إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

    [frame="2 98"]
    الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد
    لم يفرق علماؤنا القدامى بين هذين التسميتين، وكانوا يقرنونهما في نعت الأبيات إذا طالت لأكثر من سبعة، أو عشرة أبيات مع اختلافات في الطول فيطلقون عليها مصطلح قصيدة، وأعتقد أن الباحثين المعاصرين لم يقفوا عندهما حسب اطلاعي، لا سيما أن الصيغة المجازية قصيدة باتت تطلق على الأبيات الشعرية منذ تدوين ونقد الشعر في القرن الثاني الهجري .
    ولا أظن أن عرب الجزيرة في العصر الجاهلي كانوا يطلقونها على الأبيات الشعرية لمجرد طولها، وربما كان مصطلح ( قافية ) للأبيات الشعرية، أو شعر أقرب إلى التسمية . من مصطلح قصيدة التي كانوا يعنون به قصائد معينة اكتمل بها البناء الفني الذي استقر عليه الشعر العربي بصورته المعروفة لدينا من حيث المقدمة والغرض والخاتمة كما هو ماثل في المعلقات، إذ تمثل القصيدة حياة القبيلة العربية، وفخرها ومأثرتها، وكأنها النشيد الوطني الذي تعتمده الدول في أيامنا .
    وبهذه الصفة تميزت المعلقات، وارتقت ورفعت من شأن قبائلها . ولأجل هذا كانت القبيلة تقيم أفراحها إذا نبغ بها شاعر، يقول ابن رشيق القيرواني : " كانت القبيلة إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال لأنه حماية لأعراضهم، وذبّ عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم وكانوا لا يهنئون إلاّ بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج([1]) . "
    ولا أظن أن مقطوعة شعرية تجمع كل هذه الأصناف، وإن كانت تقوم بجانب منها، وأن حماية القبيلة تكون في أبيات حماسية سريعة تؤدي غرضها قبل وأثناء وبعد المعركة، ولكنها لا تقوم مقام القصيدة التي تضم أساساً حياة القبيلة في حلها وترحالها وفخرها ومديح شيوخها، وتخليد أعظم أيامها فيمنحها الطول والتنوع صفة تفتقر لها الأبيات التي تعالج موضوعاً واحداً.
    ولا أذهب إلى أن هذا البناء لا يتمثل إلاّ في القصيدة المعلقة، وإنما أعني به كل القصائد التي مثلت هذا البناء الذي ارتضاه الذوق الجاهلي وأقره وفرض سلطانه على مسيرة الشعر العربي ردحاً طويلاً من الزمن .
    ويشيع في نقدنا القديم مصطلح ( الواحدة ) أو ( أصحاب الواحدة ) ويبدو أن ابن سلام الجمحي في طبقاته، كان السابق إلى هذا المصطلحات فنراه يقول في عدد من الشعراء أنهم من أصحاب الواحدة، فعن طرفة بن العبد قال : " فأما طرفة فأشعر الناس واحدة، وهي قوله :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    لخولةَ أطلالٌ ببرقة ثهمَدِ =وقفت بها أبكي وأبكي إلى الغدِ[/poem]
    ثم يقول : وتليها أخرى مثلها وهي :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    أصحوتَ اليوم أم شاقتك هِرّْ =ومن الحبِّ جنونٌ مستقِرّْ [/poem]
    ومن بعد له قصائد حسان جيدة([2]) .
    فالواحدة هي المعلقة، وبهذا تكون الثانية دونها في المرتبة، ومن ثمَّ قصائد أخرى حسان جياد . فالواضح من كلامه أنه يذهب إلى طول الأبيات، وأن القصيدة مصطلح لذلك تأكيداً لنظرته في طبقة الشاعر من خلال غزارة شعره، وجودته .
