إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قصتان قصيرتان للراحل الكبير عبدالستار ناصر

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قصتان قصيرتان للراحل الكبير عبدالستار ناصر

    – AUGUST 5, 2013




    بيت الفنان
    في داخل البيت، اذ النوافذ والابواب كلها مغلقة، كان السيد ضامن حسن ملتصقا بالجدران الباردة، يلمسها ويخرمشها حينا، ويمسحها باصابعه حينا اخر، والبيت كان واحدا من تلك البيوت المعزولة عن قلب المدينة، يكاد ان يكون خاليا الا من بيوتات العناكب ومن صف واحد من المقاعد الملونة الممسوحة المتآكلة عند موضع الرسغين، وثمة قط هزيل لا تدري ان كان ميتا او نائما، فالممرات جميعها تبعث ما يشبه رائحة السمك البائت والنفط والبصل واللهانة، واذ ترى عددا من لوحات سلفادور دالي وفيلا سكيز وبابلو بيكاسو المنسوخة، تجد اعلى منها لوحات همجية سفاحة ذابلة رسمت باللون الاسود والغرين والدماء.
    وفي زاوية احدى الغرف، هناك ترى الفراش العريض الذي يمرح فوقه جرذي كبير يروح بين ثنايا اللحاف ويرجع من تحت المخدة والفراش كله بدا مبقوعا واصفر اكلته الشمس والحيامن والكوابيس.
    وضامن حسن كما يعرفه اعضاء جمعية الفنون الجميلة رجل لم يفز بالجائزة الاولى فقط وانما دعته باريس وروما واستراليا الى العيش كل حياته في تلك المدن الباهرة اذ لا كوابيس ولا جوع ولا تناقضات كما ورد في نصوص العقود التي لم يلتفت اليها وقد قال من على شاشة تلفزيون النمسا
    ــ لا ادري كيف تلد اوروبا رساما لم يتعش على مائدته جرذي جميل، ولست اعرف السر الذي اوصل سلفادور دالي الى القمة مع انه يرتدي افضل الثياب وانظفها، انساتي سادي، لا شيء يعطيك فنا دمويا حقيقيا خالدا سوى الوساخة ولا شيء في الدنيا يعوض بيتي العتيق المملوء بالشمس والاعداء والنفايات.
    من يومها، حاولت الشركات كلها ان تجد المسحوق الذي يزيد الوساخات وساخة والصحفيون يدخلون الى بيت ضامن حسن ولا يخرجون منه حتى اول الليل، يتنفسون في داخله ويشربون الشاي ويصرخون بأسئلة لم يعتد عليها سيد الفن كما سمته مجلة الفن البراق
    ــ ماذا ترى في ملامح الجيل الحاضر من الرسامين ؟
    ــ ارى كما ترون عيونا وشوارب وشعورا طويلة فقط.
    ــ ما رأيك بما يرسمون؟
    ــ اخبرني عن لون ثيابهم وما اذا كانت لديهم فرشاة اسنان اقل لك من هم.
    ومثل اية موضة جديدة انقلب الحال في بيوت الفن، حيث جيء بالجرذان الموجودة داخل البيوت وتلطخت كل جدران الغرف بالسوائل والدماء والطين، ولم يعد من احد يستعمل سيفون التواليت وليس من حاجة الى التبول في المكان المناسب، فذلك ما يجعل البيت اعمق في قذارته من بيت الفنان ضامن حسن، الذي انتخب رئيسا دائما لجمعية الفنون الجميلة وبات اسمه وتوقيعه على اوتوجراف البنات. القذارات نعمة من السماء بل ان يسرية مراد الرسامة الناشئة المثيرة وافقت توا على اهداء فنانها المحبوب كل شيء متى يشاء، وانها الى جانب ذلك على اتم استعداد للعيش في بيته، ربما مثل خادمة تساعده على توسيخ البيت بعد ان اخذ الجميع يتسابقون الى ذلك بل ويجهدون في ايجاد وسيلة معاصرة لجعل البيوت تنفث رائحة موجعة ليلا ونهارا.
    ولم يزد تدخل امانة العاصمة في تنظيف البيوت والشوارع الا عنادا وتصميما من الرسامين على تصعيد عمليات التوسيخ اذ خرجت يسريه مراد باشارة من سيدها الكبير في مظاهرة مسلحة بالورد والتفاح والنرجس لضرب كل من تسول له نفسه ان يوقف بناء مستقبل الفن التشكيلي الذي بدأ لتوه وليست تلك سوى البداية فقد جاء ضامن حسن الى الجمعية التي يرأسها وقال بالحرف اعطوني سجلات المعارض ينبغي حذف بضعة اسماء منها، فقد تأكد لي ان ثمة حفنة من المندسين تحاول ان تثبط من نشاطنا، وعلنا ان نوقف من هجمات اللون الوردي والاخضر والحنطي، فقد علمت الليلة ان مؤامرة حمقاء تحاك ضدنا في الخفاء.
    ربما كان ذلك وحده ما جعل الجمعية أفقر من بيت المال، اذ ان كل رساميها تقريباً لا يعرفون بديلاً لتلك الالوان، كما لم يستطع احد منهم ان يحمل الطين والوساخات او يجرح رسغيه عمداً ليرسم بالدم، وتلك حملة ادعاء يفهمونها وقد يتآلفون على التصفيق لها، بيد ان ما هو طبيعي وحقيقي في الوقت نفسه يؤكد ان قتل النفس والتباهي بتلك الطرق الغبية لهو امر سيء وداعر.
    وانتبه الاعضاء الى ان سيد الفن بات يحارب اقرانه علناً، بمزيد من التشديدات والاوامر شبه الرسمية، مما جعل البعض يعلن استقالته من الفن وليس من الجمعية وحدها اذ ان جائزة دولية تمنحها اسبانيا لهكذا طرطور عجوز بحجة الفن لا نريدها ولا نطمع فيها حسبما جاء في النقاش المتوتر الذي اقامه الاصدقاء في مقهى المحلة بغية الحد من المهاترات والتناقضات التي وقعت فيها الجمعية.
