Register

عزيزى الزائر اذا كانت هذه زيارتك الاولى فيسعدنا تسجيلك معنا بالضغط على الزر اعلاه .

النتائج 1 إلى 6 من 6






  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    278
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    15

    الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر

    [align=center] الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر[/align]

    [align=center][align=center]( إشــكاليات أوليـَّـة )[/align][/align]

    [align=center]دراسة: عبدا لجواد خفاجي[/align]

    [align=right]( 1 ) استعراض تاريخي للعلاقة:[/align]
    [align=justify]
    إن اهتمام علم اجتماع الأدب، أو علم اجتماع النص الأدبي بالعلاقة بين الأدب والمجتمع يؤكد أهميتها، ومن ثم تتأكد ـ بالضرورة ـ العلاقة بين الأديب ومجتمعه، وهى علاقة توسم بأنها تبادلية بين الأدب والمجتمع؛ فكلاهما يؤثر في الآخر.
    على أنني لست بحاجة للتأكيد على أن الأدب ظاهرة اجتماعية. حتى وأن اتسمت العملية الإبداعية الأدبية بالذاتية.. صحيح هي ذاتية من جهة الابتكار والكشف والجمع بين العناصر وفق رؤية ذاتية، لكنما هي اجتماعية لأن مادتها وعناصرها من الحياة والمجتمع.
    ويقال إن " للأدب انعكاسات اجتماعية عديدة، وهو في حد ذاته يعد انعكاسًا اجتماعيًا حتى في أكثر موضوعاته خصوصية. فهو نشاط اجتماعي قبل أن يكون نشاطًا لغويًا. حتى اللغة تفسر من منظور اجتماعي قبل أن تفسر من منظور آخر " (1) ومن ثم فالأدب قابل للتعريف من منظور اجتماعي على أنه مجموعة من القيم، أو التعبير عنها.
    وعلى مدى التاريخ الأدبي كله لم ينكر أحد العلاقة بين الأدب والمجتمع وإنما قد ينشأ الخلاف حول فهم طبيعة هذه العلاقة، ومن ثم "كانت قضية العلاقة بين الأدب والمجتمع وما تزال موضوعًا شديد الأهمية لفهم الأدب ودراسته، وبدونها لا يمكن فهم الأدب ولا المجتمع، ورغم أن مصطلحي الأدب والمجتمع لم يحملا نفس الدلالات الحديثة عند القدماء، إلا إننا نستطيع أن نلمح إسهامات حول هذه العلاقة منذ القديم"(2).
    ولنا أن نتأمل صلة الأدب بالمجتمع في أقدم صور الأدب "ولنرجع إلى الوراء إلى أعمق صور للشعر، وهي الشعر القصصي عند اليونان، صورة الإلياذة، فسنجدها لا تتغنى بعواطف فردية، وإنما تتغنى بعواطف الجماعة اليونانية لعصرها، مصورة حروبها بطرواده ومن استبسلوا فيها من الأبطال، ومن هنا نشأ القول بأن ناظمها ليس هو هوميروس وحده"(3). وفى العصر الجاهلي كان الشعر العربي مرآة عصره، وصورة من حياة العربي وباديته، أو كما يقال: كان ديوان العرب، أو سجل العرب الذي يصور حياتهم، ويحكي عاداتهم وتقاليدهم، ويعكس أحوال معيشتهم في صدق تام. ولنا أن نتوقف عند شاعر مثل "عمرو بن كلثوم" الذي دخل التاريخ بقصيدة واحدة (4) تناقلتها الألسنة، وغنتها القوافل جيئة وذهابًا، وأكثر بنو قبيلته "تغلب" من إنشادها جيلاً بعد جيل حتى قال فيهم الشاعر :
    ألهَى بنِي تغلبَ عنْ كلِّ مكرُمـَةٍ قَصيدةٌ قالها عمرو بن كُلثُومِ
    يفـاخرون بـها مذ كان أولهم يا للرجالِ لشعرٍ غيرِ مسئومِ
    والتساؤل الآن: لماذا دخل عمرو بن كلثوم التاريخ الأدبي بمثل هذه القصيدة الوحيدة ـ كما يقال ـ ولماذا حفظها بنو تغلب وتناقلوها وظلوا يفاخرون بها جيلاً بعد جيل ؟.. أ لتدفق المعنى وقوة السبك وتلاحم النسج، وجودة الصياغة وحسن العبارة، وسلامة الأسلوب، أم لأنها بجانب هذا ارتبطت بحياة القبيلة ارتباطاً مباشرًا، وبما دار من حروب بينها وبين قبيلة "بكر" فيما عرف بحرب البسوس ؟ لا شك أن قصيدة عمرو بن كلثوم تتغنى بأمجاد القبيلة وبطولاتها وتصور ما كان عليه رجالها من شجاعة وإقدام وعز وجاه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ارتبطت بموقف يدلل به الشاعر شخصيًا على الإباء والشجاعة والجرأة، وهو ما تضمنته قصته مع "عمرو بن هند" التي انتهت بمقتل الأخير.
    بالطبع نحن لا ننكر على هذه القصيدة جمالياتها الفائقة، لكنما لم تكن مثل هاتيك الجماليات هي كل ما ينقص قبيلة الشاعر في ذلك الوقت. لا شك أن معلقة عمرو بن كلثوم تتشابه فنيًا مع فنيات معظم قصائد العصر الجاهلي، وتسير على نفس منهج القصيدة الجاهلية عمومًا، ولكن صاحبها دخل بها التاريخ الأدبي لأنها عبَّرت بصدق عن احتياجات روحية وسياسية في مجتمع الشاعر، وقدمت صورة الصراع الدائر بين هذا المجتمع القبلي وغيره، وانتصرت لهذا المجتمع وهى تعبر عن فرحته، وأبرزت صفاته الأصلية وهى تعبر عن انتصاراته .
    ومن دون أن نسترسل كثيرًا، كان الشاعر الجاهلي عمومًا صوت القبيلة ولسان حالها المعبر عن أفراحها وأتراحها في كل مراحل حياتها، وفى كل مواقف الصراع، وربما لهذا كانت القبيلة تحتفل بميلاد شاعر بينها، يوم أن كانت القبيلة بأفرادها ونُظمها وعاداتها وديانتها وجهازها القيادي (المؤسسة) تمثل المجتمع بالنسبة للشاعر.
    وكما سبق القول: لم تكن العلاقة المتبادلة بين الأدب والمجتمع محل شك على مدى التاريخ الأدبي، وإنما الإشكاليات كانت تتراكم حول وجهة النظر التي يُنظر بها إلى هذه العلاقة، وفى طرق تناولها نقدياً، وفى الصراع الفكري والفلسفي الذي دار حولها. وعلى مدى التاريخ الحديث، ومنذ انهيار النظام الإقطاعي في أوروبا وإنهاء سيطرة الكنيسة على المجتمع والفكر وظهور ما يسمى بالعلمانية شهدت الفترة التالية نهضة للعلوم الطبيعية، حتى لأنها سيطرت بمنهجها وقوانينها منذ القرن التاسع عشر على البحوث الأدبية "سيطرة أدت إلى ظهور ما يمكن أن نسميه بالتاريخ الطبيعي للأدب عند طائفة من النقاد ومؤرخي الأدب، يأتي في مقدمتهم "سانت بيف" و " هيبوليت تين" و "برونتيير" متأثرين بفلسفة "أوجست كونت" الوضيعة، فيما عرفوا تاريخيًا بالنقاد الوضعيين نسبة إلى هذه الفلسفة، وكانت لهم رؤيتهم لهذا العلاقة التي نحن بصددها الآن. ولدور الأدب والأديب والمجتمع أيضًا. وفى رأي أصحاب هذا الاتجاه أن من أشد الأمور خطأ أن يقال: إن كل أديب كيان مستقل بذاته فضلاً عن أن يقال ذلك في آثاره وإنما الأديب وكل آثاره وأعماله ثمرة قوانين حتمية عملت في القديم، وتعمل في الحاضر، وتظل تعمل في المستقبل، وهو يصدر عمها صدورًا حتميًّا لا مفر منه ولا خلاص. إذ تشكله وتكيفه حسب مشيئتها وحسب ما تحمل في تضاعيفها من جبر وإلزام (5).
    ولقد تعمق في هذا الاتجاه "هيبوليت تين" ( 1828 ــ 1893 ) الذي تبلور كتاباته المذهب الوضعي بشكل واضح. فقد كانت محاولته أكثر جدية واتساعًا في الأفق. لأنه لم يحكِّم عنصرًا واحدًا في تفسير الأدب بل ثلاثة عناصر أساسية هي العصر (الزمن) والجنس (العرق) والبيئة (المكان)(6) .
    وأنطلق "تين" من خلال هذا التحكم ثلاثي العناصر يمارس عمله النقدي معتبرًا إياها بمثابة عناصر جماعية تجمع بين الأديب وأدباء أمته، ناظرًا إليها كما لو كانت قوانين حتمية كقوانين الطبيعة، وراح يطبقها على الأدباء الإنجليز في كتابه "تاريخ الأدب الإنجليزي".. بالنسبة للجنس كان يمثل عنده الفطرة الموروثة في كل أمة، إضافة إلى المزاج والبنية الجسمية، أما البيئة فيقصد بها الوسط الجغرافي والمكان الذي ينشأ فيه أفراد الأمة بما يفرضه عليهم من حياة مشتركة في العادات والتقاليد والأخلاق والروحية والاجتماعية، أما العصر أو الزمان فكان يقصد به الظروف السياسية والثقافية والفنية والدينية.
    جدير بالذكر أن منهج " تين " كان له أنصاره في الوطن العربي من أمثال "طه حسين" وتلاميذه من أمثال "شوقي ضيف" وإن كان قد انحصر عندهم في المنهج البيئي ثم من تبعهم من أمثال لويس عوض ومحمد مندور ومحمود أمين العالم وعبد المحسن طه بدر وغيرهم.
    على أن نموذج "تين" لم يسلم من الانتقادات التي وجهت إليه، فقد لوحظ أنه ينتهي إلى التناقض؛ "ففي الوقت الذي يبحث فيه عن العلل المادية للأشياء والظواهر نجده يرد هذه العلل إلى جذور لا مادية بل مجردة وثابتة وذات أصول نفسية، هذا بالإضافة إلى الإنتقادات التي وجهت إلى الوضعية بصفة عامة، ومنها التفسير الميكانيكي للأدب (........) كذلك ينتقد "تين" لأنه لم يبحث في الأدب إلا عن الوثيقة التي تعكس صورة المجتمع" (7) وربما لذلك نعت النقاد الوضعيون أحيانا بالميكانيكيين، ولعل السهام التي وجهت إليهم كثيرة ومتعددة الإتجاهات، فقد هاجمهم أول من هاجم أصحاب الفلسفة الجمالية التي انبرى متبنوها من نقاد الأدب يرفعون شعار "الفن للفن" مستندين إلى مقولات فلاسفة الجمال وعلى رأسهم "كانت".. فقد ألمح "كانت" مثلاً إلى القول بأنه "ليس للفن من غاية سوى المتعة الجمالية الخالصة التي تحقق الانسجام بين ملكاتنا الإنسانية انسجاما تتآلف فيه المعرفة والشعور والمخيلة" (8).
    أما أعنف ما واجهه الاتجاه الوضعي فكان من أصحاب الدراسات الذاتية أو التأثرية الذين رأوا في أوائل القرن العشرين ضرورة عزل الأدب عن مقاييس العلوم الطبيعية والدراسات الاجتماعية والنفسية والجمالية ذاهبين إلى أن " للأدب تأثيرات وجدانية في الباحث الأدبي. وحسبه أن يعرض مدى استجابته لهذه التأثيرات مع بيانه لمواطن الروعة في الآثار الأدبية " (9). ولعل أهم من دعوا إلى هذا الاتجاه "جول ليمر" ( المتوفى 1914) الذي بدأ بمهاجمة "تين" ومن يتبع منهجه من النقاد.
    وفي العقد الثالث من القرن التاسع عشر ظهر نموذج آخر مختلف كان منهم شخصية أثرت في الأدب والنقد هو الشاعر ت. س. إليوت، هذا النموذج هو نموذج الوضعيين الذين رأوا أن الشعر ليس تعبيرًا عن انفعال وجداني، بل على العكس من ذلك هو هروب من هذا الانفعال، كما أنه ليس تعبيرًا عن الشخصية، بل هو كذلك هروب منها.
    ولعل هذا الاتجاه الهروبي تبنته فيها بعد تيارات حداثية في الأدب والفن رأت أن مهمة الأديب ليست تعبيرًا عن شيء، لا عن الشخصية، ولا عن اللاشعور، ولا عن ضروب الصراع بين طبقات المجتمع، ولا عن أي شيء يتصل بالجماعة من سياسة وأخلاق، أو دين أو إلحاد، أو بالمعنى فصل هذا النموذج بين الأدب والسياسة، والأيديولوجيا وبالتالي بينه وبين المجتمع، وأضحى الشعر بالنسبة لهذا النموذج معبرًا عن هروب الذات المستمر من الواقع، بل هو إذابة وإفناء مستمر للذات باستمرار هروبها إلى عالم علوي تتسامى فيه عن الواقع تمامًا كما يتبخر الماء من الأرض إلى أفق علوي فوقها، وأصبح عالم الذات بذلك خاصًا بها يمكن للشاعر أن يمارس منه السخرية والتهكم على الواقع، متجاوزًا بذلك عن أي دور نبوئي أو رسولي، وقد تسامى إلى حد كبير عن هذا الواقع الشاخص فوق الأرض الخراب أو الأرض اليباب كما هو الحال في قصيدة ت. س. إليوت التي تحمل العنوان ذاته.
    ومن ثم كان على الشاعر أن يرسل من منطقته العلوية تلك شفراته الشعرية إلى الأرض الخراب مشمولة بالتعالي والسخرية وممزوجة بالرمز والغموض والإبهام.
    ربما أن الاتجاه الموضوعي هذا عُني ببحث البناء الفني للقصيدة وفحص لبناتها فحصًا دقيقًا دون الدخول في أي شيء خارجي يتصل بالمجتمع وعلاقاته. على أن جوهر الخلاف في هذا النموذج عن غيره لم يكن حول علاقة الأدب بالمجتمع، وإنما كان الخلاف حول وظيفة الأدب، وكما يتضح من هذا النموذج أن الواقع أضحى صادمًا بالنسبة للذات الشاعرة، وكان سببًا مباشرًا في اعتناقها مبدأ الهروب.
    يمكننا ونحن لا زلنا بصدد العلاقة بين الأدب والمجتمع أن نتوقف عند "الماركسية" كفلسفة كان لها إنجازها في الدراسات الأدبية طوال النصف الأول من القرن العشرين وخاضت صراعاً عنيفاً مع كافة الفلسفات الماثلة في تلك الحقبة، وخاصة الفلسفة الوضعية، صراعاً وصل حد العداء، ليس من منطق العداء السياسي، ولكن لأن الماركسيين لم يجدوا مبرراً لاستمرار الفلسفة الوضعية رغم ماديتها، فحسب وجهة نظرهم أن المارسيكية بشقيها:المادية الجدلية والمادية التاريخية يمكنها أن تقدم تصوراً أفضل للقوانين التي تحكم حركة المجتمع وتطوره، ليس هذا فحسب بل يمكنها أن تقدم المنهج القادر على تغيير هذا المجتمع، ومن هنا جاء رفضهم للوضعية المادية الميكانيكية الجامدة.
    على أية حال كان "اهتمام النظرية المارسيكية باجتماعية الأدب ليس مجرد مسألة اهتمام كمي ظهر في كل كتابات النقاد المارسكيين بدءاً من منَظِّرى الماركسية الكبار ماركس (1818ـ 1883) وانجلز(1820 ـ 1895) وإنما هو أساساً اهتمام نوعي يتجلي في الفهم المغاير للمجتمع، وأيضاً في الزوايا التي ينظر إليها في الأدب"(10) ومن ثم في طبيعة العلاقة بين الأدب والمجتمع.. هذا الفهم المغاير كان من نتيجته أن ظهرت مناهج نوعية مختلفة للتعامل مع الأدب، جاءت نتيجة طبيعية للخواص الأساسية للمادية الجدلية كمنهج حاكم لمجمل مفاهيم الماركسية في الميادين المختلفة.
