Register

عزيزى الزائر اذا كانت هذه زيارتك الاولى فيسعدنا تسجيلك معنا بالضغط على الزر اعلاه .

النتائج 1 إلى 2 من 2






  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    القدس-فلسطين
    المشاركات
    15,900
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    91

    القدس في الشرائع السماوية

    القدس في الشرائع السماوية

    إعداد
    الدكتور / محمـد سـعيد العمـور
    جامعـــة الأقصـــى


    بسم الله الرحمن الرحيم



    المقدمة



    يتفق علماء ما قبل التاريخ على أن بلاد الشام من أقدم المناطق التي سكنها الإنسان، لكن علماء الأديان يختلفون في تحديد أول مستعمرة بشرية على وجه الأرض، فعلماء الدين الإسلامي يؤكدون أن مكة المكرمة هي أول بقعة عرفت بداية تاريخ الإنسانية وأن يوم 01 / 01 / 01 كان على جبل عرفات عندما تعارف والتقى أبي البشر آدم عليه السلام مع أم البشر حواء بعد إخراجهم من الجنة، ويخالفهم في ذلك بعض علماء الأديان الأخرى فالبعض يذكر بلاد الشام والقدس تحديدا والبعض يقول بالهند موضعا، وآخرون يرون أن مصر أو الصين احتمالات أخرى. لكن الجميع متفقون على أن أغلب أنبياء الله ورسله نزلوا وعاشوا ودعوا إلى ربهم في القدس وأكنافها...



    ويتفق كذلك علماء التاريخ البشري أنه لم تحظ مدينة قط بما حظيت به القدس من أهمية لدى شعوب الأرض قاطبة، فهي مهبط الوحي، وموطن إبراهيم خليل الرحمن، ومقر الأنبياء، ومبعث عيسى كلمة الله التي ألقاها إلى مريم. وقد قال ابن عباس "البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى فيه نبي أو قام فيه ملك". وهي أولى القبلتين، وثالث الحرمين استقبلها المسلمون زهاء عام ونصف بعد هجرة الرسول الكريم إلى المدينة. وخصها الله بإسراء رسوله وحبيبه المصطفى، فقال في كتابه العزيز" (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الاسراء:1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى". مما جعلها محط أنظار أهل الديانات والغزاة، بل إنها دمرت على يد غزاتها ثمانية عشر مرة، واحتلت خمسا وعشرين مرة. وقلما نعم أهل مدينة السلام بالسلام، وهم وبين الغزو والغزو في غزو، وبين الدمار والدمار خرابا..!



    من الثابت تاريخياً عند المؤرخين أنَّ اليبوسيين العرب هم أول من بنى المدينة حوالي الألف الثالث ق.م وأطلقوا عليها اسم "يبوس"، واليبوسيون بطن من بطون العرب في الجزيرة العربية هاجروا مع غيرهم من القبائل الكنعانية واستوطنوا ساحل البحر المتوسط، خاصة ما يعرف اليوم بفلسطين، وكانت القدس التاريخية هدفاً للهجرات العربية من قلب الجزيرة، ويرجع وجود الجنس العربي فيها في رأي الباحثين الثقات إلى عشرة آلاف سنة، فقد جاء إليها العموريون والكنعانيون واليبوسيون في الألف الرابع ق.م، وأهم ملوك اليبوسيين على القدس "سالم اليبوسي" و"أدوني بازق" و "ملكي صادق"، فهذا الأخير هو أول من خطّطها وبناها وبنى فيها مركزاً للعبادة، ولأنَّه كان محباً للسلام سمَّاها "سالم" ، وعرفت فيما بعد بالاسم الكنعاني"أور سالم" أي مدينة السلام، كما ورد ذكرها في الكتابة الهيروغليفية المصرية والبابلية باسم"يروسليمو"، وحتى اليهود يعترفون و يؤكدون في سفر يوشع ما يدحض هذه المزاعم :"أما اليبوسيون الساكنون في أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم فسكن اليبوسيون مع بني يهوذا في أورشليم حتى اليوم" "واليوم تعني يوم كتابة التوراة أي بعد موت النبي موسى ويوشع بأجيال.



    وللمدينة مكانة عظيمة عند ساكنيها وما جاورها أو مر بها من أمم وممالك، والدليل على ذلك كثرة أسمائها وتعدد صفاتها والحديث عن فضائلها فمن أسمائها الكثيرة التي أطلقت عليها "أور ساليم" سماها بذلك الكنعانيون الذين هاجروا إليها في الألف الثالثة قبل الميلاد، وتعني مدينة السلام أو مدينة الإله ساليم. واشتقت من هذه التسمية كلمة "أورشليم" التي تنطق بالعبرية "يروشاليم" ومعناها البيت المقدس، ومن أسمائها كذلك يبوس و إيلياء وكابتولينا، وبيت المقدس، والقدس، والقدس الشريف. وذكرت القدس مئات المرات في كتب يهودية مقدسة لكنها لم تذكر أبدا في التوراة، وتحديدا فيما يعرف بأسفار موسى الخمسة الأولى، التي تعتبر بمثابة كتب الوحي، والأكثر قبولا واعتمادا من اليهود، وهذا يعني أن القدس جاءت في الكتب الملحقة بالتوراة التي هي كتب تاريخ. وقد ورد ذكر القدس فيها حوالي680 مرة. ثم عرفت في العصر اليوناني باسم إيلياء ومعناه بيت الله. ومن أهم الأعمال التي قام بها الكنعانيون في القدس شق نفق لتأمين وصول المياه إلى داخل المدينة من نبع جيحون الذي يقع في وادي قدرون والذي يعرف اليوم بعين سلوان .



    ومن خلال تتبع تاريخ مدينة القدس المسطور يتبين أنه في عام 3000 ق.م هاجر العموريون العرب إلى فلسطين فكانت أول حضارة وأول عمارة لهذه الأرض وبعدها بأكثر من ألف سنة أي في العام 1900 ق.م هاجر إبراهيم الخليل (عليه السلام) من أور إلى فلسطين وهذه هي أول علاقة بين أبناء إبراهيم وهذه الأرض المعمورة سلفا.



    وفي سنة 1785 ق.م هاجر الهكسوس إلى القدس وكذلك هاجر آل يعقوب إلى مصر نحو عام 1740 ق. م. وقد خرج نبي الله موسى عليه السلام فاراً بقومه ودينه من بطش فرعون مصر كما وردت في القرآن والتوراة وكتب التاريخ وذلك عام 1290 ق.م. ولم تستقر الأمور لأتباع الديانة الموسوية حتى عام 1003 ق.م حين اتخذ داود (عليه السلام) أورشليم عاصمة له وخلفه ابنه سليمان عليه السلام. لكن عام 722 ق.م شهد سقوط إسرائيل على يد الملك سرجون الثاني الآشوري وشهد عام 586 ق.م سقوط مملكة يهودا على يد الملك نبوخذ نصر البابلي. وفي عام 536 ق.م احتل كورش الأخميني بابل وسمح لليهود بالنزوح إلى فلسطين بعد السبي البابلي. وبعد عامين أي في عام 538 ق.م احتل الأخمينيون فلسطين، وقام كورش بتجديد هيكل سليمان وبناء أور شليم القدس من جديد.



    وسقطت القدس عام 332 ق.م في يد الإسكندر المقدوني الذي استولى على بلاد الشام والشرق عموما، وقد حلت الفوضى بعد وفاته عام 322 ق.م. وفي العام 62 ق.م احتل الرومان المدينة و نصبوا هيرودوس الأدومي ملكاً على الجليل والقدس، وظل يحكمها حتى سنة 4م وفي زمانه ولد النبي عيسى (عليه السلام) في بيت لحم.



    وقد حدثت أعمال شغب كبيرة عام 70 م في مدينة القدس فحاصرها طيطوس الروماني وأحدث في المدينة النهب والحرق والقتل وأحرق المعبد الذي بناه هيرودوس. وبقيت الأمور هادئة حتى عام 135 م أثار اليهود الشغب مرة أخرى إلا أن الإمبراطور الروماني هديريان قام بالتنكيل بهم ودمر المدينة وحرث موقعها وحول القدس إلى مدينة وثنية وسمح للمسيحيين أن يقيموا فيها على أن يكونوا من أصل اليهود وسمى المدينة "الياكا بيتو لينا" مشتقة من أسرة هدريان المدعوة إليا. وفي عام 324 م أصبحت فلسطين تحت الاحتلال البيزنطي الذي استمر حتى 614 م حيث احتل كسرى أبرويز فلسطين.



    في ليلة 27 من شهر رجب قبل الهجرة النبوية بسنة أَسرى الله برسوله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. في شعبان السنة: 2 هـ صلّى الرسول صلى الله عليه وسلم أول صلاته باتجاه القدس ثم حولت القبلة إلى الكعبة المشرفة في هذا التاريخ.
    السنة: 7 هـ / 628 م استطاع الإمبراطور البيزنطي هرقل أن يطرد الفرس من القدس.




    في عهد النبوة المشرفة وتحديداُ في عام 8 هـ/629 م وقعت معركة مؤتة. تلتها معركة تبوك عام 9 هـ/630 م. وفي عهد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم أبو بكر الصديق 13 هـ/634 م وقعت معركة أجنادين وانتصر المسلمون فيها على الروم. ثم جاءت المعركة الفاصلة في عام 15 هـ/636م حيث وقعت معركة اليرموك وانتصر المسلمون فيها
    وفي العام السابع عشر الهجري 638 م دخل عمر بن الخطاب القدس وصالح أهلها وعقد معهم العهد والميثاق المشهور في التاريخ والعهدة العمرية.



    وفي تاريخ بيت المقدس الإسلامي يسجل لنا التاريخ أنه في عام 40 هـ/ 661م أخذ معاوية بن أبي سفيان البيعة في القدس، واختار مدينة دمشق عاصمة لخلافته, وفي العام65 هـ/684 م وقعت ثورة فلسطين بزعامة نائل الجذامي تأييداً لعبد الله بن الزبير. وفي العام72 هـ/691 م أخذ سليمان بن عبد الملك البيعة في القدس، وبنى في الرملة قصراً له.



