إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أمل دنقل: وظيفة الشاعر الحقيقية

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أمل دنقل: وظيفة الشاعر الحقيقية

    وظيفة الشاعر الحقيقية

    أمل دنقل
    OCTOBER 10, 2015

    أنا لا أفصل بين الفن الجيد والمضمون الجيد لأن الترابط بينهما ترابط عضوي لا ينفصل إلا نظرياً فقط، ومن هنا فإن حفاظ الشاعر على مسؤوليته الفكرية والاجتماعية هو حفاظ على الجوهر نفسه. صحيح أن التزام الشاعر أمام جمهوره لا بد ان يسبقه التزام الشاعر أمام نفسه، لكن المحصلة النهائية لهذين الالتزامين هي التي تشكل صورة الشاعر، وصورة الشاعر الحقيقية دائماً هي الشعر والشعر وحده.
    من هنا فإنني لا أستطيع أن أحدد لنفسي بداية حياة خاصة منذ ارتباطي بالأفكار التي أدافع عنها، فهذه الأفكار هي التي تشكل نسيج مشاعري الداخلي كما تشكل قوقعتي الخارجية التي أحتمي بها كلما هبت رياح الخماسين المحملة بالتراب.
    لقد ولدت كما يولد آلاف الأطفال في مصر، وتعلمت كما يتعلم آلاف الأطفال في مصر، وتخرجت كما يتخرج آلاف الشباب في مصر، وهويت الشعر كما يهواه عشرات الشعراء في مصر. لكن الذي أفرد لي مكاناً مميزاً بينهم هو ـ في اعتقادي ـ اكتشافي لوظيفة الشاعر الحقيقية، وهي وظيفة وطنية وليست وظيفة رسمية أو لقباً من ألقاب الصالونات والمهرجانات. ومن هنا أسقطت من نفسي كل الأوهام التقليدية التي اعتاد الشعراء أن يلصقوها بأنفسهم، أو اعتاد الناس أن يلصقوها بهم. لم أعامل نفسي كشاعر على أنني إنسان منفرد أو متميز عن الجميع، فيجب على الناس أن يفسحوا لي الطريق، أبداً. إنني أؤدي دوراً، والعامل الصغير يؤدي دوراً، وكلا الدورين لا يقل شرفاً عن الآخر. كما أسقطت من نفسي أوهام التغني بجمال الغروب وصفاء النهر ورقة الزهر، ومن حساسية الإنسان الذي يتعامل مع تلك الطبيعة.
    أنت لا تستطيع أن تطالب فلاحاً يحمل له النيل ملايين الديدان، أن ينظر إليه كما ينظر له سكان الزمالك وسكان الشقق المطلة على النيل. كما لا تستطيع أن تطالب العامل في شركات البترول في الصحراء، الذي ترتبط الأخيرة في خياله بالغربة والوحشة والحرمان، أن يحس بغروب الشمس في الصحراء التي تكلم عنها الرحالة الاوروبيون في صحراء الجزائر مثلاً.