    ولعل أول إشكالية نقدية ظهرت في أحضان النقد الماركسي أو كما يسمى "الواقعة الاشتراكية" هي قضية "الانعكاس" إذ رأوا أن العمل الأدبي مجرد مرآة عليها أن تعكس الواقع الأدبي وقضاياه. وكان أول من ألح على هذا المفهوم من نقاد الأدب الماركسيين هو "جدانوف" و "بليخاتوف" ففي أعمالهما سنجد "إلحاحًا على ضرورة أن يعكس الأدب الواقع الاجتماعي" وأن يلتزم بقضايا الطبقات، وخاصة الطبقة العاملة، وأن يكون قادرًا على أن يدرك صيرورة الصراع الاجتماعي، ويجسده في عمله بوسائله الفنية، ومن هنا جاءت أولية المضمون (الاجتماعي) على الشكل، بحيث يصبح الشكل وسيلة لتجسيد المضمون، ومدى قدرة الكاتب على "عكس" قضايا الواقع الاجتماعي"(11) والملاحظ في إطار هذا المقياس أن العلاقة بين الأدب والمجتمع كانت تُدرس في اتجاهين أولهما انعكاسات المجتمع في الأدب، والثاني تأثير المجتمع في الأدب وما يستتبع ذلك من محاولة النفوذ إلى معرفة طبقة الأديب الاجتماعية التي ينتمي إليها، وما عاش فيه من أوضاع اقتصادية، ومدى استجابته لموقف طبقته وصدوره عنها في آثاره.
    على أن مسألة (الانعكاس) بدت أمرًا بديهيًّا أن يعكس الأدب قضايا وهموم المجتمع، ولعل هذه البديهة أسلمت إلى بديهة أخرى تتعدى الأدب إلى الأديب نفسه، هذه البديهة الأخيرة عرفت "بالالتزام". وقد ظهرت أول ما ظهرت كقضية دار حولها النقاش في ضوء مبدأ الانعكاس.. وبديهة "الالتزام" تقول:" الأديب لا يُطلب منه في أدبة أن يعكس علاقات مجتمعة وأوضاعه فحسب، بل يطلب منه أن يشارك في تكييف مجتمعه، بحيث يصبح جزءًا لا يتجزأ من كل ما يجرى فيه من مشاكل وقضايا ومعارك، بحيث يزُود عنه حين يطلب منه الزياد، فينبري للدفاع عنه بقلمه"(12) ولعل هذا ما دفع النقاد الواقعيين الاشتراكيين إلى النظر إلى الأديب غير الملتزم على أنه صاحب برج عاجي، وكل ما يصدر عنه إنما هو "أدب البرج العاجي" ولعل النقاد الواقعيين الاشتراكيين العرب في حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانوا أكثر جدلاً وعنفًا فيما وصل الأمر عندهم حد السباب والاتهام لكل من لم يلتزم في أدبه من أصحاب المذاهب الأخيرة. ولعل أعنف من تصدى للزود عن قضيتي الانعكاس والالتزام منهم كان "حسين مُروَّة" في لبنان، و" محمود أمين العالم " في مصر.
    وقد لاحظنا سجالاً ـ لا تزال المكتبات تحفظ به بين رفوفهاـ بين أصحاب هذا الاتجاه الاشتراكي وخصومهم ومدى الاتهامات المتبادلة بينهما .. في كتابه "قضايا أدبية" يبدأ حسين مُروَّه في مقدمته بالقول:"وليس قصدنا الآن أن ندفع المفتريات والأضاليل والأراجيف كلها، فإن الكثير منها لا يحتاج إلى شيء من العناد في دفعه، لأنه يحمل في ذاته سبب انفجاره وانتحاره، وإنما القصد هنا أن ندفع تهمة يكثر تردادها اليوم على الألسنة والأقلام التي عبأتها قوى الرجعية في بلادنا العربية؛ لتضع الأشواك في طريق الفكر التقدمي الجديد الذى يتضمنها أدبنا الجديد ( ...... ) أما التهمة نفسها فهي هذه: يزعم أولئك الزاعمون أن الأدب التقدمي الجديد من حيث كونه يقف مواقف معينة تجاه القضايا الوطنية، الاجتماعية والسياسية، قد جرد نفسه من جماليات الفن، ونزل عن خصائص الشخصية التي هي مصدر القيم الجمالية في العمل الأدبي " (13). وفى موضع آخر من المقدمة يقول :" ولا شك أن أدبًا، أو فنًا له مثل هذه القوة "الديناميكية" في مساندة الحركة الوطنية المناضلة في بلداننا المناضلة، لا بد أن تعبئ له قوى الاستعمار والرجعية كل ما تستطيع تعبئته من وسائل المقاومة، والإرجاف والتضليل، وأخطر هذه الوسائل أن يقوم في روع الأدباء العرب أن دخولهم معترك النضال يفسد عليهم خصائص الجمال الفني في أدبهم، فيؤدي بهم ذلك إلى اعتزال الحياة العامة، وإلى الوقوف من القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية معًا موقفًا سلبيًًا في ظاهره وهو ـ في حقيقته العلمية ـ ينتهي إلى موقف إيجابي رجعي، لأن معناه بالواقع، خسران القضايا الوطنية هذه القوة "الديناميكية" التي يستطع الأدب أن يدفع بها حركة الجماهير المناضلة لتحقيق السلم والاستقلال الوطني وهناءة الشعب "(14).
    ولعلنا قد لاحظنا أن " حسين مُروَّة " يُلمِّح إلى أن كل من ليس معهم فهو من الأعداء (الاستعمار والرجعية) وأنهم وحدهم الوطنيون التقدميون .
    والحقيقة ـ كما نَلمَح ـ أن هذا النموذج الواقعي الاشتراكي لا يفرق بين السياسي والأدبي، وأنه كان يَعْـبُر بأريحية واسعة إلى حد كبير فوق الأدب، ليحدد ما يجب أن يكون عليه الأدب في علاقته بالمجتمع وقضاياه وهمومه، وفى هذا ما يمكن أن نعتبره تكريساً للأديولوجيا لخدمة المؤسسة التي تحكم الأدب نفسة.
    الملاحظة الثانية : أن ممارسة كهاته يمكن أن تتم في إطار مرجعي تتبناه الدولة والمجتمع سياسياً وأيديولوجياً، كما كان يحدث في الاتحاد السوفياتي حيث كانت حركة الأدب تسير في إطار توجيه الحزب والدولة، يكفينا تدليلاً على هذا أن مؤتمرات الكتاب السوفياتيين كانت تعقد في الكرملين، شأنها كشأن المؤتمرات السياسية، وتبدأ واقعاتها بكلمة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (15).
    وفى أطار كهذا يجد الأديب نفسه صاحب دور مؤسسي أيضاً، وهذا هو الهدف منذ البداية : أن يوضع الأديب نفسه وسط الجماهير كأي مناضل سياسي، أو كما قال الناقد السوفياتي ف.م. زيمنكو : " الأديب عضو قائد في المجتمع، إنه وجه جماهيري، إنه هو نفسه رجل سياسة " (16) ولكي يصل الأديب إلى هذه الوضعية كان لابد أن ترعاه المؤسسة وتوجهه منذ البداية، أو كما ذهب " جان بول سارتر " يصبح الأديب الملتزم هو ضمير المجتمع وناصحه الأمين، وطفله المدلل في الآن نفسه (17) .
    وفيما يبدو أن أنصار فكرة " الالتزام " في كل مكان وزمان كانوا صورة واحدة عنيفة في الهجوم على خصومهم، فالمطالع لكتاب " جان بول سارتر " المعنون "ما الأدب؟ " يجد جملة من الأساليب الساخرة والتهكمية على خصوم " الالتزام" تصل إلى حد الكوميديا التي تستغرق الكاتب، وإن استثني الشاعر من الالتزام ؛ معللاً ذلك بأن خطاب الشعر غير نفعي في الأساس بخلاف النثر، فعمل النثر ـ حسب رأيه ـ " إنما هو إعراب عن المعاني " وهذا في رأيه مجال النثر، أما الشعر فإنه كالموسيقى والرسم والنحت، ومن الخطأ أن نزج بهم في ميدان الأغراض النفعية (18) في هذا الكتاب نجد هجومًا لاذعًا على أصحاب الاتجاهات النفسية في دراسة الأدب، كما نجد هجومًا أعنف على أنصار الفلسفة الجمالية ممن يرفعون شعار "الفن للفن"، أما هجومه الأشد عنفاً فكان على أصحاب الإتجاه الموضوعي ممن يمجدون هروب الأديب وتعاليه على مجتمعه، وسخريته منه، حتى لأنه شبَّه مثل هؤلاء الأدباء الهروبيين المنفصلين عن قضايا مجتمعهم بالموتى، وشبَّه نقادهم بحراس المقابر(19) وربما لذلك وجد خصوم الالتزام الفرصة سانحة للهجوم المضاد فنعتوا أصحاب الالتزام "بالمؤدلجين" كما نعتوا نتاجهم الأدبي بأنه "أدب مُوجَّه" وكتاب "حسين مُروَّه" (قضايا أدبية) يحوى فصلاً عن قضية "الأدب الموجه" يفند فيه مزاعم الخصوم من خلال رده على "طه حسين" عقب مناظرة عقدت بقصر الأونيسكو ببيروت في أبريل سنة 1955، وبدأت المناظرة بالسؤال : لمن يكتب الأديب، للخاصة أم للعامة ؟ وهو السؤال الذى رأي "حسين مُروَّة" بعد ذلك تعديله إلى:عن أي فئة من المجتمع يكتب الأديب، وكيف يكتب ؟.
    والإشكالية أن الواقعيين الاشتراكيين لم ينكروا أنهم أدباء موجَّهون، وأن الذى يوجههم إنما هي النظرة العلمية الشاملة، أو على غرار ما ذكر "حسين مُروَّة" نفسه قائلاً:"وإنما توجهننا نظرة علمية تشمل الحياة والكون والمجتمع، وإننا ـ في ضوء هذه النظرة التي نحاول بها فهم التطور التاريخي ـ ننظر إلى مجتمعنا وإلى خصائصنا القومية والتاريخية" (20) .
    وهكذا كان على هذا النموذج أن يواجه خصومه الذين يرون أن كلمة "التزام" في هذا النموذج إنما تعنى "إلزامًا" يقيم في وجه الأدب اشتراطات سلطوية يأباها الأدب نفسه كعملية إنتاجية لها اشتراطاتها الذاتية التي ترفض ـ من حيث المبدأ ـ التسلط، وهى تسعى إلى التحرر والتفلت من ربقة الأطر المسبقة، سواء كانت نظرية رؤيوية أو سياسية أو أيديولوجية، أو حتى فنيَّة على مستوى الآليات والتقنيات، وإذا كانت ثمة حرية مزعومة للفنان في هذا الإطار فإنها حرية مؤطَّرة، تقوم أساسًا على الاختيار والانتقاء داخل الإطار المحدد سلفًا، أو كما قال "حسين مُروَّة":"اختيار الجوانب الحيَّة النامية في الواقع، وانتقاء الظواهر البنائية في حياة المجتمع" وبهذا ـ حسب زعمه ـ تقوم حرية الأديب، وتظهر شخصيته الاجتماعية الواعية البصيرة المسلَّحة بالتجربة المتكاملة المتطورة " (21) وفيما بدا أن "حسين مُروَّة" كغيره من النقاد الواقعيين الاشتراكيين متأثرٌ بما طرحه "جورج لوكاتش" ( 1885 ـ 1971 ) أهم دارسي الأدب الماركسيين. وما طرحه لوكاتش أكد فيه على أن "الكاتب الواقعي هو الكاتب القادر على أن يصل من خلال تجسيد الملامح الفردية لشخصية ما إلى الخصائص التي تربطها ببقية أفراد مجتمعها، وهى خصائص ناتجة عن طبيعة الصراع الاجتماعي في كل لحظة تاريخية محددة" (22) وفى الإطار نفسه طرح لوكاتش مفهوم "رؤية العَالم" ويقصد بها رؤية الكاتب للعالَم التي هي بدورها رؤية الجماعة للعالم، وفى رأيه أن المشاعر والأحاسيس ومهما تكن أساسًا خاصة بالكاتب نفسه إلا أنها ـ عند لوكاتش ـ نتاج للطبقة أو الجماعة التي ينتمي إليها الكاتب .
    أما أكبر الإشكاليات النقدية التي أثارها نموذج الواقعية الاشتراكية أو أثارها خصومه في وجهه كانت إشكالية "الشكل والمضمون" أو "الشكل والمحتوى" ؛ فقد أعطى هذا النموذج كل عنايته للمحتوى، أو المضمون الاجتماعي، وجعله مقياسًا عامًا للحكم على أدبية العمل الأدبي وجودته ، بحيث يتحدد مستوى جودة العمل الأدبي بجودة مضمونه الاجتماعي، وخلاصة القول عندهم: إن "مضمون الأدب في جوهره يعكس مواقف ووقائع اجتماعية" (23) وبصرف النظر عن الشكل الفني الذى تجسَّد فيه هذا المضمون الاجتماعي، ولذلك كان الاتهام الموجَّه إلى نتاج أتباع هذا النموذج أنه يفقد قيمته الفنية أو الجمالية في الطريق، أو أنه كثيرًا ما يضحى بالفن عبر مسيرة تَشَكُّلِه .
    ولعل النقاد الواقعيين الاشتراكيين أدركوا هذا التطرف في الفصل بين الشكل والمضمون وإعطاء الأولوية للمضمون الاجتماعي على الشكل، واعتباره مجرد وسيلة لتجسيد أو تحقيق المضمون، ومن ثم ظهر نموذج "جورج لوكاتش" ـ سالف الذكر ـ وإن كان قد سار على نفس مبدأ الانعكاس إلا أنه حاول من خلال تطبيقاته على الرواية التركيز على المضمون الاجتماعي في ذات الوقت الذى يركز فيه على الشكل إلى حد قوله:"إن الشكل هو العنصر الاجتماعي الحق في الأدب" لكنه لم يعمد إلى تنمية هذا القول، بحيث يصبح أساسًا من عمد النظرية. (24)
    ولعل ما ساد بعد ذلك من نماذج نقدية في الإطار الاشتراكي هو نموذج " لوسيان جولدمان" ( 1913 ــ 1970 ) صاحب منهج " البنيوية التوليدية " الذى ركز فيه على عنصر الرواية فقط، بل على عنصر واحد من عناصر الرواية هو"البطل" مركزًا على خصائص فكرية وقيمية، أما الخصائص الشكلية الفنية فقد كانت غائبة عن نظره، دون أدنى اهتمام بالبني السردية اللغوية، رغم بنيويته، وزعمه التعامل مع البنية النَّـصِّّيـَّة، إلا أنه ظل يبحث عن التماثلات المضمونية فقط، ولعل هذا التطرف عند الواقعيين الإشتراكيين في العناية بالمضمون على حساب الشكل، هو ما أدى إلى ظهور تطرف آخر عند الشكليين الروس عمد إلى قلب المائدة، كما يقول"تيرى إيجلتون":"كانت الشكلية الروسية في جوهرها تطبيق اللغويات على دراسة الأدب، ونظرًا لأن اللغويات المعنية من نوع شكلي، تهتم ببنيات اللغة أكثر من اهتمامها بما يقول المرء فعلاً، فقد تغاضى الشكليون عن تحليل "المضمون" الأدبي(حيث المرء على الدوام عرضة لغواية الدخول إلى علم النفس أو علم الاجتماع) إلى دراسة الشكل الأدبي، وبدلاً من أن ينظروا إلى الشكل على أنه تعبير عن المضمون، جعلوا العلاقة تقف على رأسها:فالمضمون هو مجرد " الحافز " للشكل، مجرد وسيلة أو فرصة لنوع خاص من التدريب الشكلي" (25) .

