الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة

محمد شريف الشيباني
الفصل الثالث
سياسة الرسول التوحيدية

الرسول و رسالة التوحيد

إن المسيرة الكفاحية للدعوة الإسلامية ، ونضال الرسول الملحمي لنشر رسالة الإسلام ، ومن ثم الحروب التي خاضتها الدعوة ضد الأنظمة القبلية الوثنية ، جميع هذه الأمور التي استعرضناها في الصفحات السابقة ، كان هدفها نشر راية التوحيد في ربوع الجزيرة العربية ....

وإذا كانت الدعوة الإسلامية توحيدية على صعيد الفكر الديني فهي بدورها توحيدية على الصعيدين السياسي والاجتماعي ، إذ استطاعت عبر نضال الرسول الملحمي أن تتوج بتوحدي جزيرة العرب وصهر القبائل المتنافرة في بوتقة الإسلام كتلة واحدة متراصة.

هذا ، وقد ظهرت سياسة الرسول التوحيدية مع استقراره في المدينة التي فتحها بالقرآن الكريم وحده في أعقاب الهجرة ، وإرساء قاعدة الدولة الإسلامية الأولى ، ووضع أول دستور للمدينة ، وهكذا أخذت تبلور مفاهيم الأمة الإسلامية . . .


الأمة الإسلامية

كانت الحياة العربية قبل الإسلام تقوم أساساً على نمطية خاصة ، فالقبيلة هي التنظيم الاجتماعي السياسي الذي يظم حياة الفرد في القبيلة ، فكان انتماء العربي الجاهلي انتماء قبلياً ، وليس هناك أية رابطة عملية توحد القبائل وتجمعها ، بل على العكس كانت القبائل متناحرة متحاربة ، وإذا ما قامت أحلاف قبلية ، فلمناصرة قبيلة على أخرى ، وبالتحديد كانت القبيلة العربية تشكل وحدة سياسية مستقلة . . ومن هنا كان الانقلاب الذي أحدثه الرسول  عميقاً في حياة الجزيرة العربية إذ استطاع بسياسته الكفاحية التي تمليها روح الإسلام أن يحول هذه الوحدات القبلية المستقلة ويرتقى بها على سيد التطور الاجتماعي لتظهر في إطار الأمة الإسلامية . . . ويبحث المستشرق مونتجمري وات الفرق بين مفهومي القبيلة والأمة ، بقوله :

(( الفرق البديهي بين الأمة والقبيلة هو أن الأمة تقوم على الدين ، بينما تقوم القبيلة على القرابة ، ولا نجد هذه الفكرة في أية نظرية ، ولكنها فكرة ضمنية كامنة )) .

وكان التطور السياسي للأمة الإسلامية التي وضع أسسها في المدينة ، ثم تطورت بإجلاء اليهود عنها ، وانتشار الإسلام في جزيرة العرب ، يعني فيما تعنيه الجماعة في زمن خلفاء الرسول فغدا يشمل الجماعات والأجناس والشعوب التي تعيشها في ظل « دار السلام » تمييزاً لها عن « دار الحرب » . . .

هذا ، ويناقش المستشرق الفرنسي مارسيل بوازار في كتابه : « إنسانية الإسلام » فكرة « الأمة الإسلامية » ومغايرتها المفهوم الغربي ، وعلاقة الفرد بهذه البلاعة ، يقول :

((ليس لفكرة " الأمة " الإسلامية مقابل في فكر الغرب ولا في تجربته التاريخية . فالجماعة الإسلامية ، وهى تجمع من المؤمنين يؤلف ينهم رباط سياسي وديني في آن واحد ، ويتمحورون حول كلام الله القدسي و توحدهم العزة بالانتساب إلى التنزيل الأخير والحقيقي لا تطابق فكرة « الشعب » التي كانت سائدة عند مسيحي القرون الوسطى ، ولا فكرة " الأمة " الغربية التي راجت في القرن الثامن عشر . وصعوبة التوافق منبثقة عن فكرة الكائن البشري . فالإنسان يسهم ، بالنسبة إلى الفكر الغربي ، في الحياة الاجتماعية المقسمة إلى طبقات ومراتب بنشاطه الخارجي والفعلي ، وعلى العكس من ذلك فإن الفرد يندمج في الإسلام بالجماعة المؤمنة بالتساوي عن طريق شهادته ، الفردية واستبطان إرادته وصفاته الخاصة كمؤمن ، فالنية المعلنة والجهر بالكلام شرطان من شروط الانتماء إلى المجتمع . وبصورة تلازمية يحدد الامتثال لمشيئة الله البنية الاجتماعية . وهكذا تكون النظم التأسيسية للجماعة مشروطة بالعبادة الواجبة عليها نحو الله )) .

كسب القبائل العربية بالمعاهدات السياسية

إلى جانب النضال العسكري كان الرسول  يعمل على كسب القبائل العربية ولم قامة المعاهدات والمواثيق ينهما ، وأوضح دليل على ذلك دستور المدينة ، الذي وحد المسلمين واليهود في المدينة والقبائل العربية المجاورة ، وجعل من النبي الحاكم السياسي والإداري للمدينة ، إن خولته الوثيقة أن يكون المرجع الوحيد لحل الخلافات التي قد تنشب بين أطراف التحالف ، وكان الاعتراف السياسي بقيادته اعترافاً ضمنياً بنوته .

وكان دستور المدينة نصياً سياسياً للرسول ولرسالته التوحيدية ، فقد سرت فيه القبائل العربية القاطنة في المدينة حتى رغبت عدة قبائل أن تدخل في ظل وثيقة المدينة ، لتتمتع بحماية السلم الإسلامي ، الذي شكل قاعدة الأمة الإسلامية المقبلة القائمة على أسس دينية ، يقول مونتجمري وات :

(( وكانت المشكلة الأولى هي استتباب السلم بين مختلف قبائل المدينة . وكانت مشكلة ليست في المدينة فقط بل في كل شبه الجزيرة العربية . ولما نجح محمد في إقامة « السلم الإسلامي » في المدينة مع القبائل المجاورة ، أرادت قبائل أخرى أن تستفيد من النظام الجديد . ولم يعارض محمد من جهة امتداد نظام السلامة الذي أقامه إذا كانت الترتيبان التفصيلية مرضية ، فإن امتداده يؤدي إلى قدر كبير من السلامة . تخيل محمد نفسه يتوسع بالأمة الإسلامية - أي جماعة الذين يعتنقون الإسلام أو يؤمنون بالله_، دون اعتناق الإسلام ، وقد احتموا به أو برسوله )) .

ويرى كثير من الباحثين في الشرق والغرب ، وكذلك لفيف من المستشرقين أن اهتمام الرسول بقبائل الشمال ، كان من أهدافه الإسلامية توجيه العرب نحو بلاد الشام إدراكاً منه لأهمية هذه المنطقة استراتيجياً لمستقبل الدعوة الإسلامية ، لتكون مجالاً للفتوحات المقبلة . . وتأمينا "للسلم الإسلامي" الذي يقوم حق التقويم القضايا الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية معاً انطلاقاً من (( اعتبار رسالة محمد على أنها بناء نظام سياسي اجتماعي واقتصادي على أسس دينية )) .

ويبحث المفكر مونتجمري وات في مكان آخر الأهمية الاقتصادية للتجارة مع بلاد الشام بالنسبة لجزيرة العرب ولمستقبل الفتوحات الإسلامية ، يقول :

((وكانت مسألة أخرى تشغل حكم محمد . وهي أنه كان يحرم القتال والنهب بين المسلمين وبهذا إذا دخل عدد كبير من القبائل أو قبلت زعامة محمد لها، فكان عليه أن يبحث عن متنفس آخر لطاقاتها ، وقد نظر محمد إلى المستقبل ووجد أنه يجب توجيه غرائز الغزو لدى العرب نحو الخارج ، نحو المجتمعات المجاورة لشبه الجزيرة العربية ، كما أدرك إلى حد ما أن نمو طريق سورية هو إعداد للتوسع)) .

هذا ، وناقش الباحث العسكري محمود الدرة ، ما ذهب إليه الباحثون العسكريون الغربيون والمستشرقون ورد عليهم بما يؤكد عالمية الرسالة وطموح الرسول  إلى أن يعم الإسلام المعمورة وخاصة البلدان المجاورة لجزيرة العرب يقول :

(( والحقيقة هي أن محمداً قد رسم لأمته خطوط السياسة السوقية (الاستراتيجية ) ساعة حصار المدينة ، فضلا عن الحركات العسكرية التمهيدية التي أمر بها باتجاه الديار الشامية ، وبأحاديثه المعروفة بهذا الخصوص . كما أن رسالته كما جاء في القرآن الكريم تؤكد على أنها للعالمين جميعاً )) .

ومن الثابت أن الرسول في أحاديثه ورؤاه المستقبلية كان مدركاً بإيمان النبي المرسل أن رسالة الإسلام ستعم الأرض ، وقناعته هذه لم تتزحزح البتة حتى في أحلك الظروف السياسية وأشدها خطورة على مستقبل الإسلام إبان موقعة الخندق أو الأحزاب حيث تجلت شخصية الرسول العظيمة ورؤاه العملاقة مما حفر في وجدان المسلمين عميقاً ، وغدت نبوءة الفتوحات واقعاً ، حين انطلقت رايات الفتح خارج الجزيرة تأكيداً على عالمية الرسالة ، ولندع منا للباحث الإسلامي مولانا محمد على تحليل هذه القضية النبوءة ، يقول :

((أن التاريخ لم يدون لنا غير حادثة مفردة عن شخصية كان لها سلطان روحي وزمني - أيضاً على أمة من الأمم . ومع ذلك فقد عملت مثل عامل عادى ، جنباً إلى جنب مع أتساعها في ساعة الحرج الوطني العظيم .

إنه لمن سمات شخصية الرسول المميزة أنه كان يضفي رواء على أيما شيء يشارك في صنعه . فحيثما وضعته أدى واجبه في كياسة عجيبة . ولئن كان ، من ناحية ، حكم الملوك رجولة ، لقد كان _في الوقت نفسه _ أكثر الرجال جلالاً ملكياً. وفيما هم يحفرون انتهوا إلى حجر صلد . وبذلوا كلهم قصارى جهدهم لتحطيمه . وهكذا اقترح على الرسول ، الذي كان قد رسم حدود الخندق بيديه الاثنتين ، أن يجيز لهم الانحراف بعض الشيء ، عن الخطة الأصلية ، فلم يكن منه إلا أن تناول معولاً وانهمك في أداء المهمة التي أعجزت رجاله لا لقد هبط إلى جوف الخندق وراح يقرع الصخرة بعنف ، فانزاحت مطلقة في الوقت نفسه شرارة نار لم يكد الرسول يلمحها حتى صاح ، يتبعه أصحابه ، « الله اكبر» وقال إنه رأى في الشرارة أن مفاتيح قصر الملك في الشام قد آلت إليه . وضرب الصخرة كرة أخرى فانشقت ، مطلقة شرارة النار نفسها . وكرة ثانية ارتفع التكبير : « الله أكبر» ولاحظ الرسول أنه وهب مفاتيح المملكة الفارسية . وعند الضربة الثالثة تناثرت الصخرة قطعا وأعلن الرسول أنه رأى مفاتيح اليمن تصبح ملك يديه ثم أوضح قائلاً إنه ، في المرة الأولى ، اهلع على قصر قيصر ، وفي المرة الثانية على قصر أكاسرة فارس ، وفي المرة الثالثة على قصر صنعاء ،وإنه أنبىء ، أن أتباعه سوف يمتلكون تلك البلاد كلها . أنها لظاهرة رائعة . ولقد كانت قوة جبارة ، تتألف من أربعة وعشرين ألف رجل ، تقف عند أبواب المدينة نفسها على أتم الاستعداد لسحق الإسلام . وكانت بلاد العرب كلها متعطشة لدماء المسلمين . وفي غمرة من سحب هذا الخطب الرهيب تلمح عين الرسول شعاعاً قصياً يؤذن بالقوة التي ستتم للإسلام في المستقبل . أليس ذلك شيئاً يتخطى أبعد طاقات الخيال البشري؟ ومن غير الرب الكلي الحكمة والكلي العلم يستطيع أن يكشف للرسول أسرار المستقبل هذه في لحظة كان الإسلام مهدداً فيها بالفناء المطلق ؟ )) .


رسل محمد  إلى الملوك و عالمية الإسلام

بعد صلح الحديبية الذي عقده الرسول محمد  مع قريش ، وظهور الإسلام كقوة في جزيرة العرب ، ونضوج الدعوة الإسلامية ، كان قرار الرسول  أن يؤكد على عالمية الإسلام ، وأنه دين الله للناس كافة ، وذلك بإيفاده الرسل إلى ملوك الدول المجاورة ، يدعوهم فيها إلى الإسلام ، وذلك في السنة السابعة للهجرة ، فحملوا له الرسائل إلى كل من هرقل الروم ، و كسرى الفرس ، ومقوقس مصر ، ونجاشي الحبشة ، وعامل كسرى في اليمن ، وعامل الروم شرحبيل بن عمرو على بصرى على الحدود الشمالية لجزيرة العرب عند تخوم بلاد الشام .

هذا ، وإن دلت هذه الرسائل على أمر فتلك الغاية التي كانت وراء قصد الرسول ، وهي نشر العقيدة الإسلامية خارج جزيرة العرب ، لأن الإسلام دين عالمي ، وأنه رسول الله إلى الناس كافة . أن اشتملت هذه الرسائل جميعها على الدعوة إلى الوحدانية ، وكانت متوجة بالآية الكريمة التي تدعو أهل الكتاب إلى تحقيق ما هو، مشترك بين جميع الأديان السماوية ، أي عبادة الله وحده وأن لا يكون له شريك من آلهة أخرى ، أو بشر ، تقول الآية الكريمة :

 قل يا أهل الكتاب تعالواً إلى كلمه سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون  (س3 ، الآية 64).

يقول الباحث الإسلامي مولانا محمد علي :

(( والواقع أن الآية تلفت الانتباه إلى مبدأ لو اصطنع اليوم إذن لوضع حداً لجميع المنازعات الدينية ، صاهراً مختلف الأنظمة في دين كوني واحد ، وصاهراً البشرية كلها في أخوة كلية واحدة . إنه يقرر ، ابتغاء إزالة الفروق جميعاً ، أن كل ما هو مشترك بين جميع الأديان يجب أن يقبله الجميع ، كأساسي يبدأ به ، ثم تشاد فوق الأساس بيع التفاصيل الدينية المتناغمة مع هذه الحقيقة الأساسية . وهكذا تستطيع أديان العالم كلها أن تتلاقى على أرض مشتركة و تسوي خلافاتها بطريقة حبية . والواقع أن فكرة الدين الانتقائي التي انبثقت مؤخراً تنسجم مع الحقيقة نفسها التي دعا إليها الإسلام منذ ثلاثة عشر قرناً )) .

لقد كانت مواقف الحكام والملوك مختلفة في ردود أفعالها حين تلقت رسائل رسول الله  يقول آتيين دينيه في كتابه : "حمد رسول الله" :

(( فتلقي المنذر ، ملك البحرين الرسالة فأسلم ، وكذلك فعل نائب ملك اليمن . وبعث المقوقس ملك مصر بالهدايا الثمينة إلى محمد ، وكان من بين تلك الهدايا جارية شابة بارعة الجمال يقال لها : مارية القبطية ، تزوجها محمد . وكان من بينها أيضاً حمار يقال له يعفور وبغلة تدعى دلدل . أما هرقل لم إمبراطور الرومان والنجاشي ملك الحبشة ، فقد رد كل منهما الدعوة برسالة غاية في التلطف والاحترام . غير أن كسرى ملك الفرس أقسم ليعاقبن النبي على جرأته ، فنزل عليه في الحال غضب الله ، أن اغتاله ابنه شيرويه ، وتبوأ عرشه . ومزق الحارث بن أبي شمر رسالة النبي ، فرأى ملكه يتمزق ، جزاء له من الله على تمزيق رسالة محمد ، وكان الحارث بن عمير الرسول الوحيد الذي استقبل استقبالاً مشيناً ، ثم اغتيل عند الكرك بالبلقاء بأمر من شرحبيل الغسانى حاكم تلك البلاد التي كانت تخضع للرومان )) .

هذا و تتفاوت مواقف المستشرقين والباحثين الغربيين من مسألة حقيقة الوفود ، بين التصديق والإنكار والدهشة والإعجاب ، والتشكيك في صحة الأمر . . . رغم ثبوتها وخاصة بعد العثور على الرسالة التي وجهها الرسول  إلى المقوقس حاكم مصر ، يقول الباحث العسكري غلوب باشا :

(( حكم بعض المؤرخين المعاصرين أثاروا بعض الشكوك في موضوع الرسائل فليس هناك في ما حفظ عن حياة النبي ما يشير أن النبي قد تصور أو توقع احتلال سورية وفارس . ولقد أدهشت الانتصارات العظيمة التي حققها العرب بعد وفاة النبي المسلمين أنفسهم ، وهي انتصارات ما كانت لتتحقق لولا أن النبي قد تنبأ بوقوعها . لكن مارية القبطية كانت من الناحية الأخرى شخصية تاريخية )) .

