Register

عزيزى الزائر اذا كانت هذه زيارتك الاولى فيسعدنا تسجيلك معنا بالضغط على الزر اعلاه .

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 8 من 11






الموضوع: غرينكا بيكاسو

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    1,741
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    22

    غرينكا بيكاسو

    محاضرة حول لوحة " غرينكا " تقديم الأستاذ محمد اليانقي
    إعداد وتقديم محمد بن جماعة

    عندما وُجّهت إلي الدعوة يوم 03 أفريل 2009 لحضور نشاط جمعية أحبّاء الفنون الجميلة بصفاقس، تحرّكت في داخلي ذكريات عديدة منها آخر معرض شخصي كنت قد أقمته برواق الفنون الجميلة بدار الجلولي سنة 1994 .. وهبّت نسائم تحمل روائح الألوان الزيتية وأنواع الأصباغ التي ما زلت أحتفظ بها إلى الآن.. وفي الطّريق اشتدّ تعلّقي بمحتوى المحاضرة من قبل أن أستمع إليها بحكم معرفتي السابقة بقيمة الأعمال الفنية للمحاضر ومن رافقه ممّن سيقدّمه للمدعوّين.. إذ سبق وأن اشتركنا في عرض لوحات فنّية بنفس الزمان والمكان خلال المعرض السنوي للفنّ التشكيلي الثاني والثالث سنتي 1988 و 1989 بمدينة صفاقس.. وتبقى علاقتي بهؤلاء علاقة التلميذ بالأستاذ.. فمن هؤلاء تعلّمنا واقتبسنا وأنجزنا..
    وصلت إلى" برج القلال" وهو مكان مُحدث أُضيف لاستيعاب بعض الأنشطة الثقافية المختلفة التي تزخر بها مدينة صفاقس - كسائر المدن التونسية شمالا وجنوبا شرقا وغربا- "برج القلال"، تحفة معمارية من حيث البناء والإنجاز قد نعرّف به في سياق آخر..
    عدد لا بأس به من المولعين بالفنون الجميلة .. شارك بالحضور وكانت البداية مع أستاذ الفنون الجميلة رشيد الفخفاخ الذي عرّف بالأستاذ المحاضر محمد اليانقي.
    من هو محمد اليانقي؟
    فنان صادق متفاني في عمله، خطاط متقن بشهادة شيخ الخطاطين التونسيين المرحوم محمد صالح الخماسي، خزاف ممحّص لكلّ الخفايا، مختص في فنّ طلاء الخزف، تخرّج من مدرسة الفنون الجميلة بتونس بشهادة الفنون التشكيلية ، ثم انتقل إلى أسبانيا، رفقة الرسام الهاشمي الجمل والرسام رضا بن عرب. أقام معرضا للفخّار والخزفيات بسيدي بسعيد بتونس.. ثم تحصّل على شهادة الدراسات المعمقة من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس ثم ببرشلونة تحصّل على شهادة الدراسات العليا المتخصصة بمدرسة الفنون الجميلة ثم شهادة في الدراسات الأسبانية من كلية الآداب بنفس المدينة.. وشارك في عديد المعارض في أوربا وأسبانيا.. يُحتفظ له بعديد القطع الفنية من إنجازه بمتاحف برشلونة ومدريد، كما اقتنت بعض أعماله عديد المؤسسات التونسية والأجنبية.