    وفي نظرة في ديوان طرفة تتأكد وجهة نظر ابن سلام، فقد تراوحت أبياته الشعرية في الغالب بأبيات من بيت واحد إلى خمسة عشر بيتاً، وخمسة منها تراوحت بين ستة عشر بيتاً، وستة وعشرين بيتاً، واثنان كانتا أربعة وثلاثين بيتاً وتميزت المعلقة بطولها المعروف، ووصلت القصيدة التي أشار إليها ابن سلام إلى ثمانين بيتاً .
    وتميزت قصيدة واحدة بذكر الأطلال وهي :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    لهند، بحزَّان الشريفِ، طلولُ =تلوح وأدنى عهدهنَّ مُحيلُ[/poem]
    وبلغت تسعة عشر بيتاً فقط([3]) .
    وقال عن عبيد بن الأبرص، قديم، عظيم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره ذاهبٌ، لا أعرف له إلاّ قوله :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    أقفر من أهله ملحوبُ =فالقطبيات فالذنوبُ([4])[/poem]
    وقد رأينا أن كلمة قديم لا تعني أوائل الشعراء إلاّ في حقبة نضج الشعر فعبيد من معاصري امرئ القيس، أما قوله : ذاهب مضطرب فهو أظنه من جهة العروض، فقد خرج الشاعر عن بحره مخلع البسيط عدة مرات . بيد أن ابن سلام لم يقل عنه إنه من أصحاب الواحدة، رغم طول قصيدته التي وصلت إلى ثمانية وأربعين بيتاً، فهل كان يعني ذلك من خلال قوله لا أعرف له إلاّ قوله . " أي أنه من أصحاب الواحدة، وديوان عبيد فيه قصائد كثيرة طويلة .
    وقال ابن سلام عن علقمة بن عبدة… ولابن عبدة ثلاث روائع جياد . وهنَّ:
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    ذهبت من الهجران في كلِّ مذهبِ =ولم يكُ حقاً كل هذا التجنُّبِ[/poem][/poem]
    والثانية :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    طحابك قلبٌ في الحسان طروبُ =بُعَيْدَ الشبابِ عَصْرَ حان مشيبُ[/poem]
    والثالثة :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    هل ماعلمت ومااستودعت مكتوم =أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم[/poem]
    وقال : ولا شيء بعد هنَّ يذكر([5]) .
    والمعروف أن الأولى كانت فيما يزعم الرواة في رواية قلقة أنه نافر بها امرأ القيس، والثانية كانت في مديح الحارث بن جبلة وأسره مئة من بني تميم فيهم شأس بن عبدة أخو الشاعر في يوم حليمة، وقد بلغت تسعة وثلاثين بيتاً، وهي والثانية قالت عنها قريش إنهما سمطا الدهر، حتى ظن ابن خلدون أن علقمة من أصحاب المعلقات .
    وعن الأسود بن يعفر يقول ابن سلام : " وله واحدة رائعة طويلة لاحقة بأجود الشعر، ولو كان شفعها بمثلها قدمناه على مرتبته، وهي :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    نامَ الخليُّ، وما أحس رُقادي =والهمُّ مُحْتضِرٌ لديَّ وسادي [/poem]
    وله شعر جيدٌ، ولا كهذه([6]) .
    والمعروف أن ابن سلام وضع الأسود في الطبقة الخامسة، ويشير قوله، لو كان شفعها بمثلها قدَّمناه على مرتبته هذه، إلى مقياسه النقدي في طول أبيات القصيدة، فضلاً عن جودة الشعر . وعن الحارث بن حلزة قال : " وله قصيدة التي أولها ([7]):
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    آذنتنا ببينها أسماءُ =ربَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثواء [/poem]
    وهي معلقة الحارث برواية حماد الراوية في حين لا تعترف بها الرواية البصرية، كما أنها لا تعترف بمعلقة عنترة الذي قال عنه ابن سلام : " وله قصيدة وهي :