هذا وقد ناقش الباحث الإسلامي مولانا محمد على ، الظروف التي أحاطت بتوجيه الرسائل إلى الملوك وإيمانه العميق بالانتصار النهائي للإسلام ، وأن ضياءه سيعم المعمورة ، وأن الإسلام يمتلك القوى الذاتية للصمود ، رغم كل القوى المضادة وأنها تشير إلى نقطة هامة أخرى هي أن محمداً كان رسولا من الله ، وهيهات أن يكون دجالا أو صاحب عقلية منحرفة ، كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين المعادين لرسالة الإسلام ، يقول :

(( إن الظروف التي أحاطت بتوجيه هذه الرسائل إلى الملوك والأمراء لتستحق شيئاً من التأمل والاعتبار . فلو أن الرسول وجهها بعد إخضاع بلاد العرب برمتها إذاً لكان في أمكان الباحث أن يعتبرها إجراء أوحى به الطموح . ولكن ما الظروف التي كانت سائدة فعلا في تلك الآونة ؟

كانت المدينة قد حوصرت قبل ذلك باثني عشر شهراً ليس غير ، وكان ثمة أمل ضئيل في نجاة نفس مسلمة واحدة . لقد كان المسلمون ، حتى في ذلك الحين أضعف من أن يشقوا طريقهم إلى مكة لأداء فريضة دينية هامة كالحج . وكان المشركون لا يزالون هم أصحاب السلطان ، حتى لقد فرضوا شروط الصلح ، منذ فترة يسيرة ، على المسلمين . وفي كل ناحية من بلاد العرب كان الإسلام محاطاً بالأعداء . وكان تناثر المسلمين هنا وهناك لا يغير من الموقف إلا قليلاً . . ومع ذلك فإن إيمان الرسول بانتصار الإسلام النهائي لم يتزعزع لحظة واحدة ، في وجه تلك الظروف الموئسة كلها ، كان الرسول واثقاً كل الثقة من أن الإسلام سوف يسود آخر الأمر ، وكان في ميسوره أن يرى بعين بصيرته النافذة ذلك اليوم الذي سينير ضياؤه فيه كل زاوية من زوايا العالم . إلى هذا الحد كان إيمانه بقوة الإسلام عميق الجذور ، وإن في هذا لدرسً نافعاً لبعض مسلمي العصر الحاضر الضعيفي الثقة بإمكان انتشار الإسلام في ديار الغرب ، ذلك بأنهم يعتقدون بأنه ليس ثمة إمبراطورية جبارة تسنده و تدعمه . " أن الحق لا يعتمد ، في بقائه وانتصاره ، على القوة . إن له من القوة الذاتية ما يمكنه من الصمود " . وهذه النقطة جديرة أيضاً باعتبار الناقد العادي للإسلام . أمن الممكن لدجال من الدجالين أن ينعم بمثل هذا الإيمان الراسخ بنجاحه النهائي ؟

مردها إلى عقلية منحرفة أن يتأملوا قليلاً في النجاح العظم الذي حظي به الإسلام بعد سنوات معدودات انقضت على توجيهها . وإذا كانت هذه الوقائع تشير إلى أن محمداً لم يكن لا دجالاً ولا معتوهاً فلم يبق إذاً غير استنتاج واحدا يفرض نفسه على الناقد النزيه - أعنى أنه كان رسولاً من رسل الله - إن هذه الرسائل لتثبت أيضاً الحقيقة القائلة بأن الرسول اعتبر الإسلام منذ البدء ، ديناً عالمياً . لم النصرانية لم تدع العالمية . ويسوع نفسه لم يدع مثل هذا الوضع لقد قال ، في وضوح ، انه جاء لهداية خراف إسرائيل الضالة . بل رفض أن يصلى على امرأة غير إسرائيلية . أما محمد ، صلوات الله عليه - ، فقد أعلن على العكس منذ فجر بعثته بالذات ، أنه مرسل إلى البشر كافة . ولم تكن هذه دعوى فارغة . والحق أنه لم يدخر وسعاً لتحقيق هذا المثل الأعلى في حياته هو ، فدعا مختلف الملوك إلى قبول الحق الذي جاء به الإسلام )) .

عام الوفود و انتشار الإسلام في جزيرة

كان العام التاسع للهجرة حافلاً بأحداث ترسيخ الرسالة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية ، أن أخذت القبائل العربية البعيدة تدين بالإسلام ، وتظهر للرسول r الطاعة والإذعان . . وفي هذا العام تدفقت على المدينة الوفود التي تمثل مختلف القبائل ، مظهرة رغبتا في الانضواء تحت راية الهداية الإلهية باعتناقها طوعاً الإسلام ديناً .

ويتحدث المستشرق الروماني جيورجيو عن هذه المرحلة في حياة الرسول فيقول :

(( ونصل هنا إلى نقطة هامة في حياة النبي r متصلة بعام الوفود ، فالمسلمون يسمون هذه السنة التاسعة " عام الوفود " أي "سنة السفراء والبعثات " فعحمد r قبل تسع سنوات من هذا التاريخ خرج من مكة كيلا يقتله المشركون ، وهاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر . وكانت الهجرة كما رأينا ذات قيمة معنوية كبيرة للمسلمين . ولم ننس أن قريشاً منحت جائزة قدرها مئة ناقة لمن يمنع محمداً عن هذه الهجرة حياً أو ميتاً . في ذلك الوقت ، وقد مضى تسع سنوات على الهجرة ، وفق النبي r إلى فتح مكة ، كما وفق إلى دخول خصومه الذين كانوا يرغبون في قتله ، في الإسلام ، حتى عكرمة بن أبى جهل أسلم ، وسقط في ميدان الجهاد شهيداً ، كما أسلم أبو سفيان الذي كان قائد جيش مكة في أحد والخندق ، وعينه النبي r حاكماً على نجران ، وغدا خالد بن الوليد أحد القواد البارزين من المشركين ، من أبرز قواد الإسلام ، و ملقب بسيف الله . ولم يفتح محمد في هذه السنة ( التاسعة ) مكة وحدها ، بل فتح الجزيرة كلها ، وغدا الجميع مسلمين أو إلى جانب المسلمين . وقد انتشر الإسلام من السنة الأولى للهجرة إلى السنة العاشرة بمساحة قدرها 822/ ألف كم 2 تقريباً )) .

وينتقل المستشرق جيورجيو للحديث عن كيفية استقبال الرسول r وفود القبائل العربية ، بكل بساطة و تواضع جم ، وهو الحاكم الفعلي لكل جزيرة العرب يقول :


(( وقد استقبل النبي في ذلك العام السفراء والممثلين عن القبائل في المدينة ل. ولكثرة هذه الاستقبالات سمي هذا العام «بعام الوفود» . ولان محمد في ذلك الوقت رئيس الجزيرة العربية كلها دينياً وسياسياً وعسكرياً . ومع هذا فإن الوفود ، عندما كانت تفد عليه ، تراه جالساً على حصير مضفور من ورق شجر النخيل ، وهذا هو أثاث المنزل كله . وعندما كان يفد الوفد يستقبله بلال المؤذن الحبشي، ويدخله غرفة النبي r . وحين تحط الوفود في المدينة كانت تنزل في بيت "رملة بنت الحارث" الواقع في محلة (النجارية) ، ضيوفاً على الحكومة . وكثيراً ما لان يفيض عدد الوفود ، فيضيق المنزل بهم ، مما حدا بالنبي r إلى أن يأمر بأن تنصب الخيام في المسجد ، لينزل فيها من لا يجد مكاناً في المنزل )) .

ويقول الباحث مونتجمري وات :

(( تقول الرواية التقليدية للسنتين الأخيرتين من حياة محمد إن معظم القبائل في شبه الجزيرة العربية دخلت الإسلام و تسمي السنة التاسعة للهجرة ( نيسان 630-631م ) « عام الوفود » فقد أرسلت كل قبيلة وفدها إلى محمد لاعتناق مبادىء الدين الجديد )) .

المفكر الإسلامي مولانا محمد على ، في عام الوفد خير رد على أولئك المتعصبين من أعداء الإسلام الذين لم يروا أنه انتشر إلا بحد السيف وحده . . . وأن السلام كان من أقوى بواعث نشره في سائر أرجاء الجزيرة العربية . . . وأن الرسول الذي كان يعرض نفسه على أفراد القبائل ووجوهها فلا يرى سوى الإعراض عنه والسخرية به ، بله الإهانة والتعذيب قد أخذت هي تسعى إليه ، وكيف كان يستقبلها ، وأنه - عليه السلام - لم يرفع الحسام إلا دفاعا عن حق ، فذوداً عن وجود ، وإعلاء لكلمة الله في ربوع الجزيرة العربية ، يقول :


(( وكان الإسلام قد اكتسب الآن شعبية عامة ، في طول بلاد العرب وعرضها . لقد انتشر نباً الانتصار النهائي إلى أقص زوايا الجزيرة . ولم يكن الناس غافلين عما جرى ،طوال سنوات وسنوات ، بين الرسول وقريش ، في لهفة وشوق ، مراحل الصرع كلها . لقد عرفوا كيف عذبته قريش وعذبت أصحابه لتبشيرهم بالفضيلة وبوحدانية الله ، وكيف قامت - بعد هجرتهم – بمحاولات متعددة استمرت ثماني سنوات ، لسحق المسلمين . والواقع أن الذين شهدوا مواسم الحج السنوية حملوا هذه الأنباء إلى زوايا البلاد القصوى . وكان الناس على علم أيضاً بنبوءة الرسول القائلة بأن كل مقاومة للإسلام سوف تتلاشى آخر الأمر . وهكذا أخذت الوفود تتدفق على المدينة من كل حدب وصوب . فكان الرسول يستقبلها في حفاوة بالغة ، ويعلمها مباديء الإسلام في لطف ليس بعده لطف . وكان يبعث مع الذين يعتنقون الإسلام بمعلم يفقههم في الدين . وهكذا تقاطرت إلى المدينة في النصف الأول من هذه السنة بالذات وفود مقبلة من مواطن قصية ، كاليمن وحضرموت والبحرين وعمان لا والتخوم الشامية والفارسية . يالتحريف الحقائق ! إن الجهل والهوى يعزوان انتشار الإسلام إلى اصطناع السيف . على حين أن الواقع يقول إن انتشار الإسلام ظل راكداً ما بقيت حالة الحرب بين المسلمين والمشركين . فما إن أقر السلام حتى انتشر الإسلام في كل ناحية بخطى واسعة لا لقد بدا وكان قوة غير منظورة كانت تعمل على إدخال الناس في دين الله أفواجاً بعد أفواج . ولم يبعث في أيما يوم بحملة عسكرية إلى أيما بلد من تلك البلاد التي أقبلت الوفود منها . تلك هي الحقيقة التي شاءت سخرية القدر أن تحرف إلى اليوم تحريفاً متعمداً . فلطالما ساعدت الحرية والسلام ، ولسوف يظلان يساعدان إلى الأبد ، على انتشار الإسلام )) .

الرسول و سياسة التسامح الديني

هذا ، وقد تجلت سياسة التسامح الديني في عهد الرسول عام الوفود حين استقبل وفوداً مسيحية وبعث برسالة إلى أسقف نحران . . ويتحدث الباحث الروماني ك. جيورجيو عن أوضاع أصحاب الديانات السماوية في ظل الحكم الإسلامي فيقول :

(( مع أن الإسلام عم الجزيرة كلها في السنة التاسعة فان محمداً لم يكره اليهود و لا النصرى على قبول دينه ، لأنهم أهل الكتاب . و قد جاء في رسالة محمد إلى أبي الحارث أسقف نجران أن وضع المسيحيين في الجزيرة بعد الإسلام تحسن كثيراً ، يقول في الرسالة :

بسم الله الرحمن الرحيم ، من رسول الله r إلى أبي الحارث أسقف نجران الأكبر وقساوسته وأساقفه لا أما بعد ، فليعلم الأسقف الأكبر وقساوسته وأساقفته أن كنائسكم ومعابدكم وصومعاتكم ستبقى كما هي ، وأنكم أحرار في عباداتكم . ولن يزاح أحد منكم عن منصبه ومقامه ، ولن يبدل شيء . كما لم يبدل في مراسم دينكم ، ما دام الأساقفة صادقين ، ويعملون حسب تعاليم الدين . فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسول r ، ومن منعه فإنه عدو الله ولرسوله .

تشير هذه الرسالة إلى أن المسيحيين ( وكذلك اليهود ) في الجزيرة أحرار في أداء شعائرهم ، ولن يزاحمهم من المسلمين مزاحم . وقد قدم في السنة التاسعة وفد من مسيحي نجران يرأسهم أبو الحارث الأسقف الأكبر ، وعبد المسيح الأسقف ، والأيهم رئيس القافلة ، وحين أرادوا الدخول على النبي r ارتادوا ألبستهم الدينية الرسمية الكاملة ، فأخذ سكان المدينة بهذه الثياب . وبعد أن زاروا النبي r سألوه أن يسمح لهم بأداء شعائرهم فطلب منهم أن يؤدوا صلواتهم في مسجد المدينة ، فدخلوا واتجهوا نحو بيت المقدس » و تعبدوا هناك . . لا شك أن النبي كان يحترم المسيحين احتراماً خاصاً ، لأن القرآن ذكرهم وأكرمهم . وقد أشار الله تعالى إلى هذه النقطة في محكم كتابه في سورة المائدة (الخامسة) في الآية ( 82 ) :  لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا : إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون  و يقول في الآية التي بعدها :  وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعنهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين  ، ويقول بعدها كذلك  وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين  ويقول بعدها  فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وذلك جزاء المحسنين  )) .

هذا ويجدر القول إن سياسة التسامح الديني التي اتبعها الرسول r تجاه أصحاب الديانات الأخرى استلهاماً لروح الإسلام ، غدت – فيما بعد_ قاعدة لخلفاء الرسول ، في ظل الدولة ألإسلامية العظمى التي ضمت و أمما مختلفة وأصحاب ديانات ظلوا يمارسون شعائرهم في ظل الحماية الإسلامية ، وكان لسياسة هذه التسامح أن حظيت باحترام وتقدير المفكرين والمستشرقين المنصفين فعقدوا المقارنة بن تسامح الإسلام وتعصب الصليبيين ، يقول المستشرق ميشون في كتابه : « تاريخ الحروب الصليبية » :

((إن الإسلام الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى ، وهو الذي أعفى البطاركة والرهبان وخدمهم من الضرائب وحرم قتل الرهبان _على الخصوص _ لعكوفهم على العبادات ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس ..

و قد ذبح الصليبيون المسلمين و حرقوا اليهود عندما دخلوها )) .

ويزيد الباحث نفسه في كتابه ، "سياحة دينية في الشرق" ،، متحدثاً عن تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية ، وكيف أن المسيحيين تعلموا الكثير من المسلمين في التسامح وحسن المعاملة ، يقول :

((وإنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التعامل وفضائل حسن المعاملة ، وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم ، كل ذلك بفضل تعاليم نبيهم محمد )) .


وكان لهذا التسامح أثره في أن يصبح الدين الإسلامي ديناً عالمياً ، بدءاً من مراحله الأولى أيام الرسول في جزيرة العرب إلى أن عم أصقاعاً شاسعة ، يقول المستشرق جولد تسهير :

(( سار الإسلام لكي يصبح قوة عالمية على سياسة بارعة ، ففي العصور الأولى لم يكن اعتناقه أمراً محتوماً فإن المؤمنين بمذاهب التوحيد أو الذين يستمدون شرائعهم من كتب منزلة كاليهود والنصارى والزرادشتية كان في وسعهم متى دفعوا ضريبة الرأس ( الجزية ) أن يمتعوا بحرية الشعائر وحماية الدولة الإسلامية ، ولم يكن واجب الإسلام أن ينفذ إلى أعماق أرواحهم أنما كان يقصد إلى سيادتهم الخارجية . بل لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة ، ففي الهند مثلاً كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل و المعابد في ظل الحكم الإسلامي )) .

حجة الوداع

كان الإسلام يتوطد بقوة وثبات ، و تطهرت البلاد من الوثنية إلى الأبد ، وأدرك الرسول أنه قد أدى الرسالة ، وأتم الأمانة بنشر دعوة التوحد حين دانت له جزيرة العرب وانضوت تحت الراية الإسلامية الظافرة .

وفي حجة الوداع ، التي اجتمع فيها مئة وأربعة وعشرون ألف مسلم قصدوا البيت الحرام في مكة من سائر أرجاء الجزيرة العربية ، خطب فيهم الرسول خطبته الأخيرة التي عرفت باسم خطبة حجة الوداع ، والتي أعلن فيا بعد أن نزل عليه الوحي الإلهي  اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام ديناً  ، أعلن أن الشيطان قل يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبداً ، ولكنه رضي أن يطاع فيها سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم . . .

وقال في خطبته : أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه : تعلمن أن كل مسلم أخو المسلم ، وأن المسلمين أخوة ، فلا يحل لامرىء من أخيه ، إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمن أنفسكم .

وقال : اللهم هل بلغت ؟ فأجاب المسلمون : نعم ، فقال رسول الله r « اللهم فاشهد » .

أجل ، لقد بلغ الرسول رسالات ربه ، وبلغ الإسلام مرحلة الكمال في جزيرة العرب ، فكانت هذه الخطبة بمثابة ، إعلان ذلك النبأ العظيم ، نبأ استكمال الدين على خير وجه . . . وكان أن تحقق ذلك الانقلاب التاريخي الكبير الذي غير مسار بلاد العرب ، فحولها من مجموعة قبائل متناحرة تدين بالوثنية إلى أن تتوحد في كتلة متراصة تحت راية الإسلام الظافرة لتبدأ بعد وفاة الرسول وانتقاله إلى الرفيق الأعلى في العام الحادي عشر للهجرة ( 632 م ) بنشر راية الإسلام خارج بلاد العرب ، ليعم المناطق الشاسعة من العالم تأكيدا على أنه دين سماوي للناس كافة . . .

يقول المستشرق الإنجليزي سبربت و . أرنولد :
(( وقبيل وفاة محمد نرى جميع أنحاء الجزيرة العربية تقريباً تدين له بالطاعة ، وإذا ببلاد العرب التي لم تخضع إطلاقاً لأمير من قبل تظهر في وحدة سياسية وتخضع لإرادة حاكم مطلق . ومن تلك القبائل المتنوعة ، صغيرها وكبيرها ، ذات العناصر المختلفة التي قد تبلغ المائه والتي لم تنقطع عن التنازع والتناحر ، خلقت رسالة محمد أمة واحدة ، وقد جمعت فكرة الدين المشترك تحت زعامة واحدة شتى القبائل في نظام سياسي واحد ، ذلك النظام الذي سرت مزاياه في سرعة تبعث على الدهش والإعجاب . وأن فكرة واحدة كبرى هي التي حققت هذه النتيجة ، تلك هي مبدأ الحياة القومية في جزيرة العرب الوثنية ، وهكذا كان النظام القبلي لأول مرة ، وإن لم يقض عليه نهائياً (إذ كان ذلك مستحيلا) ، شيئاً ثانوياً بالنسبة للشعور بالوحدة الدينية.