    أما علاقة ملوك دولة بني العباس ببيت المقدس فلم تقل هذه المدينة المقدسة حظوة عند العباسيين، رغم وجودها ببلاد الشام موطن دولة بني أمية التي أطاحوا بملكها في العام 132 هـ ويسجل التاريخ أن المهدي أحد ملوك بني العباس قد زار بيت المقدس عام 218 هـ وزارها كذلك الخليفة المأمون من بعده.



    وفي العام 264 هـ أصبحت بيت المقدس وما جاورها من بقاع جزءا من الدولة الطولونية بعد أن قام أحمد بن طولون بضم فلسطين إلى دولته في مصر. ثم آلت السيطرة على بيت المقدس للفاطميين وذلك عام 385 هـ/ 968 م وفي عام 417 هـ وقعت معركة عسقلان، وانتصر حلف الأمراء العرب على الفاطميين واستولى الوزير الفاطمي الأفضل بن بدر الجمالي على القدس وذلك عام 492 هـ.



    عام 493 هـ احتل الصليبيون القدس وارتكبوا مجازر دموية في ساحة المسجد الأقصى ورفعوا الصليب على الصخرة المقدسة, واستمر الاحتلال الصليبي لبيت المقدس تسعين عاماً انتهى عام 583 هـ/1187 م حيث استردها صلاح الدين الأيوبي من الصليبين في أعقاب معركة حطين, وبعدها بثلاث سنوات فقط أي في العام586 هـ/1190م وقعت حملة رتيشارد قلب الأسد ملك إنكلترا وفيليب الثاني ملك فرنسا ـ الحملة الصليبية الثالثة ـ واستوليا على فلسطين في معركة "أرسوف".واستمر الوجود الصليبي حوالي إحدى وخمسون عاما حيث استرد الأيوبيين القدس عام637 هـ/1239م. وبعدها بأربعة عشر عاماً استولى المماليك على فلسطين.



    وفي العام 659 هـ/1260م وقعت معركة "عين جالوت" التي انتهت باندحار المغول ونجاة البشرية والحضارة الإنسانية من بربرية المغول. أعقب ذلك قيام السلطان "الأشرف بن قلاوون" بإنهاء وجود مملكة بيت المقدس الصليبية وذلك عام690هـ/1291م.
    السلطان سليم الأول وبعد معركة مرج دابق الشهيرة استولى على القدس وذلك عام922 هـ, ولم تخرج بيت المقدس من التاج العثماني حتى عام 1831 م حيث سقطت القدس بأيدي "إبراهيم باشا المصري الطامح في الاستقلال عن اسطنبول.



    ويسجل التاريخ أن أول حي يهودي أنشأ في القدس يسمى "حي مونتفيوري" نسبة إلى رجل يهودي استطاع شراء أرض فلسطينية بمساعدة السلطان العثماني كان عام1854م. وفي العام1920م وضعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني من أجل تقسيمها بين العرب واليهود وتحقيق الوعد المشئوم, وقد تحقق ذلك عام 1948م حيث اغتصبت فلسطين وطرد العرب الفلسطينيون منها. وفي عام1967م استكملت دولة "إسرائيل" سيطرتها على كل فلسطين والقدس بعد حرب حزيران، وعادوا يطلقون عليها اسم "أورشليم" وفي سنة:1980م تم إعلان ضم القدس سياسياً إلى دولة الاحتلال تحت شعار توحيد العاصمة الأبدية لدولة "إسرائيل".



    المبحث الأول : القدس في الديانة اليهودية



    النصوص التوراتية المتأخرة هي منطلق رؤية اليهود للمدينة المقدسة. ومن خلالها يكتشف الباحث أن القدس شغلت مكانة في وجدان الشعب اليهودي، وتؤكد النصوص التوراتية أن القدس ليست عاصمة لدولة داود ومن بعده سليمان لكنها أيضا المكان الذي لا يمكن للإله أن يستقر أو يُعْبَدَ إلا فيها "الرّب اختار صهيون واشتهاها مسكناً له" . ويطلق على القدس اسم "صهيون" في الموروث الديني حيث تضم جبل صهيون وقبر داود و"حائط المبكى". وقد أصبحت المدينة مركزاً للدين اليهودي يتجه إليها اليهود ويذكرونها في صلواتهم وخصوصاً في احتفالاتهم بعيد الفصح حيث يرددون : "نلتقي في العام القادم في أورشليم" وهي أيضاً المدينة التي كانوا يحجون إليها ثلاث مرات في العام.



    فاليهود يربطون الأرض المقدسة بالشعب المقدس كما أنهم يسمون "الأرض الموعودة" بـ "أرض الرّب", وقد سُمّيت في إصحاح زكريا "بالأرض المختارة" التي اختارها الرّب "يهوه" ومعه شعبه المختار. كما أنهم يزعمون أن الرّب اختص بها اليهود واختار لنفسه "أورشليم" ومن هنا سُمّيت بـ "مدينة الرّب" لأنهم يعتقدون أن "يهوه" سيسكن فيها. وتكشف تسمية مدينة الرّب عن مدى التشبث اليهودي بالقدس، حيث التفريط بها يعني التفريط بمسكن الرّب "يهوه". وفي "القبالاه" اليهودية تحظى القدس بمكانة المدينة التي "سيفيض منها الخير إلى السماء ومنها يوزّع على بقية العالم, وهي الملكوت الذي سيحكم العالم ولا يفصلها أي فاصل عن الإله، وتصعد أدعية اليهود من خلالها".



    وقد خصت التوراة مدينة القدس بكثير من القوانين والأساطير التي تشير إلى أن الإله خلق أورشليم عند خلقه العالم وأنه أقام خيمة الاجتماع فيها وصلى متمنياً ألا يعصيه أبناؤه وحبيبته, أي "أورشليم". وهناك كذلك إشارات إلى "أورشليم" في العصر المشيحاني, أي بعد عودة الماشيح (المسيح) المخلص, وقيادته الشعب اليهودي إلى فلسطين "فستمتلئ حدودها بالأحجار الكريمة، وسيأتي اليهود ويأخذونها وسيضاف إليها آلاف الحدائق". لقد ظلت القدس على مر العصور إحدى البؤر المركزية للوعي الديني اليهودي، وتظهر الإشارة إلى استعادة القدس في الصلاة الأساسية في الديانة اليهودية "شمونا إسراي" التي تتلى ثلاث مرات يومياً. كذلك فإن عبارةً شهيرةً من المزموز 137 "إن نسيتك يا أورشليم تنسى يميني" هي جزء من تلاوة الشكر التي يرددها اليهود بعد تناول الوجبات خلال أيام الأسبوع.



    ويذكر في الأجاداه أن آدم عليه السلام قدم القربان بالمذبح الأعظم في أورشليم كما يذكر أن آدم بُعث من مكان طاهر مقدس حيث أصبح المعبد وإن العالم بُعث من صهيون وقد قام اليهود ممن عاصروا حقبة الشتات برسم أورشليم على خريطة وقد توسطت شعاب الأرض في مملكة يهوذا على أعلى قمم الجبال والنظر إلى المعبد كأعلى مكان وتلقى الأجاداه ضوء على جبال المريا الذي أقام عليه سليمان المعبد حيث ذهب ابراهام إلى أحد هذه الجبال حيث المذبح ومعه إسحاق لتقديمه قربانا للإله ومما ورد في الأجاداه أن أول اسم أطلق على المدينة في أول عهد بها كان (السلام) بعدما ذكر أن اسمها في العهد القديم (ابنة صهيون) وقال ربى شمعون بن جمالئيل في تراث الأجاداه (سيأتي زمان على أورشليم يأتي فيه الخليل وقد أضفى عليها أكثر من ألف بستان وألف من الأبراج) وقال إن (كل الممالك والأمم ستجتمع تحت لواء أورشليم) وقد ورد في القبالاه - النصوص الصوفية اليهودية - تفسير لكلمة يروشالايم يشير إلى أن هناك قدسا سماوية مقابلة للقدس الأرضية التي ينساب خير الدنيا كله من السماء إليها وهى تحتوى على معبد مقدس و بها كاهن أعظم وعلى ذلك فإن القدس الأرضية ترمز إلى المملكة التي تسيطر على العالم لقد أصبحت القدس مركزا للتطلعات الدينية والصهيونية بإعادة هيكل سليمان وفي فترة وجود الهيكل كان على اليهود أن يحجوا إليها 3 مرات في العام وبعد دمار الهيكل استمرت القدس قبلة اليهود كما اتبع التقويم اليهودي مراحل حصار القدس وتدميرها على أيدي الرومان وتنص التعاليم الدينية على أن منطقة جبل الهيكل تظل مقدسة بشكل أبدي وظلت القدس على مر العصور بؤرة مركزية للوعي الديني عند اليهود وتشير الصلاة الأساسية في الديانة اليهودية إلى استعادة القدس.



    أما فيما يتعلق بالهيكل فقد ظل اليهود عبر تاريخهم يتوجهون إليه في صلواتهم يملؤهم الشوق للوصول إلى الحالة التي تمكنهم من إعادة بنائه، حيث ورد في سفر الملوك الأول "أن اسم الرّب وضع في الهيكل إلى أبد الدهور". ويعتبر الهيكل على هذا أقدس مقدسات اليهود، ويعتبر قدس الأقداس أقدس شيء فيه وهو جزء من الهيكل نفسه الذي كان يضم تابوت العهد. وفلسطين بالنسبة لليهود تقع في مركز الدنيا والقدس في وسط فلسطين والهيكل في وسط القدس ويقع قدس الأقداس في وسط الهيكل "فقدس الأقداس الذي في وسط الهيكل هو بمنزلة سُرة العالم..... والهيكل كنز الإله... وهو عنده أثمن من السماوات بل من الأرض التي خلقها بيد واحدة، بينما خلق الهيكل بيديه كلتيهما". وحتى بعد دمار الهيكل بقيت القدس قبلة الصلاة اليهودية كما اتبع التقويم اليهودي للصوم، حتى العصر الحديث. وبحسب التعاليم اليهودية فإن قدسية منطقة جبل الهيكل تظل قائمة على الرغم من تدمير الهيكل.