    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    يا دار عبلة بالجواء تكلَّمي =وعمي صباحاً دار عبلةَ واسلمي[/poem]
    وله شعر كثيرٌ إلاّ أن هذه نادرة، فألحقوها مع أصحاب الواحدة([8]) . "
    وعن سويد بن أبي كاهل قال : " وله قصيدة أولها([9]) :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    بسطت رابعة الحبل لنا =فمددنا الحبل منها ما اتسعْ[/poem]
    وعن عمرو بن كلثوم قال : " وله قصيدة، التي أولها([10]) :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    ألا هبي بصحنك فاصبَحينا =ولا تبقي خمور الأندرينا [/poem]
    وهي معلقته، والمعروف أن شعره دون العشرة أبيات ؛ باستثناء المعلقة ومثله الحارث بن حلزة مع زيادة طفيفة في عدد الأبيات .
    إذاً فابن سلام لا يعني بمصطلح الواحدة المعلقة، ولا يعني بها البناء الفني للقصيدة، وإنما يعني بها طول الأبيات وحسب، ولا أرى ذلك إلاّ من باب المجاز الذي يطلق على طول الأبيات اسم قصيدة، في حين أرى أن هذا المصطلح لا يكون إلاَّ في الأبيات التي اتخذت شكل البناء الفني للقصيدة الجاهلية، والذي مثّل المرحلة الثانية المتطورة لمسيرة الشعر العربي .
    وقد جاء في تعريف القصيدة عند القدماء :
    " القصيدة : القَصْد : استقامة الطريق، والقصد : العدل، والقصد : اتيان الشيء .
    والقصيدة من الشعر ما تمَّ شطر أبياته، وفي التهذيب : شطر أبنيته، وسمي بذلك لكماله وصحة وزنه، قال ابن جني : سُمّي قصيداً لأنه قُصِدَ واعتُمِدَ وإنْ كان ما قصر منه واضطراب بناؤه نحو الرمل والرجز شعراًٍ مراداً مقصوراً… وقال الجوهري : القصيد كسفين… وقيل : الجمع قصائد وقصيد… وقيل : سمّي قصيداً لأن قائله احتفل به، فنقحه باللفظ الجيد والمعنى المختار وقيل : سمي الشعر التام قصيداً، لأن قائله جعله من باله فقصد له قصداً، وقيل : أَقْصَدَ الشاعر، وارمل، وأهزج، وأرجز من القصيد والرمل والهزج والرجز .
    والقصيدة مجموعة من الأبيات الشعرية ترتبط بوزن واحد من الأوزان العربية، وتلتزم فيها قافية واحدة، وقد اختلف في عدد أبيات القصيدة فالأخفش يجيز تسمية ما كان على ثلاثة أبيات أو عشرة أو خمسة عشر قطعة فأمَّا ما زاد على ذلك، فإنما تسميه العرب قصيدة وقال الأخفش : والقصيد من الشعر هو الطويل، والبسيط التام، والكامل التام، والمديد التام، والوافر التام، والرجز التام والخفيف التام، وقال ابن رشيق : وقيل إذا بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة، ولهذا كان الإيطاء([11]) بعد سبعة أبيات غير معيب… ومن الناس من لا يعد القصيدة إلاّ ما بلغ العشرة، وجاوزها، ولو ببيت واحد ويستحسن أن تكون القصيدة وتراً وأن يتجاوز بها العقد، أو تقف دونه وقالوا : مازاد على بيتين إلى الستة يُسمى قطعة([12])."
    وواضح أن تعريفات القدامى اضطربت بين المعنى اللغوي، والمصطلح العروضي، وطول الأبيات، ولم يكن اتفاق بينهم على تعريف محدد لمصطلح "قصيد" مما يوحي بغياب تاريخي له، بل إننا نجد الفراء يذهب إلى أن القصيد مأخوذ من المخ القصيد، وهو المتراكم بعضه، أو المخ السمين الذي يتقصد (أي يتكسر) لسمنه([13]) . ولأن النقاد القدامى نظروا في طول القصيدة وقصرها فقد انصب اهتمامهم النقدي على تحديد جودة الطول ومساوئه، وجودة القصر ومساوئه أيضاً . فابن جني يرى أن العرب… إلى الإيجاز أميل، وعن الإكثار أبعد، وكذلك يرى الآمدي أن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى، وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية وذلك كما قال البحتري :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    والشعر لمح تكفي إشارتهْ =وليس بالهذر طولت خُطَبُهْ [/poem]
    ويعلق الدكتور يوسف حسين بكار على ذلك بقوله :
    " فالإيجاز الذي يدرك الغرض ويصيب المعنى ويستوفيه، وليس أي إيجاز هو الذي يفضله القدماء واليه يميلون، فليس بجديد إذاً أن يقال : إنه رغم انطلاق النظم في بعض شعر ابي تمام… وكذلك الطول في تناول ابن الرومي للمعاني الشعرية… ظل الإيجاز صفة مرغوبة في الشعر العربي سواء عند الشعراء والنقاد… ونقل الباحث أيضاً قول النابغة الذبياني في سؤاله : لماذا لا تطيل القصائد كما أطال صاحبك ابن حجر ؟، فأجاب من انتخل انتقر وكذلك جواب الحطيئة حين سألته ابنته : ما بال قصارك أكثر من طوالك ؟ فقال : لأنها في الآذان أولج، وبالأفواه أعلق، ومثل هذا حين سئل ابن الزبعري عن سبب قصر أشعاره ؟ فأجاب : لأنها أعلق بالمسامع وأجول بالمحافل، واضاف الباحث بان الفرزدق أجاب بمثل هذا لمّا سئل عن السبب الذي صيَّره إلى القصائد القصار بعد الطوال، ثم انتهى إلى الأسباب التي تمنع الشعراء من الجنوح إلى القصائد الطوال، وتميل بهم إلى القصار، وصنفها في ثلاثة أسباب، وهي : فني ونفسي وشكلي، ويعلق عليها الدكتور يوسف بقوله : ويتمثل السبب الفني في تهذيب القصيدة وتنقيحها ؛ بحذف فضولها وما قد يتسرب إليها من حشو… أما السبب الشكلي والنفسي فمتداخلان عند أكثر الشعراء الذين كانوا يتعمدون القصار تعمداً – وهذا هو سرِّ الشكلية – لرواج سوقها في الحفظ، والعلوق بالأفواه والأسماع، والسيرورة بين الناس ولكي يكتب لها الخلود والديمومة، لكنهم كانوا يراعون عنصراً نفسياً يتمثل في تجنب السامعين السآمة والملل، وفي إحداث تأثير أكبر وأقوى عن هذه الطريق([14]) ."