(( و تكللت المهمة الضخمة بالنجاح ، فعندما انتقل محمد إلى جوار ربه كانت السكينة و ترفرف على أكبر مساحة من شبه الجزيرة العربية ، بصورة لم تكن القبائل العربية تعرفها من قبل ، مع شدة تعلقها بالتدمير وأخذ الثأر. وكان الدين الإسلامي هو الذي مهد السبيل إلى هذا الائتلاف )) .

ويقول الباحث الإسلامي مولانا محمد علي :
(( وبكلمة موجزة ، فقد انقضت فترة الحرب ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، فلم تكد تنقض سنتان حتى لم يبق في طول جزيرة العرب المترامية الأطراف غير دين واحد -الإسلام - وبعض الجاليات اليهودية والنصرانية الضئيلة المتناثرة هنا وهناك لا لقد ترددت صيحة .« الله اكبر » في كل رجا من أرجائها . يالها من ظاهرة أعجوبية . لقد أتى على الرسول عهد طاف فيه بمختلف القبائل - وكان ذلك في أشهر الحج - يدعوها إلى الإسلام ، ولكن أحداً منهم لم يصغ إليه . أما الآن ، فهاهي ذي القبائل نفسها تبعث إليه بوفودها وتعتبر انضواءها تحت راية الدين الجديد شرفاً لها عظيماً . فخلال سنتين اثنتين ليس غير انقضتا على انتهاء حالة الحرب وفق الرسول لا إلى ضم بلاد العرب كلها إلى الحظيرة الإسلامية فحسب ، بل وفق في الوقت نفسه إلى إحداث تحول جبار في حياة الأمة العربية أزال جميع مفاسدها ورفعها إلى أسمى مراتب الروحانية )) .




القسم الثاني

عبقرية الرسول و مناقبه




الفصل الأول
عظمة الرسول و عبقريته المتكاملة

الاستشراف بين الإنصاف والجحود :

إذا كان الرسول  في عرف المسلمين سيد الرسل وإمام البشر فآراء المستشرقين والمفكرين الغربيين تتفاوت في تقويمه ، وطبيعي أن تتباين وجهات نظرهم فيه عليه أفضل الصلاة والسلام ، تبايناً قد يبلغ حد التناقض .

وطبيعي ، أن ترد أسباب الاختلاف في المواقف الاستشراقية إلى حالات الاستشراق ومناهجه الفكرية المتأرجحة بين الجحود والإنصاف ، الكره والمحبة ، السخرية والاحترام ، وذلك لما أدركه المستشرقون من العلاقة العضوية التي لا تنفصم بين الرسالة والرسول ، وارتكاز الإسلام كعقيدة وشريعة على القرآن ( كتاب الله ) والسنة - أحاديث الرسول وأقواله وأفعاله وتقريره . . .

فبعد أن فرض الإسلام نفسه عالمياً ، كان طبيعياً أن تستأثر سيرة النبى  وشخصيته ومناقبه باهتمام المستشرقين والمفكرين الغربيين . . . يقول المفكر الفرنسي المعاصر مارسيل بوازار في كتابه « إنسانية الإسلام » ، متحدثاً عن طبيعة المواقف واتجاهات المستشرقين في الغرب ، بقوله :

(( لقد سبق أن كتب كل شيء عن نبي الإسلام . فأنوار التاريخ تسطع على حياته التي نعرفها في أدق تفاصيلها . والصورة التي خلفها محمد عن نفسه تبدو ، حتى وإن عمد إلى تشويهها ، « علمية » في الحدود التي كشف فيها ، وهي تندمج في ظاهرة الإسلام عن مظهر من مظاهر المفهوم الديني ، و تتيح إدراك عظمته الحقيقية . ولا رب أن تقدم نبي الإسلام يتلون تلوينات دقيقة تبعاً لمواقف ثلاثة : الرغبة النابعة من الود والاحترام ، أو من السخرية ، في إثبات أن الإسلام هو ، على الأخص ، من صنع رجل ، والسعي إلى أتحاذ تطور البيئة الاجتماعية دليلاً لتفسير ظهوره ، والاعتقاد بأنه كلام الله ، ومحمد الذي يوليه المسلمون ولا ريب نوعاً من الإجلال الورع قد يكون من الخطر إساءة تأويله ، هو على وجه الحصر المبشر بالكلام السرمدي ولا يتمتع في نظر المؤمنين بالأهمية التي يتمتع بها يسوع المسيح مثلا في نظر المسيحيين .

ومع ذلك يبدو الإطلاع على حياته ضرورياً ، نظراً للعلاقة الوثقى بين الرسالة والرسول ، فمع أن القرآن يلح على طبيعة النبي البشرية البحتة ، إلا أنه يجعل منه « أسيرة حسنة ، يقتدي بها المؤمنون )) .


أول المئة الأوائل في التاريخ

وفي عداد أولك الذين أنصفوا الرسول  وأعطوه بعض حقه ، وتمثلوا روح الإسلام ، وأدركوا موضوعياً أهمية الرسول التاريخية ، بعيداً عن المواقف المتزمتة أو المتعصبة معه أو ضده ، يقف في الطليعة الدكتور مايكل هارت صاحب كتاب : «المائة الأوائل » ، الذي يشدنا إلى أن نقف معه عند نظرته العلمية ، التي وضعها لتصنيف عظماء التاريخ ، ضمن سلم ترتيبي ، اختاره حسب مقاييس منطقية يمليها أولاً وأخيراً ، أثر هذه الشخصية في التاريخ في مرحلتها ، وفي تكوين اتجاهات المراحل التالية وديمومة هذا الأثر . وكان منطلقه الذي وضعه لنفسه يرتكز على النقاط الثلاث التالية :

1. الأهمية الأولى للأشخاص الذين أثروا في التاريخ تأثيراً دائما سواء في ذلك الشخصية المشهورة أو المغمورة أو الشريرة ، المتواضعة أو المغرورة .

2. الاعتماد في تصنيفه السابق على الشخصيات التي أثرت على الصعيد العالمي وعدم الأخذ بالشخصيات التي أثرت على الصعيد المحلي . . .

3. وفي تقرير مكانة الشخص ، أخذ الباحث بعين الاعتبار أهمية الحركة التاريخية التي أسهم بها ، رغم إدراكه أن ضرورة حركة التطور التاريخية ليست ناجمة عن عمل أفراد . .

وتبعاً لهذه المعايير العلمية التي وضعها هذا الباحث لأولئك المئة الذين اعتبر كلا منهم من الشخصيات الرائدة حقاً في التاريخ ، كان الرسول  على رأس السلم ، وهكذا ليس بدعاً بالنسبة لنا نحن العرب المسلمين ، أن نرى في صنيعه بادرة إنصاف عظيمة ونظرة علمية متجردة ، من مفكر غربي ، اضطر معها إلى تقديم التبرير والدفاع عن اختياره لأنه يقدم كتابه لأبناء جلدته من الغربيين . . فهو يقول في دراسته شخصية الرسول وأثره في التاريخ :

(( إن اختياري محمداً ليكون الأول في قائمة أهم رجال التاريخ ربما أدهش كثيراً من القراء إلى حد قد يثير بعض التساؤلات ، ولكن في اعتقادي أن محمداً  كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي .

لقد أسس محمد  ونشر أحد أعظيم الأديان في العالم ، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام . ففي هذه الأيام وبعد مرور ثلاثة عشر قرناً تقريباً على وفاته ، لا يزال تأثيره قوياً عارماً )) .

وحين أجرى المؤلف مقارنة بين محمد والمسيح وجدهما متساويين في العظمة ، غير أنه قدم محمداً لكزنه هو الذي قام بإرساء قواعد الدين الإسلامي و نشره بنفسه بينما نجد أن المسيح عليه السلام قدم رسالة روحية وأفكارا أخلاقية سامية ، إلاً إن علم اللاهوت ألمسيحي مدين للقديس بولس ، وأضاف إليها قسماً كبيراً مما يؤلف العهد الجديد في الكتاب المقدس ...

ويتحدث هارت في مقدمة كتابه عن مبررات تصنيف الرسول  في مرتبة أعلى من يسوع المسيح ، بقوله :

(( ولأن في اعتقادي أن محمداً له تأثير شخصي على صياغة الدين الإسلامي أكثر مما كان ليسوع من تأثير على الدين المسيحي )) .


أعظيم العظماء وفوق كل عبقرية

هذا ويلتقي الدكتور مايكل هارت مع العديد من الباحثين في الشرق والغرب في تقويمه عظمة الرسول ، ويتحدث المفكر السوري الأستاذ فارس الخوري ، عن عظمة الرسول و عظمة الرسالة ، في خطبة ألقاها بمناسبة ذكرى عيد المولد النبوي :

(( إذ محمداً أعظيم عظماء العالم ، ولم يجد الدهر بعد بمثله والدين الذي جاء به أوفى الأديان وأتمها و أكملها)) .

لقد اشتملت شخصية الرسول على شمائل عظيمة وصفات نبيلة ومزايا حميدة ، دفعت شاعراً لبنانياً هو الأستاذ رشيد سليم الخوري الملقب بالشاعر القروي إلى نظم القصائد في مدح الرسول الذي أشرقت شمس الهداية على يديه ، فكان ذلك الفاتح الفذ الذي حول القفار القاحلة إلى مدنية مشربة بأنوار رسالة الإسلام التي لم تكن للعرب وحدهم بل للإنسانية جمعاء ، يقول القروي في محاضرة له عن رسول  :

(( فلا وليم شكسبير، ولا فكتور هوغو، ولا لاون تولستوى، ولا غيرهم من أمثالهم يطولون مهما اشرأبت أعناقهم إلى الدرجة السفلى من تلك المنصة العالية التي يقف عليها محمد بن عبد الله ، لأنه الرجل الذي تلتقي أكمل الصفات في قلبه الكبير، وعقله الفريد ورقته المتناهية وروحه المتدفقة بشرف الإحساس وروح العاطفة )) .

ويتحدث البحاثة اللبناني لبيب الرياشي في كتابه : نفسية الرسول العربي ، عن أثر الرسول عليه حين اطلع على سيرة حياته ودرس رسالته ، فكان أن شعر بالندم لأنه جهل سابقاً عظمة الرسول ونفسيته « وهو الإمام الأعظم » وحسب المرء أن يستنير بهديه ويعمل بسنته حتى يغدو إنساناً آخر ، ولو أن العرب اليوم أدركوا الجوهر الحقيقي لسيرة سيد الرسل ، لغيروا ما بأنفسهم أولا وغيروا العالم ثانياً ، يقول :

(( أما لو أدرك المسلمون سيرة الرسول بجوهرها ، وشرع الرسول بسنائه ، وحكم الرسول بجلالها ، وإبداع الضمائر الجديدة التي ابتدعها الرسول بحدتها الوضاءة ، وعملوا بما أدركوا لكان المسلمون غير هؤلاء المسلمين ، ولكان العالم غير هذا العالم - ثم قال - أما لو درس عشاق الرسول وعشاق العظماء والحكماء والمبدعين غير العرب ، بطهارة وجدان وبراءة سريرة ، وتحليل عبقري ، حياة الرسول العربي ، وسمو الرسول العربي وبراءة سريرته وأعماله وشرعه ، لاستكشفوا أعظيم شخصية وأقدس رسالة للتاريخ الإنساني ، ولقد طالعت مئات المجلدات وقرأت حياة ألوف العظماء والرسل ، ولكن مئات المجلدات وحياة ألوف العظماء والرسل ما فعلت بنفسي وأثرت في دماغي وهذبت وثقفت وأدهشت ، مثلما فعلت حياة الرسول العربي العالمي ، محمد بن عبد الله )) .

مكامن عظمته علبه السلام متعددة الجوانب

ويشير مولانا محمد على في مقدمة كتابه حياة محمد ورسالته إلى أن لكل أمة وشعب إنسانها الكامل الأمثل ، وأن صفات الكمال والعظمة لا تكمن في الرسول محمد لأنه لم يكن رسول أمته فقط ، بل كان للإنسانية كافة . ولقد جمع في هذا الصدد أقوال عدد من المستشرقين عن مكامن عظمته المتعددة الجوانب ، بقوله :

((أنا أومن ، شأن كل مسلم . بأنه كان لكل أمة إنسانها الأمثل (سوبرمان )، أو الكوكب الساطع الذي أعطاها النور، والمصلح الذي ألمها فكرات نبيلة ، والرسول الذي رفع من شأنها أخلاقياً . ولكن محمداً  هو الرسول الأعظم Par excellence لأنه ليس رسول أمة واحدة بل رسول أمم العالم كافة ، ولأنه هو - دون غيره من الأنبياء - أعلن الإيمان بجميع رسل العالم جزءاً أساسياً من العقيدة التي بشر بها، وبذلك وضع الأساس لسلم سرمدي بين مختلف الأمم. ولأنه «هو أعظيم الصلحين جميعاً» (بوزوورث سميث Bosworth Smith) باعتبار أنه أحدث تحولاً نحو الأفضل لم يحدث نظيره لا قبله ولا بعده ، ولأنه - أخيراً - «أوفر الأنبياء والشخصيات الدينية حظاً من النجاح » «الموسوعة البريطانية » تحت مادة : «قرآن» .

إن أحكامنا على الرجال يجب أن تبنى على ما حققوه من أعمال ، ولقد أنجز محمد الرسول في مدى عشرين سنة ما عجزت عن إنجازه قرون من جهود المصلحين اليهود والنصارى برغم السلطة الزمنية التي كانت تساندهم . لقد استأصل من بلد كامل تراث أجيال من الوثنية « والخرافة » وسرعة التصديق ، والجهل « والبغاء» والقمار ، ومعاقرة الخمر ، واضطهاد الضعيف ، والحرب الضروس ، ومئات من الشرور الأخرى . وليس في استطاعة التاريخ أن يدلنا على أي مصلح آخر وفق إلى إحداث تحول في مثل هذه الروعة والتمام ، وعلى مثل هذا النطاق الواسع خلال فترة في مثل هذا القصر . « فلم يكن الإصلاح في أي يوم من الأيام ميؤوساً منه أكثر مما كان ، عند ظهور الرسول - كما لاحظ ميووير Muir - ولم يكن أكثر كمالاً منه عندها التحق بالرفيق الأعلى . وبكلمة أخرى ، « كان ذلك ولادة من الظلمة إلى النور » كما يقول كارليل . وحياة في مثل هذه العظمة لا يمكن أن تكون خلواً من كمونيات Potentialities عظيمة ، بنسبة مماثلة للمستقبل . إنها لا يمكن أن توحي إلى أيما قلب من القلوب بأنبل الفكرات الدائرة حول خدمة الإنسانية . وإذا كان في سمات خلقه سمة اكبر تميزاً من غيرها فتلك السمة هي حدبه على اليتيم والأرملة ، ونصرته للضعيف والمسكين ، وحبه للعمل والسعي من أجل إغاثة الملهوف . إنها حياة رجل عاش لله ومات في سبيل الله . «إن يكن قد قدر لإنسان على سطح هذه الأرض أن يجد الله في يوم من الأيام ، وإن يكن قد قدر لإنسان أن يقف حياته لخدمة الله بدافع خير وعظيم فليس من ريب في أن نبي بلاد العرب هو ذلك الرجل » لييونارد Leonard »() .

عظمة الرسول و مواهبه المختلفة

هذا ، و قد درس الباحث الإنكليزي المستشرق مونتجمري وات ، عظمة الرسول في كتابه : « محمد في المدينة » ، انطلاقاً من النجاح الذي حققه على مسرح التاريخ الذي ظهر عليه ، والظروف الزمانية والمكانية التي ساعدته ، وهيأت المناخ الطبيعي لانتشار الإسلام في جزيرة العرب والتطور اللاحق الذي جعل منه ديناً عالمياً . . .

ولكن ، رغم تركيزه على العوامل الزمانية والمكانية في مرحلتها التاريخية ، والتي كانت مقدمة التحولات الكبيرة التي هي ابنة واقعها ومرحلتها » لم يغفل مونتجمري وات ، الدور الكبير الذي اضطلع به الرسول  الذي هو في شخصيته وعظمته مزيج من السجايا الرائعة والمواهب العالية ، يقول :

(( ولولا هذا المزج الرائع من الصفات المختلفة الذي نجده عند محمد لكان من غير الممكن أن يتم هذا التوسع ، ولاستنفذت تلك القوى الجبارة في غارات على سورية والعراق دون أن تؤدي لنتائج دائمة . ونستطيع أن نميز ثلاث هبات مهمة أوتيها محمد ، وكانت كل واحدة منها ضرورية لإتمام عمل محمد بأكمله .

لقد أوتي أولا موهبة خاصة على رؤية المستقبل . وكان ثانياً رجل دولة حكيماً .. وكان ثالثاً رجل إدارة بارعاً .... )) .

ويخلص مونتجمري وات إلى القول :

(( كلما فكرنا في تاريخ محمد وتاريخ أوائل الإسلام ، تملكنا الذهول أمام عظمة مثل هذا العمل . ولا شك أن الظروف كانت مواتية لمحمد فأتاحت له فرصاً للنجاح لم تتحها لسوى القليل من الرجال ، غير أن الرجل كان على مستوى الظروف تماماً . فلو لم يكن نبياً ورجل دولة وإدارة ولو لم يضع ثقته بالله ، ويقتنع بشكل ثابت بأن الله أرسله ، لما كتب فصلاً مهماً في تاريخ الإنسانية . ولي أمل أن هذه الدراسة عن حياة محمد يمكنها أن تساعد على إثارة الاهتمام ، من جديد ، برجل هو أعظيم رجال "أبناء آدم " )) .