    *********
    إلى هذا الحد نكون قد وصلنا إلى أن العلاقة بين الأدب والمجتمع لم تكن هامشية في التاريخ الأدبي، بل كانت على درجة من الأهمية، ومحل اهتمام الفلسفات التي تبنتها، وقد لاحظنا أن ثمة قضايا فرعية كثيرة فلسفية ونقدية انطرحت على ضفاف هذه العلاقة في مسيرتها عبر التاريخ الأدبي كله، وقد قامت حولها أيضا مدارس أدبية تتبناها وتعلي من شأنها وتراها جوهر الأدبي، فيما قامت مدارس أخرى تحاول أن توازن في نظرتها إلى جوهر الأدب بين الشكل والمضمون، كما قامت مدارس أخرى تتنكر لهذا العلاقة، وإن كانت لا تنكرها، طارحة مفاهيم أخرى بديلة حول الأدب، وحددت له وظائف أخرى، واعتبرته محض هروب من الواقع والمجتمع وقضاياه.
    ولعل الإشكالية لم تنته بعد عند الحد الذى طرحناه، كما أنها لم تكن تبدأ من الحد الذى بدأنا منه، وإنما ركزنا فقط على ما نريد أن نركز عليه بداية، وما أردنا أن نؤكد به على أهمية هذه العلاقة وجوهريتها في التاريخ الأدبي، خاصة الحديث منه.
    ربما قد يكون الاستنتاج واجبًا من خلال ما طرحناه أن علاقة الأدب بالمجتمع كانت دائما خاضعة للمراجعة، وعرضة لوجهات النظر ولاشتراطات تاريخية وفلسفية مرتبطة بظروف مرحلية كانت ـ في الأغلب الأعم ـ سياسية واجتماعية.
    الإشكالية الثانية التي نود أن نتوقف أمامها هي ما تتضمنه مقولة "هموم المجتمع" من إطلاق والتباس في عصر انسخطت فيه كل المفاهيم القديمة، وتبدل حتى مدلول كلمة مجتمع، ولم يعد الصراع بين الطبقات والفئات في المجتمع على ما هو عليه في الفلسسفات القديمة، في عصرالعولمة أو الكونية بما تفرضه من صيغ سياسية وأيديولوجية في حدود الدول، تحرم به فئات عريضة من أسس استبقاء الحياة، أو إعادة إنتاجها ، وبما أحدثته من خلخلة في البنى التحتية والفوقية في الدول الطرفية ونحن منها، نحن واقعون بالضرورة في مجال عمل آليات العولمة التي تسعى ـ على المستوى الاقتصادي ـ إلى توحيد العالم في مراكز النظام العالمي، وفى الوقت نفسه تسعى إلى تحقيق ضروبًا من التناقص البنائي والتشظي في الأطراف، والصورة ماثلة أمامنا، لقد أدت آليات النظام الكوني إلى إضعاف الدور المؤسسي الوطني للدول الطرفية، وتعجيز قدراتها على أداء وظائفها، تسخير هذه الوظائف لخدمة المراكز المتحكمة. من ناحية أخرى أصبحت البنية الاجتماعية مسرحاً لمظاهر من التفكك يجعلها عرضة للتآكل أو الإنفجار من الداخل، وهذا ما يدعونا إلى التأكيد على أن مشكلتنا الأكثر إلحاحاً (في مجتمعاتنا) هي مشكلة وجودية، هي مشكلة إقامة الـ "نحن" في مقابل صور التفكك والتشظى .
    وفى المقابل من هذا تصادفنا صور من الهموم الكبرى الداخلية في صور انقسامات جديدة أضيفت إلى بنية المجتمع، أهمها الانقسامات الطبقية نتيجة تدعيم صور التميز الطبقي، ورسم السياسات التي تخدم فئات بعينها، والفشل في تدعيم مبدأ المساواة وتحقيقه من خلال سياسات عملية، والصورة الماثلة هي تآكل الطبقة الوسطى، والانحدار نحو مجتمع الـنصف في المائة الذى قضت عليه ثورة يوليو 1952.
    في الوقت ذاته نجد الإشكاليات على المستوى الثقافي ، فقد سقط الخطاب الثقافي (لدينا) متجرداً من الثقافة القومية أو ثقافة الشعب أو الدولة حيث التاريخ والهوية ، سقط في أحضان العولمة حيث لا تاريخ ولا هوية ، ومن ثم كان على علم الاجتماع ، وعلم اجتماع الأدب ـ ولأول مرة ـ أن يناقش "أزمة الهوية " .
    والصورة الماثلة أمامنا لمظهر السقوط أن الخطاب الثقافي أضحى نخبويا بالدرجة الأولى، يعمل على إعادة صياغة الفرد في ضوء ما كرسته العولمة من مبادئ "حق التباين" ومن ثم أضحى هذا الخطاب يشتغل حقيقة على اعتبارات الذكورة والأنوثة تارة ، واعتبارات الإثنية تارة والدينية تارة أخرى .
    وفيما يختص بالخطاب النقدي الأدبي سقط ـ هو الآخر ـ منذ فترة أيضاً في يد النخبة ذاتها التي تلقفت الخطاب الحداثي وهو ولا شك جزء من خطاب العولمة، ولقد امتد هذا الخطاب إلى القرى والنجوع والكفور ممارساً سطوتة المركزية، راسماً للإبداع توجهات جديدة، داعياًً إلى القطعية مع التراث والثقافة الشعبية، ممجداً تنثير الشعر وهجر الغنائية ، حاضاً من قيمة الرسالة في الأدب ، مستحثاً هجرة الذات إلى عوالم فوق واقعية، داعياً إلى تشفير الرسالة الشعرية ، فاصلاً بين الذات وقيمها وثقافتها القومية والمحلية ، بما يستوجب الأمر إعادة تقييم النقد العربي في المرحلة الراهنة، وقد أضحى رهين المحبسين، ضريرًا يتخبط بين خطاب النخبة وأزمة الحضارة العربية.[/align]

    [align=center]
    ********[/align]



    [align=right]( 2) إشــكاليـات أوليــَّة : [/align]
    [align=justify]
    ترى إلى أي مدى يأتي العنوان " الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر " صادما للبحث من جهتين ؟
    الأولى : أنه يأتي في وقت له اشتراطاته الفلسفية والسياسية والاجتماعية المغايرة، بما لا يجدي الأمر معه أن نعيد المفاهيم القديمة ذاتها، أو حتى نعدل فيها.
    الثانية : أن البحث يأتي متعلقا بصعيد مصر المستجهل والمسكوت عنه على كافة الصعد، وخاصة العلمية والبحثية منها .
    وسواء عنينا بالعنوان الأدب في عموميته في احتضان قضايا وهموم المجتمع في صعيد مصر أو عنينا به الأدب في صعيد مصر في احتضانه وتبنيه لقضايا وهموم المجتمع سواء المجتمع الصعيدي أو القومي المصري أو العربي أو الإنساني فوق الأرض، فإننا في الحالتين أمام صورة المسكوت عنه في الدراسات البحثية خاصة الاجتماعية منها، غير ما هنالك من إشكاليات أولية غايتنا الوقوف عندها قبل أي شيء آخر.
    فكما هو واضح أن العنوان يلقى بالقضية برمتها على اتساعها، وتشعبها في مزرعة مصر، وأعنى بها ذيل الخارطة الطويل، وأعنى به المسكوت عنه علميا ـ على الأقل ـ إلا فيما يختص بعملية إنتاج قصب السكر، والقطن طويل التيلة، وعبر تاريخ مصر الحديثة.
    وهكذا تنحصر القضية ـ على ضخامتها ـ في فراغ الذاكرة الجمعية المعاصرة لمصر، أو في الخلاء المؤسف من أهم مخزن للتراث الحضاري لهذا الأمة ـ وأعنى به صعيد مصر الذى صدر الحضارة ـ غير نادم ـ إلى العالم يوم أن كانت مصر تعني "طيبة" ويوم أن كان المركز الحضاري (الذى يمثل مصر الآن) يمثل مكانا مناسبًا للدفن، يمكن لملوك مصر أن يبتنوا فيه أهراماتهم (قبورهم) العظمى.
    نعم ثمة اختزال مؤسف تم عبر مراحل تاريخية طويلة للوطن في بضع مراكز حضارية ساهم المستعمر أو الدخيل في تأسيسها خدمة لمصالحه.
    لكنها ظلت تشكل على مدى التاريخ الحديث مركزيات سياسية وثقافية وعلمية واقتصادية تتجاهل الأطراف، ومن هنا تبدأ أولى إشكاليات هذا البحث أنه يهبط إلى منطقة غير ممهودة علمياً .
    غير أن الإشكالية الثانية أننا بإزاء لافتة تشير إلى موضوع، وأعنى به "الأدب في صعيد مصر" ومن دون أن يكون لدينا ما تعنيه تماماً هذه اللافتة، وكأنها حقيقة تشير إلى فراغ، مع أنها جوهرياً تشير إلى الكنز المبدد، أو المطمور، ومن هنا يصبح السؤال واجباً : أين هو هذا الأدب المعنىّ ؟
    من حقي مبدئياً أن أتساءل.. فإذا كنا نشير إلى الصعيد بأبعاده الحضارية والجغرافية والبيئية المخصوصة، فكيف لنا أن نشير إلى الأدب ؟ وهل قصدنا إلى الأدب المكتوب أم الشفاهي ؟ وهل ما لدينا من بضع مئات من الكتب التي تحوى نتاجاً أدبياً لأدباء ينتمون بحكم المولد أو الإقامة أو النشأة إلى صعيد مصر.. هل هذا الكم يمثل حقيقة الأدب في صعيد مصر، أم أنها العينة الضئيلة التي لا تمثل المجموع تمثيلاً صحيحاً من وجهة النظر العلمية البحثية ؟ إضافة إلى البعد الزمني أو التاريخي أو المرحلي للعينة والذي علينا ألا نهمله، فهل قصدنا ـ إذن ـ إلى الأدب في صعيد مصر في كل مراحل تَشُّكله عبر التاريخ أم قصدنا إلى فترة معينة لتكن منذ أوائل السبعينيات مثلاً ؟ في جميع الحالات أبدأ بالتشكيك في هذا الأدب، لا على طريقة "طه حسين" ومنهجه عندما شكك في الأدب الجاهلي، فلسنا أمام مصطلح "أدب صعيدي" وإنما نحن أمام مصطلح مختلف يجعل من الجغرافيا مجرد وعاء للأدب، ومن دون أن يكون الأخير منسوبًا إلى الأولى، ومن هنا فإن الباحث ـ أي باحث ـ في هذا الأدب داخل حدود مصطلح "الأدب في صعيد مصر" يجد لزاماً عليه أن يحدد أولاً مدى انتساب هذا الأدب إلى الأطر الحضارية والجغرافية والبيئية والثقافية التي تربط هذا الأدب بالصعيد، وهذا ليس موضوعنا الآن لأننا أمام تحديد جغرافي ولسنا أمام تحديد هوية، فالأدب في صعيد مصر كهوية لينفصم عن هويته العربية، وإن تميز ببعض الملامح البيئية والثقافية والميثيولوجية الخاصة التي يصح معها أن نرد إليه "ياء" النسب، لنقول: "أدب صعيدي" وقد عاينَّا في التراث العربي تحديدات مشابهة لكنها كانت أكثر حذراً عندما خصَّت الأديب ولم تخص الأدب، مثل:"شعراء الحجاز" و "شعراء مُضر" و "شعراء الأندلس" .. إلخ .
    على أية حال إشكاليتنا بعيداً عن هذه التحديدات لأننا نبدأ بالتشكيك اعتماداً على منهج أمبريقي في الأساس.
    فمن المعروف علمياً أن العينة موضوع البحث لابد أن تمثل المجموع أو الكل تمثيلاً حقيقياً تضمن لنا توافر جميع الصفات والخصائص المميزة لهذا الكل، وإلا سقط منا إمكانية تعميم الملاحظات والاستنتاجات التي يمكن أن نستخلصها من العينة .
    تماما كما نقول إن عينة الـ (0.5%) التي تحكمت في ثروة مصر قبل ثورة 52 وسيطرت على الحياة الاجتماعية والسياسية كطبقة إقطاعية، صالحة لتمثيل المجتمع المصري بأسرة في إطار البحث العلمي، وهذه فرضية خاطئة، لأنها كميًا غير مناسبة، ونوعيا هي لا تمثل غير نفسها كفئة إقطاعية تنفى بقية فئات المجتمع المصري عن حق التمثيل.
    من هنا أعيد السؤال: أين هو الأدب في صعيد مصر ؟.. باختصار:أين المادة الخام لننشغل بها أو عليها، وسأكون أكثر تحديدا لعمر العينة وأحدد الفترة من أوائل السبعينيات حتى تاريخه ؟.
    ولعل أكبر الاشكاليات تبدأ بالأسئلة الصغرى، ولعلني لن ألتفت إلى الإجابات الساذجة التي تنظر في مسيرة حياة المبدع (منتج الأدب) وفى علاقته بالجغرافيا لتذكر لي أسماء بعينها، فنحن هنا أمام المنتج (بفتح التاء) الأدبي فوق الخارطة المسماة "صعيد مصر" وبصرف النظر عن أية سمات نوعية (رؤية أو فنية) فارقة، فهذا لا يهم البتة من وجهة النظر الأمبريقية.
    وأخشى أول ما أخشى أن تكون الإجابة مشيرة إلى ما بين أيدينا من بضع مئات من دواوين الشعر ومجموعات القصص على ما بينها من ندوة روائية لنقول: إن هذا هو الأدب في صعيد مصر.
    إن امتثالنا لمثل هذه الإجابة يعنى بداية وقوعنا ـ علميًا ـ في الخطأ؛ لأننا نشير حقيقة بمثل هذه الإجابة إلى نسبة (2%) اثنين بالمائة من المنتج الأدبي في صعيد مصر وذلك على أحسن احتمال، وهى النسبة التي سمحت المؤسسة الرسمية بنشرها، وما استطاع الأدباء أنفسهم نشره في طبعات محدودة بجهودهم المتواضعة وفى ظل ظروف اقتصادية ـ عامة ـ بالغة التعسر، وفى غياب أي دور نشر في صعيد مصر من أقصاه إلى أدناه، إضافة إلى ندرة المطابع في صعيد مصر حتى أوائل الثمانينات باستثناء عدد محدود من مطابع بدائية كانت كائنة في مراكز الصعيد الكبرى (المحافظات) ولم تكن تعنى أساسًا إلا بطبع الدفاتر الحكومية وتذاكر الأتوبيس.
    وفى إحصائية أجريتها منذ عام تقريبًا على المنتج (بكسر التاء) الأدبي في إقليم قنا الذي أعيش به والميسور لي بحثه إحصائيًا كانت النتائج مذهلة وخطيرة وهى كالآتي:
    1ـ بلغ العدد الكلي لمنتجي الأدب منذ أوائل السبعينيات وحتى تاريخ البحث 4217 منتج أدبي (أديب).
    2 ـ نسبة الأدباء الذين قطعوا شوطًا من حياتهم في مجال الإنتاج الأدبي، وكان لهم تواجدهم الفعلي في الوسط الثقافي، ثم توقفوا تحت ضغط الحياة، ويأسًا من ضيق المجال الثقافي وضآلة فرص النشر وإهمال المؤسسة الرسمية الثقافية لهم.. بلغت نسبتهم 40 % تقريبًا من العدد الكلي لمنتجي الأدب.
    3 ـ بلغت نسبة من تمكنوا من نشر ولو كتاب واحد من إنتاجهم الأدبي 6% تقريبًا (ستة بالمائة) من العدد الذي لم يتوقف عن إنتاج الأدب.
    وفي إحصائية موازية عن المنتج (بفتح التاء) الأدبي في ذات المكان والزمان كانت النتائج كالتالي:
    1 ـ المنتج (بفتح التاء) فعليًّا 7162 كتابًا أدبيًا.
    2 ـ المنشور فعليًّا بلغ نسبة 2 % تقريبًا (اثنين بالمائة) من حجم المنتج فعليًا.
    3 ـ بلغت نسبة المنشور عن طريق المؤسسة الرسمية 0.6 % (ستة من عشرة بالمائة) من حجم المنتج فعليًا.
    ومع تشابه الظروف بين كل أقاليم الصعيد الأمر الذي يسمح لنا بتعميم النتائج، نجد أنفسنا أمام (0.6 %) بما يقرب من مجتمع النصف بالمائة الذي قضت عليه الثورة مع فرق التشبيه.
    أما عن العينة التي تم نشرها فعليًا وعلى فرض تداولها وقد بلغت 2%.. هل تصلح هذه العينة لتمثيل الأدب المكتوب في صعيد مصر تمثيلاً حقيقيًا على فتراض جدلي أنها انتخبت بطريقة عملية لتمثيل المجموع ؟ .
    الإشكالية أننا يمكن أن نبحث لكنما في الوجهة الخاطئة، أو بالمعني يمكننا أن نبحث الاستثناء دون القاعدة، وعلى افتراض جدلي أن كلمة أدب هنا تعني الأدب المدون دون الشفاهي، وتلك إشكالية أخرى، لأن جُل الأدب في صعيد مصر ليزال شفاهيًا، وفيما أظن أنه الأدب الذي يصح معه القول "أدب صعيدي" بالتأكيد على ياء النسب لعدة أسباب لا أود الخوض فيها؛ لأنها تخرجنا عن الموضوع.
    هل بقي أمامنا بعد هذا من تأكيد على أننا من الآن فصاعدًا عندما نستخدم مصطلح "الأدب في صعيد مصر" نكون قد استخدمنا مصطلحًا مشْكِلاً وغير حقيقي في الوقت ذاته، أو نكون قد عنينا الاستثناء دون القاعدة.
    غير أننا وما دمنا بصدد الحديث عن هموم المجتمع ليكن ما هو ماثل أمامنا الآن هو أول هموم هذا المجتمع، وأعني انعدام الفعل التنموي للإبداع والثقافة في صعيد مصر. [/align]