    ماذا تعني كلمة الهيكل :
    إنها كلمة كنعانية، وتعني ”البيت الكبير” يقابلها في العبرية ”بيت همقداش” أي (البيت المقدس) أو (هيخال)، والبيت الكبير أو العظيم هو المعنى الذي يشار به إلى مسكن الإله، كما تقابلها في المعنى كلمة ”فرعون” . وفي اللغة العربية: (الهَيْكَلُ) تأتي من (هكل) بيت للنصارى، وهو بيت الأصنام. سمي (بيت يهوه) لأنه عند اليهود يمثل مسكن الإله، ومع أنه كان مصرحاً للكهنة والعبيد بدخول الهيكل، لكنه غير مسموحاً لهم بحرية الحركة، ولم يكن مسموح إلا للكاهن الأعظم دخول قدس الأقداس. كان الهيكل في وقته هو جزءًا من العبادة القربانية المركزية ـ وهو النمط الديني الذي ساد مع حكم سليمان الملك-وليس النبي في اعتقادهم- حتى هدم الرومان الهيكل ـ وليس جزءًا من العقيدة اليهودية والتي تاريخياً لم تتبلور إلا في مرحلة متأخرة ربما في القرن الخامس الميلادي.



    وللهيكل مكانة خاصة في العقل اليهودي فهو يقع في مركز العالم، فقد بني في وسط القدس التي تقع في وسط العالم، وقدس الأقداس يقع في وسط الهيكل، فهو بمثابة المركز، وأمام (قدس الأقداس) حجر الأساس (النقطة التي عندها خلق الإله العالم)، وهو يمثل الكنز لديهم، فالإله في تصورهم خلق العالم بيد واحدة بينما خلق الهيكل بكلتا يديه، بل إنه خلق الهيكل قبل العالم، وهم بهذا يرونه أهم ما في اليهودية. ومن الملاحظ أن اليهود يخضعون الهيكل لكثير من الرموز المعاني الكونية العظيمة، فجاء معمار الهيكل وتصميمه خاضعاً هو الآخر لتلك التفسيرات..



    كان هيكل سليمان في أورشليم هو مركز العبادة اليهودية، ورمز تاريخ اليهود، وموضع فخارهم وزهوهم.. وقد شيده الملك سليمان وأنفق ببذخ عظيم على بنائه وزخرفته.. حتى لقد احتاج في ذلك إلى أكثر من 180 ألف عامل.. . وقد أتى له سليمان بالذهب من ترشيش، وبالخشب من لبنان، وبالأحجار الكريمة من اليمن، ثم بعد سبع سنوات من العمل المتواصل تكامل بناء الهيكل، فكان آية من آيات الدنيا في ذلك الزمان. وقد ذكر في الموروث اليهودي ثلاث هياكل.



    بعد هذا العرض السريع لمكانة القدس لدي اليهود من مصادرهم ودون مناقشة صحة أو بطلان ما يقولون، تاركين ذلك للمبحث الرابع. نخرج بنتيجة عامة أن القدس حظيت بمكانة طيبة لدى أتباع الديانة اليهودية وإن حصل ذلك متأخرا ولأبعاد سياسية أكثر مما هي دينية.



    المبحث الثاني : القدس في الديانة المسيحية



    يقول الأب عطا الله حنا "القدس مدينة إيماننا والُسلم الروحي الذي ُيصعدنا إلى السماء وهي المدينة المقدسة التي تحتضن المقدسات والحضارة والتاريخ والتراث والهوية، وهي بالنسبة إلينا بمثابة القلب من الجسد فلا حياة للجسد بدون القلب .....، إنها المدينة التي تعبر عن أصالتنا ووحدتنا الوطنية وتراثنا الروحي العميق، وإنها لوحة فسيفسائية رائعة فيها من الجمالات ما يجعل القلب الإنساني يخشع ويتواضع ويسجد ويتأمل أمام عظمة الخالق الذي أراد من هذه المدينة أن تكون محجاً وإناءً مقدساً يذكرنا بعطايا الله ومواهبه لنا نحن البشر، لقد تغنى الشعراء وكتب المؤلفون والأدباء وسطروا أروع الكلمات في قدسنا الحبيبة، ولكننا مهما كتبنا فنحن مقصّرون، فالكلمات مهما كانت جميلة والصور مهما كانت معبرة لا يمكنها أن تعبر عن عظمة وسمو القدس التي نسكنها وتسكن فينا والتي نعشقها وفي معابدها نسجد للإله الواحد الأحد. كل حجر وكل زاوية في هذه المدينة تذكّرك بحدث عظيم ولكن الحدث الأعظم في القدس هو ما حصل على أرض القيامة والأقصى، الإسراء والمعراج وقيامة المسيح وانتصاره على الموت، سيبقيان الحدثين الأهم في تاريخ القدس الروحي وستبقى هذه المحجات الروحية موئلا لكل المصلين والداعين لأجل المحبة والسلام".



    وفي الديانة المسيحية تحظى القدس بمكانة خاصة كيف لا وفيها موقع صلب يسوع ودفنه وهي أماكن مقدسة منذ أوائل الزمان من قبل الجماعة المسيحية، و كان موت يسوع موضوعا للعظات والتأملات والعبر منذ أوّل الأزمان. وفي القدس توجد طريق الآلام، وتوجد مغارة يعتقد الكتّاب أنّها موضع قبر آدم. وأشير إليها أيضاً على أنّها موضع الجحيم الذي نزل إليه يسوع بعد موته ليحرر الأنفس البشرية.



    وفيها دير مار إبراهيم للروم الأرثوذكس، وقد سمي بهذا الاسم تيمنا بالتقليد المسيحي الذي يقول بأن أبانا إبراهيم جاء إلى هذه الصخرة يقدّم ابنه ذبيحة. ويوجد في الكنيسة مذبحا وشجرة زيتون علق الجدي بفروعها. وتوجد بئر عظيمة تحت الدير، والزائر للمكان يلاحظ إلى اليمين كنيسة مار يعقوب للأرمن وكنيسة القديس ميخائيل للأقباط. إلى يسارها ثلاث كنائس مكرسة للقديس يعقوب والقديس يوحنا والشهداء الأربعين, وتوجد كذلك كنيسة الإفرنج – كما أن الدرج الذي إلى اليمين قبل الدخول إلى الكنيسة يؤدي إلى معبد «سيدة الأوجاع» ويقال له أيضا كنيسة الإفرنج، وهي للآباء الفرنسيسكان الذين يحتفلون فيها بالقداس الإلهي كل يوم، وتحت هذه الكنيسة تقوم كنيسة أخرى مكرسة للقديسة مريم المصرية. . أما الجلجلة فتبدأ عند الدخول بازيليك القيامة نجد في اليمين سلما يوصل إلى كنيسة الجلجلة على ارتفاع خمسة أمتار عن أرض الكنيسة. وتنقسم إلى كنيستين صغيرتين. الأولى وتدعى كنيسة الصلب، يوجد فيها المرحلتين العاشرة وهي (تعرية يسوع من ثيابه) والحادية عشرة : صلب يسوع. فوق الهيكل الذي في صدر الكنيسة ويوجد كذلك حجر الطيب ملاصق لكنيسة الجلجلة يقابله حجر من الجير الأحمر مزين بالشمعدانات والمصابيح. هذا الحجر مقام لذكرى ما ورد في إنجيل يوحنا بعد موت المسيح .



    ومن معالم القدس المسيحية قبر الخلاص الذي يقوم في منتصف بناء تزينه الشمعدانات الضخمة. "وكان في الموضع الذي صلب فيه بستان، وفي البستان قبر جديد لم يكن قد وضع فيه أحد. وكان القبر قريبا فوضعوا فيه يسوع بسبب تهيئة السبت عند اليهود". ينقسم البناء من الداخل إلى غرفتين، الغرفة الخارجية عبارة عن دهليز لإعداد الميت ويقال لها كنيسة الملاك. أما المدخل الصغير المغطّى بالرخام فهو الباب الحقيقي للقبر الأصلي والذي تمّ إغلاقه بحجر إثر موت المسيح كما يقول الإنجيل. وفي* ‬وسط الدهليز نجد عمودا قصيراً* ‬يحمي* ‬تحت الزجاج قطعة أصلية من الحجر المستدير الذي* ‬سدّ* ‬باب القبر*. ويوصل إلى القبر باب ضيق*. ‬فنجد إلى اليمين مقعداً من الرخام* ‬يغطي* ‬الصخرة الأصلية التي* ‬وضع عليها جسد* ‬يسوع من مساء الجمعة وحتّى صباح الفصح .



    ومن معالم القدس المسيحية كذلك : خورس الروم الأرثوذكس* ‬ويقع مقابل القبر المقدس ويحتل الجزء المركزي* ‬من البازيليك كلها*. ‬وكان في* ‬الماضي* ‬خورس الآباء القانونيين أيّام الصليبيين*. وكذلك كنيسة الأقباط* - ‬تقع خلف القبر المقدس في* ‬مؤخرته حيث حفر فيه هيكل *. وتوجد كنيسة السريان الأرثوذكس - في آخر الرواق مقابل هيكل الأقباط هنالك ممر ضيق بين العمودين يؤدي إلى قبر محفور في الصخر يعود إلى أيّام المسيح.