    وفي المقابل نقل الباحث آراء النقاد في طول الأبيات، فعن الأصمعي أنه قال : ما قيلت قصيدة على الزاي أجود من قصيدة الشماخ في صفة القوس ولو طالت قصيدة المتخل كانت أجود، وهي التي يقول فيها :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    يا ليت شعري، وهمُّ المرء يُنْصِبُهُ =والمرء ليس له في العيش تحريزُ [/poem]
    في حين يرى الخليل بن أحمد الفراهيدي أن الإطالة تُستحبُ عند الأعذار والإنذار، والترغيب والترهيب والإصلاح بني القبائل كما فعل زهير والحارث بن حلزة، ومن شاكلهما .
    ويقول الدكتور يوسف : بأن الشعراء " عرفوا القصيدتين الطويلة والقصيرة، غير أن النقاد القدامى، وإن لم توجد عندهم قاعدة عامة لطول القصيدة، لم يفرقوا بين القصيدة الطويلة والقصيرة في شيء سوى ما يؤخذ من تقسيمات حازم للقصيدة… ومن الطريف أن نجد حازماً القرطاجني ينفرد في بحث (كم) القصيدة بوضوح، فيقسمها إلى ما يقصد فيه التقصير والتوسط والتطويل، فالمقصرات هي التي ينقسم فيها القول إلى غرضين، لم يتسع المجال للشاعر أن يستوفي أركان المقاصد التي يكمل بها التئام القصائد وإن كان من الشعراء من يستوفيها باقتضاب الأوصاف الضرورية، أما المتوسطات والمطولات، فالمجال فيها متسع لما يراد من ذلك([15]) ."
    وحازم بهذا يقترب من مفهومنا للقصيدة بشمولها لأكثر من غرض، وإن لم يصرح ببنية القصيدة العربية . وروي عن عمر قوله : نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها الرجل أمام حاجته فيستنزل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم، مع ما للشعر من عظيم المزية، وشرف الأبية، وعزّ الأنفة وسلطان القدرة([16]). وهذا تأكيد لرأي ابن سلام أن الشعر كان أبياتاً تقال عند الحاجة، وهذه وظيفة ذاتية للشعر، أما الوظيفة الاجتماعية، فهي أكبر من أن تظمها أبيات وتلبي أهدافها. ولهذا كان للقصيدة الطويلة موقع خاص في قلوب العامة " وذكر ان ( بني تغلب ) كانوا يعظمون معلقة ( عمرو بن كلثوم) ويروونها صغاراً وكباراً حتى هجاهم شاعر من شعراء خصومهم ومنافسيهم : بكر بن وائل، إذ قال:
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    ألهى بني تغلبٍ عن كل مكرمة = يروونها أبداً مذ كان أولهم
    قصيدة قالها عمرو بن كلثومِ =يا للرجال لشعرٍ غير مسؤومِ([17])[/poem]
    وبرأيي ان أعظم اكتشاف في الشعر العربي كان القافية، وصحيح أنها حدت من طول الأبيات، وربما حرمتنا من الملاحم والقصص الشعري، إلاّ أنها في المقابل أعطت الشعر العربي ميزة لم تكن موجودة في أشعار أسلافه الساميين، والقافية أعطت الشعر العربي قالبه الوزني، وربما كان الشاعر ينظم على شطر واحد قبل أن يتنبه إلى تفعيلة العروض، فينقل القافية إلى الشطر الثاني في تطور نوعي فتم له شطران أطلق عليها اسم بيت، بل ربما أطلق عليها اسم قافية لأنهما نتاج تحريك القافية من شطر إلى آخر، وبهذا يمكن تفسير قول ابن رشيق : " ومنهم من قال : البيت كله هو القافية ؛ لأنك لا تبني بيتاً على أنه من الطويل، ثم تخرج إلى البسيط، ولا غيره من الأوزان . ومنهم من جعل القافية القصيدة كلها([18]) ." وبهذا المعنى قال عبيد بن الأبرص : ([19])
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    سَلِ الشعراء هل سبحوا كَسَبْحي==بُحور الشعرِ أو غاصوا مغاصي
    لساني بالقريض وبالقوافي =وبالأشعار أمهر في الغَواص[/poem][/poem]
