إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

صيغة افتعل .. من "دراسات في النحو" لصلاح الدين الزعبلاوي

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • صيغة افتعل .. من "دراسات في النحو" لصلاح الدين الزعبلاوي

    افتعل صيغة من صيغ الفعل الثلاثي المزيد، ولا خلاف في أنه سماعي، فليس لك أن تصوغ (افتعل) من فعل مجرد وتأتي به على ما يوافق أصل الفعل تعدية أو لزوما مالم يرد بذلك سماع؛ ومن ثم لحنوا قول القائل: (احتار)، ولو تسمح به بعض المحدثين؛ إذ لم يسنده سماع أو يسعفه قياس معروف.
    وقد اجتهد الشيخ ظاهر خير الله من المحدثين في كتابه (المنهاج السوي في التخريج اللغوي) في وضع ضابط لما جاء على صيغة (افتعل)، فاشترط أن يكون الفعل مما يتعمده العاقل عقلا أو إرادة، فإذا صحَّ هذا ألزمك الضابط أن تمنع (افتعل) من (حار وخشي) ومن (سقم ومرض)؛ إذ لا يتأتى أن يتعمد العاقل مثل هذه الأفعال عادة، فأنت لا تقول: احتار واختشى أو استقم أو امترض. ولكن ما بالك تقول: (اعتلَّ) من (علّ)، ولا يتأتى أن تريد (العلة) لنفسك أو تتعمدها؟
    أقول: المعوَّل هنا في تقصي دلالة الفعل الدلالة الأصلية، وأصل معنى (علّ) تابع. ففي الصحاح "وعلّ الضارب المضروب إذا تابع عليه الضرب"، وأردف "والعلة المرض وحدثٌ يشغل صاحبه عن وجهه، كأن تلك العلة صارت شغلًا ثانيًا منعه من شغله الأول". وتابع قوله: "واعتلّ عليه بعلة إذا اعتاقه عن أمر". وما دام أصل معنى الفعل هو التكرار والمتابعة لم يتوجه على الضابط الذي أتى به الشيخ عيب أو نقد.
    ويكون (افتعل) متعديًا كما يكون لازمًا؛ فإذا كان متعديًا كانت له صور متعددة أظهرها أن يراد به القيام بالفعل عمدًا أو قصدًا أو تخصيصًا، فأنت تقول: شممت الورد، ولا يعني هذا أن الشم قد حصل بالعمد أو القصد، فإذا قلت: اشتممت الورد- فقد أردت العمد، وهكذا قولك: استمعت الحديث بدلًا من سمعته، واحتللت البلد بدلًا من حللته، وكذا قولك: خصصته واختصصته، وكسبت المال واكتسبته، ففي الاكتساب تخصيص.
    فإذا قال الرازي في مختار الصحاح: "كسب واكتسب بمعنى"، فأجمل المراد من الفعل وحكى ما جاء في صحاح الجوهري، فقد قال الأصفهاني في مفرداته: "والاكتساب لا يقال إلا فيما استفدته لنفسك، فكل اكتساب كسب، وليس كل كسب اكتسابًا"!
    وعندي أن نحو ذلك (كال واكتال)، ولو لم أرَهْ في شيء من كلام الأئمة. فكل اكتيال كيل، وليس كل كيل اكتيالًا. ذلك أنه إذا قلت: (اكتلت)- فقد كلت لنفسك، وليس كذلك (كلت). قال تعالى: "ويلٌ للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون" [المطففين 1-3]؛ فقد جاء "إذا اكتالوا على الناس" أي إذا كالوا لأنفسهم على حساب الناس "يستوفون"، كما جاء "وإذا كالوهم" أي إذا كالوا للناس "يُخسرون".
    وهكذا: مشط وامتشط وأدم وائتدم وغسل واغتسل، على أن (اكتال وامتشط وائتدم واغتسل) لم يسمع إلا لازمًا. وقوله تعالى: "فأرسلْ معنا أخانا نكتل" [يوسف-63]- شاهد آخر يؤيِّد ما ذهبنا إليه.
    فإذا كان (افتعل) لازمًا فأوضح صورة أن يدل على المطاوعة، كقولك: أبعدته فابتعد، وأسعرت النار وأضرمتها فاستعَرَتْ واضطرمتْ، ومددته فامتد وجمعته فاجتمع وخصصته بالمعونة فاختص بها أي انفرد. وكل فعل مطاوع لازم، ولا عكس.
    ومما جاء من (افتعل) لازمًا ومتعديًا (اختص)، ومثال المتعدي قوله تعالى: "والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم" [البقرة - 105]. أي يختص من يشاء اختصاصه، برحمته. فحذف المضاف فبقي (من يشاؤه)، ثم حذف الضمير. ويجوز أن يكون (يشاؤه): يختاره فلا يكون فيه حذف مضاف.