    وتسمى القدس في الكتاب المقدس ((بيت المقدس, أورشليم, مدينة السلام, مدينة الله, مدينة العدل, مدينة الحق, مدينة الله ((وقد اتخذها المسيح مركزاً لخدمته : فعندما كان صبياً كان يذهب إلى أورشليم القدس سنوياً مع يوسف ومريم أمِّه ودخل هيكلها وجادل كهنتها ووبَّخهم وكشف رياءهم وتعدياتهم على شريعة الله ووصاياه وفيها وعظ وعلَّم عشرات الألوف من البشر وشفى الكثيرين من المرضى الذين تجمَّعوا حوله وفيها تمَّم مهمَّة الفداء التي جاء لإنجازها وفيها صُلِب بمؤامرة رؤساء الكهنة اليهود حين قرَّروا تسليمه إلى بيلاطس الوالي الروماني وفيها قُبِرَ جسده المقدس، وعلى قبره المقدس أُقيمت كنيسة القيامة عام 328م. وبعد قيامته وصعوده من على جبل الزيتون بالقرب من أورشليم صارت أورشليم مركز ونشاط الكنيسة الأولى وكان قد أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم، فظلوا منتظرين تحقيق الوعد بالروح القدس. كما تنبَّأ المسيح بخراب هيكل ومدينة أورشليم، وبتشريد أهلها من اليهود وسبيهم إلى جميع الأُمم، الأمر الذي تمَّ بشكل نهائي على يد الرومان عام 70م وهكذا نرى أن أورشليم القدس كانت مركز انطلاق الرسالة المسيحية إلى العالم، الأمر الذي يبرهن بقوة أنها مسيحية أيضاً، هذا فضلاً عن الأديرة والكنائس الأثرية التي تملأ المنطقة اليوم. وكانت موضوع نبوات المسيح بانتهاء دورها الديني. وقد حاول اليهود مراراً وتكراراً إعادة بناء هذا الهيكل المتهدِّم الذي تنبأ المسيح بنهاية دوره، فباءت كل محاولاتهم الفشل، لأن حكم المسيح عليه كان قد صدر.



    بعد هذا الاستعراض لأهم الأماكن المسيحية ذات الأهمية الدينية يتضح لنا أسباب تميز القدس بهذه المكانة المرموقة عند المسيحيين، فهي المكان الذي يحجون إليه، وتهفو قلوبهم لزيارته والتبرك به وقد كان للقدس مكانة عظيمة في نفوس المؤمنين من المسيحيين منذ يسوع عليه السلام ومن جاء بعده من حملة هموم دعوة المسيح.



    المبحث الثالث : القدس في الديانة الإسلامية :



    الإسلام وريث الديانات السماوية التي سبقته فهو يعترف بها، بل إن شرع من قبلنا شرع لنا إذا وافق ما ورد في ديننا. ولا توجد مدينة في تاريخ الإسلام بل في تاريخ الأديان السماوية جميعها، ظفرت بما ظفرت به هذه المدينة من تقديس وتكريم. فقد أولاها أهل الحل والعقد من خلفاء وأمراء وعلماء كامل رعايتهم. أنشأوا المساجد والزوايا والتكايا والأربطة والسبل والمدارس والمقابر، وأوقفوا عليها معظم الأراضي المجاورة، وزينوا وزخرفوا وجددوا قديمها، وأسسوا جديدا يتناسب مع احتياجاتها وتطورها ومكانتها في الإسلام، و أطلقوا حرية العبادة لجميع أهل الأديان، ونشروا الأمن والأمان لكل من جاء للقدس حاجاً أو زائراً ومنحوا للمدينة والحجيج الأمن والاستقرار.




    القدس في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.



    ذُكرت القدس في القرآن الكريم في آيات عديدة، أحيانا من خلال ذكر المسجد الأقصى، وأحيانا من خلال ذكر الأرض المباركة أو المقدسة. يقول تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الإسراء:1) ومن المتفق عليه من دون خلاف أو تأويل أن المسجد الأقصى في القدس من أرض فلسطين. وقال تعالى في قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء الآية 71. وقال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ)(الأنبياء:81). والأرض المباركة هي فلسطين أي ما حول المسجد الأقصى وذلك باتفاق الآراء. وقال تعالى في قصة سبأ: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ)(سـبأ:18) وهو ما كان بين مساكن سبأ في اليمن وبين قرى الشام من العمارة القديمة فباركنا فيها أي الشام ومنها القدس مركز البركة. وقال تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)(التين:3). قال أبن عباس: التين بلاد الشام والزيتون بلاد فلسطين وطور سينين الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. والبلد الأمين مكة. وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) (المؤمنون:50) قال أبن عباس: هي بيت المقدس.



    وهناك آيات أخرى فسرها المفسرون على أنها تدل على بلاد الشام بعامة التي منها بيت المقدس.(انظر سورة الأنبياء 105،ق41، النور36، النحل17ـ18، الحديد13) فمكانة القدس والأرض المباركة في القرآن الكريم لا تقل أهمية عن مكانة المسجد الحرام. ولهذا السبب كان المسجدان مرتبطين بالإسلام ارتباطاً وثيقاً. ولهذا السبب فهم المسلمون الأوائل مسؤولية الدفاع عنهما والجهاد لأجل الحفاظ على قدسيتهما. حتى يرث الله الأرض وما عليها.




    و في السنة النبوية الشريفة:



    حوت السنة النبوية الشريفة على الكثير من الأحاديث الخاصة بالقدس، فتحدث بعضها عن قدم المسجد الأقصى واصل بنائه وهو بمثابة القلب لمدينة القدس، وتحث بعضها عن فضائل بيت المقدس ومكانتها بين المدن. وذكر الثالث منها الصراع بين المسلمين و اليهود وكيفية نهاية ذلك. ومن هذه الأحاديث :



    1ـ وعن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس فقال أرض المنشر والمحشر ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه قال أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال فليهد إليه زيتاً يسرج فيه فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه" .
    2ـ في فضل العبادة والصلاة ببيت المقدس.



    روى الإمام أحمد مقعل بن أبي معقل الأسدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط. والقبلتان هما الكعبة والمسجد الأقصى.



    3ـ عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في الحائط له بالطائف يقال له الوهط وهو مخاصر فتى من قريش يزن بشرب الخمر. فقلت بلغني عنك حديث. أنه من أتى بيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه. ثم قال عبد الله بن عمرو إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحديث.



    4ـ وجاء في الحديث: من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر الله ما تقدم من ذنبه (أو جبت له الجنة) رواه أبو داود في سننه. وفي سنن ابن ماجه (من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب). وقد أحرم منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد الله.



    5ـ عن جابر أن رجلاً قال يا رسول الله أي الخلق أول دخولاً إلى الجنة؟ قال الأنبياء قال ثم من؟ قال الشهداء قال ثم من قال مؤذنو المسجد الحرام. قال ثم من قال مؤذنو بيت المقدس قال ثم من قال مؤذنو مسجدي هذا قال ثم من. قال سائر المؤذنين على قدر أعمالهم.
    6ـ وروى البزاز والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة. والصالة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة).

    7ـ قال صلى الله عليه وسلم : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى . وفي رواية أخرى: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي. . فهاتان الروايتان من أهم الروايات وأدقها وهما تكفيان لصحة الحديث. ومع ذلك فللحديث طرق أخرى كثيرة تبلغ ست عشرة طريقة. وهذا يعني أن الحديث من الأحاديث المسندة الصحيحة بسندها ومتنها.
    وقد رواه ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه عنهم أثنا عشر تابعياً ورواه عنهم ابن عمير من التابعين أيضا. والحديث يدل على مكانة المسجد الأقصى في نفوس المسلمين. بل مكانة المسجد الأقصى في الشرع الإسلامي. وبالتالي يدل على منزلة المكان الذي بني فيه المسجد الأقصى ومكانة ما حوله من الأصقاع لأن الله سبحانه بارك فيها بنص القرآن الكريم فهو ثالث ثلاثة مساجد يضاعف فيها ثواب المسلم والقدس التي تضم المسجد الأقصى ثالثة ثلاث مدن هي أركان أمة الإسلام وقد جاء في مسند أبن حنبل. عن أبي بصرة قال لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطور ليصلي فيه قال: فقلت له: لو أدركتك قبل أن ترتحل ما ارتحلت. قال: ولم؟ قال فقلت الحديث.. .أي أنه لا تشد الرحال إلا إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد المدينة وأبو هريرة كان قد شد رحاله إلى غير هذه المساجد الثلاثة.



    وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يجع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ـ أي عند باب المسجد ـ ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة.




    ونقل السيوطي في الآية الكبرى وقال ابن أبي حاتم في تفسيره، عن أنس بن مالك قال ولما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل حمله جبريل عليها... فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له باب محمد أتى إلى الحجر الذي بثمة فغمزه جبريل بإصبعه فنقبه ثم ربطها ثم صعد فلما استويا في صرحة المسجد......(ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة قال: فقمنا صفوفاً ننتظر من يؤمنا فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم فلما انصرفت قال جبريل يا محمد أتدرى من صلى خلفك قال: قلت :لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله).



    وروى البيهقي والطبري في تفسيره حديثاً طويلاً وجاء فيه: (أتى بيت المقدس فربط فرسه إلى صخرة ثم دخل فصلى مع الملائكة فلما قضيت الصلاة قالوا يا جبريل من هذا معك قال هذا محمد رسول الله خاتم النبيين قالوا: وقد أرسل إليه؟: قال: نعم. قالوا حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء).



    وتشير بعض الروايات الإسلامية تتحدث عن أصل سماوي للحجر الأسود، وللصخرة المشرفة، يروي الغزالي عن الترمذي حديثاً نبوياً [أن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة] ، ويروى عن عبد الله بن عمر قوله: "إن الركن والمقام من الجنة" ، وفي ضوء هذه الرؤية الرمزية للمكان المقدس، ترى الرؤية الإسلامية أيضاً، أن صخرة بيت المقدس تصدر عن نموذج سماوي، مصدره الجنة، كحال الحجر الأسود، فيروي ابن عباس قول النبي (ص): [من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس، وبيت المقدس من جنة الفردوس].