    وهذا أهمّ ما جاء في محاضرة الأستاذ محمد اليانقي:
    " – هل أنت من قام بهذا العمل؟
    - لا بل أنتم... "
    دار هذا الحوار المقتضب المشحون بالإشارات بين ضابط ألماني دخل زائرا لجناح الجمهورية الأسبانية بمعرض باريس الدولي سنة 1937 وبيكاسو كان واقفا بجانب لوحته غرنيكا( تعرض لأول مرّة ) قال بيكاسو هذا الكلام مستفزا الضابط الألماني ومتهما النظام النازي في شخص هذا الضابط، حيث في هذه السنة بالذات وقبل أيام قليلة .. شهر ونيف أو شهرين قصفت كتيبة الصقور التابعة للطيران الألماني بلدة غرنيكا بشمال أسبانيا وذلك إبان الحرب الأهلية التي طحنت البلاد الأسبانية ومزقت أوصالها وقضت على الحجر والبشر لما احتدم الخلاف وطغت الأنانية وحبّ السيطرة بين ما يعرف بالقومين أو اليمينيين الحافظين وعلى رأسهم الجنرال فرانكو والجمهوريين الساريين الذين كانوا يدافعون على بقاء النظام الجمهوري الذي إليه استفتاء شعبي سنة 1931 والمعروف أم أسبانيا ظل نظانها ملوكيا منذ سقوط غرناطة العالمية وانتصار الملوك الكاثوليك فرناندو وإيزابيل على أبي عبد الله آخر ملوك بني نصر وذلك سنة 1492. رأت أسبانيا ولادة أول نظام جمهوري بها في أواخر القرن 19 ولم يعمر طويلا وفي سنة 1931 ظهرت ثاني جمهورية بهذ البلاد إلا أن أصحاب المصالح من طبقة أرستقراطية وجيش ورجال كنيسة ومحافظين بصفة عامة رأوا أن بقاء مصالحهم يكمن في الرجوع إلى النظام الملكي الطبقي لما يوفره لهم من امتيازات ونفوذ ولذلك.. ثار هؤلاء ضد الجمهورية الوليدة ووأدوها وهي ما تزال في السنين الأولى من عمرها.
    اندلعت حرب أهلية ضروس بين هذين الشقين من الأسبان سنة 1936 ودامت ثلاث سنوات كانت الغلبة في الأخير للجمهوريين بفضل الجيش النظامي الذي كان فرانكو أحد قادته وأصبح رئيس دولة في مملكة بدون ملك طيلة أربعة عقود عاشت فيها أسبانيا كل ضروب العنف والقمع والتعسف والاستبداد. كبف لا وكان فرانكو أحد عناصر الثالوث الجهنمي الذي يجمعه مع هتلر وموسليني..
    من هذا المنطلق هرعت الطائرات النازية تمهيدا لدخولها في الحرب العالمية الثانية هرعت لضرب مدينة غرنيكا المناهضة لفرانكو وكان ذلك يوم 26 أفريل 1937 فدمرت المدينة وأتت على الأخضر واليابس وقضت على أكثر من ثلثي سكانها كانت حادثة مروعة اهتز لها ضمير العالم الحي وتعاطفت معها الأقلام النبيلة ونشرت الصحف الصور والمقالات صورا سيطر عليها الظلام والسواد والدمار من أثر الحرائق والدخان والركام سواد حجب حتى دماء الضحايا وسدّ سبل الضّوء.. فجاءت غرنيكا اللّوحة معبرة عما عانته غرنيكا المدينة من ألم وهلع وموت وجرراح أصابت الإنسان والحيوان على حدّ سواء فبدا أوصال البشر متقطعة وأشلاؤها متناثرة والنسوة فيها فارات من هول الفاجعة أو قدمت يد المساعدة لمن غطته الأنقاذ والتهمت أجسامهم ألسنة اللهيب..
    كان بيكاسو مقيما في باريس التي استقر بها منذ بداية القرن العشرين وكان في نفس الوقت مديرا لمتحف البرادو في مدريد منصب أعطته إياه الجمهورية المحتضرة.. التي لفظت أنفاسها الأخيرة بانتصار الفرانكوية عليها.
    انتصر هؤلاء الفاشيون في الحرب لكن بقي في نفوس مواطنيهم نقمة وكراهية دفينة لم تنجل إلا بموت فرانكو ورجوع الديمقراطية على يد الملك الحالي خوان كارلوس.
    وفيي هذا الصدد أتذكّر جملة قالها " ميقال دونا مونو " رئيس جامعة سالمنكا العريقة وأستاذ كرسيي بجامعة مدريد في ذلك الوقت قال في درس افتتاحي لسنة جامعية موجها كلامه للحاضرين: ستنتصرون لكن لن تقنعوا البتة.
    انتصر اليمين المتطرف على الجمهوريين ودام الحكم لفرانكو قرابة الأربعين سنة ثم آل للملك خوان كارلوس فتغيرت الأوضاع ورجع الوفاق.
