اذنيها سماعات الهاتف الخلوي لتسمع الموسيقى او للاغاني الشعبية ..في هذا الباب العتيق في هذه المدينة الاشد عتاقة يتجمع جيش من المواقفية واللذين لا شغل لهم .القادمون من كل نواحي المدينة من شمالها وغربها ولكن اكثرهم من جنوبها على ظهورهم يحملون اكياس بها وسائل عملهم وفيي بطونهم يغرغر الجوع ..ينتظرون من يعرض عليهم عملا كيفما كان نوعه يدمدمون ويدعون الله ليرزق الجميع .. يثرثرون فيما بينهم واعينهم تترقب اي زبون ..يتجمعون حوله ..ليتحققوا من طلبه .في دواخل انفسهم يدعون الله ان يرحمهم باي عمل كان حتى ولو كان تسريح قادوس مخنوق في مطبخ او مرحاض او اعادة رتق فراش مهتوك من حلفاء او قش ..او حتى حفر قبر او اعادة ترميم اخر في المقبرة الكبيرة التي تقابل الباب ..قليلا ما يفكرون في تناول وجبة فطورهم ..وكل ما يتناولوه من المعلم زوج المدام زنوبا كان يتم معظمه عن طريق الكريدي اي السلف (سلفنا حتى نخدمو ا ونعطيوك المعلم بوشعيب...) ..وهم غالبا ما يرجئون تسديد الدين الى الحصول على عمل ما ..اي عند نهاية اليوم..لذلك كان المعلم وزوجته يبيعان كل ما طبخاه من بيصارة وشاي وينتظرا الى مابعد العصر للحصول على النقوذ من المواقفية الذين توفقوا في الحصول على عمل ما.وان لم يحصلو ا عليه ..يرجئون التسديد الى اليوم القادم ..لعلهم يصادفوا عمل ما.. فالغالب الله كما يردد المعلم مع نفسه..وتسمعه لترد الله يصاوب للجميع ...كانت ساحة باب الرخاء واسعة وعريضة ولا تزال .لكن مع كرور الايام اخدت تضيق .و بينها وبين مقبرة الشهداء ..شيد المجلس البلدي حديقة خضراء كبيرة..ومنذ زمن بعيد بنوا محطة طرقية قيل عنها انها من اكبر المحطات في افريقيا فوق الخطارت جنب السور وتحت اشجار الحديقة يستقر المشردون والمشردات واللصوص ليل نهار..و في الاونة الاخيرى بدات تعمر من طرف المهاجرين الافارقة..الذين لا شغل لهم سوى التسول على نفترق الطرق و معاقرة الخمر تدخين الحشيشة وشم السيلسيون....احيانا تفكر مدام زنوبا في ماضيها التعيس ..في اليوم الذي عرض عليها ولد تاجر الفحم الزواج ورفضته لانه يصل الى الحي على سيارته وثيابه ووجهه مطلي بالسواد اي بلون الفحم..لكنها وتزوجت المعلم بوشعيب لاناقته ونقائه حين كان يزاول مهنة التعليم..احيانا تشعر بالخسران في اختياراتها المتسرعة وغير المدروسه واخرى نسترجع توازنا العقلي و ترضى بمشيئة القضاء والقدر ...وترمي المسؤولية على هذا الاخير ...
    لو كانت تمتلك حرية اختيار قدرها كانت اختارت ان تولد في فوطة من حرير وطبق من ذهب في وسط اسرة غنية تقطن فيمدينة اخرى في نهاية العالم في القصور الفيكتورية او قصور العصور الوسطى لكن لا حيلة لها مع القدر ..ولا حرية مع مشيئة الله عز وجل ..المعلم زوجها يحمل ىعلى كاهله اجازة جامعية في مادة الرياضيات اصبحت لا تغني ولا تشبع من جوع وهي تحمل وزر شهادة الباكلوريا في الاداب ..وزواجها كان اضطراريا و هي لم تنهي دراستها الجامعية ..