    ورُوي عن علي بن أبي طالب أنه قال: [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيد البقاع بيت المقدس، وسيد الصخور، صخرة بيت المقدس] ، فضلاً عن رواية عمر بن الخطاب "أن الحرم محرم في السموات السبع بمقداره في الأرض، وأن بيت المقدس مقدّس في السموات السبع بمقداره في الأرض" .
    لقد تواترت المرويات، وتكاثرت، وكلها تشير إلى أن للمسجد الحرام، والمسجد الأقصى ما يوازيهما في السماء، وليست القدس ومكة في المنظومة الرمزية الإسلامية مكانين منفصلين، بل صعيد مقدس واحد، يومئ كل منهما إلى الآخر ويستبطنه، ودفعت تلك الرؤية لجغرافية المسلمين المقدسة إلى أن يذهب المفسرون إلى استخدام المعاني من الآيات القرآنية، التي تكرم تلك الأماكن، وتوحدها، في الآن نفسه ، كالآية والتين والزيتون* وطور سنين* وهذا البلد الأمين (التين: 1ـ3) فيفسر أبو هريرة بأنه طور سينا، والزيتون يرمز إلى مسجد بيت المقدس، وهذا البلد الأمين يعني مكة المكرمة.



    وقال السيوطي: في الآية الكبرى تكلم الناس في الحكمة في الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس فقيل ليجمع الليلة بين القبلتين. وقيل لأن بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله فحصل له الرحيل إليه في الجملة ليجمع بين أشتات الفضائل وقيل لأنه محل الحشر وغالب ما اتفق له في تلك الليلة يناسب الأحوال الأخروية فكان المعراج من القدس أليق.



    وقيل: لإرادة إظهار الحق على من عاند لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح فلما ذكر عليه السلام أنه أسري به إلى بيت المقدس سألوه عن جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك. فلما أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليله. وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره.



    وقال سيد قطب :"والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبيين. وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعاً. وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعاً .



    القدس القبلة الأولى :



    روى الإمام البخاري عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت الحرام. وأنه صلى عند وصوله المدينة أول صلاة فيها صلاة العصر. وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكان اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس. وأهل الكتاب فلما ولى وجهه قبل البيت انكروا ذلك.



    ومن طريق أخرى عن البراء بن عازب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً. وكان رسول الله يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)(البقرة:144). فتوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وهذا الحديث وكذلك آيات القرآن الكريم تفيد كثيراً في معرفة جواز الصلاة وثوابها نحو بيت المقدس. فالله تعالى يقول ما كان الله ليضيع إيمانكم. أي صلاتكم إلى بيت المقدس وتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس في صلاته لم يكن أمراً اجتهادياً إنما هو أمر من الله سبحانه. وبذلك حاز عليه الصلاة والسلام القبلتين ولم يكن نبي قبله قد حاز القبلتين وهذه ميزة وفضيلة له عليه الصلاة والسلام.



    ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس:



    عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن مكة بلد عظيم عظمه الله وعظم حرمته وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئاً من الأرض يومئذ كلها بألف عام ووصلها بالمدينة ووصل المدينة ببيت المقدس ثم خلق الأرض بعد ألف عام خلقاً واحداً.
    وروى المشرف بسنده عن عمران ابن الحصين أنه قال: قلت يا رسول الله ما أحسن المدينة قال كيف لو رأيت بيت المقدس قلت: وهل هي أحسن؟ قال وكيف لا وكل ما بها يزار ولا يزور وتهدى إليه الأرواح ولا يهدي روح بيت المقدس لغيرها.



    وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لصعصعة: نعم المسكن بيت المقدس. القائم فيه كالمجاهد في سبيل الله وليأتين على الناس زمن يقول أحدهم ليتني لبنة من لبنات بيت المقدس.



    وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من البلاء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك قالوا يا رسول الله وأين هم قال في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس) .
    ابتدأ المسلمون دعوتهم في أداء صلاتهم شطر (المسجد الأقصى)، في القدس، يؤدون ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها على ملة إبراهيم، مستقبلين بيت المقدس ، فالقدس تبعاً للاعتقاد الإسلامي كانت قبلة جميع الأنبياء "فلم يبعث الله منذ هبط آدم على الأرض نبياً إلاَّ قبلته صخرة بيت المقدس".



    وأشارت بعض الأحاديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع في صلاته ما بين القبلتين، فحسب ابن عساكر، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو بمكة، نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعدها هاجر إلى المدينة ستة عشر شهراً، ثم صُرف إلى
    الكعبة". فكانت القدس في العهد المكّي، وبداية العهد المدني، قبلة المسلمين، فكان النبي يصلي في البيت الحرام، في العهد المكي، ويتلو القرآن فيه، إلاَّ أنه أمر المسلمين التوجه بصلاتهم نحو القدس، ربما ليظهر تميز الإسلام عن العقائد الوثنية التي تملأ برموزها البيت الحرام، فكان توجّه المسلمين شطر القدس، المركز الروحي لأهل الكتاب، علامة على استمرار دين الوحي، ثم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ظل يوجه صلاته نحو بيت المقدس، إلى أن أتاه الأمر الإلهي، بنقل وجهة صلاته إلى الكعبة، وذلك بالآية فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره(البقرة: 144).



    فيروي أبو هريرة عن النّبي قوله: [لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى] ، ويروي خالد بن معدان عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله [زمزم وعين سلوان التي ببيت المقدس من عيون الجنة] ، وانطلاقاً من هذا التصور التوحيدي ما بين سلوان وزمزم، ومن ورائهما القدس ومكة، يقول أبو العلاء المعري :



    وبعين سلوان التي في قدسها طعم يوهم أنه من زمزم



    وعن زوجة الإمام أحمد بن حنبل أم عبد الله: "من أتى بيت المقدس فليأت محراب داوود، فليصل به وليسبح في عين سلوان، فإنها من الجنة" ، بل ذكر بعض العلماء أن "سفينة نوح طافت بالبيت الحرام أسبوعاً، ثم طافت ببيت المقدس أسبوعاً، ثم استقرت على الجودي".



    وفي القدس يتضاعف فيها أجر الصلاة، والدليل ما رواه أبو الدرداء أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: [الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة]، وأيضاً هو أحد المساجد الثلاثة التي تحرسه الملائكة، وهو ما يتحدث عنه علقمة عن عبد الله بن عمر عن النبي، أنه قال: [لله أملاك: ملك موكّل بالكعبة، وملك موكّل بمسجدي، وملك موكّل في المسجد الأقصى] .
    ويصل الأمر في إجلال القدس حتى يتم تقديمها على المدينة المنورة، فعن عمران بن حصين [قلت يا رسول الله ما أحسن المدينة، قال كيف لو رأيت بيت المقدس، فقلت: أهو أحسن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وكيف لا، وكل ما فيها يزار ولا يزو، وتُهدى إليه الأرواح ولا تُهدى روح ببيت المقدس إلاَّ إلى الله، الذي أكرم المدينة (يثرب) وطيّبها بي، وأنا فيها حي، وأنا فيها ميت، ولولا ذلك ما هاجرت من مكة، فإني ما رأيت القمر في بلد قط إلا وهو بمكة أحسن] .
    وروى الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجة عن ميمونة مولاة الرسول: [أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: افتنا في بيت المقدس، قال: أرض المحشر، والمنشر، ائتوه فصلوا فيه فإن الصلاة فيه كألف صلاة] . ويروى أن الصحابي عبادة بن الصامت (ت 34هـ، 654م) أنه قام على سور بيت المقدس الشرقي ـ بعد الفتح العمري ـ فبكى، فسأله بعضهم "ما يبكيك يا أبا الوليد؟ قال: من هنا أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم" . وقد فسر بعض المفسرين بعض الآيات القرآنية بما يتوافق مع ذلك كتفسيرهم للآية واستمع يوم ينادي المناد من مكان قريب (ق:41) بأن المنادي هو إسرافيل، "ينادي من بيت المقدس بالحشر، وهو (أي بيت المقدس) وسط الأرض" . وعن عبد الله بن عمر (ت 65 هـ، 684م) قال: "إن السور الذي ذكره الله في القرآن: فضرب بينهم بسور لـه باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب (الحديد: 13) هو سور بيت المقدس الشرقي، باطنه الرحمة، أي المسجد، وظاهره قبلة العذاب: وادي جهنم" .
    ويزيد من تعلق المسلمين بالقدس الأحاديث التي تؤكد على قيامة المسيح في القدس، حيث يجتمع المسلمون هناك، ويكون المسيح إمامهم، ويقتل الدجال الذي يسانده سبعون ألفاً من اليهود، هو ما يتجلى في رواية أم شريك بنت أبي العكر، التي تسأل النبي: [يا رسول الله أين المسلمون (آنئذ)؟ قال: ببيت المقدس، وإمام المسلمين يومئذ رجل صالح، فإذا كبَّر ودخل في الصلاة نزل عيسى بن مريم، فإذا رآه الرجل (الصالح) عرفه فيرجع يستقدم عيسى  وراءه، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدّم فصل، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم، فإذا انصرف قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحوه ووراءه الدجال، ومعه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سلاح وسيف، فإذا نظر إلى عيسى  ذاب كما يذوب الرصاص في النار، وكما يذوب الملح في الماء. ثم يخرج هارباً فيقول عيسى: إن لي فيك ضربة لا تفوتني بها، فيدركه عند باب الله الشرقي فيقتله "فيملأ المسيح بعدها الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً، "فترتفع الشحناء والبغضاء" حتى تلقى الوليدة الأسد فلا يضرها. ويكون الذئب في الغنم فلا يأكلها. ويملأ الأرض من السلم] . فضلاً عن ذلك فإن الإقامة في القدس، بحد ذاتها، تكتسب في المرويات الإسلامية رمزية مقدسة، فيروي الإمام أحمد ابن حنبل، عن ذي الأصابع، قال: [قلت يا رسول الله، إن ابتلينا بعدك بالبقاء، أين تأمرنا، قال: عليك ببيت المقدس، فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون] . بل ذهب بعضهم إلى تحبيذ البدء بالحج إلى بيت الحرام، انطلاقاً من بيت المقدس، ففي حديث رواه، أبو داوود، وابن ماجة "من أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر الله لـه ما تقدم من ذنوبه وما تأخر" . ونظرا لكون الإسلام والمسلمين ورثة الحقيقة الدينية الكاملة من خلال إيمانهم العميق بكل ما سبق من كتب سماوية قبل تحريفها، وإيمانهم بأنبياء الله جميعا ورسله وتقديسهم والاعتراف بنبوتهم وأنهم على حق فإن ما ورد عن علاقة بعض الأنبياء بالقدس تزيد من قداستها عند المسلمين ومن ذلك "أن موسى عليه السلام كلّم الله في أرض بيت المقدس، وتاب الله على داوود وسليمان عليه السلام في بيت المقدس، ورد الله على سليمان ملكه في بيت المقدس، وبشّر الله زكريا بيحيى في بيت المقدس، وسخر الله لداوود الجبال والطير في بيت المقدس، وكان الأنبياء يقربون القرابين ببيت المقدس، وأوتيت مريم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء ببيت المقدس، وولد فيه عيسى عليه السلام كما تعلم في المهد هناك، وأنزلت عليه المائدة في أرض بيت المقدس، وماتت مريم، ودفنت فيها".