    [align=center]
    ********[/align]

    [align=justify]
    الإشكالية الثانية التي نود أن نتوقف أمامها هي ما تتضمنه مقولة "هموم المجتمع" من إطلاق والتباس في عصر انسخطت فيه كل المفاهيم القديمة، وتبدل حتى مدلول كلمة مجتمع، ولم يعد الصراع بين الطبقات والفئات في المجتمع على ما هو عليه في الفلسسفات القديمة، في عصرالعولمة أو الكونية بما تفرضه من صيغ سياسية وأيديولوجية في حدود الدول، تحرم به فئات عريضة من أسس استبقاء الحياة، أو إعادة إنتاجها، وبما أحدثته من خلخلة في البنى التحتية والفوقية في الدول الطرفية ونحن منها، نحن واقعون بالضرورة في مجال عمل آليات العولمة التي تسعى على المستوى الاقتصادي إلى توحيد العالم في مراكز النظام العالمي، وفى الوقت نفسه تسعى إلى تحقيق ضروبًا من التناقص البنائي والتشظى في الأطراف، والصورة ماثلة أمامنا، لقد أدت آليات النظام الكوني إلى إضعاف الدور المؤسسي الوطني للدول الطرفية، وتعجيز قدراتها على أداء وظائفها، ومن ثم تسخير هذه الوظائف لخدمة المراكز المتحكمة. من ناحية أخرى أصبحت البنية الاجتماعية مسرحاً لمظاهر من التفكك يجعلها عرضة للتآكل أو الإنفجار من الداخل، وهذا ما يدعونا إلى التأكيد على أن مشكلتنا الأكثر إلحاحاً (في مجتمعاتنا) هي مشكلة وجودية، هي مشكلة إقامة الـ"نحن" في مقابل صور التفكك والتشظي .
    وفى المقابل من هذا تصادفنا صور من الهموم الكبرى الداخلية في صور انقسامات جديدة أضيفت إلى بنية المجتمع، أهمها الانقسامات الطبقية نتيجة تدعيم صور التميز الطبقي، ورسم السياسات التي تخدم فئات بعينها، والفشل في تدعيم مبدأ المساواة وتحقيقه من خلال سياسات عملية، والصورة الماثلة هي تآكل الطبقة الوسطي، والانحدار نحو مجتمع الـنصف في المائة الذي قضت عليه ثورة 1952.
    في الوقت ذاته نجد الإشكاليات على المستوى الثقافي، فقد سقط الخطاب الثقافي (لدينا) متجرداً من الثقافة القومية أو ثقافة الشعب أو الدولة، حيث التاريخ والهوية، سقط في أحضان العولمة حيث لا تاريخ ولا هوية، ومن ثم كان على علم الاجتماع، وعلم اجتماع الأدب ـ ولأول مرة ـ أن يناقشا "أزمة الهوية".
    والصورة الماثلة أمامنا لمظهر السقوط أن الخطاب الثقافي أضحى نخبوياً بالدرجة الأولى، يعمل على إعادة صياغة الفرد في ضوء ما كرسته العولمة من مبادئ "حق التباين" ومن ثم أضحى هذا الخطاب يشتغل حقيقة على اعتبارات الذكورة والأنوثة تارة، واعتبارات الإثنية تارة والدينية تارة أخرى.
    وفيما يختص بالخطاب النقدي الأدبي سقط ـ هو الآخر ـ منذ فترة أيضاً في يد النخبة ذاتها التي تلقفت الخطاب الحداثي ـ وهو ولا شك جزء من خطاب العولمة ـ وامتدت بهذا الخطاب إلى القرى والنجوع والكفور ممارسة سطوتها المركزية، راسمة للإبداع توجهات جديدة، داعية إلى القطعية مع التراث والثقافة الشعبية، ممجدة تنثير الشعر وهجر الغنائية، حاضة من قيمة الرسالة في الأدب، مستحثة هجرة الذات إلى عوالم فوق واقعية، داعية إلى تشفير الرسالة الشعرية، فاصلةً بين الذات وقيمها وثقافتها القومية والمحلية.
    وقد سبق أن تحدثت أن النسبة المتداولة من الأدب المكتوب في صعيد مصر ـ على فرض تداولها ـ هي نسبة ضئيلة في حدود 2%، هذه النسبة الضئيلة يمارس عليها كثيرًا هذا الخطاب النقدي النخبوي بتعسف ودجل أحيانا.
    وأمامي عينة لا بأس بها من دراسات نقدية مورست على هذه العينة الضئيلة، وجميعها منشورة في كتب بحثية لمؤتمرات أدبية محلية كان قد استُجْلِب لها خصيصًا نقاد ودارسون من حراس الخطاب العولمي، وبعض هذه الدراسات تؤكد ـ مثلاً ـ أن الإبداع في " قنا والواحات الداخلة " ما بعد حداثي ! .. هكذا ـ بقدرة قادر، أو بخبط نقدي عشواء ـ تحققت "ما بعد الحداثة" في قنا والواحات، في هذين الإقليمين الفقيرين، وربما لن أخجل من قول: المتخلفين على كافة الصعد (26)، ولست أدرى متى، أو كيف لهذا الأدب الذي تنسحب عليه ظروف مجتمعه الذي يعاني من معوقات تنموية كثيرة، وفقر خدمي، وسيادة مفاهيم القبيلة، وتخلف اقتصادي.. كيف أو متى حقق حداثته ثم اجتازها إلى ما بعدها ـ على فرض أن ما بعد الحداثة خطوة تالية للحداثة ـ أو متي حقق وعيه بالحداثة من خلال الممارسة، ومن ثم تمرد عليها ـ على افتراض أن ما بعد الحداثة ردة على الحداثة ؟!.
    وتلك ـ إذن ـ هي إشكالية الخطاب النقدي المصَنَّع والجاهز والنخبوي، لكنها بالضرورة إشكالية تساهم إلى حد كبير في مسخ الذوات والإبداع وفصلهما عن الحقائق، وخلخلة الثوابت أمامها، ومثال ذلك ما نلاحظه من حملات أشبه ما تكون بالحملات التبشيرية التي أرسلتها المنظمات والجمعيات التبشيرية الأوروبية إلى مجاهل أفريقية في القرون السالفة وما زالت.. ثمة حملات شبيهة من هذا النوع تنفذها شخصيات نسائية إلى مجاهل الصعيد للالتقاء بأنصاف المتعلمات، والمتثاقفات من بنات الصعيد في مقابل مبلغ محدد يُدفع عن كل جلسة للفتاة المستمعة، ومن دون أن يتساءل أحد عن مصدر هذا التمويل، ومن أين حصلت عليه السيدة المحاضرة، التي تركز حديثها في كل مرةٍ عن الواقع الذكوري والأنوثة المهيضة، غير أن السؤال الأساسي مغـيَّب، ولم يجرؤ أحد على طرحه وأعني به: إلى متى سيظل الصعيد مستجهلاً سياسياً ومستبعدًا من حق تمثيل نفسه في الخطاب الرسمي سياسيًا وثقافيًا، وإلى متى سيظل هكذا تمارس عليه الثقافة النخبوية التلوين والتهجين والتفتيت، ولصالح من ؟
    وإني أميل في هذا الصدد إلى رأي أحد الباحثين إذ يرى أن من بين خصائص ثقافة العولمة بجانب أنها ثقافة تقنية وعلمية ومركزية واستهلاكية هي أيضا نخبوية، أو بالمعنى تُفرض من أعلى، ومن دون أن تكون لها قاعدة شعبية، ولا تعبر عن احتياجات محلية (روحية أو جمالية أو أيديولوجية أو سياسية) ولا تلتزم بمضامين التراث الثقافي التي تنتقي منه، وتعني النخبة هنا أنها أكثر من كونها ثقافة عليا تنحدر من دوائر مبهمة ومتباعدة، فهي أيضا توجه إلى نُخب.. حقيقة هي توجه إلى كل الشعوب ولكن لظروف خاصة بتكوين الثقافات المحلية فإن المستقبلين الفعليين لثقافة العولمة هم نخبة من كل مجتمع، مع وعي النخبة المستقبلية هذه بحدود هذه الثقافة وخصائصها، وعن طريقهم يمكن أن تتسرب إلى قطاعات أعرض من النخبة، ولعلها تتسرب بداية من فتح النقاشات حول موضوعات محددة تحت شعارات لائقة مثل "مكافحة الإرهاب" و"تجديد الخطاب الديني" و"الثقافة الذكورية" وما إلى ذلك من شعارات يدور النقاش حولها في إطار ممنهج يهدف إلى خلخلة الأطر الثقافية للمجتمعات البعيدة أو الطرفية. (27) .
    إلى هذا الحد نحن أمام مشكلات مجتمعية طارئة في صعيد مصر نطمح إن يحملها الأدب ويستوعب أبعادها والأفق الذي تدور فيه، ومن ثم يمكنه معالجتها والتصدي لها بوسائله وأدواته.
    على أنني عندما أعاين العنوان مرة أخرى (الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر) سأتساءل: أي مجتمع نقصد ؟ وقد أضحى المجتمع الآن قرية صغيرة ـ كما يقال ـ ولا مجال لأن أفضل هموم مجتمع عن آخر إلا في الدرجة فقط. فقد أثرت حروب الخليج الثلاثة ـ مثلاًـ على المجتمع المصري اقتصاديًا ومعنويًا وسياسيًا تأثيرًا مباشرًا وإن اختلفت درجة التأثير عنها في المجتمعات الخليجية، ولا شك أنها أثرت بدرجات متفاوتة على كل شعوب العالم.
    ولا شك أن السياسة الأمريكية بتوجهاتها العولمية ذات الأبعاد الاقتصادية والثقافية لن تستثنى مجتمعًا دون آخر، وعلى نحو ما ذكرت أنفا.. فكيف يمكننا ـ إذن ـ أن نتحدث عن هموم المجتمع بمعزل عن هموم كونية تتداعى فوق رؤوسنا ؟ .
    وإذا كان المعنى يتسع على هذا النحو ليشمل العالم بأسره، فإنه قد يضيق ليحتضن هموماً عربية ومصرية كثيرة، ثم إنه قد يضيق أكثر إلى ما تحت القدمين لنعاين هموماً محلية خاصة بصعيد مصر، وهى ولا شك هموم نوعية فارقة، وإن كان كثير منها ناشئ عن خصوصية الذات في نظرتها إلى العالم، أو عن خصوصية الإشكالات المجتمعية البيئية والخدمية الفارقة تاريخياً عن غيرها.
    هذه النوعية الأخيرة ـ فيها أظن ـ لم يعبر عنها الأدب في مصر حتى الآن، ولم يلتفت إليها حتى الأدب في صعيد مصر بالدرجة المأمولة أو التي تتناسب وحجم وتعاظم واستفحال هذه الهموم.
    وفيما يبدو أن التوجهات السياسية للحكومات المتعاقبة على مصر منذ ما قبل " محمد على " وإلى وقتنا هذا كانت مصرة على نفي الصعيد واستبعاده من ذاكرة الوطن، والنظر إليه كما لو كان مجرد مزرعة كبيرة لإنتاج القطن طويل التيلة، أو قصب السكر وحسب .
    مثل هذه النظرة المتعاقبة إلى الصعيد من حكومات مصر جعلت من الصعيد مجرد ذيل طويل مهمل لجسد ضئيل يختزل الأطراف في المركز.
    لكأن هذه النظرة الرسمية ـ على ما فيها من تجاهل ونفي ـ منسجمة مع الخطاب الثقافي الرسمي في استجهاله لقضايا وهموم الصعيد ؟ وربما أن الأدب ساير أيضًا النظرة الرسمية، ومن ثم أيضا جاء الخطاب الإبداعي على عموميته مستجهلاً لهموم الصعيد وقضاياه ؛ ففي مؤتمر أدباء مصر في دورته العشرين الذي عقد في بورسعيد عام 2005 م في الفترة من 26 إلى 28 ديسمبر تحت شعار محوري "الثقافة السائدة والاختلاف" عرض الدكتور "مصطفى رجب" بحثه المعنون "المسكوت عنه في الشعر العربي المعاصر" وتناول في جزئية من البحث تجاهل الأدب والحكومات معاً لمشكلات الصعيد، وكانت مثل هذه الجزئية من البحث الأولى من نوعها ـ فيما أظن ـ في تاريخ النقد الأدبي، إذ أشارت مثل هذه الإشارات المهمة إلى هذا المسكوت عنه، وإن كان قد استخدم مصطلح "المهمش".
    ورغم عدم ثقتي في مصطلح "التهميش" في هذا المقام، لأن التهميش يتم عن قصد وعمد لما هو معلوم بالضرورة، ويتم التهميش لخطورة المهمش (بفتح الميم الثانية) أو لتفاهته، والأمر بالنسبة للصعيد ليس كذلك، هو مبدئيا غير معلوم.. إنه أشبه بخارطة مجهولة بحاجة إلى كولومبس جديد، وغير ذلك هو ليس مهما إلا بقدر ما يحقق للوطن من نفع، وهو من هذه الناحية ـ فقط ـ مهم، وعلى أرضه أكثر من ثلث آثار العالم غير ما هنالك من ثروة زراعية، وربما لذلك نقول إنه الصعيد المنسي أو المنفي من ذاكرة الوطن التي تتسم بالنفعية في نظرتها إلى الخارطة، فسواء اهتمت تلك الذاكرة بالصعيد أو لم تهتم، ففي الحالتين لن تجني منه الأمة غير ما تجني منه الآن، وغير ذلك فإن تنمية وتطوير الصعيد قد يرهق الدولة اقتصادياً، ومن ثم تهرب الحكومات من مسئولياتها تجاهه.
    وأود من حيث المبدأ أن أسجل هنا ما يتعلق بموضوعنا من بحث الدكتور مصطفى رجب ذلك لأهمية ملاحظاته.
    يقول: " ولكن أحفاده ( يقصد محمد علي) فسدوا فاسدًا كبيرًا، وبدأ اهتمامهم ينصب على الشمال ـ حيث أملاكهم ـ دون الجنوب فبدأ الصعيد يتدهور شيئاً فشيئاً إلى أن جاءت ثورة يوليو فقضت على البقية الباقية من الصعيد؛ فأنشأت مئات المصانع في القاهرة والإسكندرية ومحافظات الدلتا، وأنشأت في الصعيد بضع مصانع للسكر ازدادت معها المساحات المنزرعة قصباً لتشغيل تلك المصانع، والقصب يستمر على الأرض سنة أو سنتين وربما أكثر مما أتاح الفرصة للإجرام وحوادث النهب والسلب والثأر وتجارة السلاح والمخدرات أن تزدهر، وتنمو وتؤتى أكلها: دمارًا وتخلفاً وجهلاً ومرضاً، ولما جاء السادات إلى الحكم فاقت حدَّة المشكلة كل احتمال ؛ فقد أنشئت في عهده القليل (11 سنة) عشر جامعات في الدلتا مقابل نصف جامعة في الصعيد كله، وفى عهده بدأت سياسة الانفتاح الاقتصادي التي ترتب عليها إنشاء مدن عمرانية جديدة حول القاهرة، واكتظت تلك المدن بالمصانع" ... إلى أن يقول:"وفى معظم الأحوال كان الفكر الإداري السائد الذي يدعمه إعلام منحاز فاسد، ينظر إلى الصعيد على أنه جزء دخيل على الوطن، وكان نقل الموظف المشاغب إلى الصعيد يمثل عقوبة قاسية لا يلقاها إلا ذو حظ كنود"(28).
    وإن كنت لا أوافق الدكتور مصطفى رجب على استخدامه مصطلح "إعلام فاسد" في هذا المقام، وإن كان الأولى أن نقول: الناس على دين ملوكهم وكذلك الإعلام.
    أما ما فات الدكتور مصطفى أن يقوله أن فرض محصول واحد على الصعيد ساهم إلى حدٍّ كبير في تنميط الحياة وثباتها على وتيرة اقتصادية واجتماعية واحدة. أما الآن فقد ازداد الأمر سوءًا بعدما أصبح كل مزارعي الصعيد يعملون لصالح بنوك التنمية التي سطت على دخولهم بسياساتها الربوية، وبعدما أصبح سعر طن القصب متردياً للدرجة التي لا يستطع معها المزارع الإيفاء بما أنفقه من تكاليف.
    وغير ذلك فنحن مع الدكتور مصطفى رجب فيما ذهب إليه، ونضيف أن الحكومات كانت ولا تزال بالفعل متعصبة وربما عنصرية في نظرتها إلى الصعيد وأهله، حتى لأن الأمر الذي تكرر مرتين بعد الثورة هو ضرورة منع أهل الصعيد من دخول القاهرة أو الإقامة فيها، مرة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عندما شرع وزير الداخلية في القبض على الصعايدة وترحيلهم من القاهرة لولا تدخل جمال عبد الناصر، وأوقف تنفيذ هذا الإجراء، والمرة الثانية فاجأنا بها عبدالرحيم شحاته محافظ القاهرة منذ عامين ونصف تقريبا مرددًا نفس الخطاب العنصري القديم، والأمر كان مثار تعليق الصحف والمهتمين حتى تراجع الأخير عن قراره.
    هذه صور بسيطة وواضحة عن العنصرية الإدارية عندما تفضح نفسها وهي تفرق بين أبناء الوطن الواحد متجاهلة حقوق المواطنة، وغير ذلك متجاهلة أن مصر ملك لأبناء مصر وليس لحكوماتها، ومتجاهلة أيضًا أن حضارة مصر بدأت من الجنوب، ومتجاهلة أيضًا أن جنوب مصر لا يزال الكنز الحقيقي لمن أراد أن يستكشف ثقافة الشعب المصري الحقيقية.. هذا وقد استثنى الدكتور مصطفى رجب الصعيد من الإهمال في الفترة الحالية (فترة حكم الرئيس محمد حسنى مبارك) معللاً ذلك بأن ثمة تحرك حثيث نحو تنمية الصعيد تفعله الحكومات المصرية في هذه الفترة، خاصة بعدما اكتشفت فجأة ظهور قوافل المتطرفين الدينيين في هذه الغابة المنسية، حيث بدأ المتطرفون زحفهم المقدس نحو اقتحام كافة الخريطة المصرية حتى لأن الأمر انتهى باغتيال الرئيس السادات.
    هذا صحيح، والصحيح أيضا أن الحكومات كانت معنية أساسًا بتأمين نفسها ومؤسساتها ومن ثم لجأت ـ تحت ضغط الحاجة الأمنية ـ إلى وسيلتين أولاهما تنمية الصعيد، ومن ثم بدأت خطواتها الحثيثة نحو إقامة بعض المشاريع التنموية والخدمية، ولكنها كانت كالعطار الذي حاول ـ فجأة ـ أن يصلح ما أفسد الدهر. فلا تزال الخطوات متعثرة ولا زالت عملية التنمية الشاملة حلم من أحلام الصعيد لأن متطلباتها الاقتصادية تفوق بكثير إمكانيات الدولة بوضعها الحالي المتعسر اقتصادياً، وربما لذلك توقفت هذه الخطة تمامًا الآن؛ نظرًا لعجز الاقتصاد المصري عن القيام بمثل هذا الدور، وأوكل الأمر برمته للجهات البوليسية والأمنية للسيطرة الأمنية على الصعيد، لمراقبة بوادر الإسلام السياسي، ووأده على ما في ذلك من إرهاب بوليسي لأهل الصعيد البسطاء.
    أما الوسيلة الثانية فكانت تمييع فكر الشباب وإلهاءه بعيدًا عن الروح الثورية والقومية والدينية، ووأد أي نشاط فكري يربطهم بالتيارات السلفية وكان من نصيب الصعيد في هذا الصدد بعض أندية شبابية وملاعب رياضية ورحلات مصايف، وبعض شرائح مسرحية ودورات رياضية إضافة إلى الحفاظ على الدور الشكلي للأجهزة التعليمية بعيدًا عن الدور العلمي الحقيقي والنتيجة ما هو حادث وماثل للعيان من أمية المتعلمين أو المتعلمين الأميين من حاملي الشهادات الدراسية.
    أما الإرهاب الحقيقي الذي لم تلتفت إليه الدولة بعد في صعيد مصر فهو القادم، متمثلا في الإرهاب الغذائي بعدما توقف الصعيد عن إنتاج أي شيء فيما عدا محصول القصب الذي لا يفي بحاجة الفلاح ومتطلبات معيشته المتزايدة، وربما أن قطعان العاطلين التي أضحت بلا عمل أو مورد في صعيد مصر سيكون أكثر إرهاباً في المستقبل من إرهاب المتطرفين الدينيين.
    ما أثارني أثناء المناقشة التي دارت بعد أن ألقى الدكتور رجب بحثه أن بعض المعلقين على المحاضرة وغالبيتهم من أبناء الدلتا أعربوا عن استهجانهم لطرح مثل هذه القضية، وعلقوا بالقول: إن تجاهل قضايا الصعيد سواء من الحكومة أو من الأدب يُسْـأل عنه أبناء الصعيد وحدهم، وخاصة الأدباء والمثقفين.
    هذا صحيح إلى حد كبير، لكن الصحيح أيضاً أن رأيهم هذا يعكس أيضاً النظرة المتعصبة التي تسير باتجاه ما رسخته الحكومات السالفة على مصر من تجاهل وتعصب ضد الصعيد وأهله وقضاياه، وكأن ما يخص الصعيد لا يخص غيره من أبناء مصر، أو لكأنه بالفعل جزء مغلق على همومه، أو لكأن الصعيد بناسه ورجاله لا يخص هذا الوطن إلا وقتما نحتاج إليه لتحرير التراب المسلوب في الشمال، ومن دون أن يسأل أحد نفسه: كيف للأدب في صعيد مصر، وهو الذي يعاني مما يعاني منه مجتمعه من تجاهل ونفى.. كيف له أن يكون قادراً على حمل هذا التل التاريخي من الهموم المترسبة والمشكلات المتكتلة التي ربما عرضنا بعضها لاحقاً، مضافاً إليها تلاً آخر من هموم وطنه مصر وأمته العربية بأسرها ؟؟.