الشخصية الثورية الانقلابية

هذا ، وقد جذبت شخصية الرسول الكثير من الباحثين إلى دائرتها فأعجبوا بها عن اقتناع بعظمتها وجاذبيتها ، وإيمان بتلك العبقرية الخالدة . . من ذلك ما رآه المؤرخ البريطاني تشارلس أرمان ( 1886 - 1940) في دراسة له عن الإسلام ، أن شخصية الرسول ثورية انقلابية لم تؤثر على المستوى المحلى فحسب بل على المستوى العالمي كذلك ، يقول :

(( إن شخصية محمد ثورية وانقلابية ، تفوق مقدرة الشخص الموهوب العادي ، فلم تنتج بلاد العرب قبله ولا بعده فرداً أثر في مجموع تاريخ العالم ، ويكون من المضحك حقاً الادعاء أنه نتيجة محتمة لحالة بلاد العرب الفكرية والاقتصادية في القرن السابع بعد المسيح ، بل أن مبدأه الذي جاء به هو مبدأ اعتنقته أمم سرعان ما تحققت فكرته في بلاد العرب لأنها نافعة ولم يكن فيها ما يحارب لأجله غيرها من الديانات السابقة )) .

أجل ، إن شخصية الرسول ثورية وانقلابية ، فهي ثورة في فعلها وانية مجيئها كحدث تاريخي كوني في مرحلتها كضرورة حتمية لعالم يعج بالمتناقضات ويتهيأ للتبديل بهدم قيم قديمة بالية وبناء عالم جديد ومجتمع متقدم ...

لقد جمع الرسول في برديه كفاءات متعددة كنبي ملهم وقائد سياسي فذ ، ومشرع بارز ، ورجل عسكري من الطراز الأول ، كتب الأستاذ فريد وجدي في الموسوعة الفرنسية لاروس :

(( ومن أعجب العجيب أن الذي أتى بكل هذه الأعمال يعني ( محمد ) كان قائداً ، مشرعاً ، قاضياً ، إماماً ، واعظاً ، خطيباً ورب أسرة ، فكانت قيادته أحسن القيادات وكان يخوض الغمرات فيكشفها عن أصحابه . وشرعه أعدل الشرايع للآن . وقضاؤه أقوم الأقضية . وكان وعظه أنفذ وعظ إلى النفوس وخطبته تأسر الألباب ، وكان في أسرته من العدل والرأفة بحيث كان يجلب شاته ، ويعين على عملهن . فإن ضن ضان على (محمد بن عبد الله ) بالرسالة فليسمح لي أن أقول إنه أرق من الرسول )) .

المناضل الفذ

ولقد أوضحت لنا سيرة الرسول ، أي مناضل فذ هو ، والقدر الذي يتحلى به من الشجاعة والقوة مع دماثة الخلق والرقة ، وأية إنجازات استطاع أن يحققها في مرحلة وجيزة ، وقد تحدث أستاذ السامية ومحرر مجلة العالم الشرقي ، المستشرق الأسوجي سينرستن ( 1866 ) وصاحب كتابي : « القرآن و الإنجيل المحمدي و تاريخ حياة محمد » فقال في مؤلفه الأخير :

(( إنا لم ننصف محمداً إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا ، فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية ، مصراً على مبدئه ، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين ، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع وهو فوق عظماء التاريخ )) .

العبقرية المتكاملة

أن عبقرية الرسول ، في عرف الدارسين عبقرية متفردة متكاملة ، فهي تقدم صورة للإنسان الكامل والنبي والداعية ورجل الفكر والسياسة والقائد العسكري ، والمصلح الاجتماعي الكبير والرجل المخلص الصادق الأمين ، الذي امتلأ رجولة وحيوية . . .

نابليون السماء

ويتحدث المستشرق الفرنسي جان بروا في كتابه « محمد نابليون السماء » عن تلك العبقرية المتكاملة ، التي ثقفت في مدرسة الحياة بقوله :

(( وكان محمد نبياً ومشرعاً وسياسياً وملكاً عظيماً وخطيباً مفوهاً وقائداً خطيراً محنكاً ، وإن كان لم يدخل جامعة من جامعات الرومان ، ولا مدرسة من مدارس فارس ، إن محمداً قد كبر اسمه واعتز بربه حتى عرف باسمه وحده دون ذكر أسرته كما عرف نابليون ، وإن محمداً لنابليون السماء )) .


النبي الملهم والإنسان

وكانت هذه العبقرية المتكاملة والعظمة السامية ؟ قد اجتمعت إلى خصال حميدة ، لإنسان لم يداخله الغرور البته ، بل ظل ينظر إلى ذاته على انه واحد من أفراد تلك الأمة . يقول الأستاذ كرادي فو :

(( أن محمداً كان هو النبي والملهم والمؤسس ، لم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العليا ... ومع ذلك فلم ينظر إلى نفسه كرجل من عنصر آخر، أو من طبقة أخرى غير طبقات بقية المسلمين . إن شعور المساواة والإخاء الذي أسسه بين أعضاء الجمعية الإسلامية ، كان يطبق تطبيقاً عملياً حتى على النبي نفسه )) .

المعرفة الواسعة والمقدرة الفذة

وكان لتلك العبقرية المتكاملة التي جمعت التفكير العميق بالعمل الدؤوب وحسن الإدارة والنجاح كداعية يجتذب القلوب أن حقق للدعوة الإسلامية النجاح ، يقول المستشرق الإنكليزي صموئيل زويمر (1843~ 1904 ) في كتابه " يسوع في إحياء الغزالي " :

((أن عبقرية محمد هي السبب في نجاحه واستطارة شأنه ، يضاف إلى هذا كله معرفته العظيمة بالديانات في عهده ، وقوته في اجتذاب القلوب إليه ، ومقدرته في الإدارة والحرب ، ولباقته في السياسة الفائقة )) .
نبوغ و ذكاء و حسن سياسة

هذا ، و قد اتسمت عبقرية الرسول بالنبوغ و الذكاء اللذين ، امتلكهما ، مقرونين بحسن السياسة ، فاستطاع في فترة وجيزة أن ينشر الدعوة الإسلامية الخيرة .

يقول المستشرق برتلمي سانت هيليا في كتابه « مع الشرق » :

)) كان محمد أزكى العرب في عهده وأكثرهم تقوى وديناً ، وأرحبهم صدراً ، وأرفقهم بأعدائه وخصوم دينه ، وما استقامت إمبراطورته الخارقة إلا بسبب تفوقه على رجال عصر ، وأما الدين الذي راح يدعو إليه فقد كان خيرا عظيماً على الشعوب التي اعتنقته وآمنت به )) .

رجل المثالية والخيال
أما المستشرق والمؤرخ الهولندي راينهارت دوزى (2018 - 1884)، فقد سطر في مؤلفه «مسلمو الأندلس » قائلاً :

(( لعل الرسول محمداً كما كان يلقب نفسه - لم يكن أسمى من مواطنيه - ولكن المؤكد أنه لم يكن يشبهم ، كان صاحب خيال ، في حين أن العرب مجردون عن الخيال ، وكان ذا طبيعة دينية ولم يكن العرب كذلك ، وكان محمد يقبح ما كان عليه قومه من عادات جاهلية كانوا يعكفون عليها، وكان على جانب مثالي من التواضع للناس والإيمان بربه . وهذه من عوامل تقدم رسالته )) .

نبي العالم والإنسان الكامل

ومن دلائل عظمة الرسول ، كماله في عبقريته و صفاته و بكمال الرسالة إلى حملها للعالم أجمع يقول المستشرق الألماني الكبير ، تيودور نولدكه ( 1836-1920 ) في كتابه :"تاريخ القرآن"ً :

(( نزل القرآن على محمد نبي المسلمين بل نبي العالم ، جاء بدين إلى العالم عظيم، وبشريعة كلها آداب وتعاليم ، وحري بنا أن ننصف محمداً في الحديث عنه لأننا لم نقراً عنه إلا كل صفات الكمال فكان جديراً بالتكريم )) .

محمد القدوة والرمز

أن حياة الرسول في مواقفه الحاسمة وسلوكه العام ، قد جعلت منه القدوة والرمز . . فهو رمز للحكم العادل والسياسة الدينية الصحيحة ، وصاحب المنهج الاجتماعي السديد ، يقول عنه الفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر ( 0182 - 0193) في كتابه : "أصول الاجتماع " :

(( فدونكم محمداً ، انه رمز للسياسة الدينية الصحيحة ، واصدق من نهج منهاجها المقدس في البشرية كافة ، ولم يكن محمد إلا مثالاً للأمانة المجسمة والصدق البريء وما زال يدأب لحياة أمته ليله نهاره )) .


رسول الإنسانية الجديدة

أن يكون الإنسان القدوة والرمز ، معناه أن يبلغ مرحلة الكمال ، عميق الأثر في وجدان الأفراد والجماعات ، يؤلف بين القلوب ، ويوحد الإرادات ، وأن يحترمه الغريب قبل القريب ، والمسيحي قبل المسلم . . يقول الكاتب اللبناني لبيب رياشي في مؤلفه " نفسية الرسول العربي " :

(( حقاً يا محمد إنك الشاعر الأعظم » حقاً إنك السوبرمان الأول العالمي ، رسول الثقافة والعلم ، رسول الهداية والتضحية ، رسول الفلسفة الجديدة ، رسول الإنسانية الجديدة )) .

ويظل محمد القدوة والرمز ، ليس في عهده فحسب ، بل حتى عهدنا هذا وإلى يوم يبعثون . . فحري بنا كعرب ومسلمين أن نحتذي حذوه ، يقول المفكر السوري الأستاذ ميشيل عفلق في كتابه : « في سبيل البعث » :

« حتى الآن كان ينظر إلى حياة الرسول محمد من الخارج ، كصورة رائعة وجدت لنعجب بها ونقدمها ، فعلينا أن نبدأ بالنظر إليها من الداخل ، لنحياها ، كل عربي في الوقت الحاضر يستطيع أن يحيا حياة الرسول العربي ، ولو بنسبة الحصاة إلى الجبل والقطرة إلى البحر ، طبيعي أن يعجز أي رجل مهما بلفت عظمته أن يعمل ما عمل محمد ، ولكن من الطبيعي أن يستطيع أي رجل مهما ضاقت قدرته أن يكون مصغراً ضئيلاً لمحمد ، ما دام ينتسب إلى الأمة التي حشدت كل قواها فأنجبت محمداً ، أو بالأحرى ما دام هذا الرجل فرداً من أفراد الأمة التي حشد محمد كل قواه فأنجبها ، في وقت مضى تلخصت في رجل واحد كل حياة هذه الأمة في نهضتما الجديدة تفصيلاً لحياة رجلها العظيم ، كان محمد كل العرب ، فليكن كل. العرب اليوم محمداً )) .

مؤسس سياسة غيرت مجرى التاريخ

لقد نظر منصفو المستشرقين إلى الرسول ليس كنبي عمل في إطار الجزيرة العربية فحسب ، بل كواضع أسس سياسة عالمية أثرت على المسيرة التاريخية كذلك ، يقول الكاتب الفرنسي المعاصر ، المستشرق مارسيل بوازار في مؤلفه : " إنسانية الإسلام " :

(( ولم يكن محمد على الصعيد التاريخي مبشراً بدين وحسب ، بل كان كذلك مؤسس سياسة غيرت مجرى التاريخ ، وأثرت في تطور انتشار الإسلام فيما بعد على أوسع نطاق )) .


عظيم في دينه عظيم في مناقبه

أما المستشرق الفرنسي ساديو لوي ( 1807-1875 ) فيتحدث عن عظمة الرسول لا لكونه صاحب رسالة عالمية فقط ، ورجلاً عسكرياً فاتحاً للعرب والعالم وحسب بل عن عظمته في دينه ومناقبه وحاجة الإنسانية لرجل مثله ، يقول :

(( لم يكن محمد نبي العرب بالرجل الفاتح للعرب فحسب بل للعالم لو أنصفه الناس، لأنه لم يأت بدين خاص بالعرب ، وان تعاليمه الجديرة بالتقدير والإعجاب تدل على أنه عظيم في دينه ، عظيم في صفاته ، وما أحوجنا إلى رجال للعالم أمثال محمد نبي المسلمين )) .

أما المفكر الإنكليزي المستشرق بوسورث اسمث ( 1815-1892) فقد خاطب العقل الأوروبي ، ورأى أن من الإنصاف أن ينظر إلى رسول الإسلام بمحبة واحترام ، لأنه من جهة بشر برسالة عظيمة تحمل الخير للبشرية جمعاء ، ولكونه من جهة ثانية عظيماً في كفاءاته العالية ، وسجاياه الكريمة ، وان الغرب المسيحي لا بد أن يقدره مستقبلاً حق التقدير ، يقول :

(( إذا قدرنا تاريخ الإسلام فنظرنا إليه من نافذة الإنصاف فإنما نقدر صاحبه الذي أسسه ووضع حجره الأساسي ، وهو - محمد - الذي لا نستطيع أن نقول في حقه إلا أنه رجل عظيم بعقله وعمله وأخلاقه وبلاغته و تدينه ، وسيحمل له المنصفون من النصارى وغيرهم الإخلاص متى عرفوه في المستقبل )) .

وأخيرا ، فإن معيار عظمة الأنبياء والقادة والمصلحين يظهر في مدى الإنجازات التي حققوها على الصعيدين المحلي والعالمي ، وتظل إنجازاتهم مستمرة راسخة باسقة ، يقول غوستاف لوبون :

(( إذا كانت قيمة الرجال تقدر بعظمة أعمالهم فعن المستطاع القول : إن محمداً كان من أعظم الشخصيات التي عرفها التاريخ )) .

أما الباحث الفرنسي المستشرق ديزريه بلانشيه فقد وجد في شخص النبي  مزيجاً نادرا من الكفاءات إذ حقق إنجازات عظيمة ما زالت راسخة ثابتة تقوم دليلاً قاطعاً على عظمته ، يقول :
(( إن النبي محمداً يعد من أبرز واشهر رجال التاريخ ، فقد قام بثلاثة أعمال عظيمة دفعة واحدة ، وهى أنه أحيا شعباً ، وأنشأ إمبراطورية ، وأسس دينا )) .



الفصل الثاني
محمد و القيادة الدينية


لقد كانت الهجرة إلى المدينة ، مرحلة تاريخية هامة في حياة المسلمين وفي حياة رسول الإسلام ، فمع قيام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة نجمت أمام الرسول قضايا هامة فأبرزته قائداً دينياً وسياسياً وعسكرياً . . وهنا سنعالج موضوع القيادة الدينية ، كصاحب دعوة ورسالة . . .


الرسول  وميوله الفطرية لديانة التوحيد

لقد عرفنا من دراستنا سيرة الرسول  أنه كان لا يدين بدين قبيلته ، وينأى بجانبه عن عبادة الأوثان ، ولقد قاده تفكيره إلى اعتناق مبداً الحنيفية - دين إبراهيم عليه السلام - تبعاً لميله الفطري للدين ، واقترابه من معرفة الحقيقة الأزلية بوحدانية الله .

الرسول والروح الكفاحية في نشر الإسلام

حين صدع الرسول  بالرسالة ، كان ذلك المناضل العنيد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية ، تحفزه تلك الروح الكفاحية العالية ، في جو معاد كل العداء ، لكن إيمانه بصدق نبوته وصلابة إرادته ، وقوة شخصيته مكنته جميعاً من أن يكسب القلوب ويؤلف بينها فظهرت تلك المجموعة الإسلامية المناضلة ، التي اقتفت نهجه حتى النهاية ، فهاجرت من مكة إلى المدينة ، ومن ثم توحدت مع الأنصار في جبة نضالية ، مكنت الرسول  أخيراً من أن يبسط شرعة الإسلام التوحيدية ، ويلغي عبادة الأصنام الوثنية .. يقول المفكر واشنطن ارفنج في محاضرة له ألقاها في ميلاد الرسول عام 1936 :

(( لم يكن محمد محباً للدنيا قط ، وقد لقي من الاستهزاء من قومه والإهانات ، حتى اضطر إلى الهرب ، وكانت له آراء عالية ، واعتقاد حسن بربه ، ويقين بشريعته فوق كل يقين ، أي رسول من الرسل هو ؟ ويدلنا على ذلك قوله : " لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته" )) .

لقد كانت الروح النضالية ، التي كافح الرسول بها بصلابة إرادة ، وعزم لا يلين مثار إعجاب الباحثين من الشرق والغرب ، لدرجة لم يقدر معها المفكر الفرنسي الكبير فرانسوا فولتير ، رغم علمانيته ، أن يكتم إعجابه بتلك الشخصية الفذة للمناضل والداعية الديني في شخص الرسول ، فيقول :

(( أن في نفس محمد لشيئاً عجيباً طريفاً رائعاً يحمل الإنسان على الإعجاب والتقدير ، ولعمري إن الرجل وقف وحده يدعو إلى الله ، ويتحمل الأذى في سبيل هذه الدعوة سنوات عديدة ، وأمامه الجموع المشركة ، تعمل جهدها لمعاكسته وقتل فكرته ، إنه إذاً يستحق كل تقدير وتمجيد )) .


الطبيعة الدينية للرسول

لقد كان الرسول  احد أبرز رجالات التاريخ من حيث الثبات على المبداً ، والإخلاص في تطبيق العقيدة ، وكل ذلك نابع من طبيعته الدينية وصلابة شخصيته ، يقول الباحث الفرنسي المستشرق ادوار مونتيه في مؤلفه : " محمد والقرآن " :

(( أن طبيعة محمد الدينية تدهش كل باحث مدقق نزيه المقصد، بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص ، فقد كان محمد مصلحاً دينياً ذا عقيدة راسخة ، ولم يقم إلا بعد أن تأمل كثيراً وبلغ سن الكمال بهاتيك الدعوة العظيمة ، التي جعلته من أسطح أنوار الإنسانية في الدين ، وهو في قتاله الشرك والعادات القبيحة التي كانت عند أبناء زمنه ، كان في بلاد العرب أشبه بنبي من أنبياء بني إسرائيل الذين نراهم كبارا جداً في تاريخ قومهم ، ولقد جهل كثيراً من الناس محمداً بخسوه حقه ، ذلك لأنه من المصلحين النادرين ، الذين عرف الناس أطوار حياتهم بدقائقها)) .