    ويقول الحارث بن حلّزة : ([20])
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    لا أعرفنك إنْ أرسلتَ قافيةً=تلقي المعاذيرَ إن لم تنفعِ العِذَرُ[/poem]
    وفي ذلك تقول الخنساء :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    فنحكم بالقوافي مَن هجانا=ونضرب حين تختلط الدماء
    نبئت قافية قيلت تناشدها =قوم سأترك في أعراضهم ندبا[/poem]
    "قال الأزهري : العرب تسمي البيت من الشعر قافية، وربما سموا القصيدة قافية، ويقولون رويت لفلان كذا وكذا قافية([21]) ."
    ويقول الأخفش: "وسمعت عربياً يقول عنده قوافٍ كثيرة ، فقلت وما القوافي ؟ فقال القصائد."
    والقصيدة الطويلة معيار جودة الشاعر وقدرته وتمكنه من فنون الشعر ومذاهبه" وللقصائد الطوال المحبوكة حبكاً حسناً والمنظومة نظماً جيداً سابقة وقدم على مثيلاتها من القصائد الوسط أو القصيرة، ومن هنا اختار حماد الراوية السبع الطوال من الشعر الجاهلي، وزعم في أصلها ما زعم . ونظم القصيدة الطويلة يحتاج إلى نفس طويل، وإلى تمكن من الشعر، وإلاّ أصابها الوهن والعجز، ومن هنا عُدَّ أصحاب المطولات الجيدة من أحسن الشعراء([22])."
    وبإمكاننا الآن أن ننظر في تعريف الجاهليين للقصيدة من خلال شعرهم فقد جاء في معجم مقاييس اللغة " والأصل الثالث : الناقة القصيدة : المكتنـزة لحماً . قال الأعشى :
    قطعت وصاحبي سُرُحٌ كنازٌ=كركن الرَّعْنِ ذِعْلبَةٌ قصيدُ
    ولذلك سميت القصيدة من الشعر قصيدة لتقصيد أبياتها، ولا تكون إلاّ تامة الأبنية([23]) . "
    فالقصيدة تشبه الناقة المكتملة لحماً، ولذلك يجب أن تكون مبنية بناء تاماً وإذا كان العرب قد اشتقوا صفة (الأناقة) من الناقة أدركنا لماذا شبهوا القصيدة بالناقة الممتلئة التامة الخلق التي تملأ العين جمالاً والنفس بهجة وراحة، وبهذا المعنى يقول المثقب العبدي ([24]):
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    [align=center]وأيقنت – إن شاء الإله - بأنه=سيبلغني أجلادها وقصيدُها[/align][/poem]
    أي كل ما فيها يداها وجسمها، وسمنها ولحمها، …
    ولهذا كنا لا نسلم بتعريفات القدماء وعدم تفريقم بين تطويل الشعر وتقصيده، ونرى أن مصطلح قافية كان سابقاً ثم أطلق مصطلح قصيدة على ما تميز من الشعر، وفي التطور الثاني اقتصر على الشعر الذي بني بناء هندسياً ومن قديم الشعر الذي ورد فيه لفظ قصيدة في شعرٍ لا يأخذ شكل القصيدة العربية قول المهلهل :
    [poem=font=",6,,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4," type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black""]
    من مبلغ بكراً وآلَ أبيهم=عني مغلغلةَ الرديِّ الأقعسْ
    وقصيدةً شعواء باقٍ نورها=بلى الجبال وأَثْرها لم يطمسْ[/poem]
    ثم أطلق الشعراء والنقاد مجازاً مصطلح قصيدة على الأبيات الشعرية في عدد اختلفوا فيه، فقد كان للفظ قصيدة وقع أجمل ودلالة أكبر من قافية، وهم على حق في هذا ؛ غير أن الدراسة لا بدَّ أن تفرق بين الأمرين وإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن ننظر في دواوين الشعراء الجاهليين الذين طوّلوا أبيات الشعر لنرى جهدهم في ذلك، ثم ننتقل إلى الذين قصَّدُوا هذه الأبيات وسنبدأ بشاعر لا يُعرف عنه شيء ويختلف في اسمه هو ابن حذام الذي عقد له القدامى راية الشعر الأولى في وضع اللبنات الأولى للعمارة الفنية للشعر العربي .