    وضعية الذات المبدعة وسط صورة الصعيد الاجتماعية:

    في هذه الجزئية نريد أن نقترب من المجتمع الصعيدي وقد خلصنا فيما مضى إلى ملاحظات أهمها:
    1ـ إن الاقتراب من العنوان " الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر " يعني الاقتراب من إشكاليات أولية ليست بالهينة، كما أن السير تحت هذا العنوان يعني الحديث في إطار المسكوت عنه علمياً.
    2ـ إن الأدب المعني بحمل هموم المجتمع في صعيد مصر تنسحب عليه أيضاً ظروف مجتمعه، ومن ثم فهو في حالة من السكون أو البيات القهري ؛ حتى لأننا عندما نقول : الأدب في صعيد مصر ،لابد أن نتوقع أن ثمة تساؤلات من عينة : أين هو هذا الأدب ؟ رغم أن التساؤل ينطوي على أن ثمة كنز مبدد.
    3ـ إن الأدب المصري في عموميته لم يقترب من قضايا وهموم الصعيد مطلقاً، واقعاً في إطار ما كرسته الحكومات المصرية المتعاقبة بأعلامها ومؤسساتها وخطابها الرسمي من نفى وتجاهل للصعيد وإنسانه وقضاياه.
    4ـ إن الصعيد كمجتمع بدأ ينزاح عن إرثه الحضاري والثقافي انزياحاً عشوائياً نحو مزيد من التدهور وإن بدت رياح العولمة التي تهب على العالم كله بدأت تعرف طريقاً منظماً نحو الصعيد عن طريق خطاب النخبة التي تستقبل خطاب العولمة وتروجه في الأطراف النائية بهدف خلخلة ثوابتها الثقافية والاجتماعية، وتهيئتها للدخول في صراع حق الاختلاف، وهو المبدأ الذي تسعى العولمة إلى تحويله إلى صراع يربك النظم المستقرة والثابتة خاصة الاجتماعية منها.
    ومهما يكن الأمل معقوداً على الأدب في صعيد مصر، إلا أننا يجب ألا نسرف في التفاؤل المجاني، لا لأن مشكلات وهموم المجتمع في صعيد مصر من الضخامة والتعقد الذي يشكل أمام العين تكتلاً يحجب الرؤية عن النفاذ، ليس هذا فحسب بل لأن تلك المشكلات والهموم تنسحب على الأدب نفسه، فهو صورة من مجتمعه، وفى هذا الصدد يمكنني أن أتحدث عن الأدب المكتوب وفى حدود النسبة المتداولة من هذا الأدب.. نعم يمكنني أن أتحدث عنه بشيء من التعميم الذي يستند إلى مرجعيات تطبيقية لديَّ بحكم انشغالي بهذا الأدب من فترة ليست بالقصيرة وبحكم المتابعة المباشرة أحياناً، لكنني لن أعمد إلى التفصيلات والاستشهادات في هذا المقام حتى لا يخرجنا ذلك عن الإطار النظري للبحث، لكنما قد يكون من المناسب عرض الملاحظات التي تشكل قناعاتنا واستنتاجاتنا التي تربت لدينا من خلال المعايشة البحثية على هذا المنتج الأدبي في صعيد مصر،أو من خلال المعايشة الميدانية معه .
    وقبل أن أخلص إلى تلك الجزئية لابد لي من وقفة أمام وضعية الذات المبدعة ـ كطرف في علاقة ـ في صعيد مصر، مع واقع مثقل بهموم نوعية فارقة يحلو لنا أن نقدم صورة لها وإن لم تكن بالحجم الذي يجب أن نقدمها به، حتى وإن ركزنا على جانب واحد لهذه الصورة أو جانبين، متمنياً من الدراسات البحثية المتخصصة في مجالات علم النفس وعلم اجتماع الأدب الاقتراب منها واستكمالها وأخص الجامعات في صعيد مصر، فمن المعلوم أن مثل هاتيك الدراسات بحاجة إلى مجهود مؤسسي ولن يجدي معها جهد فرد أو أفراد لا رابط بينهم، ساعتها ستأتي كالجزر المتفرقة في المحيط الكبير. وربما أنني أعقد الأمل على الجامعات لاقتدارها علمياً ومادياً على التصدي لمثل هذه الدراسات حتى يكون للجامعات دورها الفاعل حقيقة في رأب الفراغ الذي خلَّفه التاريخ العلمي والسياسي والأدبي في تعامله مع الصعيد.
    ولعل أهم ملمح اجتماعي يمكن أن يعكس لنا صورة الصعيد حقيقة هو الملمح القبلي بمعناه الذي عرفناه ويعرفه الآخرون مجسدًا في صورة الحياة القبلية في العصر الجاهلي رغم اختلاف الزمان والمكان، لكنما العرف على ما هو، وكان شيئًا لم يحدث منذ صدر الإسلام وحتى الآن.. لا تزال القبلية تتصدر حتى المشهد السياسي في صعيد مصر والمتمثل في مشهد واحد هو اختيار (النواب) لتمثيل المجموع في مجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية.. أما اختيار العُمَد فقد أصبح تعييناً حكومياً تلعب فيه وساطة القبيلة وأموالها دورها ـ للأسف ـ في غياب أي تواجد حزبي، أو أية جمعيات أو منظمات مدنية، وفى غياب أي تواجد إعلامي، ومع خفوت أي دور للنقابات المهنية، وفى إطار عزلة الصعيد الاتصالية يصبح الصعيد ملك يمين الحزب الحاكم، ويظل الوعي السياسي قاصرًا على الفهم العرفي البسيط للسياسة:"اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفهوش" ومن ثم فالخيار السياسي للمواطن الصعيدي يسقط طوعاً في المسافة الفاصلة بين اختيارات القبيلة واختيارات الحزب الحاكم، في الوقت الذي يهم الحكومة أن تحافظ على هذا النظام القبلي العشائري لأنه يحقق مصالحها السياسية في بقائها كحكومة حزب أغلبية، حتى لأن الأمر بدأ كما لو كان مبايعة من المجتمع الصعيدي للحزب الحاكم أو لحكومة تحافظ على السياج الاجتماعي القبلي وهى تحافظ على امتيازات القبيلة، حتى لأن اختيار العمد أضحى ـ كما سبق القول ـ تعييناً.. يأتي في إطار الغزل المتبادل بين النظام الحاكم والقبيلة، في الوقت نفسه يظل الوضع الاقتصادي محصورًا في ثلاثة مصادر لا غير:
    1ـ مرتبات المستوظفين الحكوميين الاعتيادية، وهى قاصرة على نسبة محدودة من الفئات المتعلمة التي استطاعت أن تلتحق بوظيفة حكومية ومن المعلوم في مصر ودون حاجة إلى تدليل أن مثل هذه المرتبات مقارنة باحتياجات المواطن المستوظف لا تكفي المتطلبات الاعتيادية للمعيشة.
    2 ـ حاصلات الزراعة من المحاصيل الرئيسية مثل القصب والقطن ومع تزايد عدد السكان وتزايد معدلات البناء فوق الأراضي الزراعية تقلصت الملكية الزراعية إلى الحد الأدنى، غير ما هنالك من نسبة محرومة من ملكية الأراضي الزراعية وهى نسبة تكاد تفوق نسبة الملاك. ونظرًا لأن الدولة هي التي تحدد أسعار القطن والقصب فإن سوق هذين المحصولين يظل مقفلا على ما تحدده الدولة، التي لم تكن سخية مع المزارع، إضافة إلى سطوة بنوك التنمية الزراعية على حياة الفلاح، إذ سهلت له عملية الاستدانة حتى لأن كل الزراع مثقلون بالفوائد البنكية، عاجزون عن التصرف حيال مديونياتهم.
    3 ـ عائدات العمالة بالخارج وقد تقلصت إلى أقصى درجة بعد حروب الخليج الثلاثة .
    ولا أظن أن هذا المظهرالاقتصادي الذي يحدد صورة الدخل قد تغير منذ ثورة 52 وحتى تاريخه، بل هو آخذ في التدهور نتيجة لتقلص احتياجات الخليج من العمالة المصرية، ونتيجة لرفع الدولة يدها عن توظيف الخرجين، ومع ازدياد الأسعار المضطرد وزيادة عدد السكان وتنامي احتياجات الفرد يبقى الوضع الاقتصادي في الصعيد مؤسفاً ومتردياً في ظل تقاعس مشاريع التنمية الصناعية في هذا الذيل الزراعي الطويل.
    على أن الصعيد يعاني من نقص حاد في الخدمات، وغير ذلك أزمة الاتصال في الوقت ذاته نجد الصعيد مخلصاً لإرثه القبلي، ولتراثه المختلط بالدجل والخرافة، وفى كثير من المواقف يضع العرف موضع العقيدة، خاصة أمور الزواج والمصاهرة، ولا يزال الفرد يُقيَّم بعائلته لا بما يقدمه للمجتمع من نفع، في الوقت ذاته يبدو أي نقاش حول زحزحة هذا الواقع ودفعه إلى مجاوزة أعرافه وخزعبلاته ووضعيته المزرية يبدو مرفوضاً ومحارباً في مجتمع يستمرئ تخلفه، مستمتعاً وإلى حد كبير بأخلاقيات المجتمع المعزول الذي يرى في كل جديد بدعة.الأمر لا يدعو للتفاؤل المجاني أو التشاؤم، فمدْيَنة الصعيد لن تتم ما لم يؤمن أبناؤه بضرورة ذلك في عصر يستمرئ هضم خرافة النائمة، وما لم يتبن النظام المؤسسي للدولة التغيير، وربما احتاج الأمر إلى أكثر من قرن من الزمن، وإلى جهود مكثفة على الصعد الاقتصادية وكذا الاجتماعية والثقافية .
    حقيقة لا يجب أن يترك الصعيد نهباً للخرافة والدجل والتخلف وسطوة النظم القبلية والعشائرية التي تمارس قرصنتها وهى تحدد وجه الواقع المأساوي، وهى تقف حجر عثرة أمام أي تواصل إنساني أو حراك اجتماعي.. نظم متكتلة صلبة قوية تشكل أمام الذات المبدعة في وحدتها وانفرادها وهشاشتها الظاهرة واقعاً مأساوياً عليها أن تدفعه بكل ثقله من الخلف.
    لنا في أحداث الأمس القريب أمثلة ظاهرة استنفر لها الإعلام المصري الذي طالما تسلى بإلقاء النكات واختراعها وهو يضحك ملء شدقيه مبتدئا بالقول:" مرة واحد صعيدي..." الإعلام المصري الذي لا يعرف الصعيد أكثر مما عرف عنه من المسلسل التلفزيوني الشهير " ذئاب الجبل " الصورة المخترعة للصعيد على المستوى الاجتماعي أو العرفي أو اللهجي أو الأخلاقي أو حتى الاقتصادي بما نقله من مستوى معيشي ( قصور ـ فلل ـ مفروشات فاخرة ـ ثياب فاخرة ـ سيارات ـ عزب ..... إلخ ).. هذه الصورة التي لا تمثل الصعيد في شيء هي كل ما يعرفه المجتمع المصري والعربي عن الصعيد، وإن كانت تشير رغم جفائها وجفوتها إلى أن الإعلام المصري معنى أساساً بالمفارقات التي تدهشه أو تدهش المؤسسة التي تتبناه، ومن دون أن يكون معنياً بالمفارقات، والمتناقضات الدرامية المؤسفة على أرض الواقع.. لنا في أحداث الأمس القريب مما أثار هذا الإعلام ما يشير إلى تردى الوضع الأمني والأخلاقي والثقافي والاجتماعي في صعيد مصر من أحداث " بيت علام " و " أحداث الكشح " و" النخيلة ".. ثلاث امبراطوريات للقتل والتطرف والتعصب وزراعة المخدرات والاتجار بها.. هل في هوليود ما يمكن أن تفاخر به من أفلام الرعب والعصابات و" الأكشن " مثلما هو حادث على أرض الصعيد ؟!.
    الإشكالية الأكبر أن الذات المبدعة مطالبة حسبما بدأنا بحمل رسالتها الاجتماعية.. ترى كيف لها أن تكون معنية بشيء ذي قيمة وهي في حد ذاتها مهيضة تنسحب عليها ظروف مجتمعها في عزلتها وانزوائها وانكفائها على ذاتها مهاجرة إلى أفياء الحلم أو الماضي، هاجرة هذا الواقع المتردي إلى مدينة الحلم اليوتوبية، هذا هو الاحتمال الأجمل، غير أن الاحتمال الأرجح أنها أيضاً مستمتعة بأخلاقيات العزلة وقيم الانغلاق قاطعة صلتها بالعالم خارج حدود القبيلة، أو الجماعة، وقد أضحى كل من هو خارج تخوم الجماعة أو القبيلة آخر / عدو يجب محاربته، وغير ذلك ثمة ذات مناضلة تتحلى بكثير من بوادر الشجاعة والبطولة تضطلع بحمل رسالتها رغم معوقاتها وضعف معطياتها، لكنما هي تبدو إلى حد كبير مكابرة بادعاء إمكانية حمل رسالة ما أمام تكتلات ومحبطات واقع كثير الهموم ومثقل بالتخلف والرجعية التي لا تفرق كثيرًا بين الأصولية العمياء والأصول التي يمكن أن تشكل منطلقًا للتحرك نحو واقع يزاوج بين أصالته وعصره.
    ومهما يقال إن الذات المبدعة في مثل هذا الواقع لا تبدو معتشرة بغير إبداعها الذي هو في أساسه مجاوزة ومغايرة وطرح رؤيوي جمالي.
    هذا صحيح، لكنما الصحيح أيضا أن مثل هذه المجتمعات العشائرية المغلقة غالبا ما تهش الرؤى المغايرة، تماماً كما كانت تهش كل الشعراء الذين يخرجون على أعراف القبيلة بطرح رؤى مغايرة، فيما عرفوا بعد ذلك بالشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي.
    والمعروف أيضاً اجتماعياً أن مثل هذه المجتمعات تحتضن الفرد متى ما كان محافظاً على العرف، ناقلاً له، حافظاً لتراث القبيلة، ومصالحها المستقرة داخل سياج الثبات والديمومة والسمت التليد البليد، وربما أن هذا ما يفسر لنا هجرة الذات المبدعة من الصعيد، ويفسر أيضًا عزلتها في الجنوب، وسرعة مواتها في واقع يهشها عن الوجود المغلق المخصوص؛ فالمحافظة على مكاسب الأجداد واقتفاء آثارهم قد يوفر بعض العادات الطيبة لأفراد المجتمع المغلق بعيداً عن نزوة الانزلاق نحو التغيير والمجاوزة، أو الاستجابة لنداء الإنسانية والعقل ذلك لأن الذي يسيطر عليها في الأساس هو نداء القبلية والغريزة. (29)
    لذا فإن أي توجه إبداعي وإن كان على مستوى الأخلاق لن يفلح مهما ادَّعى قدرته على استيعاب الواقع، ومهما حاول سحب هذا الواقع من دائرة الأصولية إلى الأصول المنزلقة نحو المستقبل وفق رؤى جديدة، أو مهما ادعى أنه قادر على تطوير آليات فهمه للتراث الثقافي لهذا المجتمع.. صحيح أن خطوة مثل هذه تعد مطلباً مرحلياً ضرورياً لاقتحام العصر، ولتمكين الذات من تمثيل نفسها حقيقة في العصر، لكن الصحيح أيضاً أنه توجُّهُ لن يفلح في مواجهة الزجر الذي تمارسه عليه قوى الانغلاق.
    من الأوجه لنا أن نعترف أن أول هموم الأدب هو عدم إمكانية تحقيق العملية الإبداعية بشكل كامل، ذلك لأنها تقاوم قوى الرفض في الوقت الذي تتشكل فيه ومن ثم تصبح المهمة عسيرة، وعاجزة عن التحقق كلية، وربما هذا هو المدخل المناسب للحديث عن معوقات العملية الإبداعية في صعيد مصر، ومهما كان تشدقنا بتميُّزها؛ فمن الطبيعي أن تستنفر الذات المبدعة طاقتها وملكاتها للدفاع عن نفسها ضد الانسحاق وضد عناصر الزجر، ومن ثم قد يتميز الإبداع أحياناً بالحدة لا الجدة، وربما تميَّز باحتضان آليات الهروب إلى الحلم أو إلى الذات الكبرى الوطنية أو القومية، ليفجأها هنالك الانسحاق الأكبر وهنالك يبدأ الصراخ.
    إن نموذج الذات المبدعة التي تقوم بدور رسولي بطولي يمكن أن يتحقق في المجتمعات المفتوحة التي يجذبها الجديد ويبهرها الإبداع وهى التي لا تعرف الثبات وتتنكر له وهى الباحثة عن التغيير، يكفى الذات المبدعة في مثل هاتيك المجتمعات المفتوحة لكي تقوم بدورها أن ترفع الراية أمام المجتمع ليسير المجتمع وراءها.. إن نموذج البطل المبدع أو المبدع البطل الرسولي يمكن أن يتحقق في مجتمع تجاوز مستوى الغريزة وجهاز العادات إلى قاعدة كبرى إنسانية تستجيب لنداء البطل المؤثر في إرادتها تأثيراً فعالاً مباشراً، لأنه لا يخاطب فيها العقل فحسب، بل هو يخاطب فيها الحساسية كذلك، كما أنه لا يجذبها بالحجة والاستدلال فقط بل بالقدوة والمثال أيضاً.
    "إن نموذج البطل هذا هو ما نعنى به الصفوة المختارة التي تحقق للحياة حركتها الصاعدة، ليس هذا فحسب، بل هم من تنسب إليهم القدرة الخاصة على الإحساس بالانفعالات الجديدة التي لا عهد للناس بها من قبل، وهذه الانفعالات الجديدة هي الأصل في شتى ضروب الإبداع سواء أكان ذلك في مجال الفن أم في مجال العلم أم في أي مجال آخر من مجالات الحضارة البشرية."(30)
    وهذا الدور للصفوة لا يقوم أصلاً إلا في مجتمعات تستجيب لنداء الحياة الصاعدة.. تستجيب لنداء الجذب من الأمام وتتمتع بأخلاق دينامية حركية مفتوحة تنزاح نحو المستقبل في الاتجاه المضاد تماماً لأخلاقيات القبيلة الثابتة والخامدة والمغلقة على أعرافها، وهى تولى وجهها للماضي شطر قبور الأجداد.. الأجداد الموتى وحدهم هم من يشكلون وجه الحياة البليدة في صعيد مصر، وهم وحدهم من يرسمون صرامة الواقع الذي لا يعرف الديمقراطية ولم يمارسها بعد، ولم يعهدها في كل مراحل الحياة الاجتماعية والسياسية.. إن نموذج البطل قد يكون مناسباً ومتاحاً في مجتمعات حققت مدنيتها وانفتحت على العصر، وأصبح الفرد فيها مناسباً بما يقدمه من نفع، وبقدرته على إزاحة قيم الثبات إلى قيم أكثر جدة، وأكثر استيعاباً للمتغيرات المتلاحقة التي يعيشها العالم .. كيف يمكنني ـ إذن ـ أن أتصور أو أدَّعي أن هذا الدور ممكن في مجتمع يكتسب فيه الفرد قيمته بفصائل الدماء، وبقدرته على الفتك بالآخرين ( مبدأ الفروسية العضلية ) الذين هم خارج تخوم القبيلة، وبقدرته على الإنعزال، وبقدرته على الاقتداء بالموتى .. وكيف لي أن أتصور إمكانية تحقق هذا الدور في مجتمع يظن أن الشمس تشرق من قبور الموتى، وأن جماجم الأجداد يمكنها أن تعطي قيم الحياة الفاضلة ؟!.
    هكذا هو الصعيد يستقى ماء ريه من جماجم الأجداد، في حركة دؤوب مطردة نحو الخلف، لكأن الحياة خلف ظهورنا !.
    هذه الصورة نقدمها الآن، لا لأننا لا نعرفها، بل لأنها هي التي نعرفها، وإنما نطرحها للنقاش والحوار الجدلي البناء في لحظة تستوجب النقاش حولها، وربما أننا نطرحها للآخرين، من يدعون أحيانا أن الأدب في صعيد مصر تماماً " ما بعد حداثي " أو هو هكذا لأنه صورة من مجتمعه الـ "ما بعد حداثي" !.
    [/align]


    [align=right] مسارب الأدب في صعيد مصر: [/align]