يؤكد هذا الباحث فكرته تلك ، بوصف رسول الله  بأنه نبي من الأنبياء يسائل في جزيرة العرب أنبياء التوراة لدى العبرانيين القدماء، كما يتطرق إلى نضاله لإخراج أمته من ضلال الوثنية والأخلاق المنحطة إلى معارج الوحدانية والصلاح ، بتلك الحمية الدينية العظيمة ، يقول :

((كان محمد نبياً بالمعنى الذي كان يعرفه العبرانيون القدماء ، ولقد كان يدافع عن عقيدة خالصة لا صلة لها بالوثنية ، وأخذ يسعى لانتشال قومه من ديانة جافة لا اعتبار لها بالرة ليخرجهم من حالة الأخلاق المنحطة كل الانحطاط ، ولا يمكن أن يشك لا في إخلاصه ولا في الحمية الدينية التي كان قلبه مفعماً بها)) .

الهدم و البناء

كانت رسالة الإسلام ، التي دعا إليها النبي  رسالة بناء ، لكنه لم يشد بناءه على أسس المجتمع القديم ، و إنما على أسس جديدة ، ولا سبيل إلى تحقيق غاياته السامية هذه إلا بهدم أسس المجتمع القديم المبني على الوثنية ، ليشيد صرح الإسلام . فلا بناء دون هدم ، ولا فكر جديد دون معارضة القديم .

الإسلام جاء متمماً للرسالات السابقة

لقد جاءت رسالة الإسلام التي حملها الرسول وبشر بها في جزرة العرب ، لتتم لا لتنقص ، فقد صرح الرسول مراراً بأن الرسالة الإسلامية هي متممة لما سبقها من رسالات سماوية وكذلك خاتمتها ، كما أنه خاتم المرسلين . يقول الدكتور وغسطون كريستا الإيطالي في كتابه : الكياسة الاجتماعية » :

(( كان محمد يعلن أنه رسول الله تعإلى ، لإصلاح دين إبراهيم المطهر الذي أفسده أبناؤه ، وأقام العبادة القويمة التي أنشأها ذلك النبي ، فسدت على مر الزمن ، وليؤيد وهو - خاتمة الرسل - ما كان الله أنزله على من سلفه من الأنبياء : موسى وداود وأشعيا وعيسى .

إذ هذه الجدران العالية ، لدليل على قوة عظيمة لمحمد ، مثال القيادة ورمز السياسة )) .


الإصلاح الديني من الوثنية إلى الوحدانية

غير أن النقطة الهامة التي يقف عندها معظم الباحثين هي دور الرسول  في تحقيق نقلة نوعية من تاريخ العرب والشعوب التي دخلت فيما بعد الحظيرة الإسلامية ، هي في نقلها من الوثنية إلى الوحدانية ...

إ ذا كان الرسول يحمل في نضاله ورسالته برنامجاً ثورياً إصلاحياً للمجتمع ، أبرزه كمصلح ، فإن إصلاحه هذا قد امتد حتى كل جوانب الحياة جميعاً : دينياً وسياسياً واجتماعياً واقتصاديا ، فقام بتنظيم المجتمع على قاعدة المساواة والعدل وفي ظل الحرية الفكرية والدينية والسماحة بين الشعوب ، كل ذلك في إطار أخوة إسلامية عريقة بإنسانيتها كريمة بمثلها .


الإصلاح الديني انطلاقاً من أن الإسلام دين ودولة

وهنا لا بد أن نقف عند حدود جانب الإصلاح الديني ، بما يحمله الإسلام كدين وعقيدة ، من فعالية للتغيير إلى الأفضل والأسمى . . فعملياً كانت تلك النقلة الثورية العظيمة في مضامينها بانتقال مجتمع الجزيرة العربية من الشرك إلى الإيمان ، في مجتمع الأخوة الإسلامية ، يقول الكاتب الروسي ليون تولستوي في كتابه : « الإنسان والحياة » :

(( إن محمداً نبي الإسلام الذي آمن به الآن أكثر من مئتي مليون نفس ، قد قام بعمل جليل ، فإنه هدى الوثنيين الذين قضوا حياتهم بالحروب الأهلية وسفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية إلى معرفة الإله الواحد ، وأنار أبصارهم بنور الأيمان ، وأعلن أن جميع الناس متساوون أمام الله سبحانه ، والحق الذي لا مراء فيه ، أن محمداً قام بعمل عظيم وانقلاب كبير في العالم )) .


الوحدانية جوهر الإسلام

بينما يرى المفكر ميسمر أن الدور العظيم الذي اضطلع به الرسول  ، هو إسقاط الضلالات التي كان العرب يؤمنون بها إلى اقتراب من الحقائق الأزلية فكان أن انتصر جوهر الدين الإسلامي الذي هو الوحدانية ، يقول ميسمر :

(( وعند الفلاسفة المحققين أن الرجال أولي العظمة الذين تبقى أعمالهم على مدى الدهر ، هم من أهل النباهة الكبرى الذين يجيئون لإصلاح العالم ، وشفاء عصرهم من مرضه ، وما فعله محمد هو أنه لما رأى ضلال الناس في معرفة الخليقة ، عزم على إرشادها ، وتطبيق قوانين الطبيعة على أمور العالم ، بقدر ما كان معروفاً في ذلك الوقت ، لذلك أعلن الوحدة الإلهية ، بدلاً من الخرافات التي مقتضاها تثليث إله ، وجعله مركباً من الأب والابن وروح القدس ، فالوحدانية هي أساس دين الإسلام وسبب نصرة محمد )) .

من الوثنية الصماء إلى الوحدانية المتنورة

أما المفكر الأيرلندي الكبير برنارد شو ، فقد أكبر عظمة الرسول الدينية ، في تلك النقلة الجبارة التي حققها طفرة من الوثنية الصماء إلى الوحدانية المتنورة ، فكتب يقول :

(( قطع محمد بعد المسيح بستمائة عام خطوة إلى الأمام ضخمة هائلة من الوثنية الصماء الموات إلى وحدانية متنورة ، بيد أنه وإن مات فاتحاً ، وتخلص بذلك من أن يكون رئيساً لغرفة تعذيب عربية ، وجد من المستحيل أن يشد قومه العرب إلى عقيدته الإلهية دون ترغيبهم وترهيبهم بوعود في النعيم للمؤمنين ، ووعيد في العذاب الأليم للأشقياء الجاحدين ، بعد انفصال أرواحهم عن أبدانهم ، كما أنه رضي أيضاً ، ولكن بعد عديد الاحتجاجات الصادقة المخلصة ، بالصفات الخارقة ، التي الصقتها به عقلية أتباعه الخرافية الصبيانية ، وهكذا فإنه يحتاج اليوم أيضاً إلى إعادة استكشافه من جديد ، والتعرف إلى طبيعته الحقيقة قبل أن يعود الإسلام كإيمان حي )) .

الرسول الشخصية الدينية الأوفر نجاحاً

وإذا كان التاريخ الإنساني يؤكد على أن المجتمعات البشرية ، قد عرفت منذ نشوئها الكثير من المصلحين الدينيين والأنبياء المرسلين ، فإن الإنجاز العظيم الذي حققه الرسول محمد  لم يبلغه أي من أولئك السابقين من الأنبياء أو اللاحقين - من المصلحين - ، وهذا ما أثار دهشة الحركة الاستشراقية ، بمختلف اتجاهاتها ، وقد جاء في الموسوعة البريطانية الطبعة الحادية عشر، تحت مادة "القران " ما يؤكد هذه الحقيقة ، ويقدم الدليل على النجاح المذهل الذي حققه في مجتمعه، بقولها :

((كان محمد بين شخصيات العالم الدينية جميعاً ، أوفرهم حظاً من النجاح )) .

لقد صهر الرسول  أمته المشرذمة إلى قبائل متناحرة في أمة إسلامية ، بقيت ثابتة على مدار التاريخ « مقاومة أسباب الفناء » ويتحدث الكاتب الفرنسي الكبير غوستاف لوبون عن النجاح العظيم الذي حققه الرسول ، بقوله :

(( فمما لا ريب فيه أن محمداً أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام ومنها اليهودية والنصرانية ولذلك لا ترى حداً لفضل محمد على العرب)) .

الإصلاح الإسلامي وخير الدنيا والآخرة

ويتحدث الدكتور نجيب أرمنازي ( 1819 - 1887 ) في كتابه : "الشرع الدولي في الإسلام" عن ذلك الحدث الديني العظيم بقوله :
(( كان العرب لما بعث محمد فيم على الفطرة البيضاء النقية ،لم يكدرها مكدر ، و لم يبعث برونقها عابث ، تتطلع إلى أمر عظيم ، و خطب جسيم ، قد استكنت من المواهب الشريفة و القوى الكامنة ، والعزائم الشديدة ما يسمو كالنار إلى إشاعة ذكره ، وتعرف خبره ، واستفاضت فيما روح الحياة ، وشاع في الناس نباً حادث ديني كبير، يكون عنوان تاريخ جليل - ، فقد ظهر الإسلام في عنفوان تلك البعثة ، وأصاب بدعوته شاكلة القلوب ، ودانت له العرب ، فأصلح بينهم وجمع كلمتم ، وجينئذ نفروا من البادية ، وانتشروا في أقطار الأرض ، تنقاد لهم أعنة الأمم انقياداً يشابه المعجزات ، ولما أظهر محمد دعوته قال لعشيرته الأقربين : «ما أعلم أن إنساناً في العرب جاء قومه بأفضل كما جئتكم به ، فقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة »)) .


الإصلاح الديني والمبدأ الراسخ

أما المستشرق البريطاني جون ديفولبوت ( 1832 ~ 1902 ) فيتحدث عن الإصلاحات الدينية والاجتماعية الخالدة في جزيرة العرب ، والمبدأ الراسخ الذي ما زالت الإنسانية تعمل به ، يقول :

(( هل بالامكان إنكار فضل محمد نبي العرب الذي قام بإصلاحات غريبة وعظيمة فكانت خالدة لبلاده ، فقد جعل أهلها يعبدون الله ويهجرون عبادة الأصنام (وهو الذي منع واد البنات وحرم شرب الخمر ولعب الميسر) ، وترك لأمته مبدءاً لا يزال ، وعليه يعمل الملايين من الناس)) .

ويتحدث الكاتب الإسلامي مولانا محمد على في بحثه عن صفات الرسول المميزة كمصلح ، وعن عظيم ما قام به  في تحويل المجتمع الغارق في الجهالة وضروب الفساد الديني والأخلاقي والاجتماعي ، بقوله :

(( والواقع أن أيما مصلح لم يجد قط شعبه غارقاً في الدرك الأسفل من الجهالة بقدر ما كان العرب غارقين عند ظهور الرسول . كانوا يجهلون المباديء الحقة في الدين والسياسة والحياة الاجتماعية على حد سواء . ولم يكن لديهم فن عظيم أو علم وافر يتباهون بهما ، لا ولم يكن لهم أي اتصال بسائر أجزاء العالم . وكان التماسك القومي شيئا مجهولاً لديهم ، إذ كانت كل قبيلة من قبائلهم تشكل وحدة مستقلة بينها وبين زميلاتها ما صنع الحداد . وكانت اليهودية قد بذلت قصارى جهدها لإصلاحهم ، ولكن على غير طائل . وكانت النصرانية أيضاً قد أخفقت في محاولات مسائلة. كذلك فشلت حركة الأحناف ، التي نشأت على نحو واهن ، كفشل الحركتين السابقتين ، وتلاشت من غير أن تخلف أيما أثر في المجتمع العربي . وإنما بعث الرسول الكرم لانتشال شعب كهذا الشعب الضائع من وهدة الجهالة . فما هي غير سنوات معدودات حتى محا جميع ضروب الفساد الديني والأخلاقي والاجتماعي الراسخة الأصول في بلاد العرب ، و حتى خلق تربة تلك الديار - إذا جاز التعبير - خلقاً آخر . لقد حل أصفى شكل من أشكال الوحدانية محل صنوف الخرافات واشكال الوثنية المنحطة . فإذا بأبناء الصحراء نصف البرابرة أنفسهم يفعمون بحمية جديدة لقضية الحق إفعاماً حملهم إلى أقاصي العالم ليؤدوا رسالة الله . وفي ما يتصل بعبادة الخالق ، بزوا أعظيم الزهاد والنساك ، من غير أن يرفضوا العالم أو يتخلوا عنه . فما إن يطرق الأذان مسامعهم في غمرة من حياتهم اليومية الناشطة ، حتى يطرحوا همومهم الدنيوية ويسجدوا خاشعين للرب . وكانوا ينفقون معظم لياليهم في عبادة الله . وهكذا فقد كانوا ، برغم وجودهم في هذا العالم ، منفصلين عن هذا العالم . وبالتالي فإن صلواتهم كان يلازمها دائماً إيمان حي لم يعرفه أيما ناسك معتزل في صومعته البتة )) .


صلاحية الإسلام لكل الأمم

وانطلاقاً مما حققه الإسلام من إصلاح في المجتمع العربي في تلك النقلة التاريخية الرائعة، يرى المستشرق الإيطالي ميخائيل إيمارى في كتابه « تاريخ المسلمين » أن الإسلام بفضل كماله صالح لكل الأمم :

(( لقد جاء محمد نبي المسلمين بدين إلى جزيرة العرب يصلح أن يكون ديناً لكل الأمم لأنه دين كمال ورقي ، دين دعة و ثقافة ، دين رعاية وعناية ، ولا يسعنا أن ننقصه ، وحسب محمد ثناء عليه أنه لم يساوم ولم يقبل المساومة لحظة واحدة في موضوع رسالته )) .

عالمية الرسالة الإسلامية

أن الرسالة التي حملها النبي محمد ، لم تكن مطلقاً لشعب بذاته دون غيره ، أو لجنس دون سواه ، بل كانت رسالة عالمية . . . والرسول الكريم الذي بعثه الله كمصلح ، ما انفك يناضل في الجزيرة العربية ، حتى عم فضل الرسالة التي حملها فشمل الإنسانية جمعاء ، وهذا ما ميزه عن سائر أصحاب الرسالات السابقة ، يقول مولانا محمد على :

(( والنقطة الثانية التي تميز محمداً من سائر المصلحين الروحيين العظام وأنبياء العالم تتصل بعالمية رسالته . فقد حمل كل نبي رسالة كل من أولئك الأنبياء مقصورة على شعب بعنه . فقد حمل كل نبي رسالة النور والهداية إلى أمه مخصوصة أو بلد مخصوص . وليس من ريب في أن تطهير النفس البشرية كانت هي رسالة كل منهم ، ولكن هذه الرسالة كانت محدودة دائماً . آما رسالة محمد فكانت كونيه ، ونوره كان عالمياً ، ونطاق مشاركته الوجدانية كان يستغرق البشرية كلها . مال تعالى : و ما أرسلناك إلا رحمه للعالمين  (21/107) وقال :  وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً و نذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون  ( 34/28) وقال :  تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً  ( 52/ 1 ) وقال :  قل يا أيها الناس إني رسول إليكم جميعاً  ( 7/158) ، والواقع أن هذه الآيات لا تعدو أن تكون قلاً من كثر نص فيها القرآن الكرم على أن الرسول قد بعث للنهوض بالجنس البشرى كله . وفوق هذا ، فإن القرآن الكريم يتحدث عن نفسه فيقول :  وما تسألهم عليه من أجر ، إن هو إلا ذكر للعالمين  ( 12/104 ) .

لقد أتى على الإنسانية حين من الدهر كانت مجزأة فيه إلى عدة « مقصورات » كتيمة ، إذا جاز التعبير . كانت كل أمة منكمشة على نفسها ضمن تخوم وطنها ، منعزلة كل الانعزال عن سائر الأمم . كانت وسائل المواصلات محدودة . وطبيعي أن لا يتوقع المرء في مثل هذه الأحوال اتساعاً في العقلية كبيراً . فقد كان استشراف كل أمة مقصورا على بيئتها المباشرة ، فهي تحسب نفسها الكل في الكل . وهكذا لم يكن في مستطاع الحكمة الإلهية إلا أن تبعث إلى كل أمة بنبي مستقل كيفت رسالته وفق حاجاتها وأحوالها الخاصة . ولقد أدى هؤلاء الأنبياء المختلفون مهمتهم الخصوصية : أعني إحياء أمة بعينها . ولكن طاقتهم الروحية كانت ، مثل حقل رسالتهم ، محدودة النطاق . فكانت الشعلة تتوهج فترة من الزمان ثم تخبو شيئاً بعد شيء ، حتى انطفأت آخر الأمر انطفاء كاملاً . وعندئذ كانت الحاجة تنشاً إلى مصلح روحي ينير العصر المظلم . ومن ثم إلى بعثة نبوية إثر بعثة نبوية. ولكن بينا حققت العناية الإلهية مصلحة الإنسان الروحية ، باختيارها الرسل حيناً بعد حين من بين مختلف الأمم ، أدى ذلك إلى نشوء انطباعية شديدة الأذى ، فقد شرعت كل أمة ، لجهلها بما أغدق الله على الأمم الأخرى من أفضال مماثلة ، تعتقد أنها هي شعب الله المختار . وهذا ما غذى الفكرة الضارة القائلة بالمحاباة الإلهية ، وما رافق ذلك من شرور ملازمة . ولتقوم هذا الشعور بالتمييز العنصري ، وإزالة الأحقاد التي خلقتها التخوم الجغرافية والاجتماعية وبعض الحواجز المصطنعة ، ولصهر الإنسانية في كل واحد متراص ، شاءت الحكمة الإلهية أن تبعث نبياً عالمياً ذا رسالة إلى الجنس البشري كله ، نبياً لا تتخطى قوته الروحية كل تخم فحسب ، بل تحتفظ فوق ذلك بفعاليتها إلى آخر الدهر أيضاً . وهكذا ها إن تمت سلسلة الأنبياء المليين بظهور حلقتها الأخيرة ، يسوع ، الذي أرسل - ونحن نستعمل هنا كلماته نفسها - « إلى خراف الإسرائيليين الضالة » حتى آن الأوان لأن تشرق شمس الروحانية على الأفق الديني لتضيء ، العالم كله . وهكذا ظهر الرسول الذي كان « رحمة للعالمين » « وحرر الإنسانية من أصفاد الجهل والخرافة والفساد . وإنما كان الأنبياء السابقون أشبه بمصابيح إلهية كثيرة ذات ضياء يكفي هذه الحجرة أو تلك ، ومن هنا مست الحاجة إلى مصابيح مختلفة تطابق مختلف المناطق الجغرافية والقومية . لقد سفحت نورها حولها ، فإذا بكل ما هو واقع ضمن نطاقها مشرق، متألق . ولكن ما إن بزغت الشمس من رمال بلاد العرب حتى أمست البشرية في غير حاجة إلى تلك المصابيح . ولكن ضياء الشمس لا يمكن أن يحل محله أيما ضياء آخر ، وهو كاف لإنارة العالم إلى يوم يبعثون )) .