    وقد اكتسبت أرض المسجد الأقصى، بما فيها الصخرة المشرفة، بالإسراء والمعراج، قدسية عميقة، فذكروا الكثير من المرويات تشيد بجلالة الصخرة، ولاسيما أن الصخرة كانت، حسب الاعتقاد الإسلامي، هي النقطة التي عرج بها النبي إلى سدرة المنتهى. فعن فضل بين عياض، يقول: "لما صرفت القبلة (إلى البيت الحرام) قالت الصخرة: "إلهي لم أزل قبلة عبادك حتى إذا بعثت خير خلقك (النبي محمداً) صرفت قبلتهم عني؟ قال: أبشري، فإني واضع عليك عرشي، وحاشر إليك خلقي، وقاض عليك أمري، وناشر منك عبادي" . وفي حديث مسند إلى كعب الأحبار يقول: [ما من نقطة عين عذبة إلاَّ ومخرجها من تحت صخرة بيت المقدس] ، بل يذهب حديث إلى اعتبار الصخرة مركز العالم، ففي حديث روى مقاتل: "صخرة بيت المقدس وسط الدنيا"، وفي رواية أخرى، إن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن سؤال عبد الله بن سلام عن سبب تسمية مسجد الأقصى بالمسجد الأقصى: [لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئاً ولا ينقص] . و يروى عن الكلبي أن الصخرة "هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً، وروي عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عباس وحذيفة: "إن المكان القريب إلى السماء هو صخرة بيت المقدس"..



    دفن في المدينة عدد كبير من الصحابة والتابعين والمجاهدين منهم أمثال: عبادة بن الصامت الأنصاري (ت 34 هـ)، الذي كان نقيباً، وشهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدراً والمشاهد كلها، ولاه عمر بن الخطاب قاضياً على الشام ومعلماً، وولي قضاء فلسطين، ثم قاضياً لبيت المقدس، وروي أنه شوهد وهو يبكي على سور بيت المقدس الشرقي، فسئل: وما يبكيك يا أبا الوليد؟ فقال: من هاهنا أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم، أقام في بيت المقدس، وتوفي في الرملة، إلا أنه دفن في القدس، كذلك أقام فيها شداد بن أوس إلى أن قضى، ودُفن فيها، وهو الذي روى الحديث النبوي: [أن الشام ستفتح، وبيت المقدس سيفتح]، ويقال إن قبره في مقبرة الرحمة، كما دفن، في بيت المقدس، وائلة بن الأسقع (ت 85 هـ)، وذو الأصابع التميمي، الذي قال لـه النبي: [عليك ببيت المقدس].



    وفيروز الديلمي .وتوفي بها كذلك الصحابي الجليل شداد بن اوس، والزاهدة أم الخير رابعة العدوية، والمتكلم محمد بن كرام صاحب الفرقة الكرامية، وسلامة بن قيصر، وذا الأصبع ، وأبا محمد البخاري . والمحدث بكر بن سهيل الدمياطي.و بنى المسلمون في مختلف العهود مساجد بلغت 34 مسجدا معظمها في داخل المدينة القديمة. و بنوا عددا كبيرا من الزوايا، يؤمها الحجاج من مختلف البلدان الإسلامية كالزاوية النقشبندية وغيرها من الزوايا وأماكن العبادة والأوقاف والأحباس لاستضافة زوار بيت المقدس.



    وقد زارها كثير من الصحابة الأجلاء والتابعين وتابعيهم، وذكرت كتب التاريخ ممن زار القدس الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، والصحاب الجليل أبو عبيدة بن الجراح (ت 18هـ)، ومؤذن الرسول بلال بن رباح (ت 19هـ)، وقد زارها في معية أمير المؤمنين وتذكر الروايات أنه من شدة إجلال القدس أن بلالاً مؤذن الرسول الذي توقف عن الأذان منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وافق هنا، في حضرة المسجد الذي أقامه عمر، على الأذان، إذ قال لعمر: "يا أمير المؤمنين، أما والله ما أردت أن أؤذِّن لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن سأطيعك اليوم، في هذه الصلاة وحدها" . فذكَّر أذان بلال بأيام النبي، وبقدسية المكان معاً، ولهذا فعندما قال بلال: "الله أكبر، خشعت جلودهم، واقشعرت أبدانهم، ولما قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بكى الناس بكاءً شديداً" . وزارها خالد بن الوليد (ت 21هـ) الذي روى حديث إنها (أرض المحشر والمنشر)، وزارتها صفية بنت حيي (ت 50 هـ) زوجة النبي، وصعدت طور زيتا وقالت : من هنا يتفرق الناس يوم القيامة إلى الجنة وإلى النار، ودفنت في البقيع. وزارها الصحابي الجليل سعد بن وقاص (ت 55هـ) وعمر بن العاص (ت 51هـ)، وسليمان الفارسي (ت 36)، وعياض بن غنم (ت 20 هـ) وأبو هريرة (ت 59هـ)، الذي روى : لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد" وعبد الله بن عمر(ت74هـ)، وأقام بها معاذ بن جبل ثلاثة أيام، والكثير من التابعين، والأتقياء.



    ولا شك في أن القدس تحتل مكانة مميزة في نفوس المسلمين، فهم ورثة الأديان، وهم من أشرف عليها أكثر من ألف عام، وأقام في ربوعها وعلى جبالها وفي وديانها المساجد والصلوات، وتهفو إليها نفوس الملايين من الموحدين..



    مناقشة مكانة القدس في الديانات الثلاث :



    بعد هذا الاستعراض لمكانة القدس لدى أهل الديانات السماوية الثلاثة، من مصادرها المعتمدة وكتبها المقدسة، نصل للقول الفصل في هذه النصوص والمرويات ونقيم الأدلة العلمية والبراهين الموضوعية على حق أهل الديار في ديارهم، وحق أهل القدس في قدسهم، وأهل المسجد في مسجدهم...
    فعلى الرغم مما تضمنته نصوص اليهودية من تبجيل وتقديس للقدس وللهيكل، فإن ذلك يتناقض تماماً مع ما يرد في نصوص أخرى، ويتناقض كذلك مع الممارسات اليهودية والتي تعاطت مع بيت المقدس والهيكل بإهانات عظيمة. ففي سفر الملوك الأول يرد "أن سليمان عليه السلام باني هيكل الرب في أورشليم اتخذ آلهة من دون الله". وفي سفر الملوك الثاني يعلن الرّب رفضه للمدينة المقدسة "إني أنزع يهوذا أيضاً من أمامي كما نزعت إسرائيل وأرفض هذه المدينة التي اخترتها أورشليم، والبيت الذي قلت يكون فيه اسمي". وفي سفر حزقيال تُذكر القدس بأقذع الأوصاف "يا ابن آدم عرِّف أورشليم برجاستها". والحال نفسها في مملكتي إسرائيل الشمالية والجنوبية حيث تلويث القدسية المُدّعاة لبيت الرّب في أروشليم وإدخال الأرجاس والأوثان إلى بيت هذا الرّب حيث يرد في سفر الإخبار الثاني :"حتى أن جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا الخيانة حسب كل رجاسات الأمم، ونجّسوا بيت الرّب الذي قدّسه في أورشليم". وقد اعتبرها أحد أنبيائهم والمدعو ميخا مركز الخطايا. ويتنبأ بأنها ستحال إلى كومة أنقاض، وقد توقفت عبادة يهوه في القدس في زمن الملك (آحاز) ثم تجددت ولكن اليهود ظلوا يذبحون قرابينهم في السواري المقدسة. ولذلك يرد في سفر ميخا أن الرب سيعاقب يهوذا وإسرائيل عقاباً رهيباً وسينزل بهما النهب والموت وسوف تتحول السامرة وأورشليم إلى كومتين أنقاض. ويتنبأ ميخا بأن أورشليم بسكانها سوف تسبى إلى بابل وفي زمن الملك منس أي عام 655ـ 671 أدخل اليهود إلى معابدهم عبادة الأجرام السماوية تقليداً للآشوريين واعتبروا هذه الأجرام جند السماء، وكان معبد القدس يغص برموز هذه المعبودات، وقد أعيد بناء المرتفعات المقدسة في الجبال أيضاً، وسجد اليهود لكل جند السماء وعبدوها وقد انتعشت من جديد المعبودات الكنعانية وقد جدد منس تقديم القرابين للآلهة المتعددة لكي يسترحمها، ويقول كتاب الملوك أن منس نفسه عاف وتفاءل واستخدم جاناً وتوابع وأكثر من عمل الشر الذي يغضب يهوه وكان يسترضي آلهة أخرى بما فيها الأجنبية.