    المصادر
    (1) العمدة : 1 / 65 .
    (2)طبقات فحول الشعراء : 1 / 138 .
    (3) ينظر شرح ديوان طرفة بن العبد : 202 قدَّم له وشرحه د. سعدي الضناوي، دار الكتاب العربي.
    (4) طبقات فحول الشعراء : 1 / 138 .
    (5) طبقات فحول الشعراء : 1 / 139 .
    (6) طبقات فحول الشعراء : 1 / 147 .
    (7) المصدر نفسه : 1 / 151 .
    (8) المصدر نفسه : 1 / 152 .
    (9) طبقات فحول الشعراء : 1 / 153 .
    (10) طبقات فحول الشعراء : 1 / 151.
    (11) عيب من عيوب القافية : وهو أن يقفي الشاعر بكلمة، ثم يقفي بها في بيت آخر والتكرار يكون في قصيدة واحدة، وبمعنى واحد .
    (12) معجم مصطلحات العروض والقافية : 207 د. محمد علي الشوابكة، و د. أنور أبو سويلم.
    (13) ينظر بناء القصيدة في النقد العربي القديم في ضوء النقد الحديث : 23 د. يوسف حسين بكار .
    (14) ينظر بناء القصيدة في النقد العربي القديم في ضوء النقد الحديث : 254 .
    (15) بناء القصيدة في النقد القديم : 249-255 .
    (16) المفصل : 9 / 65 .
    (17) المفصل : 9 / 114 .
    (18) العمدة : 1 / 154.
    (19) ديوان عبيد بن الأبرص : 55 .
    (20) ديوان الحارث بن حلزة : 79 .
    (21) المفصل : 9 / 181 .
    (22) المصدر نفسه : 9 / 183 .
    (23) معجم مقاييس اللغة : مادة قصد : 5 / 95 لأبي الحسن أحمد بن فارس بن زكرياء، تحقيق عبد السلام محمد هارون
    (24) ديوان المثقب العبدي : 46 .











