إنسان فوق البشر و نبي من أنبياء الله

إن الروح الكفاحية للرسول  نضاله الدؤوب في نشر الدعوة الإسلامية جعلته رغم بساطته المتناهية في سيرته وسلوكه وأخلاقه ومناقبه ، إنساناً خارق المقدرة فوق مستوى البشر،.. لقد تناول المستشرق الفرنسي مارسيل بوازار هذه القضية ، حين بحث إقامة الدولة الإسلامية الأولى بمجتمعها الجنين في المدينة ، وكيف تمكن من انتزع اعتراف خصومه بالجماعة الإسلامية عن طريق المعاهدات ، وكيف حقق النصر كنبي ملهم ورجل عسكري فذ ، فيقول :

(( وإذا تذكرنا أخيراً على الصعيد النفساني هشاشة السلطان الذي كان يمتع به زعيم من زعماء العرب ، والفضائل التي كان أفراد المجتمع يطالبونه بالتحلي بها ، استطعنا أن نستخلص أنه لا بد أن يكون محمد الذي عرف كيف ينتزع رضا أوسع الجماهير به إنساناً فوق مستوى البشر حقاً ، وأنه لابد أن يكون نبياً حقيقياً من أنبياء الله )) .

الرسول والحرية الدينية

لقد خاض الرسول حروباً عسكرية عديدة ، ولكن كان في جميعها مدافعاً ، ولم يلجاً إلى السيف إلاً حين فرض عليه . . ومن ثم دخل المسلمون في دين الله أفواجاً دونما فرض أو إكراه ، وعن هذه النقطة يتحدث المستشرق الهولندي راينهارت دوزى ( 1820- 1884 ) ، في مقدمة كتابه : "ملحق و تكملة القواميس العربية " :

(( أن ظاهرة دين محمد تبدو لأول وهلة لغزاً غربياً لاسيما متى علمنا أن هذا الدين الجديد لم يفرض فرضاً على أحد )) .

الحرية الدينية و الإخاء

لقد أثارت مباديء الحرية الدينية في الإسلام فيما أثارته احترام المستشرقين المنصفين وكذلك الباحثين العرب المسيحيين الذين قدروا الأخوة المسيحية الإسلامية حق قدرها ، وتطرق الأستاذ يوسف نعيي عرافة في خطبة له في عيد المولد النبوي عام 1346هـ 1927 م إلى معاهدة الرسول مع أصحاب الديانات الأخرى ، لاسيما المسيحيين منهم ، فيقول :

(( إن محمداً هو باني أساس المحبة والإخاء بيننا ، فقد كان يحب المسيحيين ويحميهم ، من ذلك ما قام به في السنة السادسة بعد الهجرة ، حيث عاهد الرهبان خاصة والمسيحيين عامة ، على أن يدفع عنهم الأذى ، ويحمي كنائسهم وعلى أن لا يتعدى على أحد من أساقفتهم ولا يجبر أحداً على ترك دينه ، وان يمدوا بالمساعدة لإصلاح دينهم وأديرتهم ، كما أن القرآن نطق بمحبة المسيحيين للمسلمين وبودتهم لهم ، وإن الآية الشريفة :  و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون  ، لتبعث على شد أواصر الصداقة بين الطرفين ، بل حتى مع الشعب الإسرائيلي في أكثر الأوقات ، إننا لنعلم أن ما أتى به الرسل موسى وعيسى ومحمد ما هو إلا لإصلاح العالم لا لإفساده وخرابه ، وما الكتب الثلاثة المنزلة إلا نور صادر من بؤرة واحدة ينعكس نورها في ثلاثة أشعة ، كل منها للبشر)) .

عظمة الرسول و جلال نبوته

إن من معالم عظمة الرسول الدينية ، أن الرسالة التي دعا إليها وناضل في سبيل وضع أسسها في مجتمع وثني متناحر ، غدا وحدة إيمانية صلبة ، ولم تبق رسالة الإسلام للعرب وحدهم بل هي عالمية بظهور العالم الإسلامي وأمة الإسلام ، فكان  حسب قول الباحث بوسورث اسمث في كتابه : " حياة محمد " :

((مؤسس أمة ومملكة وهداية ، وهذا أمر لا مثيل له ، وهو الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة )) .

أما القس الفرنسي لوازون ، فيتحدث عن جلال الرسول وعظمته الدينية بروح من الإنصاف والتجرد:

(( محمد - بلا التباس ولا نكران - من النبيين والصديقين وهو رسول الله ، بل إنه نبي عظيم جليل القدر والشأن أمكنه بإرادة الله تكوين الملة الإسلامية وإخراجها إلى الوجود بما صار أهلها ينيفون على الثلثمائة مليون من النفوس ، وداسوا بخيولهم سلطنة الرومان ، وبرماحهم قطعوا دابر أهل الضلال إلى أن صارت ترتعد من ذكرهم فرائص الشرق والغرب)) .

عبقرية النبي و استمرارية الرسالة

ويبقى في أساس معايير عظمة رجالات التاريخ استمرارية الرسالات التي حملوها للإنسانية جمعاء ، لأن الاستمرار والبقاء دلالة صلاحيتها لكل زمان ومكان ، فكيف إذا اتصل الأمر برسالات السماء وحملتها من الأنبياء البررة :

يقول المؤرخ البريطاني فتلي ( 1815 _1890) في مقدمة كتابه :

(( قد ينحرف المؤرخ عن موضوعه ليتأمل حياة رجل نال سلطة خارقة على عقول أتباعه وعماله ووضعت عبقريته نظاماً أساسياً دينيا سامياً سياسياً ، وما زال يحكم الملايين من البشر من أجناس مختلفة وصفات متباينة ، وان نجاح محمد كمشرع بين أقدم الأمم الآسيوية ، وثبات نظمه على مدى أجيال طويلة ، في كل نواحي الهيكل الاجتماعي ، دليل على أن ذلك الرجل الحاذق قد كونه مزيج نادر من الكفاءات )) .

خادم الله والإنسانية
إن مسيرة الرسول ، الكفاحية ونضاله المرير لنشر رسالة الإسلام قد أدت إلى نتيجتين هامتين أولاها : خدمة وحدانية الله بإسقاط الوثنية ، ومن ثم خدمة الإنسانية كنتيجة منطقية بانتشار رسالة الإسلام بين الشعوب العربية والإسلامية من جهة ، ولكونها رسالة عالمية من جهة أخرى ( راجع بحث : عالمية الرسالة الإسلامية ) فكان أن عم خيرها البشرية جمعاء ، وقدمت الحلول المنطقية لخلاص الأمم من مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والروحية . . . ويؤكد القس دافيد بنجامين كلدانى ( الذي عرف باسم عبد الأحد داود بعد اعتناقه الإسلام ) في مؤلفه : " محمد في الكتاب المقدس " هذه الحقيقة بأن الرسول خادم الله والإنسانية بقوله :

(( أن الخدمة الجليلة العظيمة المدهشة التي قدمها محمد  لله ، ولصالح البشر ، لم يقدمها أي مخلوق من عباد الله ملكاً كان أو نبياً ، خدمته لله فإنه اقلع جذور الوثنية من جزء كبير من الأرض ، وأما خدمته للإنسان فقد قدم له أكمل دين وأفضل شريعة لإرشاده وأمنه )).

ويتابع عبد الأحد داود القول :
(( أقام دين الإسلام الذي وحد في أخوة حقيقية ، جميع الأمم والشعوب التي لا تشرك بالله شيئاً . إن جميع الشعوب الإسلامية تطيع رسول الله وتحبه تحترمه ؟ لأنه مؤسس دعائم دينها ، ولكنها لا تعبده أبداً ولا ترفعه إلى مقام التقديس والتأليه )) .

أن عالمية الرسالة الإسلامية وإنسانيتها قل جعلت من النبي محمد ، رسول البشرية جمعاء وزعيم مريدي الخير للإنسانية ، وذلك كما يرى المستشرق السويسري ماكس فان برشم ( 1863 _ 1921 ) بمعرض حديثه عن دوره التاريخي العظيم في حياة العرب والشعوب التي دخلت في الإسلام ، فارتقت من وهاد الضلالة إلى معارج النور والحضارة ، يقول في كتابه : « العرب في آسية » :

(( إن محمداً نبي العرب من أكبر مريدي الخير للإنسانية ، وإن ظهور محمد للعالم أجمع إنما هو أثر عقل عال ، وإن افتخرت آسية بأبنائها فيحق لها أن تفتخر بهذا الرجل العظيم ، إن من الظلم الفادح ، أن نغمط حق محمد الذي جاء من بلاد العرب وإليهم ، وهم على ما علمناه من الحقد البغيض قبل بعثه ، ثم كيف تبدلت أحوالهم الأخلاقية والاجتماعية والدينية بعد إعلانه النبوة ، وبالجملة مهما ازداد المرء إطلاعاً على سيرته ودعوته إلى كل ما يرفع من مستوى الإنسان ، إنه لا يجوز أن ينسب إلى محمد ما ينقصه ، ويدرك أسباب إعجاب الملايين بهذا الرجل ويعلم سبب محبتهم إياه و تعظيمهم له )) .

و تلخص الموسوعة البريطانية السيرة الكفاحية لحياة الرسول محمد  واجتهاده في رفع راية التوحيد وعظمته عرياً وإسلاميا وعالمياً فقول :
((إن محمداً اجتهد في الله وفي نجاة أمته ، وبالأصح اجتهد في سبيل الإنسانية جمعاء )) .

الفصل الثالث
محمد و القيادة السياسية


كان الرسول عليه السلام إلى جانب ميزاته المتعددة الجوانب قائداً سياسياً عظيماً ورجل دولة فذاً ، في أمة تأخذ طريقها في البناء ، بعد حركة هدم ، والتوحد بعد تجزئه و تفرقة . . إنها مرحلة انعطاف تاريخي كبير ، ليس في إطار شبه جزيرة العرب فحسب ، بل انعطاف في حياة الشعوب والأمم ، فمرحلة عظيمة كهذه تحتاج إلى قيادة سياسية عظيمة هي بحجم هذا التحول الكبير . . .

القائد والمشرع

لقد تجلت قيادته السياسية مع بدء مرحلة التاريخ الإسلامي أي مع الهجرة إلى المدينة ، وقيام الدولة العربية الإسلامية الأولى ، فكان عليه السلام القائد والحاكم والشرع يضع خطط البناء الداخلي ، والمجابهة مع العدو الخارجي ، بتزامن غاية في الدقة والتنظيم :

يقول هارون ماركوس ( 1812-1887 ) :

(( كان محمد زعيماً سياسياً بأسمى معاني الزعامة السياسية منى معني وسيادة ، هذه كانت تتجلى في أروع المظاهر التي عرفها بنى الإنسان ، وخليق بي وأنا في صدر الكلام من الزعامة السياسية أن أدحض فرية وأرد بهتاناً ، لا يزالان عالقين في أذهان قاصري العقول ، الذين لا يملكون ذرة من حصافة الرأي ، و تلك الفرية وذلك البهتان هما ما يردده أولئك الأغبياء ، الذين يزعمون أن لا علاقة بين الدين والسياسة ، وأن لاً رابطة تربط أحدها بالآخر . إن من الخطأ أن يظن ظان هذا )) .

حكمة وبعد نظر
لقد تجلت عبقرية محمد  السياسية في بعد نظره وحكمته في حل المسائل العالقة والشائكة ، وكان يخفي سرها حتى على أقرب المقربين إليه ، حيث يذهب بعضهم إلى معارضته ومحاولة ثنيه عما عزم عليه ... من ثم يدكون بعد حين سداد رأيه وبعد نظره وليس أدل على ذلك من الميثاق الذي عقده مع قريش وعرف فيما بعد باسم « عهد الحديبية » ، الذي ظهر في بادىء الأمر وكأنه يجري لصاح قريش، ومجحف بحق المسلمين ، لكن ما لبثت أن ظهرت خطورة هذا العهد على مشركي قريش أنفسهم فتوسلوا إلى الرسول بصلة الرحم أن يتجاوز ذلك البند الذي كان في الظاهر يجري لصالحهم : إعادة من لجأ إليه هرباً من براثنهم ، ولم يجبهم إلى ذلك إلا بعد أن خطياً).

سداد السياسي العاقل و نورانية النبي الصادق

إن دارس سيرة الرسول  في مختلف أدوار حياته منذ أن صدع بالرسالة ، ودوره العظيم في تبديل واقع الجزيرة العربية المجزأة وتوحيد القبائل العربية ، وإعلاء اسم الله في معقل الوثنية ، قد دللت على بعد النظر لديه وسداد الرأي ، يقول المستشرق الأسوجي كازانوفا ( 1937 - 1903 ) في مؤلفه : "حضارة الشرق " :

(( إن التعقل ونضوج الفكر اللذين دل عليهما ، إذ أظهر الآيات الأولى الموحاة إليه ، وحن سياسته في توحيد القبائل العربية رغم الخرافات المتأصلة ، وفي تمييز ما ينبغي الإبقاء عليه من تقاليدها القديمة ، كلها أدلة على أنه كان له في الأمور نظر سديد ، كان يرى الغاية ويسعى إليها بغريزة السياسي العاقل ، ونورانية النبي الصادق على السواء )) .

رجل فكر وحكم وسلم وحرب

إن دراسة الجوانب السياسية في حياة الرسول ونمط تفكيره ، تقودنا إلى أنه كان إنساناً عميق التفكير ، قبل مبعثه وفي مرحلة نشر الدعوة الإسلامية في مكة ، ومن ثم في مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية الأولى ، وكان دائماً يجنح للسلم إن هيئت له أسباب إقامة السلام في ربوع أرض العرب .

يقول المفكر البلجيكي هنري ماسيه ( 1820 - 1886 ) في كتابه :

(( إذا بحثنا عن محمد إجمالياً نجده ذا مزاج عصبي و فكر دائم التفكير ونفس باطنها حزن ، وأما مداركه فهي تمثل شخصاً يعتقد بإله واحد ، وبوجود حياة أخرى ، ويتصف بالرحمة الخالصة ، والحزم في الرأي والاعتقاد ، ويضاف إليه أنه رجل حكومة ، وأحياناً رجل سياسة وحرب ، ولكنه لم يكن ثائراً بل كان مسالماً )) .

الكفاءة العظيمة والقيادة الفذة

وكان الرسول  الحاكم ، متميزاً حسب اعتراف المستشرقين بالكفاءة العظيمة والقيادة السياسية الفذة . . . وكانت صفته القيادية بارزة طاغية على سجاياه الأخرى ، يقول المستشرق الإيطالي البنس كايتان في كتابه : « أديان العرب » :

(( أن مزية محمد هي كفاءته العجيبة كسياسي محنك أكثر منه كنبي موحى إليه ، وليس في وسع أحد فهم محمداً أن يحط من كرامته ، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه وظلم محمداً )) .

محمد الحاكم العادل والإداري البارع

وتجلت عبقرية الرسول فيما تجلت به بأنه رجل حكم وإدارة من الطراز الرفيع يحسن تدبير شؤون الرعية ، بعيداً عن الأهواء ، تحركه دائماً سجيتان في ذاته هما العدل والرحمة ، يقودها عقل راجح يضع الأمور في نصابها . . .

فالإنسان ، النبي والإمام والحاكم، كان يرعى شؤون العامة ويصر على حسن تطبيق العدل على الجميع ، يقول المستشرق الألماني برتلمي سانت هيليار في كتابه : « الشرقيون وعقائدهم » :

((كان محمد رئيساً للدولة وساهراً على حياة الشعب وحريته ، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها ، فكان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد ، وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه وإن في شخصيته صفتين هما من أجل الصفات التي تحملها النفس البشرية وهما العدالة والرحمة )) .

ولقد تحدث المفكر عبد الرحمن عزام في كتابه : « بطل الأبطال » عن الرسول الحاكم وحسن سياسته وحكمته في تصريف الأمور فقال :
(( صفة عظمى من صفات الرسول  وهي مثل لرجال الدولة والسياسة والقادة في جميع ميادين الإصلاح . لعلهم كذلك واجدون فيما ما يمكنهم من النجاح ، فإن محمداً بما أوتي من الأخلاق ، وما وهب من حسن السياسة ، و تصريف الأمور ، ووضعها في نصابها ، قد أوتي النجاح الذي لم يؤته أحد قبله ولا بعده .