    يمكنني على نحو آخر أن أنطلق من الأدب لا عليه، متكئا على جهد تحليلي ومتابعة حقيقية للمنتج الأدبي في صعيد مصر منذ منتصف السبعينيات ـ على الأقل ـ لأجدني أمام مسارب عشرة لهذا المنتج في علاقته بقضايا وهموم المجتمع سواء الإنساني أو العربي أو المصري أو الصعيدي، هذه المسارب تتحدد في :
    1 ـ مسرب يستثني المجتمع بهمومه وقضاياه بما فيها المجتمع الصعيدي ليحتضن هموم القبيلة، أو الجماعة المغلقة داخل حدود القرية أو الواحة أو القبيلة، يحتضنها بالمعنى الانغلاقي الذي يسعى إلى المحافظة على قيم الثبات والدفاع عن مصالح القبيلة أو الجماعة ممجدا كل قيم الانغلاق التي ترى كل من هم فوق الأرض خارج إطار الجماعة المغلقة، تراهم نجسًا، ورجسًا من عمل الشيطان، هم أعداء يجب التصدي لهم ومحاربتهم ومن ثم يتحدد دور الأدب وقيمته بالنسبة للأديب ـ على الأقل ـ في الدفاع عن مصالح جماعتة ضد الآخرين الذين هم بقية المصريين أو بقية العرب أو بقية البشر فوق الأرض. ومن ثم نجد في هذه التجارب ثمة ميل جارف نحو الإعلان عن الرغبة في التحرر من أية روابط يمكن أن تجمع بين الجماعة المغلقة التي يتبنى الأدب الدفاع عنها وبقية البشر، لا مانع لدى هذه التجارب من إعلان انسلاخها عن مصريتها أو عروبتها أو إنسانيتها بالمعنى الواسع، أن الإنسانية لا تعنى شيئا خارج حدود الجماعة الضيقة.
    تبدو الرؤى المطروحة في هذا المسرب مقاومة للتغيير، متجهة في المقابل من ذلك نحو أخلاقيات العزلة، فيما تصبح مهمة الأدب في هذا الإطار تسجيلية أكثر منها رؤية أو إبداعية، محققا بذلك دورًا اجتماعيًا يعزز من قيم الانتماء للمكان المخصوص وهو يقبض على ملامحه وعادات أهله وطبيعة العلاقات والناس..هذا الدور التسجيلي في الاتجاه المحافظ تبدو فيه الذات المبدعة واقعة تحت ضغط الجماعة المحافظة التي تقر كل ما يبقى من عاداتها وأعرافها.. إنه أيضاً نوع من الدفاع عن الكيان المخصوص أو الخاص، والعزلة الجميلة، كما أنه نوع من الإخلاص لماضي الجماعة وجذورها ومآثرها وجماجم أجدادها، ورغبة الجماعة في المحافظة على الثبات ونبذ مقاومة التغيير.
    هذا الدور التسجيلي المقاوم المغلق يتم فيما تتجه الرؤية على المستوى الأعمق نحو الانسلاخ من الكل الإنساني، متسمة بالعدوانية والشر معززة كل قيم الـ"لا انتماء" للإنسانية، لتنحو بنا نحو أصولية عمياء تجد نجعتها في براري الماضي وفى مقابر الأجداد، إنها رؤية تداخل الحياة بالظهر وهى تدعى سيرها إلى الأمام. الماضي هو المأمول في الحاضر، والحاضر هو الهجين الذي قد أتى.. هي في النهاية رؤية مفرد تدعى صيغة المجموع إذ تبحث لها عن مشروعية التواجد وسط مجموع مغلق، إذ تتبنى قضاياه وتنفتح بوعيها على وعيه، لا إشكالية في هذا، إنما الإشكالية أن كل شيء يبدو ضيقاً مغلقاً رجعياً محافظاً صارماً صرامة القبيلة، يمكنني أن أحدد في هذا المسرب تجربتي "ناصر محسب" الروائية (الوادي الجدي) وتجربة "أحمد الليث الشر ونى" القصصية (إدفو/أسوان).
    2ـ مسرب تعنى تجاربه أساساً بالتصوير الطوبوغرافى للريف الصعيدي، ملتمسة قضايا إنسانية عامة، تجد محورها في الإنسان الريفي البسيط وأوضاعة المزرية، وربما صادفنا في هذه النصوص بعض التركيز على القضايا الاعتيادية كالثأر والفقر، وربما الإنحرافات الأخلاقية، وربما العكس أيضاً عندما تشرع في رصد حميمية الروابط العائلية والأسرية والقبلية.
    لا تبدو مثل هذه التجارب مهمومة بغير إعادة إنتاج الواقع، واستغلال جماليات المكان، مؤكد فقط انتماءها إلى هذا الواقع الذي ترصدة دون أن تكون معنية بترصده، أو محاولة موضعة هذا الذي تراه في إطار شمولي عام، أو بالمعنى هي عاجزة عن أن تقدم تصوراً تاريخياً وإنسانياً لما تراه، ومن ثم فهي أيضاً تؤكد عزلة الريف عن العالم، وعن التاريخ، يمكنني أن أحدد من هذا المسرب تجربة "محمد صالح البحر "(قنا) القصصية، أو تجارب "أحمد أبو خنيجر"(أسوان) الروائية والقصصية، أو تجربة "أحمد ربيع الأسواني" (أسوان) القصصية.
    3 ـ مسرب تبدو تجاربه مستوعبة لأزمة الواقع وهموم المجتمع العربي الكبير، يحلو لها أن تستلقط على استحياء من هموم مجتمعها المحلى النذر اليسير وهى المحلقة أبداً في أفق قومي واسع متخم بالصراعات والانهيارات والخزلان المبين، والتردي تحت سطوة وسيطرة قوى خارجية متجبرة، يحلو لمثل هزة التجارب ممارسة الهتاف والصراخ في كثير من محطات الوصول، كما يحلو لها مباكتة الواقع باستدعاء نماذج تراثية بطولية غابرة، ومن ثم تبدو مثل هذه التجارب كما لو كانت في رحلة مكوكية بين الماضي والحاضر، في قلق لا يريم تستنهض الهمم بالصراخ والمباكتة وعرض صور الواقع المتردي كما هي، في عملية إنتاجية تحافظ على تضخيم الصورة القبيحة، ممارسة أحياناً البكاء على اللبن المسكوب.. إنه مسرب يضم تجارب نخبة من شعراء مميزين في هذا الإطار تأتى في مقدمتهم "جميل عبدا لرحمن"(سوهاج).
    4ـ مسرب تبدو تجاربه مستوعبة لأزمة الواقع العربي الكبير، بما فيه هموم مجتمعها المحلي والمصري، تمارس ثوريتها على القبح والفساد، وصور الاضطهاد والتخاذل الحكام العرب واستسلامهم (رغمًا أو طوعا) للآخر الذي يمارس سطوته وتبجحه فوق الخارطة اليعربية، وإن كانت مثل هذه التجارب تضحى أحيانا بالفن من أجل أفكارها، وثوريتها الهاتفة، هي تجارب تتكئ رؤيويا على أصداء الماضي وحطين وصلاح الدين وعبدا لناصر، كما تتكئ على مرجعيات سياسية ثورية كانت تتردد أصداؤها بالأمس القريب ومن ثم تغلب عليها الدعاية لقيم ثورية بعينها وهي تكرر نفس النبرة عند كل محطات تشكلها، ممارسة سخطها على الحاضر بكل ما فيه لا لشيء إلا لأنه يخلو من صلاح الدين وتحديدًا من عبد الناصر ،ومن الأفكار التقدمية للناصرية، وهى في سبيل تعداد مثالب الحاضر وعلاته يحلو لها أن تباكت اللحظة الحاضرة باستدعاء البطولات السالفة، مكتفية إلى حد كبير بالدعاية لمبادئ ثورة 52، هي تجارب من المنظور الرؤيوي تكرس للثبات وتستحث عليه، بسكونها في المنطقة الأثيرة من الماضي الأثير، ومن دون أن تكون معنية بتجاوزها، أو اجتيازها، ومن ثم فهي لا تتفاعل حقيقة مع الواقع المجتمعي في صعيد مصر، وربما أنها لم تفلح بعد في تطوير أليات الرؤية لديها بعيدًا عن هذا الثقب الذي ترى منه الحياة، والذي إن ضاق أو اتسع يظل محدودًا بحدود المستحيل أو بالمعنى :عودة الماضي الذي كان تقدميا يوما ما .. إنه نوع من الترامي في براثن أصولية سياسية تخمش الرؤية وهى تحتويها كلية، وقد فقدت الذات المبدعة في الحقيقة ما يمكن أن تتلمسه حقيقة في واقعها، ومن ثم أضحى كل شيء مزيفًا بالنسبة لها. إن مثل هذه التجارب بكل طاقتها الثورية يمكن أن تكون عبئًا على المجتمع الصعيدي، لأنها تسعى إلى استنزافه في الدعاية لما مضى، في الوقت الذي ترهقه بما ليس معنيًا به في الأساس، ومن دون أن تؤسس للوعي بالقضايا الملحة في صعيد مصر، تؤسس مشروعها على فضح الحكام في الوقت الذي تفضح فيه نفسها، يمكنني أن أحدد من هذا المسرب تجربتي "درويش الأسيوطي" و"سعد عبد الرحمن" (أسيوط) الشعريتين وغيرهما كثير.
    5 ـ مسرب تعطى تجاربه ظهرها لكافة القضايا والهموم الإنسانية والمجتمعية باحثة عن المطلق الجمالي في الكون، ممارسة هدهداتها الروحية وفرفشة لحظتها، وهى تتلمس هذا المطلق الجمالي في نموذج المرأة الجميلة المثال، وفى الطبيعة الخلابة، ومن ثم تنشغل مثل هذه التجارب بالوصف.. أكثر ما يميزها هو انتماؤها للجنوب كبعد فني في التجربة يعطيها صورتها الجمالية التي تحتضن كل قيم البراءة والنقاء والصفاء والاتساع والزركشات والألوان بقدر ما يمنحها الهسيس والعبير، لكنما أبدأ لم تحط مثل هذه التجارب فوق منعطفات الواقع، وتربته التي تعج بصور التخلف والإهمال والبلادة. ومن ثم لا تبدو في مثل هذه التجارب أية صور لمجتمع ما، بقدر ما يرتطم القارئ بالذات كإشارة حائمة في اليوتوبى وفى مطلق الجمال. وربما تأتى تجربة "عزت الطير" (نجع حمادي) في مقدمة هذه التجارب.
    6 ـ مسرب تأتى تجاربه هاربة من الواقع، ليست معنية أساسا حتى بتجربة شاعرها الوجودية في الحياة.. يتحول معها النص إلى لعبة لغوية، وهى تمارس عزل الثقافة عن التاريخ، باحثة عن بلاغة جديدة في الفراغ. هي خارج التاريخ، وهى تمارس التحديث الشعري في الفراغ أيضا، واضعة في أذهانها صورة أو نموذجا حداثياً مركزيًا تستنسخه على أحسن احتمال، ممارسة ما يمكن أن نسميه كلاسيكية الحداثة، ومن ثم فهي تعيش همَّ استنساخ الحياة الشعرية، مستثنية هموم المجتمع وإشكاليات الواقع.. في مثل هذه التجارب لا نلمح هماً غير هم الذات الهاربة دوماً، والتي تعلن عند كل محطات التشكُّل الشعري شكواها وتوزعها، وتشتتها، وتغيبها، وانسحاقها، وربما نفيها، ومن دون أن تكون معنية بتفنيد علاَّت الواقع الذي يحتويها في الوقت الذي تفرُّ منه، لا نستشعر فيها انتماءً إلا للنماذج التي تقتفيها وتسير في ركابها، متعالية في الوقت ذاته على الواقع فارة منه.. هي تجارب ليست أصلية وإن ارتدت ثوباً حداثياً ضيقاً يزم خاصرتها ويبرز مؤخرتها يمكنني أن أحصي من تجارب هذا المسرب الكثير، مثل تجارب " فتحي عبد السميع" (قنا) و"عبدالرحيم طابع" (قنا) و" أشرف عتريس" (المنيا) و "بهاء الدين رمضان" (طهطا) و"حسين قباحى"(الأقصر) و"عباس حمزة " (أسوان) وكلها تجارب شعرية بعضها عامي وبعضها فصيح.
    7ـ مسرب تكتفي تجاربه تماماً بالانشغال الحسي واللهاث وراء أعضاء الأنثى تترصدها بالوصف والتملق الغزلي أحياناً، وربما أنها تشف عن سعيها لإرضاء مطالب بيولوجية شبقة ،أكثر مما تشف عن مطالب روحية. مثلما تأتى تجربة "حسين منصور" (أسيوط) الشعرية ثمة تجارب من هذا النوع يستقطبها انشغال وجداني بالمرأة أيضاً فتظل الذات في تجربة البحث عن جسد الحبيبة الطهور في الأفق الرومانتيكي اليوتوبى، وهى المنشغلة ـ أي الذات ـ في جانب التجربة بحسية شبقة، وفى الحالتين تتذبذب التجربة بين إنشغال حسي كان أو وجداني متخذة من الأنثى بؤرة ارتكازها دون أن نلمح قضية ما أو حتى موقفاً ما من الحياة أو المجتمع غير هذا الموقف المشدود إلى النساء مثلما هو الحال في تجارب "كرم الأب نودي" (قنا) و "محروس هاشم المدني" (سوهاج) الشعرية.. الأكثر إزعاجاً في هذا النموذج أن تكون معاني الوطنية أيضاً خارجة من بين أعضاء المرأة، عندما يتحدد إعجابنا بهذا الوطن في أن نساءه يتضاحكن ويرقصن ويتمايلن حين يخاصرن بعضهن على ضفاف النيل الجميل، أو أن يكون كل ما يربطنا بالوطن هي تلك القبلات التي نقطفها أحياناً من خدود الحسان اللائي يتبخترن على شاطئ النيل، مثلما هو الحال في تجربة "هاشم زقالي" الشعرية(أسوان).