    [/frame]

  • #2
    رد: الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

    الاستاذ الدكتور عبد الحق حمادي الهواس

    جزاك الله كل خير..

    مقالة رائعة ...اغنتنا بالكثير والمفيد..

    بورك نتاجك الادبي الرائع...

    سلمت..وسلم مدادك...

    تقبل مروري وتحيتي

    محبتي واحترامي
    [frame="7 80"]الفـــكرةُ..العالـــيةُ

    لا.. تحــــــــــــتاجُ

    لصــوت ٍ..عـــــال ٍ
    [/frame]

    تعليق


    • #3
      رد: الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

      المشاركة الأصلية بواسطة ثائر الحيالي مشاهدة المشاركة
      الاستاذ الدكتور عبد الحق حمادي الهواس

      جزاك الله كل خير..

      مقالة رائعة ...اغنتنا بالكثير والمفيد..

      بورك نتاجك الادبي الرائع...

      سلمت..وسلم مدادك...

      تقبل مروري وتحيتي

      محبتي واحترامي
      أخي الكريم الأديب المتألق ثائر الحيالي المحترم ...
      إن همّ الكاتب دائما وأبدا ارضاء قرائه فإذا كنت وفقت في ذلك فالحمد والشكر لله... لقد قرأت كلمتك الجميلة وإني إذ أشكرك من كل قلبي عليها فإني أؤكد لك و للقراء المحترمين إني سأشتهد دائما لتقديم ما يلبي الذوق الرفيع والروح العلمية الأصيلة مع كل حبي وتقديري واحترامي محبكم

      تعليق


      • #4
        رد: الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

        دراسة عميقة


        نرفعها للمهتمين


        يسلمو
        التعديل الأخير تم بواسطة محمد الحبشى; الساعة 01-13-2009, 04:10 PM.

        تعليق


        • #5
          رد: الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

          المشاركة الأصلية بواسطة ميران مشاهدة المشاركة
          دراسة عميقة


          نرفعها للمهتمين


          يسلمو

          [ALIGN=CENTER][CELL="filter:;"][ALIGN=center]يسلم ذوقك واهتمامك مع خالص شكري وتقديري[/ALIGN][/CELL]
          [/ALIGN]

          تعليق


          • #6
            رد: الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

            فالقصيدة تشبه الناقة المكتملة لحماً، ولذلك يجب أن تكون مبنية بناء تاماً وإذا كان العرب قد اشتقوا صفة (الأناقة) من الناقة أدركنا لماذا شبهوا القصيدة بالناقة الممتلئة التامة الخلق التي تملأ العين جمالاً والنفس بهجة وراحة
            الاستاذ عبدالحق
            اوجزت واحسنت
            لاعدمناك
            رحيق

            تعليق


            • #7
              رد: الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

              شكرا لك ولذوقك الراقي، وتقبلي من أخيك كل هذا الاحترام والتقدير

              تعليق


              • #8
                رد: الشعر العربي من التطويل إلى التقصيد

                بارك ربي بك

                لك الود

                تعليق

                يعمل...
                X