هذه الناحية من حياته يبدو فيها محمد مثلاً عالياً لرجل الدولة ، وسترون بها ميزة على من سبقه من الأنبياء والرسل والأبطال ، ولقد كانت أكثر وضوحاً في المدينة حيث استلزمت الأحوال أن يكون نبي الأمة وزعيمها وقائدها ، وحيث أخذ التشريع الإسلامي يتناول الحياة السياسية والاجتماعية بتوسع وتفصيل أكثر مما كان في مكة ، حين كانت الدعوة لا تزال في بدايتها ، متجهة بكل قوتها إلى تعريف الناس بالله ، وإنذارهم حسابه وعقابه ، ذلك الفرق بين مظهري الدعوة في بيئتين مختلفتين ، جعل بعض كتاب الملل الأخرى يحاولون أن يصوروا محمداً في شخصيتين مكي ومدني يقولون هذا نبي ، وهذا رجل دولة وصاحب سلطان )) .

ويتحدث الباحث الإنكليزي مونتجمري وات في كتابه « محمد في المدينة » عن عظمة الرسول ومواهبه التي امتاز بها ، وكانت وراء نجاحه وإنجازاته الكبيرة ، فهو إلى جانب موهبته لرؤية المستقبل وإدراكه الواقع الاجتماعي ، ذو ميزتين اثنتين هما : كونه رجل دولة حكيماً وإدارياً بارعاً ، يقول :

(( وكان محمد  رجل دولة حكيماً . ولم يكن هدف البناء الأساسي الذي نجده في القرآن الكريم سوى دعم التدابير السياسية الملموسة والمؤسسات الواقعية . ولقد ألححنا خلال هذا الكتاب غالباً على استراتيجية محمد السياسية البعيدة النظر وعلى إصلاحاته الاجتماعية . ولقد دل على بعد نظره في هذه المسائل الانتشار السريع الذي جعل من دولته الصغيرة إمبراطورية ، وتطبيق المؤسسات الاجتماعية على الظروف المجاورة واستمرارها خلال أكثر من ثلاثة عشر قرناً .

وكان محمد  رجل إدارة بارعاً . فكان ذا بصيرة رائعة في اختيار الرجال الذين يندبهم للمسائل الإدارية ، إذ لن يكون للمؤسسات المتينة والسياسة الحكيمة أثر إذا كان التطبيق خاطئاً متردداً . وكانت الدولة التي أسسها محمد ، أصبحت عند وفاته ، مؤسسة مزدهرة تستطيع الصمود في وجه الصدمة التي أحدثها غياب مؤسسها ، ثم إذا بها بعد فترة تتلاءم مع الوضع الجديد وتتسع بسرعة خارقة اتساعاً رائعاً )) .

القيادة والتشريع بين مكة والمدينة

هذا ، وكان للاختلاف بطبيعة واقع الحال بين مكة قبل الهجرة وفي المدينة بعدها ، أن ذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن محمداً  كان نبياً في مكة وقائداً سياسياً ومشرعاً ورجل دولة في المدينة ، وهذا ما دفع المستشرق الفرنسي بوازار إلى عرض هذه الفكرة ومناقشتها ، بقوله :

(( وكثيرا ما يذاع أن محمداً بين في المرحلة الأولى من دعوته أفكار الإسلام العقيديه الأساسية ، ثم بسط في زمن لاحق طرق العبادة و إقامة الشعائر ، والتشريع الاجتماعي والجزائي ، وجماع الشريعة القرآنية التي قام عليا الإسلام في أوائل عهده . وبعد أن كانت دعوته عربية بشكل أساسي في مكة ، غدت عالمية الطابع في المدينة . وقد أكد النقد التاريخي هذا التكهن بصورة جزئية على صعيد تسلسل الأحداث بمفهومه الدقيق غير أن المسلم يعلل الوقائع بشكل مغاير . فليس للتنزيل بالفعل في نظره مظهران ، مظهر ديني وآخر اجتماعي سياسي . بل هو يتمثله على العكس من ذلك كلا مقدماً بشكله الإجمالي. واعتمد الإسلام في أول أمره الأناة والإقناع ، وما كان للمرحلة التشريعية أن تتحقق إلا حين تكون جنين مجتمع تضامني ، وعليه يكون هذا المجتمع قد ظهر منطقياً في مرحلة تالية على مرحلة التبشير بالحياة الأخرى . وفي مكة بداً الإسلام بإعداد الأفراد - المسلمين الأوائل - الذين كانوا بحاجة ، وهم بعد أقلية مضطهدة ، إلى خلق لا إلى تشريع اجتماعي ما كانوا ليستطيعوا أن يطبقوه . وفيما بعد أقام الإسلام بالمدينة من الأفراد الذين سبق إعدادهم عن طريق الدين مجتمعاً قائماً على المساواة والتعاون و بادل المنافع ومزوداً نظم أوحى بها من الله أو مستلهمة من نور هدايته . ولا يقلل هذا التسلسل الزمني للأحداث الذي يرسم مسار ولادة المجتمع الإسلامي من طابع الدين الشمولي ، بل هو على العكس يعظم من شأنه )) .

وقد ناقش الباحث العربي الإسلامي عبد الرحمن عزام بعض آراء المستشرقين ، ممن رأوا في الرسول نبياً في مكة ، ورجل دولة في المدينة بقوله :

(( لو أن الذين يظنون هذا الظن كانوا بعيدي النظر لرأوا محمداً الواعظ في مكة ، هو محمداً الناسك في المدينة ، الذي تتورم قدماه من كثرة الوقوف بين يدي الله ، والذي يموت وهو رأس الدولة ، ودرعه مرهونة عند يهودي .

بل لرأوا محمداً الذي يشيعه العبيد والصبية والسوقة في الطائف بالسخرية والحجارة ويقيمونه إذا جلس من الإعياء فيدعو الله لهم بالهداية هو محمداً الذي يناول مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة يوم الفتح ويقول : اليوم يوم بر ووفاء .


لو أن هؤلاء الذين جعلوه نبياً في مكة ، ورجل دولة في المدينة لاحظوا كيف وضعت نواة الدولة في أيام المحنة ، لما حسبوها من غرس يثرب بل علموا أنها نتيجة محتومة للصراع العنيف ، الذي دام ثلاث عشرة سنة ، ونتاج للدعوة من وقت أن قال الله عز وجل :  فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين  .

فذات الرسول التي وقفت في وجه المشركين ثلاثة عشر عاماً بمكة لا تعجز ، ولا تهن ، ولا تيأس ، هي ذاته التي فاضت في المدينة على شؤون الدنيا فدلت على ما فيها من الحيوية والقوى التي جعلتها أهلاً للتغلب على كل معضلة في وقتها ومناسبتها . تلك القوى والصفات التي لم تجتمع لأحد قبله ولا بعده ، جعلته من أية ناحية نظرت إليه كاملا وأسوة حسنة ، بل من مجموع هذه القوى والصفات يبرز للناس رسول الله سواء كان في أيام الدعوة المجردة عن السلطة ، أم في أيام الدعوة المصحوبة بالرياسة الزمنية ، ذاتاً موفقة ناجحة ، انصرفت إلى الله بكليتها فجعلته أمامها ، ووضعت ما عداه وراءها ، هو في كلتا القريتين الناسك العابد ، الباكي بين يدي خالقه ، وهو فيهما الزاهد ، يعرض عليه أصحابه أن يوطئوا له فراشاً ، فيقول : « مالي وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح و تركها . .» لم يغره السلطان بشيء من المظاهر ، ولا خرج به عن التواضع والتياسر .

فأي تنافر يجد النقاد في حياة الرسول ، ليجعلوا من شخصه شخصين وهو يكافح في مكة ولا سلطان له ، ويجاهد في المدينة على رأس الدولة التي خلقها؟ لقد كان همه فيهما جمعياً إلى اللحظة الأخيرة ، نشر دينه ، وغايته بسط سيادة الإسلام على الشرك .

وأي تناقض يجد نقاده بين حياته في مكة ، وحياته في المدينة ، وهو في الأولى يتوسل بالصبر على الأذى والسخرية ، ويتقى بعرف الجاهلية الموت مع أنه لا يقر ذلك العرف ، ويسعى لهدمه ، ويرسل المؤمنين مهاجرين إلى الحبشة ، ويجادل على دينه ، ويدعو إليه ، ويخرج من كل كارثة برأي صائب ، ويعد لكل حالة تدبيرا محكماً . وفي الثانية يتخذ من نصرة أهلها تكأة ، فيعاهد اليهود والمشركين ، ويتقي الموت بدرع الدولة التي نظمها وينجو من ( الأحزاب ) بحسن الرأي ، ويغلب المصائب بموفق التدبير؟

ثلاث عشرة سنة قضاها في فم السد ، دون أن يستطيع الأسد أن يطبق عليه أنيابه ، وعشر سنين في المدينة يحاول فيها الأسد أن يمسك بالفريسة ، وفي هذه وتلك يبدي رسول الله من حسن الرأي ، وبارع السياسة والصبر ، وسعة الصدر والتدبير ما يوقع الأسد في شبكت الفريسة ، فإذا ما انتهى إلى النصر الحاسم المعجز ، وبهت الذين كفروا « قالوا : لو أنه لم يقم دولة ولم يقد جيشاً ، لكان النبي الخالص من الشوائب . . لو أن الذين يأخذون على محمد أنه لم يقتصر على حياة الوعظ ، وظنوا أن أكمل له أن يقف عند الجهر بالدعوة حتى يقتل ، ففكروا في مصير الدعوة نفسها ، لشاركونا في الإعجاب به مرشداً وواعظاً ، ومنظماً وفاتحاً )) .

الرسول ومجتمع الحرية والعدالة والمساواة

لقد أقام الرسول كقائد سياسي، مجتمع الحرية والمساواة ، بما ينسجم وروح الرسالة الإسلامية. . .

الرسول و مباديء الحرمة الفكرية

طبيعي أن تكون مباديء الحرية في المجتمع الإسلامي لا تنفصم عراها عن مباديء الحرية الدينية التي وقفنا عندها في بحث "محمد والقيادة الدينية " ، فالحرية الفكرية هنا هي حرية الاعتقاد أولاً ، ومن ثم الإيمان بحرية الإنسان ومحاربة العبودية . . .

ولقد رأى الباحث الأسباني العلامة سان اليار في مؤلفه : « تعاليم اللغة العربية » أن مباديء الحرية الفكرية التي دعا إليها الرسول محمد  تجاوزت أفكار الكثير من المفكرين والمصلحين ، بقوله :

(( إن أوضح مباديء الحرية الفكرية قد كشفت أمثال - لوثير وكالفين - وعاد الفضل فيها إلى رجل عربي من رجال القرن السابع ، ذلك هو صاحب شريعة الإسلام )) .


الحرية الإنسانية

وكان الإسلام دعوة لحرية الإنسان ، والقضاء على العبودية ، فأنزل الحرية الإنسانية أعلى عليين ، ولذا رأيناه عليه السلام يول عناية خاصة لتحرير الأرقاء ، عن طريق إلغاء مصادر الرق أولاً ، و تشجيع المؤمنين على تحرر عبيدهم ، انطلاقاً من قاعدة أن من أعتق عبداً أعتق الله له بكل عضو عضواً من أعضائه من عذاب النار .

وكان الرسول في مجتمعه الإسلامي إماماً في إقرار مبدأ تحرير العبيد ، حتى أن أسرى الحرب لم يعتبرهم عبيدا ، وسمح لهم بدفع الفدية أو تعليم أبناء المسلمين لفك إسارهم.

هذا ، وستكون لنا وقفة خاصة لدراسة الحرية في الرسالة الإسلامية .

الرسول وإقامة العدالة والمساواة

كان الرسول  كقائد سياسي ورجل حكم وإدارة بالغ الحرص على تطبيق المساواة على الجميع ، خاصة وقد وضع نفسه على قدم المساواة مع سائر المسلمين ، يقول مولانا محمد علي :

(( وفي إقامة العدالة كان الرسول منصفاً حتى التوسوس . كان المسلمون وغير المسلمين ، والأصدقاء والأعداء ، كلهم سواء في نظره . وحتى قبل أن يبعث إلى الناس كانت أمانته وتجرده واستقامته معروفة لدى الخاص والعام ، وكان الناس يرفعون منازعاتهم إليه حتى يحكم فيما . وفي المدينة رضي الوثنيون واليهود به حكماً في منازعاتهم كلها . وعلى الرغم من حقد اليهود العميق الجذور على الإسلام فإن الرسول حكم - عندما عرض عليه ذات مرة نزاع بين يهودي ومسلم - لليهودي بصرف النظر عن أن المسلم قد ينفر ، بذلك ، من الإسلام بل ربما بصرف النظر عن أن قبيلته كلها قد تنفر بذلك من الإسلام . ولا حاجة بنا إلى تبيان أهمية خسارة كهذه بالنسبة إلى الإسلام في أيام ضعفه ومحنته تلك ، فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان . و باختصار ، فقد كان تجسيداً للآية القرآنية التي تقول :  يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون  . ولقد نبه ابنته ، فاطمة ، إلى أن أعمالها وحدها سوف تشفع لها يوم القيامة . وقال أيضاً : « لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » . وفيما كان على فراش الاحتضار ، قبيل وفاته بقليل ، سأل كل من له عليه دين أن يتقاضاه ذلك الدين ، ولكل من أساء إليه ذات يوم أن يثأر لنفسه منه .

و في معاملاته مع الآخرين لم يكن يضع نفسه على مستوى أرفع من غيره البتة . كان يضع نفسه على قدم المساواة مع سائر الناس . وذات يوم ، وكان قد احتل في « المدينة » مقاماً أشبه بمقام الملك ، وفد عليه يهودي يقتضيه ديناً ما ، وخاطبه في جلافة وخشنونه قائلاً إن بني هاشم لا يردون أيما مال اقترضوه من شخص آخر . فثارت ثاثرة عمر لوقاحة اليهودي ، ولكن الرسول عنفه ذاهباً إلى أن الواجب كان يقتضي عمر أن ينصح كلاً من المدين والدائن : أن ينصح المدين - الرسول - برد الدين مع الشكر ، وأن ينصح الدائن بالمطالبة به بطريقة أليق . ثم دفع إلى اليهودي حقه وزيادة ، فتأثر هذا الأخير تأثراً عظيماً بروح العدل والإنصاف عند الرسول ، ودخل في الإسلام . وفي مناسبة أخرى وكان مع أصحابه في أجمة من الآجام ، حان وقت إعداد الطعام ، فمهد إلى كل امرىء في القيام بجانب من العمل ، وانصرف هو نفسه إلى جمع الوقود . لقد كان برغم سلطانه الروحي والزمني يؤدي قسطه من العمل مثل رجل عادي . وكان يراعي ، في معاملته خدمه ، مبدأ المساواة نفسه ، وقال أنس : " خدمت رسول الله  عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ، ولا لشيء تركته لم تركته . « ولم يبق أيما عبد على عبوديته . فما إن يؤل إليه عبد رقيق حتى يسارع إلى إعتاقه . وطوال حياته كلها لم يضرب قط خادماً أو امرأة »)) .


القائد السياسي والحاكم الإنسان

وفي ختام بحثنا هذا ، نقف عند نقطة أثيرت في أكثرة من مبحث وهي أن الرسول  الذي كان نبياً ومشرعاً وإدارياً وقائداً عسكرياً ، ظل إنساناً بسيطاً في حياته تتسم بسائر جوانبها بطابع البساطة والنبل ، يقول الباحث جيمس متشنر عارفاً جوانب من شخصية الرسول القائد السياسي والحاكم الإنسان :

(( أن محمداً هذا الرجل الملهم ، الذي أقام الإسلام ، ولد حوالي 570 ميلادية في قبيلة عربية تعبد الأصنام ، ولد يتيماً محباً للفقراء والمحتاجين والأرامل واليتامى والأرقاء والمستضعفين . وقد أحدث محمد بشخصيته الخارقة للعادة ثورة في شبه الجزيرة العربية وفى الشرق كله . فقد حطم الأصنام بيديه ، وأقام ديناً يدعو إلى الله وحده ، ورفع عن المرأة قيد العبودية التي فرضتها تقاليد الصحراء ، و نادى بالعدالة الاجتماعية وقد عرض عليه في آخر أيامه أن يكون حاكماً بأمره ، أو قديساً ، ولكنه أصر على أنه ليس إلا عبداً من عباد الله أرسله إلى العالم منذراً وبشيراً )) .


الفصل الرابع
محمد الداعية و القيادة الفكرية

أن الصفة القيادية للرسول بتعدد أشكالها تتجلى بتكامل تلك الشخصية فهو إلى جانب دوره الكبير الذي لعبه في إطار سيرته الحياتية كنبي وقائد سياسي وعسكري ومصلح اجتماعي كان يبرز دائماً كرجل فكر وداعية ، إلى جانب ما وهب من الخيال والنبوغ والبحث ، يقول المستشرق الإنكليزي المؤرخ داز (1812-1907 ) في كتابه « مع الشرق والغرب » :

((أن محمداً كان مجموعة من الخيال والنبوغ والبحث : كان محمد زراعياً وطبيباً وقانونياً وقائداً ، اقرأ ما جاء في أحاديثه تعرف صدق ما أقول )) .

أجل ، أن عودة إلى دراسة السنة النبوية وكتب الأحاديث والإطلاع على مواقفه المتعددة في السيرة الرشيدة لتوضح لنا أي رجل فكر كان . . وحسبنا علماً أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم .


الرسول  مفكراً

هذا، ولقد وقفنا في دراستنا السيرة الحياتية للرسول في أكثر من محطة ، لنشير إلى ميزة التفكير في حياته ، فقد عرفناه قبل البعثة ذلك الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة ويتفكر في أسرار الحياة والكون ، فكان أن تكشفت له الحقائق معرية زيف الوثنية قبل أن ينزل عليه الوحي ، بل استطاع بعميق تفكيره أن يقترب من الحقائق الأزلية ، وأصبح مهيأ لأن يكون نبياً بعد نضجه الفكري . . فطبيعي أن من سيكون قائداً لأمة بعد إعادة خلقها من جديد ، أن يكون عبقرياً في فكره ونابغة في منهجه . . .