    إننا ولا شك ـ ومهما يكن الأمر ـ لا ننكر على أصحاب هذه التجارب نظرتهم إلى الحياة، كما أنه ليس من حقنا أن ننكر عليهم انشغالهم الحسي والوجداني بالأنثى وأعضائها، لكنما بالطبع لن يكون هذا صورة من واقعنا أو حتى معبراً عنه بطريقة أو بأخرى ، وإن كان معبرًا في الواقع عن انفصال الذات المبدعة عن العصر .
    9ـ مسرب تبدو تجاربه متغربة عن الواقع وعن الوجه المجتمعي للحياة منفصلة أيضاً عن العصر بكل همومة وقضاياه، ومن ثم يحلو لها الإندياح إلى الدخل والانزواء بالنفس نحو تجرع الشجن الرومانسي الحالم والتمنى المستحيل والحنين إلى الماضي الشخصي والإنساني، وشكوى الأيام والتباكي على الأماني الميتة والأمل المبدد، والاستسلام من ثم لتذكارات الطفولة وأيام البراءة ووميض الصبوة البكر وسحرية العوالم الداخلية وهيلاميتها، ومن ثم أيضاً تشيع فيها التساؤلات الحيرى والنداءات المعبأة بالشجن، ويكثر الإعلان عن الذات والإعلاء من قيمة العاطفة والتغني بالمحبوبة والترامي نحو سحريتها وسحرية الاستسلام لتذكارات أيامها، وقد لا نعدم من الشكوى إليها ومنها، والإعلان عن أوجاع الذات وأشواقها وحرمانها، وعليه قد يحلو للذات أن تهجر الواقع وأشواكه إلى آفاق شجنية حلمية رومانتيكية كملاذ أخير، من هذه التجارب نحدد تجربة "عبده الشنهوري" (فقط) و"عبدا لصبور السايح" (أبوشت) و"عبدالرؤوف مصطفى"(كوم أمبو).
    10 ـ مسرب تتحدد تجاربه في الشعر العامي كمظهر لها، تحتضن هموم المواطن البسيط وتنطلق به ومنه بإمكانياته المتواضعة، وأحلامه الطيعة، وأعرافه المتوارثة، وأخلاقياته الإيمانية، وفطرية علاقاته، تنطلق منه معبرة عنه، وتنطلق به نحو مساحة من التعايش مع الحياة، مزكية فيه قيم الصبر والأمل والكفاح والكدح، ومعلنة في وجهه بشائر الفرح القادم، يبدو فيها صاحب التجربة في صورة الفنان الشعبي الذي يهذب أحلام الناس ويسمو بها، معززًا قيم الانتماء للبلد وللوطن والعروبة والإنسانية، كما نلمح فيها ثورية على القبح والظلم والاضطهاد والانحياز للفقراء والبسطاء ومحاولة تثوير الناس ضد من يستغلون الشعب، ومن ثم تكون التجربة معنية في بعض جوانبها بفضح القبح والفساد والاستغلال والتشهير والتنديد به كما لا تخلو التجارب من هدهدة روحية محفزة على الصبر ومواصلة مشوار الحياة بعيدا عن اليأس.
    أرى أن تجارب العامية تتقاطر في هذا المسرب ممثلة أصدق تمثيل التزام الأدب في إطار علاقة الأدب بالمجتمع، ومصورة معنى الانعكاس المجتمعي في الأدب، من هذه التجارب الشعرية نلتقط تجارب " أبو العرب أبو اليزيد ( سوهاج ) و" رمضان عبد العليم " ( أرمنت ) و" فتحي الصوم عي " ( سوهاج ) وفنجري التايه (أسوان).
    أراني ـ أخيرًا ـ متفائلا بتجربتين متميزتين في صعيد مصر استطاعتا أن تصور المجتمع الصعيدي وإنسانه بإخلاص وأن تعكسا كثيرًا من قضاياه المجتمعية التاريخية ومن ثم كانت الرؤية بانورامية مستوعبة لتاريخ علاقة الإنسان بالمكان ووضعيته عبر مسيرة حياته التاريخية في صعيد مصر أنهما تجربتان روائيتان متميزتان عند "زكريا عبد الغنى" (أسيوط) في روايته " نجع الخوالف" و "شطبي يوسف ميخائيل" (المنيا) في روايته "سفر الموت".
    وفى رأيي أن العمل الحصري على نحو ما قدمت يظل أرشيفيا بلا قيمة ما لم يوضع في إطار نقدي أكبر يثير حوله الأسئلة ويسعى إلى استخلاص نتائج محددة، تهدف إلى تطوير وتنمية هذا الإبداع وانتشاله ـ أيضًاـ من بعض مساربه الحرجة أحيانًا والمجافية أحيانًا أخرى. غير ما يمكن أن نستخلصه في ضوء علاقة هذا الإبداع بمجتمعه، وفى إطار وضعية الذات المبدعة في صعيد مصر وفى إطار وعينا بالمجتمع الصعيدي حقيقة يمكننا أن نقف عند كثير من معوقات هذا الإبداع وهى في رأيي كثيرة بعضها يعود إلى الذات المبدعة ووضعيتها المزجورة في مجتمعها والمنفية والمكبوتة في قمقم الذات المهيضة والمحبطة أحيانًا، والمؤطرة بأعراف القبيلة وأخلاقيات العزلة تارة أخرى، والهاربة إلى أمها الكبيرة وأحضانها عروبية الدماء فكانت كالمستجير بالرمضاء من الحر.
    على أن كثير من معوقات هذا الإبداع تعود إلى الواقع وإلى ظروف الصعيد ووضعيته التاريخية المزرية كذيل مهمل للخارطة المصرية وفى هذا الصدد يمكنني أن أختم بالتوصيات الآتية وإن كنت متجاوزًا عن تفنيد معوقات الإبداع في صعيد مصر لأني أراها خارج سياق البحث.
    التوصيات :
    1 ـ الأولى: رعاية وتنمية الإبداع في هذه المنطقة من العالم لا ليكون حداثياً أو ما بعد حداثي ولكن ليكون ذاته، ولا اعتقد أن هذه الخطوة هينة لأنها تتعلق أساسًا بتنمية شاملة، فليس الثقافي معزولا عن الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، فقد سبق أن أوضحت أن الأديب منتج ( بفتح التاء ) اجتماعي مثلما أنه منتج ( بكسر التاء ) أدبي.
    ولسنا بحاجة للتأكيد ـ على نحو ما بدأنا ـ أن الأدب أبن بيئته وعصره أو هكذا يجب أن يكون، وقد أوضحت آنفا أنه واقع بين مطرقة التخلف البيئي والمجتمعي على كافة الصعد وسندان الشد والجذب العالمي المتصاعد الذي يقتحم عليه حياته ويلح في فرض نفسه وفى هذا الصدد لا تبدو المسألة هينة أيضا لأنها تتجاوز حدود واهتمامات الأجهزة الثقافية والتربوية وحدها، هذا على افتراض جدلي بفاعليتها وعلى افتراض جدلي آخر أنها تعي دورها حقيقة، وعلى افتراض جدلي ثالث أنها هي في حد كونها مؤسسات معنية بتربية الشخصية وتوعيتها ورعايتها متفلتة من شِباك التخلف ومعوقات الأداء، وعلى افتراض جدلي آخر أنها مؤمنة حقيقة بدورها واهميته.
    2 ـ التأسيس لمشروع قومي لنشر الإبداع في صعيد مصر أو وضعه على الأقل في خارطة النشر في المؤسسات الحكومية والأهلية بما يتناسب وحجم هذا المنتج وحجم معاناته، والعمل من ثم على إبرازه إلى حيز الوجود مع توسيع قاعدة تداوله بالالتفاتة الإعلامية والدعائية وفتح أسواق للكتب في صعيد مصر وربط هذا المنتج الأدبي بالمناهج الدراسية في المدارس والجامعات بصعيد مصر، هذا إذا كنا نسعى حقيقة لتجاوز المركزية أو كان هذا هو اتجاهنا حقيقة في السعي نحو إدارة لامركزية أو فكر لامركزي.
    3 ـ إعادة خرطنة الاهتمام بالثقافة في صعيد مصر والنظر في سياسة تنمية الثقافة من جديد، وعلى أسس جديدة فبالنسبة لهيئة قصور الثقافة كهيئة معنية بتنمية الإبداع عليها إعادة النظر في خرطنة أنشطتها ومؤتمراتها في الصعيد، لا على اعتبارات الفندقة والسياحة، ولكن على اعتبارات إتاحة الفرص العادلة أمام الجميع وبما يتناسب مع حجم الإبداع وقيمته في هذا المكان أو ذاك حتى لا تستأثر فئة قليلة بمخصصات المجموع، وإلا فعلى كل مبدعي الصعيد أن يسكنوا بجوار الفنادق السياحية، لأن الإدارة الثقافة لا بد ستأتيها هاهنا، أو على كل مبدعي الصعيد أن يسكنوا أسيوط ليشهدوا مأدبة إقليم وسط وجنوب الصعيد المسماة "ليالي المحروسة" في الشهر الفضيل ، أو على المبدع أن يقيم في الأقصر حتى يُدرس نتاجه الأدبي في المؤتمرات الأدبية المتكررة التي تعنى إدارات وزارة الثقافة بإقامتها في تلك المدينة السياحية .
    المسألة حقيقة بحاجة إلى تغيير سياسة تنمية الإبداع وتنشيطه وخلخلة ركوده، وحقنه بالمثيرات والمحفزات كي لا يموت مثلما هو حادث في كثير من بقاع الصعيد التي تتعدد فيها أسباب الطمر، والطمر واحد . فعلى سبيل المثال:
    خُص الصعيد بمؤتمر مصر للأقاليم مرات عديدة في الأقصر لاعتبارات الفندقة ليس إلا، ، كما خُصت الأقصر بإقامة ما يسمي بمؤتمر إقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي لمرات عديدة ، في الوقت الذى حرمت منه ـ مطلقًا ـ محافظات أخرى في صعيد مصر ، كما خُصَّت الأقصر بعدد لا بأس به من المؤتمرات السنوية تحت مسمى "مؤتمر طيبة الأدبي" والذي كان في حقيقة مؤتمرًا لأدباء القاهرة في طيبة، ولم يكن لأبناء الصعيد منه حظًا، الأمر الذي أتاح كثافة نقدية هائلة لا تتناسب البتة مع حجم وتواضع المنتج الأدبي الهزيل والضئيل في الأقصر، حتى أن المفتش عن الإبداع في ذلك المكان يرتطم دائمًا بأسماء تتكرر لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة.
    4 ـ التأسيس لمشروع قومي يكون مبدعونا طرفا فيه تتبناه الدولة والمؤسسات الاجتماعية والأهلية يهدف أول ما يهدف إلى تعزيز قيم الانتماء واحتضان الهوية المصرية والعروبية فيما يسمى بـ"وطننة الثقافة" أو تأصيلها على غرار ما تفعل دول كثيرة الآن مثل الصين وسنغافورة وفرنسا وإيران.
    أعتقد أن هذه الخطوة الأخيرة ليست وقائية كما يظن البعض.. فليس الدور الأكبر أن نتقى، بقدر ما أنه التركيز على الفاعلية في شراكة العصر بنصيب من الأسهم التي تؤهلنا للمداخلة الصحيحة وبما يحفظ مكانتنا كذات لها خصوصيتها وكينونتها الثقافية والحضارية، وعليه فإن الحديث عن التزام الأديب في هذا الإطار يجب أن يكون مسبوقا بالحديث عن الجهد المؤسسي للدولة في هذا الإطار ذاته ، أو بالمعنى: علينا أن نتساءل عن استعداداتنا، وماذا فعلنا وكم أنفقنا وكم يمكننا أن ننفقه على وطننة الثقافة، هذه أسئلة جوهرية يجب أن نواجهها قبل أن نتحدث عن أية خطوات إجرائية تمكننا من تحقيق هذه التوصية الأخيرة، فإذا كنا عاجزين عن أن نكون أصحاب ثقافة قابلة للتصدير أو صالحة لتمثيلنا حقيقة في هذا العالم، فليس على الأقل من أن نكون أصحاب وعي بها ، قادرين على أن ننميها في اتجاه معين، ومن هنا يحلو الحديث أو يصبح واجبًا عن التزام الأديب، ولا يصح الحديث عن هذا بمعزل عن كافة القضايا الراهنة وبغير اهتمام مؤسسي يتبنى الثقافة والإبداع ويدعمهما باتجاه الواقع والحياة وباتجاه المجتمع وأخص الصعيدي، الذي يصبح الحديث فيه أو معه في مثل هذه القضاياـ الآن ـ ترفا لا يحتمل، طالما ظل معزولاً عن تمثيل نفسه حقيقة وكما ينبغي، مفصولاً عن حقوقه منفيًا وإلى أبعد مدى في قاع التاريخ والجغرافيا.