    ومثال (اختص) اللازم ماجاء في اللسان: "اختص فلان بالأمر وتخصص له أي انفرد به". ونحو ذلك قولك: (اختص فلان بخدمة فلان). وثمة (اختص إليه) بمعنى: انتمى. ففي الكامل للمبرَّد: "يمت إليكم بالعمومة ويختص إليكم بالخؤولة". وثمة (اختص) بمعنى: افتقر، كما في أساس البلاغة للزمخشري. وغريب على هذا قول ناقد في كلمة يومية: (اختص مطاوع). وقد استدل على ذلك بقوله تعالى : "والله يختص برحمته من يشاء"، فاختص المطاوع فعل لازم، واختص في الآية متعد!
    ***
    وقد جاء على (افتعل) أفعال أشكل على الكتاب صوغ اسم الفاعل منها، ومن ذلك (اطّرد) بتشديد الطاء ومعناه جرى وتبع بعضه بعضًا. تقول: هذا لا يطَّرد أي لا يتتابع فلا يجري على وتيرة أو قياس. والكتَّاب يعرفون ذلك، لكنهم إذا أتوا باسم الفاعل منه قالوا حينًا: (مضطرد) بالضاد بين الميم والطاء بدلًا من (مطَّرد)، بتشديد الطاء.
    فما سر المسألة؟
    أقول جاء في المصباح: "واطّرد الأمر اتبع بعضه بعضًا واطّرد الماء كذلك، واطّردت الأنهار جرت، وعلى هذا فقولهم: اطَرد الحدُّ- معناه تتابعت أفراده، وجرى مجرى واحدًا كجري الأنهار". وهو واضح. ولكن ما صيغة (اطّرد)؟ اطّرد وزنه افتعل والثلاثي منه (طرد). فافتعل من (طرد) هو اطترد بالتاء بعد الطاء. والقاعدة أن تقلب التاء هنا طاء فيصبح اطّرد بتشديد الطاء، واسم الفاعل منه مطّرد بتشديد الطاء لا (مضطرد) كما يقول الكتَّاب خطأ.
    وهكذا الأمر في كل ما كان أوَّل حرف من ثلاثيه ظاء أو صادًا أو ضادًا، فإذا أتيت بافتعل من (طلع) قلت: اطتلع، فإذا قلبت التاء طاء كان (اطّلع) بتشديد الطاء. وتدعى أحرف (الصاد والضاد والطاء والظاء) أحرف الإطباق.
    فإذا جئت بافتعل من (ضرب) قلت: (اضترب)، فإذا قلبت التاء طاء كان (اضطرب). ففي الأساس: "ورجل مضطرب الخلق متفاوته، وفي رأيه اضطراب، واضطرب من كذا: ضجر".
    وفي المصباح: "ورميته فما اضطرب أي ما تحرَّك، واضطربت الأمور اختلفت". ولا يكاد الكتَّاب يخطئون فيه كما يخطئون حينًا في قولهم (مضطرد) بدلًا من مطّرد بتشديد الطاء.
    وإذا جئت بافتعل من (ضرّ) قلت: اضترّ بالتاء، فإذا قلبت التاء طاء كان (اضطرّ) واسم الفاعل (مضطر). ففي المصباح: "وضره إلى كذا واضطره بمعنى ألجأه، وليس له من بُد، والضرورة اسم من الاضطرار".
    وإذا جئت بافتعل من (صاد) قلت: (اصتاد) بالتاء، فإذا قلبت التاء طاء قلت (اصطاد)، وهكذا (صلح) تقول منه: (اصطلح) ومن (صبر): (اصطبر).
    وإذا جئت بافتعل من (ضلع) قلت: (اضتلع) بالتاء، فإذا قلبت التاء طاء كان (اضطلع)، واسم الفاعل منه (مضّطلع)، تقول: اضطلع فلان بالمهام إذا نهض بها فهو مضطلع.
    وإذا أتيت بافتعل من (ظلم) قلت: (اظتلم) بالتاء، فإذا قلبت التاء طاء قلت (اظطلم)، لكنه جاء (اظّلم) بتشديد الظاء كما جاء (اطّلم) بتشديد الطاء. وهكذا (ضجع) تقول منه: اضطجع، واضَّجع بتشديد الضاد، واطَّجع بتشديد الطاء.
    ***
    وجاء على (افتعل) أفعال لازمة متعدية معًا، تقول: اختبأه فاختبأ وانتسخه فانتسخ وازداده فازداد واشتهره فاشتهر، واحتجزه فاحتجز واحتبسه فاحتبس واشتاق فاشتاق وارتبطه فارتبط وانتظمه فانتظم وارتقاه فارتقى وافتتنه فافتتن.
    اللَّهُمَّ، اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا! [مسند أحمد]
يعمل...
X