    لكن شيئاً لم يتبدل في عرض وطول الجمعية، مما جعل ضامن حسن ويسرية مراد ينفردان وحدهما في ممراتها التي اصبحت بين ليلة واخرى بيتاً اخر تسكنه الجرذان وتلعب في مسالكه روائح البيض الفاسد والثوم وبقايا البطيخ وبضعة أكوام لا احد يعرف ما تحويه، سوى ان القشور الظاهرة منها تدل على البطاطا والباذنجان المحروق.
    والى جانب الزيت والقشور والسكين الملطخ بالدم، كانت ثمة جثتان ملتصقتان متداخلتان تماماً على هيأة تمثال مهمل.
    المغارة
    كان غسان اول من دخل المغارة واول من مات فهيا، وما كان من السهل ان يعرف احد من رفاقه كيف مات ومن كان السبب؟ لكن الدقائق التي سبقت اللعبة دلت على خيط باهت يربط بين موته وبقاء صديقه معروف على قيد الحياة.
    لنقل ان الذي كان عليه ان يموت، هو معروف وليس غسان، لكن تشاء اللعبة التي لعبها معروف ان تجر غسانا الى موت حقيقي لا ذنب لمعروف فيه اذ ليس ثمة قانون يمنع اثنين من اللعب داخل مغارة معوجة ممراتها، على كثرة ما فيها من مزالق وانحرافات، تفي بالغرض الذي تحتاجه لعبة يمارسها اثنان .
    بدأت لعبة معروف في جرّ غسان داخل خارطة المغارة ان يسبقه بثلاثة أمتار، وربما اقل، وان يسابقه غسان داخل جيوب المغارة حتى يخرجا من الممر نفسه الذي بدأت منه اللعبة، ذلك ان معروفا كان يدرك جيدا كل مزالق وحواشي ونتوءات المغارة، لذلك اعطى فرصة جد كافية لصديقه غسان في أن يسبقه ثلاثة امتار يعرف انه ــلا بدــ يتجاوزها وقت يشاء.
    وما كان معروف ليظن ولا لثانية واحدة، ان صديقه سيكون ضحية مزلق من تلك المزالق الخفية التي جرت غسان الى قاع المغارة، وقد غرق في مخاطها الشيطاني زارعا نفسه في القعر، يصرخ في وجوه رفاقه ــعشر دقائق يطمس فيها داخل طات المخاط العنكبوتي القاتل علّ هناك من ينقذه من الموتــ حيث لا احد يدري كيف ومن اي يبدأ ولا حتى معروف الذي تصلّب كل شيء فيه وتخدر عقله كل الوقت الذي يموت فيه غسان، لكن البعض من اصدقائه غامر ــمجنوناًــ كي ينقذ غسان، وبعض هذا البعض مات ايضا في المخاط الشيطاني الذي نزل فيه، رويداً حتى قاع المغارة، ومن ثم لم يعد من احد بقادر على ان يجازف في موت مجاني ليس من أملــ مهما كان ضئيلاــ في النجاة من شراكه.
    هكذا انتهت لعبة معروف، دون ان يحاسبه القانون على أي شيء، لكن القانون كان في داخل معروف، بينما كان معروف في الوقت ذاته داخل المغارة من جديد، بعد مرور وقت على موت غسان.
    كان يبكي، وكان البكاء موتا لا يشبه موت غسان، انه نوع من الضغط على اوردة القلب وعلى غضاريف الجسد كلها، لكن هذا الموت لا يشبه موت غسان، اذ، ماذا يعني ان يكون هو السبب في موت انسان حقيقي، وقد كان هذا الانسان واحدا من احب الناس اليه؟
    في نهار يشبه ذاك النهار، ربما في وقت جدّ قريب لذاك الوقت الذي مات فيه غسان، كان هناك عدد من الاصدقاء، أتوا الى المغارة نفسها، وبينهم كان معروف يسرع، كأنه ماض نحو عرس جميل، وكان ثمة اصدقاء يشبهون غسان الذي مات في نهار مثل هذا.
    عند باب المغارة، التي يعرف معروف كل فروعها وخباياها ومزالقها وأسرارها، عند بابها، فكر ان يلعب اللعبة ذاتها، لكن هذه المرة، سيغيب هو أولا داخل منعطفات المغارة، يتبعه صديق ما، على بعد ثلاثة امتار وربما أكثر، سيكون أول من يدخل، وعلى صديقه البحث عنه على ضوء ما يتركه من اشارات.
    كان معروف فرحا، ليس في داخله ايما اثر لخوف، وليس ثمة ما يدل على تردد، كان يسرع في تنفيذ لعبته كأنه يشارك في عرس جميل، حتى خيّل لبعض اصدقائه ان معروفا هذا اما اكثر الناس شجاعة او اكثرهم جنونا
    ما كان من شيء يهمه تلك الساعة، الا ان يبدا اللعبة، وكان سعيدا مع نفسه منسجاً معها، اذ يفكر في غسان ــفي الدقائق العشر التي سبقت موتهــ في الموت الذي لم يعقبه سوى تأنيب الضمير وعتاب الروح.
    هو الا يلعب اللعبة نفسها، ليس من شيء يقدمه قرباناً واعتذارا لموت صديقه سوى أن يلعب اللعبة نفسها ويمر في الطرقات الضيقة المعتمة نفسها، وفي نفس المزالق التي فات وانزلق عليها غسان، وليس ذنبه ان ينجو اذا نجا وليس من حق عليه بعدُ اذا ما مات.
    يكاد يطير من غمرة السعادة، اذ بدأ اللعبة، وهو الآن في نفس الخط الذي سار عليه غسان.
    ثم انتهت اللعبة.
    وخرج معروف دون ان يسبقه الموت، لكنه، عندما خرج من فم المغارة، اراد ان يلعب اللعبة ثانية، بل راح بعد وقت قصير يجربها مرة بعد اخرى مع كل صديق جاء معه.. وفي كل مرة يخرج منها سالماً يكررها ثانية، دون ان يمسه اي شيء من مخاطها الشيطاني الذي لفّ غسان يوما.. وفي كل مرة تنتهي فيها اللعبة يزداد معروف حزنا كأنه لا يريد النجاة من الموت الذي طوى صديقه غسان.
    لكنه في المرة العاشرة، عندما لعب اللعبة وخرج منها سالماً وسليماً قال بشيء من العناد والقهر
    ــ سأبحث عن مغارة غير هذه، مغارة لا اعرف اسرارها وعيوبها، فقد كن غسان يجهل أسرار هذي المغارة دون شك.
    و.. حقاً راح معروف يبحث عن مغارة أخرى، في جبل آخر.
    والعجيب، أنه ما يزال حياً حتى الآن