    وإذا كان اليهود يستمدون شرعية مطالبهم بالمدينة المقدّسة من تعاليمهم الدينية المستوحاة من التوراة، فإن هذه التوراة ذاتها تقول "من أجل أن ملك يهوذا أساء أكثر من جميع الذي عمله الأموريون الذين قبله، هاأنذا أجلب شراً على أورشليم ويهوذا وأمسح أورشليم كما يمسح واحد الصحن" فأي قداسة وأي وعد إلهي هذا الذي يبقى بعد أن يمسح "الرّب" "أورشليم" ويرفضها. ولو كان الهيكل والقدس مقدسين لدى اليهود كما يدّعون لما عبد الشعب الإسرائيلي آلهة أخرى، ناسين الرب وهيكله وناعتين بيت المقدس والهيكل بأبشع وأقذع الأوصاف وهو ما يتضح من توراتهم وأسفارهم.
    تؤكد الدراسات التاريخية أن الوجود اليهودي في القدس كان وجودا عابراً، وقد حصل بعد حوالي خمسة قرون من نشأة الديانة اليهودية. فبناء الهيكل الذي يمثل جزءا مهما في معتقدات اليهود تم في عهد النبي سليمان وذلك بعد 480 سنة من خروج اليهود من مصر . لقد جاء في التوراة (وذهب الملك داود ورجاله إلى أورشليم إلى اليبوسيين، سكان الأرض. فكلموا داود قائلين لا تدخل إلى هنا ما لم تنزع العميان والعرج. وأخذ داود حصن صهيون وهي مدينة داود) سفر الملوك الأول. وفي هذه إشارة على أن داوود ما دخل منطقة القدس إلا بعد استئذان أهلها اليبوسيين.



    ولم يرد ذكر القدس في التوراة أي الأسفار الخمسة التي نزلت على النبي موسى البتة. لكن ذكرها ورد متأخرا في أسفار الأنبياء والأسفار التاريخية المتأخرة. وهذا دليلا على أن القدس لم تحظ بالأهمية الدينية لدى اليهود إلا بعد قرون عدة. ولو كان لها مكانة حقيقية في الدين اليهودي لورد ذكرها في الأسفار الخمسة الأولى (التوراة) وليس في الأسفار المتأخرة التي هي محل شك وريبة عند كثير من علماء الأديان.



    ومزامير داوود الخاصة بالقدس توضح ما للمدينة من مكانة عاطفية وليست دينية. فهذه المزامير المفعمة بالعواطف الجياشة تتحدث عن مدينة محبوبة وجميلة "منّ الله على العالم بعشر حفنات من الجمال، أهدى تسعا منها إلى أورشليم والباقي إلى سائر العالم".



    والمتتبع للنصوص التوراتية يرى أن كتاب التوراة ركزوا على الوعد الإلهي بمنح أرض كنعان لإبراهيم ونسله من بعده دون إعطاء القدس أية أهمية تذكر. ولم تعتبر القدس مكاناً مقدساً حتى جاء سليمان وبنى الهيكل. وكانت القدس حسب النصوص الموجودة في أسفار التوراة الأولى كبقية بقع الأرض التي هوجمت من قبل القبائل البدوية الإسرائيلية، وبعد أن استتب الوضع لداود وسليمان نظر اليهود للقدس بالدرجة الأولى على أنها عاصمة سياسية لمملكة داود. ولم تحط بهالة القدسية الإلهية. وهذا يعني أن التقديس جاء لرمز الكيان الاستيطاني وليس لرمز العلاقة بين الإله والإنسان.

    وينبغي أن نَذْكُرَ بأن اليهودية الحاخامية تُحرّم العودة إلى فلسطين ومن ثم إلى القدس إلا في آخر الأيام وفي الوقت الذي يحدده الإله وبالطريقة إلى يقررها. وقد اتهم الحاخامات الصهيونية بأنها تسعى إلى التعجيل بالنهاية "دحكات هكيتس" وذلك بتحديها مشيئة الإله والضغط عليه لإجباره الماشيح على المجيء حيث جاء في التلمود : "لا تعودوا ولا تحاولوا أن ترغموا الإله".



    إن المسيحية وهي الديانة التى جاءت لإصلاح ما علق باليهودية من أدران بفعل الإنسان وبذلك صرح المسيح بقوله "بعثت لخراف إسرائيل الضالة" لما تمكنت من عين المكان مارست ما يخالف قدسية المدينة فقد حرَّم الرومان منذ تيطس عام 70م على اليهود دخول القدس وهدّموا هيكلهم ثم أتى هادوريان عام 136م فأكد هذا الحرمان، وأكدت السلطات المسيحية أيضاً هذا الحرمان، في زمن قسطنطين في القرن الرابع، واستمر هذا الحال حتى الفتح الإسلامي في القرن السابع، أما التجربة المسيحية الغربية الأخرى، كما جسدها الصليبيون، الذين افتتحوا ممارستهم نحو العلاقة بالآخر، بقتل جميع المسلمين واليهود عند دخولهم القدس، فقد تجلّت بأن حرموا على المسلمين واليهود دخول المدينة المقدسة، وطمسوا المعالم الإسلامية، وحولوا المسجد الأقصى، ومسجد القبة إلى كنائس، ومكان لقيادة الداوية، وإسطبلا لخيولهم، فجسدت المسيحية الغربية في المرتين موقفاً إقصائياً نافياً للآخر، ولمفهوم العيش المشترك.



    أما مكانة القدس في قلوب وعقول ووجدان المسلمين فلا تعادلها إلا مكانة الحرمين بمكة والمدينة، لذلك كتبوا في فضائلها. روى ابن ماجة في سننه عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : قلت يا رسول الله افتنا في بيت المقدس قال : "ارض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره" وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : "من مات في بيت المقدس فكأنما مات في السماء". وعن أبي عباس قال : من حج وصلى في مسجد المدينة والمسجد الأقصى في عام واحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وعن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله "من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس". وعن أنس بن مالك قال : "إن الجنة تحن شوقا إلى بيت المقدس، وصخرة بيت المقدس من جنة الفردوس، وهي صرة الأرض".



    وبعد: فهل ينافس أحدا العرب والمسلمين في مكانة القدس لديهم أو في أحقيتهم بها :يقول المفكر الفرنسي روجيه غارودي:
    ((في عام 638م لم يكن العرب من وصل إلى فلسطين، وإنما هو الإسلام... إذ أن العرب كانوا في فلسطين منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. أي منذ الهجرات السامية الأولى القادمة من الجزيرة العربية، تلك التي كانت تجوب أرجاء الهلال الخصيب من عموريين وكنعانيين وعرب، من ذوي أصل إثني واحد وأسرة لغوية واحدة)).



    وقد ذكر المؤرخ المسيحي المشهور ميخائيل السرياني المعروف بالتقوى، إلى أن المسلمين "لم يضطهدوا أحداً بسبب إعلانه عن عقيدته، وذلك خلافاً لما فعله اليونانيون".



    لقد كان الإسلام والمسلمين متسامحين مع الغير فسمحوا لليهود بالسكن فيها مجدداً، ويذكر ذلك الأديب اليهودي الأسباني (يهود الحرزي)، الذي زار المدينة في عام 1217م، "أرسل السلطان (صلاح الدين) منادياً ينادي في أرجاء البلاد بأن باستطاعة كل سلالة إبراهيم العودة إلى القدس من العراق ومصر ومن كل البلاد التي لجأوا إليها".



    بل إن صلاح الدين الأيوبي رفض طلبا لريتشارد قلب الأسد في أيلول 1192م، يتضمن عدم السماح للحجاج الأوروبيين المتدفقين على القدس بزيارتها، إلا أولئك الذين يحصلون على إذن منه، أو كتاب، ورد عليه بالرؤية الإسلامية العميقة للقدس بأنها مدينة مفتوحة للديانات الإبراهيمية، بالقول "إن هؤلاء الحجاج، قد وصلوا من ذلك البعد لزيارة المكان الشريف، فلا استحل منعهم".



    إن مشكلة الديانة اليهودية أنها لا تعترف بالمصدر السماوي للديانتين المسيحية والإسلامية، بينما تعترف المسيحية بالشرعية السماوية لليهودية، مع التأكيد على انحرافها ومسؤوليتها على صلب المسيح، إلا أنها تنكر على الإسلام شرعيته، ويتميز الإسلام باعترافه المسبق بالديانتين (المسيحية واليهودية) كديانتي وحي، ويوصي بالتعامل مع أصحابهما على أنهما "أهل الكتاب"، ولقد تعامل مع رموزهما الدينية بقداسة واحترام .ولا أدل على ذلك من رفض الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الصلاة في حرم كنيسة القيامة كي لا يتخذ المسلمين صلاته سببا في الاستيلاء على الكنيسة مستقبلاً.
    ولقد كرَّر صلاح الدين السلوك العمري نفسه عند دخوله القدس عام 1187م، على الرغم من مرارة التجربة الصليبية، فجعل المدينة مفتوحة لأبناء الديانتين، المسيحية، واليهودية، لإقامة شعائرهم الدينية في دور عبادتهم، وشجع المسيحيين العرب، والمسيحيين الشرقيين، الذين اضطهدتهم الفرنجة، على الإقامة في القدس، وظلت تلك المبادئ القائمة على قاعدة الاعتراف بالآخر، ومبدأ العيش المشترك، هي الإطار الناظم للاجتماع البشري في القدس، حتى طرق باب فلسطين المشروع الصهيوني الذي اتخذ موقفاً إقصائياً، لصالح تهويد القدس ليكرر بذلك التجربة الصليبية، سيئة الذكر والمصير .