    إن الشعر في جوهره هو إعادة اكتشاف للعالم المحيط بك، ثم إعادة بنائه كما يجب أن يكون. والشاعر لا يستطيع أن يرى العالم المحيط به بغير عينه، وبالتالي لا يستطيع اكتشاف العالم اكتشافاً حقيقياً إلا إذا ارتبط هو نفسه بالواقع الذي يراه، وكل ما عدا ذلك إما مستعار أو زائف. وقد كنت أدهش دائماً للشعراء الذين ينتجون القصائد عن كوريا وفيييتنام وبطولة جيفارا ـ مع تقديري لكل هذا ـ بينما تخوض الجماهير البسيطة في الأرض المحتلة نضالاً مستميتاً لا ضد الإسرائيليين فحسب، بل ضد كل انعكاسات الواقع العربي المتخلف عليهم. إن شبابنا في سنّ العشرين كان عليهم أن يواجهوا الموت في سبيل قضية عادلة، ولكنها خاسرة، وهم يعرفون أن بطولتهم بلا ثمن، ولكنهم دفعوا حياتهم راضين لما يؤمنون أنه الحق.
    إن البطولة الحقيقة هنا.
    والشعر الحقيقي في هذا هو نوع من الغذاء. يجب على الشعر أن يقف إلى جانب الحق دون أن ينتظر نصراً أو هزيمة. إن الشعر هو الحق والحق هو الشعر الذي يموت من أجله الإنسان.
    هذه القضية هي التي تتفرع منها كل القضايا الأخرى. قضية الصدق عند الفنان، فما دام العطاء بلا مقابل فإن النفس التي تجود بهذا العطاء لا بد أن تكون في أقصى درجات الإيمان بالقضية الأولى، أي أن تكون صادقة في ولائها وفي عطائها، ومن هنا فإن الالتزام الحقيقي هو التزام أمام النفس ومن ثم فهو التزام أمام الجمهور، لأن الجماهير هي الحائط الوحيد خلف ظهر الشاعر الملتزم الذي يضمن له ألا تأتيه الرصاصة الجبانة اغتيالاً. قد يقول قائل إن الجماهير ليست على درجة من الوعي كافية لحماية شعرائها ومقاتليها، لكني أقول إن الجماهير العادية تملك ما فقده الزعماء والمتسلقون. ذلك هو الصدق والحدس العميق الذي يجعلها تدرك أن هذا الفن في صفها، وأن هذا الادعاء ضدها.
    قد تنخدع الجماهير يوماً، ولكن الخديعة لا تستمر، والدليل على ذلك أن السلطة في كل مكان تحاول أن تتبنى هذا الفن وأن تستوعبه وأن تشعّب نهر الثورة الدائم إلى قنوات الوظائف والسجون. لقد حاولت السلطة في كل مكان أن تقدم كتابها وشعرائها في حلل الشرف إلى الجماهير، لكنها عجزت. الحل الوحيد أمامها الآن هو أن يتآكل هؤلاء المناضلون من الداخل، أن تصفّي داخلهم وتحشوهم قشاً عن طريق المناصب والإغراء بالشهرة، وعن طريق المال والنساء والإغراق في الخمر. وقد تنجح في هذا، وقد يسقط كثيرون، لكن الذي يطرح الثورة ليس الشعراء، وإنما الثورة يطرحها الواقع، وما دام موجوداً فستظل الثورة مستمرة وستنجب شعراءها وكتابها ومقاتليها. من هنا فإن سقوط فنان أو كاتب ليس سقوطاً للفكر الذي يدافع عنه، وإنما هو سقوط شخصي وبالعكس، فإن استمرار فنان أو كاتب انتصار ذاتي للفنان، ويعني في نفس الوقت انتصاراً للأفكار التي يؤمن بها ويدافع عنها.
    صحيفة «الفجر الجديد»، 3/5/1974. من حوار مع زياد علي