    http://www.alefyaa.com/?p=11073

  • #2
    إختيار رائع
    دمت ودام عطائك
    يا قارئ وصديق حرفي ...
    متصفحي مثل المناخ يتغير بحسب الطقس،
    وحروفي مثل أمواج البحر حين تصيبهاأمطارالغضب لا تهدأ وتعلن غضبها.. وحين تظللها غيمة حب..
    تنطلق لتصدح بالغناء،

    هكذا أنا... ما بين دورة آل م وقمر آل ن ورقصة آل ى .. ولدت للحرف عاشقة
    في ثورتي عشق لوطني ، في هدوئي عشق لحرفي،
    وفي جنوني عشق للحب

    وما بين كل ذلك... ستراني دائماً...
    مرآة مجلوة لكل شيء تراه وقد لا تراه

    مـ نــ ى
    **



    حبيبتي لم يعد لي غيرك أم فلا تحرميني من حنانك حتى يضمني ترابك



    هنا بين الحروف اسكن فشكراً لكل من زارني
    http://monaaya7.blogspot.com/


    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة منى شوقى غنيم مشاهدة المشاركة
      إختيار رائع
      دمت ودام عطائك
      أشكرك على بهاء حضورك منى الغالية
      مودتي

      تعليق

      يعمل...
      X