    لكونها قليلة الكلام فالطامع في معرفة قصة حياتها من بدايتها الى نهايتها لابد له من الصبر والمواظبة على التردد على مطعمها المتواضع كل صباح ويقتنص الفرص لجرها الى الكلام بعيدا عن اعين المعلم بوشعيب وكذلك الزبناء ..و اغتنام المناسبات لوضع الاسئلة عليها و تصبر على الاجوبة لانها لن تاتيك فورا ..الا بعد حين ..حتى لو لم تجيبك ستجد في محيط الشعبي الكثير من القصص والنماذج البشرية التي تستحق منك ان تدونها على ورقات وتدقق في تفاصيلها وتصيغها في الشكل الذي يروق لك في قصة .او حكاية او تقرير اجتماعي عن حياة الناس .كلما جئت صباحا كنت اصادف حضور مقدم الحي يتناول فطوره عند المعلم بوشعيب زلافة بيصارة وزيت زيادة وقرصين من الخبز وكان دائما يتابط محفظته السوداء ..و يسلم ويقصدني بحديثه ..(..واش كاين مانقضيو الشريف..راني جاهز نقضي لك كل اغراضك في المقاطعة شهادة السكنى او..عقد الازدياد ..شهادة الحياة ..شهادة الوفاة..نعم الوفاة حتى ان كنت حيا ترزق..البطاقة الوطنية ...بدون مقابل..فقط رسومات الثنبر.. غير امرني ونقضي الغرض ليك .. سيدي ..راني ديما في خدمة الشعب....). ثم ينهي الخطبة بصيكة صفراء كصيكة الضباع امام فريسة ..وبالغمز كانت المدام تشير علي بعدم الرد عليه ..وتكرر كانها تحدث نفسها ..هكذا .. ( او.ا..الله يعفو ...وعلى الجميع ...)..وتشير الي بيديها وراسها . المقدم ثمل ولا يزال تحت تاثير حرارة الشمس ..اي الخمرة الحمراء..كلما غادر المطعم ..كانت تنظر الى المعلم وتساله .(.هل نزعت منه ثمن الوجبة.. .).فيحرك المعلم راس صعودا ونزولا قاصدا انه تلقى تماما النقوذ من هذا المقدم النصاب ..في بعض الاوقات كان يقع على زبونه من على طاولة البيصارة صباحا ليصاحب الضحية الى المقاطعة ..لقضاء تلك الاغراض التي تقول عنها في خطبته ..كل ماكان يكسبه من عمليات النصب هذه كان يصرفه في معاقرة الخمر ليلا في برج من ابراج السور محفوف بكل اشكال عائط الطبقات الشعبية.. كانت لا تفارقه محفظته السوداء التي تحتوي على العديد من المستندات تتوسطها قنينة خمر من نوع الروج ..(حرارة الشمس )..لم امنحه يوما فرصة الرد رغم كل اللطف والتودد الذي يوظفه لجري الى الحديث معه.. تعلمت بسرعة من درس المدام زنوبا.. اقتصر على رد السلام واضيف بصوت جهوري ( الله يعفو ...على الجميع ..) حتى لا يحسب ان العفو مقصودا به هو وحده ولا احد غيره..بالفعل كانت هذه الجملة قادرة على كبحه ..وادخاله في جواه ..(...)...غالبا ما كانت المدام زنوبا تعيش عالمها الفريد صحبة سماعاتها الاليكترونية اللاصقة في اذنيها متذلية خيوطها على صدرها وهي ترخي مظلة كاسكيطتها على جبهتها الواسعة و تنصت الى نوع الموسيقى ...اي نوع من الموسيقى بالتحديد لا اعرف ..لكني احرز انها موسيقى شعبية من نوع يتميز بكثير من الضجة والصخب وحدها هذه الموسيقى تحميها من الانغماس في حماقات الناس في الساحة اقصد عذابات الناس هنا ..وعندما تلاحظ ان تلاسنا او سوء تفاهم قد حصل او سيحصل بين المعلم وبعض المنحرفين كانت تترك مافي يديها من صحون وتقترب بسرعة و تنتصب جنبه مستعدة للتدخل ..ثم سرعان ما تهدا الحالة وتعود الى عملها ةهي تحمد الله على لطفه وسلامته..في الحقيقة كانت المطعم نظيفا جدا ..وهادئ لكون الجميع يكنون للمعلم وزوجته المدام زنوبا كامل الاحترام والتقدير ....
    عبد الغني سهاد
    من مدونة حماقات مراكش..
    أكره الشماتة في الناس
    لكني أحب الزمن حين يدور
    فاعذروني
يعمل...
X