    لم يصالح!
    شاءت أقدار الوجدان العربي الجريح، ما بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967، أن تُختزل شعرية الشاعر المصري الكبير (1940 ـ 1983) في ذلك المقطع الشهير: «لا تصالح! ولو قيل رأس برأس/ أكلّ الرؤوس سواء؟/ أقلب الغريب كقلب أخيك؟/ أعيناه عينا أخيك؟/ وهل تتساوى يدٌ سيفها كان لك/ بيد سيفها أثكلك؟». ذلك لأنّ دنقل كان أحد أبرز شعراء التفعيلة، ليس في مصر وحدها، بل على نطاق العالم العربي بأسره؛ ولولا موته الفاجع، المبكر، لأسهم بعمق، على قدم المساواة مع أمثال صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وسعدي يوسف ومحمود درويش، في تحديث شكل «قصيدة التفعيلة»، في مستويات اللغة، والموضوعات، والخيارات الملحمية والغنائية، والبحث المعمّق في البنية الإيقاعية العربية.
    ولقد تأثر دنقل بكلّ من عبد الصبور وحجازي في البدء، وكان للأخير بالذات فضل خاصّ في ميل دنقل نحو تطوير سلسلة من التقنيات البارعة في وصف مشهدية المدينة، والتقاط التفاصيل، وتمثيل أنساق الحياة اليومية، وإدخال الخيط السردي إلى القصيدة. لكنّ دنقل تحرّر سريعاً من معظم هذه التأثيرات، حين أخذت أسلوبيته الخاصة المتميزة تتضح وتتطوّر وتستقرّ. مجموعته «مقتل القمر»، التي تضمّ قصائده الأولى، والتي ستُطبع لاحقاً في العام 1974، تستعيد ذكريات مدينة الإسكندرية على نحو رومانتيكي يمتزج بمسحة إيروتيكية خفيفة. مجموعته الثانية، «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، 1969، كانت حدثاً طارئاً على الشعر العربي الستينيّ بجميع المقاييس: بموضوعاتها الرثائية والقيامية والنبوئية (قصيدة «حديث خاص مع أبي موسي الأشعري» تتنبأ بنكسة 1967 قبل شهرين من وقوع الحرب)، وبجملتها الموسيقية التي تذهل وتغري وتأسر، وباللغة الجديدة الحارّة، المتحرّرة بذكاء من الشعار السياسي، والقادرة على إحداث صدمتها الدلالية (اللسانية والرمزية والدينية) في ذروة انغماسها غير المتحفظ في التسجيل والخطابية. هذا الخطّ ظلّ يتصاعد بطرائق متباينة، وضمن سويّة رفيعة متجانسة من التطوّر في المجموعات التي سوف تلي: «تعليق على ما حدث»، 1971، حيث تمتزج هموم المصري الوطنية والاجتماعية والإنسانية بدماء الفلسطيني الذي يُذبح في أكثر من ساحة عربية؛ و»العهد الآتي»، 1975، المجموعة التي تسجّل صلوات وأسفار ومزامير التاريخ العاصف المعاصر، من مظاهرات طلاّب جامعة القاهرة إلى بكائيات سرحان الفلسطيني الذي لا يسلّم مفاتيح القاهرة؛ و»أقوال جديدة عن حرب البسوس»، 1983، والتي تستعير سيرة كليب وجساس بن مرّة والمهلهل وجليلة واليمامة. الهمّ السياسي سوف ترتفع نبرته في كثير من القصائد، وبعضها سوف يستفزّ السلطة مباشرة، كما في قصيدة «سفر الخروج: أغنية الكعكة الحجرية»، التي تتناول مظاهرات الطلاب سنة 1972. وكان محمد عفيفي مطر، أحد أبرز الشعراء الستينيين في مصر، قد غامر بنشر القصيدة في مجلة «سنابل»، التي كانت تصدر في محافظة كفر الشيخ وكان يرأس تحريرها، فسارعت السلطات إلى إغلاق المجلة على الفور!
    ويبقى أن النقد العربي الجاد مطالَب بالتوقف مطوّلاً عند تجربة هذا الشاعر الكبير، بغية إعادة اكتشافه أولاً، وضمن واجب إحقاق حقّه؛ هو الذي ما يزال بالغ التأثير، سرّاً وعلانية، على الكثير من تجارب الشعر العربي المعاصر.

    أمل دنقل

    القدس العربي
    http://www.alquds.co.uk/?p=416363




  • #2
    أمل دنقل شاعر لم يسقط في هاوية المادة والسلطة وبقي اسمه محفوراً في سجلات الأدب العربي كشاعر العروبة وقد أثر شعره كثيراً بشباب مرحلة النكسة وما بعدها ..
    للأسف توفي بعمر مبكرة ..

    شكراً مصطفى

    تعليق

    يعمل...
    X