وكانت الجوانب الفكرية للرسول تعتبر الركيزة الأولى لعبقريته وعظمته ، بل وضعها المستشرق مونتجمري وات في مقامة معالم تلك العبقرية الخالدة ، وتميزت بكونها تجمع الحدس إلى التفكير العميق الذي يحلل الواقع ويستشرف آفاق المستقبل ، يقول . وات في كتابه : « محمد في المدينة » :

(( لقد أوتي الرسول موهبة خاصة على رؤية المستقبل فكان للعالم العربي بفضله ، أو بفضل الوحي الذي نزل عليه حسب رأي المسلمين ، أساس فكري ( إيديولوجي ) حلت به الصعوبات الاجتماعية ، وكان تكوين هذا الأساس الفكري يتطلب في الوقت نفسه حدساً ينظر في الأسباب الأساسية للاضطراب الاجتماعي في ذلك العصر ، والعبقرية الضرورية للتعبير عن هذا الحدس في صورة تستطيع إثارة العرب حتى أعمق كيانهم )) .

وإذا كانت جوانب دراسة القيادة الفكرية عند الرسول أكثر من أن نستطيع حصرها فسنقف عند نقطة هامة في شخصيته كرجل فكر داعية ، ألا وهى فصاحته عليه السلام وبلاغته ...


رجل فكر و عمل

وإذا كان الرسول رجل فكر كان في الوقت نفسه رجل عمل .. فلم يقف البتة عند حدود التفكير فقط ، بل انتقل إلى ميدان النضال في سبيل دعم النظرية بالتطبيق ، والتأكيد على وحدة فكرة الفكر والعمل ...

فالرسالة الإسلامية هي دعوة يحتاج الجاهر بها إلى النضال في سبيل نشر التعاليم ، إلى قوة الإقناع الفكري وصلابة النضال العملي توسلاً لبلوغ الغايات المرجوة . . . يقول الباحث الأسوجي المستشرق السير ماكس سايكس (1876-1927) :

((إن محمداً قد استطاع بعبقريته الفذة والتعليمات الواسعة المعنى أن يجمع التفكير إلى العمل ، فكانت مملكته من هذا العالم كان نبياً ثاقب الفكر وكان مشرعاً ، وكان حاكماً بين الناس )) .


الداعية واكتساب الأنصار

لقد نشأت رسالة الإسلام ، في جو معاد، و تطلبت روحاً كفاحية عالية ، ولهجة داعية حارة تكسب القلوب في المرحلة الأولى لنشر الدعوة الإسلامية ، تحدث إتيين دينيه في كتابه : " محمد رسول الله " ، عن الرسول الداعية الذي يكسب الأنصار بصدق لهجته وعمق نظرته ، يقول :

((وكانت لهجة الداعي إليه ، تلك اللهجة التي تسمو فوق حدود الإنسانية ، وكانت نظرته التي يشع منها الضياء، تخرجهم من الظلمات إلى النور، فيسرعون إلى اعتناق الإسلام بين يديه )) .

فصاحة الرسول وبلاغته

إذا كان حامل الرسالة يحتاج فيما يحتاجه ليؤديها بنجاح إلى الشعوب والأمم ، وليؤلف بها القلوب ، إلى الفصاحة في اللسان ، والبلاغة في القلوب ، والقوة في البيان ، فقد عرف عن النبي محمد  أنه صاحب أسلوب رفيع ، ولسان فصيح ، فهو إمام البلغاء وسيد الفصحاء ، بأسلوبه السهل الممتنع المعجز ، وبجوامع كلمه الخالدة ، ومنطقه السليم ، وعباراته المشرقة .

ويتحدث دينيه عن قوة المعاني وسحر بيان الرسول  ، بقوله :

(( وكانت المعاني تتدفق غزيرة من ألفاظه الموجزة ، التي تعبر عن مراده خير التعبير . أما سحر بيانه فكان شيئا الهياً، يغزو القلوب ويأسر اللب ولا يقوى أحد على مقاومته )) .


أفصح من نطق بالضاد

ومن جانبهم ، أدرك المستشرقون المهتمون بقضايا اللغة ، ما تمتلكه العربية من ميزات تنفرد بها دون سائر اللغات ، وعن فصاحة الرسول وإعجازه ... يقول المستشرق الفرنسي بوستل غليوم (1581-1654 ) الذي اهتم بالعربية وأبجديتها :

(( اللغة العربية أفصح اللغات آداباً . وهى لغة أمة على رأسها محمد النبي العربي، وهو أفصح من نطق بالضاد ، ولقد جاء بأفصح ما يمكن في خلال كلماته المأثورة عنه ،
لذلك نحترمه و نحترم لغته )) .

ويتابع المستشرق الفرنسي برتلمي هربلو ( 1625-1695) في مؤلفه "المكتبة الثرية " فكرة مواطنه ، عن البلاغة العربية وفصاحة الرسول ، بقوله :

((إن اللغة العربية لهى أعظيم اللغات آداباً ، وأكثرها بلاغة وفصاحة ، وهي لغة الضاد ، ولقد تغنى محمد نبي الإسلام بما يدل على شرف هذه اللغة بقوله : " أنا أفصح من نطق بالضاد " وصحيح عنه ذلك لأن كلماته المأثورة تدل عليه )) .


خلود العربية و عظمة الرسول
وكان الرسول  قد أتقن العربية في بنى سعد وقومها بلغة قريش وأحاط بلهجات القبائل العربية ، إذ بقى أثره عميقاً في لغتنا هذه ، التي بلغت معارج الخلود ، يقول الأستاذ الباحث اللبناني حنا خير الله ، في احتفال بذكرى المولد النبوي :

(( يكفى النبي العربي عظمة أنه خلد اللغة العربية وقدمها ، وأوجب على جميع أتباع دينه تعلمها إلى أن قال :

إننا نعظم ذكر من خلد لأمتنا أعظيم مجد وأشرف تاريخ وأسمى منزلة ، وحفظ لغتنا مقدمة إلى أبد الدهر ، لنبرهن على أننا نكرم محمداً - النبي العربي ، ونحتفل .بذكرى مولده المبارك ، إننا نقدر محمداً وأعمال محمد وعظمة محمد وغاية محمد )) .

وكان لفصاحة الرسول وبلاغته أن جعلت منه - إلى جانب ما تحلى به من مزايا أخرى - أعظم القادة والمصلحين الدينيين ، يقول صموئيل زويمر :

(( إن نبي الإسلام كان ولا شك من أعظم القواد الدينيين ويصدق عليه القول أيضاً إنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجندياً مغواراً )) .

ويقول الفيلسوف الفرنسي رنيه ديكارت (1597 - 1650 ) في كتابه مقالة "في المنهاج" معرباً عن إعجابه ببلاغة العربية وفصاحة الرسول وإعجاز القران :

(( نحن والمسلمون في هذه الحياة ، ولكنهم يعملون بالرسالتين العيسوية والمحمدية، ونحن لا نعمل بالثانية ، ولو أنصفنا لكنا معهم جنباً إلى جنب ، لأن رسالتهم فيها ما يتلاءم مع كل زمان ، وصاحب شريعتهم محمد ، الذي عجز العرب عن مباراة قرآنه وفصاحته ، بل لم يأت التاريخ برجل هو أفصح منه لساناً ، وأبلغ منطقاً ، وأعظم منه خلقاً، وذلك دليل على ما يتمتع به نبي المسلمين من الصفات الحميدة التي أهلته لأن يكون نبياً في آخر حلقات الأنبياء ، ولان يعتنق دينه مئات الملايين من البشر » .

بلاغة المنطق و سداد الرأي
ويتحدث المستشرق الفرنسي سيلفستير ساسي ( 1758 - 1838 ) في كتابه "الحياة" عن محمد الرسول المفكر ، وصاحب الآراء السديدة النيرة ، و المبادىء الخيرة ، الذي عرف عنه :
((أنه بليغ في منطقه ، رشيد في رأيه ، نشيط في دعوته )) .

الفصل الخامس
محمد و القيادة العسكرية

العبقرية و الفداء

من خلال الدراسة التي استعرضنا فيها سيرة رسول الله ، عبر المواقف الاستشراقية ، ركزنا على نقاط هامة ، في حياة الرسول ، الشجاعة والصبر والثبات على العقيدة ، سواء تعلق الأمر بمواجهة مشركي قريش في مكة ، عند بدء الدعوة واضطهاد المسلمين الأوائل ، أو في العمل العظيم الذي اضطلع به وهو انتقاله من مكة إلى يثرب التي غدت المدينة ، فيما عرف بالهجرة التي عدها المستشرق الروماني ك . جيورجيو أعظم عمل فدائي قام به محمد  في سبيل الإسلام حين انفصم عن قبيلته فداء " لعقيدته " أو في القيادة العسكرية السياسية التي خاضها طوال مدة إقامته في المدينة ، فكان أن صارع قوى المشركين طوال عشرة أعوام صراعاً توج بانتشار الإسلام في ربوع جزيرة العرب . .


القائد العسكري اللامع والمشرع العظيم

وجدير بالذكر أن الرسول ، قبل أن يصدع بالرسالة لم يكن بالرجل المحارب بل شهر بالوداعة والهدوء، لكنه غدا القائد العسكري اللامع والمشرع العظيم حين عمل على نشر الدين الإسلامي ، يقول المستشرق القس دافيد بنجامين كلداني ، الذي اعتنق الإسلام وتسمى بـ عبد الأحد داود_ يقول في كتابه : « محمد في الكتاب المقدس » :

(( وقبل أن يرسل الله محمداً بالدعوة إلى الإسلام وإزالة الوثنية ، الأمر الذي حققه بنجاح ، كان أهدأً وأصدق رجل في مكة . ولم يكن بالمحارب أو المشرع ، ولكن بعد أن تحمل رسالة النبوة ،أصبح أفصح المتكلمين وأشجع العرب ، وكان يحارب الكفار وسيفه في يده ، ليس لمصلحته الشخصية ، ولكن من أجل مجد الله ، وقضية دينه ، وهو الإسلام وقد عرض الله عليه مفاتيح كنوز الأرض ، ولكنه رفضها ، وعندما توفي كان فقيرا )) .



العبقرية العسكرية في وضع الخطط

لقد ظهرت عبقرية الرسول العسكرية في أخطر المعارك وأشدها هولاً ، أولاً معركة بدر ، حيث رتب قوى المسلمين بشكل مثلث ، وكان بوضع مكنه من جعل كل جندي مسلم أن يستقبل بمفرده العدو من غير استدبار حسب رأي جيورجيو( ) ، فحاز بفضل تلك العبقرية مع إيمان المسلمين العميق راية النصر ، وكانت بالتالي هزيمة جيش يفوق عدده ثلاثة أضعاف الجيش الإسلامي .

كما برزت عبقرية الرسول العسكرية في موقعة أحد، حين درس طبيعة الموقع العسكري ، وتنبه لمكمن الخطر، فكان أن وضع خطة مدروسة في تشكيل الصفوف المتكاملة المتراصة ، حتى لا يمكن للخصم أن يشق الصفوف ، مما مكن جيش المسلمين من مواجهة جيش العدو الذي يفوقه عددياً بأربعة أضعاف ، وكانت بشائر النصر مواكبة للمسلمين لولا الخطأ الذي ارتكبه النبالة مخالفو أوامر الرسول طمعاً في الغنام ..


النبوغ الفكري في استنباط الخطط و تنفيذها

كذلك برزت عبقرية الرسول العسكرية حين تبنى مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق في معركة الأحزاب ، هذه الخطة التي أثارت إعجاب الباحثين العسكريين في الشرق والغرب ، فالنبوغ العسكري _برأي جيورجيو_ ليس في استنباط الخطط وحسب ، بل في تنفيذها أيضاً ( ) . . .

ولا يغرب عن البال كيف برزت شخصية القائد العسكري للرسول في أحلك الظروف وخاصة في معركة حنين ، حين تمكن من تحويل الهزيمة إلى نصر ، ولقد حلل الباحث العسكري محمود الدرة ، هذه الواقعة بقوله :

(( ليس في حياة قادة الجيوش مواقف عصيبة وخطرة كموقفهم من هزيمة جيوشهم في ميدان المعركة، وقلائل في التاريخ هم الذين استطاعوا بفضل شخصياتهم وعزائمهم وقف تيار الهزيمة في جنودهم والحيلولة دون وقوع الكارثة والخسران . والنادر فيهم من حول الهزيمة إلى نصر . أما محمد القائد وقد تحدثنا عن موقفه في معركة أحد وتحويله تيار المعركة من هزيمة منكرة إلى انسحاب ناجح نراه في هذا الموقف في أوج عظمته ومجده العسكري الخالد ، ولا نغالي إذا قلنا إنه بز من كان قبله في هذا المضمار ولم يشاركه في مجده هذا أحد قبله ، حيث لم يستسلم للأمر الواقع ولم تخذله نفسه كما خذلت قبله ، حيث لم يستسلم للأمر الواقع و لم تخذله نفسه كما خذلت اثني عشر ألفاً من جنده نفوسهم )) .

شخصية الرسول و تحويل الهزيمة إلى نصر

ويتفق جيورجيو مع محمود الدرة بالرأي حول الدور الذي لعبته شخصية الرسول ، في تحويل الهزيمة إلى نصر، والفرار إلى ثبات ، فتجمع فانتصار، بقوله :

((وقد كانت صلابة محمد  وجلادته سبباً في توقف المحاربين عن هربهم .. فكان أن انتهت معركة حنين بنصر المسلمين )) .

أعظم القادة الدينيين

ويتحدث المستشرق الكندي الدكتور زويمر ( 13 18 - 1900 ) في كتابه : "الشرق وعاداته" عن جماع صفات الرسول ، التي من أرزها القيادة والجرأة إلى جانب كونه رجل فكر وإصلاح ، يقول :

(( أن محمداً كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينين ، ويصدق عليه القول أيضاً انه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً ، ومفكراً عظيماً ، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات ، وهذا قرآنه الذي عمر صدره ، تاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء )) .

الدروس العسكرية المستقاة من حروب الرسول

هذا ، ولقد استخلص الباحث العسكري محمود الدرة ، في كتابه معارك العرب الكبرى ، الدروس العسكرية في حروب الرسول  التي نضعها بنقاط محددة :

1. في تأليف وتنظيم الجيوش ، فكان الرسول  أول من عبأ معباً كاملاً في هذه الحرب الدفاعية لحماية الدعوة الإسلامية . .

2. في أسلوب القتال : وضع الخطط العسكرية المناسبة واستخدامه طبيعة أرض المعركة .

3. وضع مباديء جديدة للحرب ، منها أولاً المباغتة ، إذ يتحرك بكتمان وسرية وحذر ، ويستخدم أسلوب التورية . . وثانياً الاستطلاع وترصد حركة الخصوم . . وثالثا المقدرة على الحركة ، فقد أثبت جيش المسلمين قدرته على السير مسافات بعيدة بسرعة فائقة مع الصبر على شظف العيش ، واحتمال قسوة الطبيعة والمناخ . . .

4. التوفيق بين السياسة والحرب ، وذلك بعقده العهود والمحالفات مع القبائل العربية والاهتمام بالجبهة الداخلية ، لئلا يؤخذ المسلمون على حين غرة ، ولم يكن الرسول يكتفي بالنصر العسكري بل يسعى دائماً إلى تحقيق نصر سياسي في كسب الخصوم والأعداء . . .

5. استخدام سلاح الدعاية ، وخلق ما يسمى بالرتل أو الطابور الخامس في قلب الأعداء ، ولنذكر كلمة الرسول  في وصف هذا السلاح حين قال : "نصرت بالرعب مسيرة شهر " ، كما يؤكد خطورة أسلوب الدعاية تمهيداً لتحقيق النصر العسكري في ميادين القتال ، وإلى جانب الحرب الدعائية استخدام الرسول أيضاً ، الخدعة والتمويه ، وهو القائل "الحرب خدعة" ، وكذلك حرب الأعصاب لبلبلة صفوف الأعداء وإدخال الوهن في عزائم المحاربين )) .

هذا ، وإن المعارك العديدة التي خاضها الرسول بنفسه خلال عشرة أعوام والتي بلغت تسع عشرة غزوة ، وكذلك السرايا التي أنفذها ، قد أثبتت مكانته العسكرية ومزاياه القيادية حتى تمكن من تحقيق النصر العظيم ، ففي السنة التاسعة للهجرة كان محمد  حسب تقرير جيورجيو : « قد فتح الجزيرة العربية كلها ، وغدا الجميع مسلمين أو إلى جانب المسلمين ، وقد انتشر الإسلام من السنة الأول للهجرة إلى السنة العاشرة بمساحة قدرها 822 ألف كم2 تقريباً )) .

أن الإنجاز العظيم الذي حققه الرسول كقائد عسكري ومشرع ومناضل لمحو الوثنية من جزيرة العرب ، بله النصر العظيم الذي حققه في نشر الإسلام بسائر أرجاء الجزيرة العربية لم يكن سوى جانب واحد من جوانب عبقريته العسكرية ، إذ وضع كذلك أساس مجابهة الدولة البيزنطية ، حين قام بحملته العسكرية الأخيرة التي عرفت باسم غزوة تبوك ، وكان من نتائج ثمارها أن عقد الكثير من الأمراء العرب المسيحيين المتحالفين مع الدولة البيزنطية ، معاهدات معه " على عدم المهاجمة والحرب والوقوف على الحياد " . . . وليس هذا فقط بل صمم عملياً على غزو سورية وعقد لواء القيادة لأسامة بن زيد تنفيذاً لهذا الهدف قبل أن يلقى ربه بقليل .

يقول الباحث العسكري محمود الدرة :
(( وهذا جيش أسامة بن زيد الذي أمر محمد  بتكوينه كان آخر عمل يقوم به في هذا السبيل _تقرير حرية الدعوة للعقيدة وتحرر العالم من عبودية الطغاة المستبدين _ ولم تنسه حتى سكرات الموت الأمر بإنفاذه والدعاء لقائده بالنصر لتحرير العرب من حكم المتعبدين ليخطوا بعد ذلك خطواتهم الحاسمة لتحطيم قوى الشر والعبودية التي كانت تخيم على العالم المعروف )) .