    الخاتمة :



    بعد هذا التطواف بين النصوص المقدسة لأهل الديانات الثلاثة، والتاريخ المسطور لها، والروايات المعتمدة لديها نخرج بجملة من النتائج نجملها في التالي :



    1. العرب هم أول من استوطن القدس وما حولها من ديار، وأن كل من جاء بعدهم لم يجدها إلا عامرة بأهلها.
    2. لم تعمر دولة اليهود في القدس وضواحيها على أكبر تقدير ومن مصادر يهودية أكثر من ثمانين عاما، بينما نعمت القدس بدولة الإسلام نيف وألف ومائتي عام. كانت مثابة للتسامح والعيش المشترك بين أهل الديانات.
    3. سجل التاريخ أن التجربة العربية الإسلامية في التعامل مع القدس منذ الفتح العمري تقوم على الاعتراف بحق أهل الكتاب، يهود، ومسيحيين، في العيش المشترك في المدينة المقدسة، وحقهم في إقامة شعائرهم في أماكنهم المقدسة، فلقد أبطل المسلمون القرار البيزنطي الذي يقضي بمنع اليهود من دخول القدس، وأمنَّوا المسيحيين على أموالهم وأنفسهم، وكنائسهم، كما هو واضح في نصوص العهدة العمرية. وتبقى القدس مركز الصراع الكوني القادم، الصراع بين قوى الظلام والصهيونية وقوى الحق والنور قوى العروبة والإسلام والإنسانية.
    4. لم تحظ المدينة بفترة استقرار سياسي أو تسامح ديني، إلا في فترة الحكم الإسلامي للمدينة.
    5. إن مكانة القدس عند كل أهل الديانات جعلها منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام تتعرض للغزو وتتصدى للغزاة. تسيل الدماء وتهدم الأسوار ويهجر الإنسان. وفي كل غزوة تتحطم الجيوش في القدس وحول القدس.
    6. إن القدس جديرة بأن تحظى بكل هذا الاهتمام وحري بأهلها العرب والمسلمين أن يولوها كل اهتمام ورعاية ودعم لتثبيت أهلها الصابرين الصامدين في وجه أكبر عملية تهويد وتغيير لمعالم المدينة، وتغليب لمظاهر أهل ديانة على الديانات الأخرى.
    7. إن واجب استعادة القدس وتحريرها واجب جماعي على عموم أمة محمد صلى الله عليه وسلم والمسؤولية مشتركة على الجميع.
    8. ضرورة توثيق وتأصيل كل ما هو ذو قيمة في القدس، خاصة وأن التهويد يطال البشر والحجر، ولا يسلم منه حتى المقابر والشوارع.



    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.




    المراجع والمصادر.



    1. القرآن الكريم.
    2. الإنجيل ( الكتاب المقدس ) العهدين الجديد والقديم.
    3. الإمام الحافظ أبو القاسم على بن الحسن بن هبة الله الشافعي، ابن عساكر، تاريخ دمشق الكبير، تحقيق عبد القادر رتبة بدران. ط2، دار السيرة، بيروت 1979.
    4. أحمد، ابن حنبل، المسند، القاهرة. 1317ه‍.
    5. أبو الفداء الحافظ، ابن كثير، البداية والنهاية، (12 جزءاً) مكتبة المعارف والنصر، بيروت والرياض 1966.
    6. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين. المجلد الأول. دمشق 1994.
    7. أبو الوليد الأزرقي محمد بن عبد الله بن احمد. أخبار مكة. ج 1 دار الثقافة مكة 1965.
    8. أبو الفرج بن علي، الجوزي، فضائل القدس، تحقيق جبرائيل سليمان جبور. دار الآفاق الجديدة. بيروت 1979.
    9. محمد بن عبد الله. الأزدي. تاريخ فتوح الشام. تحقيق عبد المنعم عبد الله عامر. مؤسسة سجل العرب القاهرة. 1970.
    10. كارين. أرمسترونغ القدس مدينة واحدة وعقائد ثلاث. ترجمة فاطمة نصر. ومحمد معاني. سطور. القاهرة 1998.
    11. أبو الحسن علي بن أبي كرم الشيباني ابن الأثير.. الكامل في التاريخ دار الكتاب العربي. بيروت 1967.
    12. د. محمود. إبراهيم. فضائل بيت المقدس. في مخطوطات عربية قديمة المنظمة العربية لتربية والثقافة والعلوم. الكويت 1985.
    أرنولد توماس. الخلافة الإسلامية، ترجمة جميل معلا. دار اليقظة العربية. دمشق. بدون تاريخ. .
    13. إسحاق موسى الحسيني. عروبة القدس. مركز أبحاث منظمة التحرير. بيروت 1969..
    14. محمد مصطفى. الباش القدس بين رؤيتين، دار قتيبة. دمشق بيروت. 1997.
    15. أبو عبد الله. البخاري. ت صحيح البخاري القاهرة. 1387ه‍.
    16. ياقوت. الحموي. من كتاب معجم البلدان. ج1. اختيار عبد الإله نبهان. وزارة الثقافة. دمشق 1982.
    17. القاضي مجير الدين. الحنبلي. الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل. (صورة مصورة في المكتبة الوطنية بحلب).
    18. محمد. حبش. سيرة رسول الله. دار النور. دمشق 1993.
    19. حسن مصطفى الباش . القدس بين رؤيتين . منشور على شبكة المعلومات الدولية .
    20. سيد قطب . في ظلال القرآن . دار التراث . القاهرة . مصر . 1986 م
    21. شمس الدين، السيوطي. إتحاف الأخصى بفضائل المسجد الأقصى. تحقيق أحمد رمضان أحمد. القاهرة 1982.
    22. محمد محمد حسن. شراب. بيت المقدس والمسجد الأقصى. دار القلم دمشق 1994.
    23. د. عبد الوهاب المسيري التجانس اليهودي والشخصية اليهودية.كتاب الهلال العدد647-2004
    24. روجيه. غارودي فلسطين أرض الرسالات السماوية دار طلاس. دمشق 1988.
    25. سيد عبد الفتاح. عاشور. الحركة الصليبية (ثلاثة أجزاء) مكتبة الإنجلو مصرية القاهرة. 1963.
    26. كارين ارمسترونغ، القدس. مدينة واحدة وعقائد ثلاث. ترجمة فاطمة ناصر. ومحمد عناني. سطور. القاهرة. 1998.
    27. الموسوعة الفلسطينية. بيروت 1990
    28. حسن . محمد خليفة عروبة القدس في التاريخ القديم مع نقد تحليلي لصورة أورشليم في العهد القديم " رسالة الشرق ، ص . الجيزة ، مركز الدراسات الشرقية . جامعة القاهرة . ط1995.
    29. د. محمد سبعاوي . القدس عربية بنص التوراة . لندن . ط1997م .
    30. أ. محمد عقل هلسة .بحث مكانة القدس في الفكر التوراتي والصهيوني . من منشورات وزارة الأوقاف الفلسطينية . 2006 .
    31. شاكر. مصطفى. فلسطين ما بين العهدين الفاطمي والأيوبي. الموسوعة الفلسطينية.
    32. شهاب الدين أبو محمود بن تميم. المقدسي. مثير الغرام إلى القدس والشام. تحقيق أحمد الخطيي. دار الجيل، بدون تاريخ.
    33. ضياء الدين. المقدسي. فضائل بيت المقدسي. تحقيق مطيع الحافظ. دمشق 1985.
    34. علي بن الحسين. المسعودي. مروج الذهب ومعادن الجوهر. دار السعادة. ط4. مصر 1964.
    35. النسائي. سنن النسائي. شرح السيوطي. الحافظ جمال الدين. المطبعة المصرية الأزهرية. بدون تاريخ.
    36. أبو عبد الدين عمر الواقدي.. فتوح الشام. دار الجبل. بيوت. بدون تاريخ.
    مواقع انترنت
    www.bma-alqods.org
    • موقع الجزيرة نت .
    • موقع : www1/ofm/ag/Jerusalem9_Ar.html
    http://revameer.com/modules/news/print.php.storyid=22.
    www.islamtoday.al-eman.com.
    • موقع وزارة الخارجية "الإسرائيلية" . .
    www.palwakf.org/news.php .



    * شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الرابعة من المؤتمر والذي تناول المحور الديني لقضيّة القدس.


       معلومات الموضوع / المقال - المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    العنوان القدس في الشرائع السماوية
    الكاتب / الكاتبة جميل السلحوت
    رابط المقال القدس في الشرائع السماوية
    المصدر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    حقوق هذا الموضوع / المقال محفوظة مالم يكن الموضوع منقولاً إلى منتديات المعهد العربي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الدولة
    Palestine, Illinois, United States
    المشاركات
    39,655
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    215

    رد: القدس في الشرائع السماوية

    فلسطين طفلة العرب المنسيه
    خذلها الكبار
    خذلها صناع القرار
    فلا نخذلها نحن أصحاب الأقلام
    لا تمروا من قلب فلسطين
    دون كلمه / زهره / لمسة حنان تجبر الخاطر
    وتبعث الأمل بالروح
    مودتي
    [frame="9 80"]
    هكذا أنا


    http://www.yacoub-y.com/
    [/frame]


المواضيع المتشابهه

  1. أصل الأديان السماوية
    بواسطة sef في المنتدى التراث العقائدي
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 02-11-2011, 12:37 PM
  2. مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 10-04-2010, 12:16 PM
  3. الرسالات السماوية وتجاوب الإنسان
    بواسطة sef في المنتدى الدين والحياة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-18-2010, 12:44 AM
  4. محمد رسول الله فى الكتب السماوية
    بواسطة sef في المنتدى الدين والحياة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 07-19-2010, 07:46 PM
  5. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 02-26-2009, 12:28 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 06:36 AM







Powered by vBulletin™ Version 4.2.0
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.