    [align=center]عبدا لجواد خفاجي
    24 / 1 / 2006
    [/align]




    الهوامش والمراجع:

    1 ـ أحمد فراج ـ " الثقافة والعولمة " الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ كتاب أبحاث المؤتمر الرابع لإقليم وسط الدلتا سنة 2003 / ـ صـ 96.
    2 ـ د. سيد البحراوي ـ المدخل الاجتماعى للأدب ـ القاهرة، دار الثقافة العربية سنة 2001 صـ 3.
    3 ـ د. شوقي ضيف ـ البحث الأدبي ـ القاهرة، دار المعارف ـ طـ8 صـ96.
    4 ـ هذا ما ذهب إليه الكثيرون من دارسي الأدب ومؤرخيه، لكنما يذهب البعض إلى أن له شعرًا ضاع مع ما ضاع من تراث شعراء كثيرين غيره، وقد روى له " أبو تمام " في ديوان الحماسة بعض القصائد القليلة التي منها:
    معاذ الإله أن تنوح نسـاؤنا على هالك أو تضج من القـتل
    قــِراع السـيوف أَحـلَّنا بأرض براح ذي أراك وذي أثل
    5 ـ د. شوقي ضيف ـ مرجع سابق صـ 86.
    6 ـ د.سيد البحراوي ـ مرجع سابق صـ21.
    7ـ د. سيد البحراوي ـ مرجع سابق صـ22 .
    8 ـ د. شوقي ضيف ـ مرجع سابق صـ120.
    9 ـ د. شوقي ضيف ـ مرجع سابق صـ131.
    10 ـ د. سيد البحراوي ـ مرجع سابق صـ27 .
    11 ـ د. سيد البحراوي ـ مرجع سابق صـ29 .
    12 ـ د. شوقي ضيف ـ مرجع سابق صـ103.
    13 ـ حسين مروُّه ـ قضايا أدبية ـ القاهرة، دار الفكر سنة 1956 ـ طـ 1. صـ 6 .
    14 ـ حسين مروُّه ـ مرجع سابق صـ8.
    15 ـ يرجع في هذا إلى المرجع السابق لحسين مروًُه صـ 76 وما بعدها حيث نجد تغطية كاملة لواقعات مؤتمر الكُتَّاب السوفياتيين الثاني الذي عقد في موسكو من 15 إلى 25 ديسمبر سنة 1954 م.
    16 ـ عن حسين مروُّه ـ مرجع سابق صـ27.
    17 ـ يرجع في هذا إلى جان بول ساتر في كتابه " ما الأدب " ـ الفصل الثالث ( لمن نكتب ؟ ) ـ ترجمة د. محمد غنيمي هلال ـ مكتبة الأسرة ( القاهرة ) سنة 200 م ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب.
    18 ـ يرجع في هذا إلى جان بول ساتر ـ المرجع السابق ـ صـ 22 وما بعدها.
    19 ـ يرجع في هذا إلى جان بول ساتر ـ المرجع السابق ـ صـ 45 وما بعدها.
    20 ـ حسين مروُّه ـ مرجع سابق صـ 26.
    21 ـ حسين مروُّه ـ مرجع سابق صـ 26.
    22 ـ د. سيد البحراوي ـ مرجع سابق صـ29 .
    23 ـ عبدا لعظيم أنيس، ومحمود أمين العالم ـ في الثقافة والأدب صـ 71.
    24 ـ يرجع في هذا إلى د. سيد البحراوي ـ مرجع سابق صـ31 .
    25 ـ تيري إيجلتون ـ مقدمة في نظرية الأدب ـ ترجمة أحمد حسان ـ كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة،القاهرة سنة 1991 صـ 14 .
    26 ـ يراجع في هذا الصدد ما كتبه ـ على سبيل المثال ـ أمجد ريان في كتاب أبحاث مؤتمر قنا الأدبي ( من 16 إلى 18 يناير سنة 200 ) وكان عنوان بحثه " دراما الذات بالمعنى الشخصاني ـ قراءة في ديوان الخيط في يدي، وفي الدراسة أثنى على الاتجاه ما بعد الحداثي في هذا الديوان صـ 85 وما بعدها، ويراجع أيضًا ما كتبه نفس الباحث في كتاب أبحاث المؤتمر الأدبي الأول بمحافظة الوادي الجديد ( في الفترة من 7 ـ 9 أكتوبر سنة 2001 " تحت العنوان: " ملامح ما بعد الحداثة متجسدة في شعراء الوادي الجديد " دراسة: أمجد ريَّان صـ 16.
    27 ـ يرجع في هذا إلى: د. أحمد زايد ـ عولمة الحداثة وتفكيك الثقافة الوطنية ـ عالم الفكر العدد (1) مجلد 32 لسنة 2003 صـ 15.
    28 ـ د.مصطفى رجب ـ ورقة بحثية ضمن كتاب مؤتمر أدباء مصر في دورته العشرين ببور سعيد ديسمبر 2005 صـ 29.
    29ـ يرجع في هذا إلى: د. زكريا إبراهيم ـ المشكلة الخلقية ـ مكتبة مصر ـ ط 3 لسنة 1980.
    30ـ لاستكمال الملاحظة والتدليل عليها راجع: عبدا لجواد خفاجي ـ وقائع سرية وأخلاقيات العزلة ـ ورقة بحثية ضمن كتاب أبحاث المؤتمر الأدبي الأول بمحافظة الوادي الجديد عام 2001 م صـ 101 وما بعدها.


       معلومات الموضوع / المقال - المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    العنوان الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر
    الكاتب / الكاتبة خفاجى
    رابط المقال الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر
    المصدر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    حقوق هذا الموضوع / المقال محفوظة مالم يكن الموضوع منقولاً إلى منتديات المعهد العربي
    [poem=font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="limegreen" bkimage="backgrounds/2.gif" border="solid,5,indigo" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    رغم الحدود فلا حـدٌّ يباعدنـا =إن الحدود لوهمٌ مـن أعادينـا
    " ما دام من هذه الفصحى لنا صلة " =دام الوداد ودام الحرف وادينـا[/poem]

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    3,610
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    35

    رد: الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر

    استاذ عبدا لجواد خفاجي
    شكرا على هذه الدراسه الرائعه
    سو سو

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الدولة
    عربي....
    المشاركات
    8,957
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    62

    رد: الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر

    وتبقى مصر ام الحضارات
    مجهود كبير مشكور عليه استاذ خفاجي

    تحياتي
    رحيق

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    278
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    15

    رد: الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة SOSO
    استاذ عبدا لجواد خفاجي
    شكرا على هذه الدراسه الرائعه
    سو سو
    شكرا سوسو لتفضلك بالقراءة والتعليق
    ولعل مرورك دائمًا على ما أنشره هنا مناسبة لاطلاق البهجة
    لك المودة
    [poem=font="Simplified Arabic,5,darkblue,normal,normal" bkcolor="limegreen" bkimage="backgrounds/2.gif" border="solid,5,indigo" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    رغم الحدود فلا حـدٌّ يباعدنـا =إن الحدود لوهمٌ مـن أعادينـا
    " ما دام من هذه الفصحى لنا صلة " =دام الوداد ودام الحرف وادينـا[/poem]

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    هنا
    المشاركات
    27,766
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    155

    رد: الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر

    دراسة راقية ومفيدة
    بوركت وقد وضعناها في المكان المناسب
    تقديري

  6. #6
    الصورة الرمزية مائسه ماجد
    مائسه ماجد غير متصل
    إشراف عام
    مساعد اداري
    رئيسة تحرير نوارس أدبية
    نور الأدب
    تفضل بزيارة منتداي
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الدولة
    مملكة النور؛
    المشاركات
    14,752
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    94

    رد: الأدب وهموم المجتمع في صعيد مصر



    تغيب !
    ونظل من بعدك نقدم رشوة بعد أخرى حتى نراك ..


    http://www.nwarss.com/mag/index.php/...-14-01-30.html


    الحكم نتيجة الحكمة والعلم نتيجة المعرفة
    فمن لا حكمة له لا حُكم له ، و من لا معرفة له لا عِلم له.



المواضيع المتشابهه

  1. الزكاة وتنمية المجتمع
    بواسطة مصطفى في المنتدى رمضانيات
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-15-2008, 06:11 PM
  2. الأدب وهموم المجتمع
    بواسطة خفاجى في المنتدى عبد الجواد خفاجى
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 09-06-2008, 12:28 PM
  3. عيد سعيد....
    بواسطة قيس النزال في المنتدى قيس النزال
    مشاركات: 23
    آخر مشاركة: 12-19-2007, 07:04 PM
  4. شعب سعيد..
    بواسطة قيس النزال في المنتدى قيس النزال
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 09-21-2007, 11:42 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 05:59 PM







Powered by vBulletin™ Version 4.2.0
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.