    مرت إذن أسبانيا بكل هذه التحولات وبقيت لوحة غارنيكا رمزا لآثار الحرب وصرخة مدوية في وجه الممارسات اللا إنسانية منددة بكل معاني العنف والوحشية التي تقصف بالإنسان في كل زمان ومكان لوحة رغم انطلاقها من محلية الواقعة إلا أنها وبفضل عبقرية صاحبها ظلت وستظل رجع صدى لكل الحروب في كل الأزمنة والأماكن ملوّحة بشبح الحرب التي تترصّد بالبشرية من حين لآخر موقظة أصحاب الضمائر الحية حتى ينجر العالم أو أي جزء منه إلى مخاطر الحرب .. التي لا تبقي ولا تذر...
    بعد عرض اللوحة سنة 1937 بباريس تحوّلت اللوحة بيم عدة بلدان أوروبية لتستقر لفترة في متحف الفن الحديث بنيويورك امتدت إلى أواخر 1981 إلى أن حلّت بصفة نهائية بمتحف الملكة صوفيا في 28 أكتوبر 1981 احتفالا بالذكرى المائوية لميلاد بيكاسو..
    وأكد بيكاسو في وصيته على أن لا تدخل لوحته إلى أسبانيا إلا بعد تغير نظام الحكم بزوال دكتاتورية فرانكو ورجوع الديمقراطية لبلاده.. مات بيكاسو سنة 1973 ولم تدخ اللوحة إلا بعد ست سنوات وكان موت فرانكو سنة 1976 شاءت الظروف أن أشهد هذين الحدثين الذين عاشهما الشعب الأسباني بكل ابتهاج موت فرانكو يوم 20 نوفمبر 1976 كيف لا وقد مثل هذه اللوحة للشعب الأباني تحديدا ولبقية الشعوب عموما رمزا قويا من رموز المقاومة والسعي لتحقيق الديمقراطية وشرخا عميقا في ذاكرته. تذكر من عاش الحرب بأهوالها وتستحضر لمن ولد بعدها صفحة من صفحات نضال بلاده وتاريخها فتحيله غلى ما يشبهها أيام غزو فرنسا لأسبانيا في بداية القرن 19 {....}
    غادرت لوحة غرنيكا نيويورك لكن بقيت منها نسخة في حجمها الطبيعي ( 3أمتار فاصل 51 صم على 7 أمتار فاصل 82 صم ) مازالت معلقة ببهو منظمة الأمم المتحدة ومن الطريف أنه عندما كانت حرب العراق تنذر بالاندلاع فكر دعاة السلام في حجب لوحة غرنيكا وراء الستار يمنعها من الظهور حتى لا يطفو شبح الحرب من جديد ويلحق بالبشرية ما ألحق بها في السابق {....}
    سنة 1987 قصفت طارات من نوع آخر مدينة غرنيكا طائرات قصفتها بالزهور والورود تهاطلت على المدينة المنكوبة فبدلت رائحة البارود والنار بعبق الزهور واستعاضت غيم الغبار والدخان بألق الألوان وبريق الأنوار ومسحت دموع أبناء المدينة وجراحهم ببتلات ندية وأوراق غضة علّها تجتث بذور الشر وتزرع محلّها نبتات الأمل والحياة..
    لوحة غرنيكا كبيرة في حجمها ونبيلة في مضمونها ورائعة في سيرتها التشكيلية تركت الأثر الكبير في الذائقة الفنية العالمية وأرست مفهوما من الفن بعيدا عن مجرد الزينة والتزويق مفهوما يؤمن برسالة الفن من حيث أنه قضية من القضايا التي تكرس لخدمة البشرية ونبذ أسباب الصراع ودوائر الاقتتال الذي سكن النفس البشرية منذ قابيل وهابيل.
    غرنيكا لوحة لها تاريخ، تاريخ من المفهو الاجتماعي والسياسي والإنساني وتاريخ من مفهوم الفن التشكيلي... اختزل بيكاسو تجاربه الفنية السابقة {... } " إليسات أفينيون " باكورة الفن التكعيبي (1907) ومرورا بتجارب أخرى لاحقة بها أثر من مشاهدة مصارعة الثيران التي كان بيكاسو من هواتها.. بها أثر كذلك من لوحة " الثالث من ماي " لفرانسيسكو قويا ونرى كذلك في صورة الرجل الرافع يديه طلبا للنجدة او تحديا لألسنة اللهيب وتحديا لجنود نابليون الذين هم على أهبة إطلاق النار عليه وإعدامه فيها أثر للمرأة الحاملة للعلم الفرنسي" الحرية تقود الشعب "..{..}
    لوحة غرنيكا رغم كل ذلك تبقى" بيكاسية " التلوّن والأسلوب بلا منازع، ليست لوحة تاريخية ولا روبورتاجا عسكريا ولا سردا لحكاية ما هي عمل فني بكل ما في الكلمة من معاني إبداع انطلاقا من حادثة عرضية معينة من بين آلاف الحوادث التي تشاهدها أو تفوقها قسوة ووحشية إلا أن صاحبها أراد أن يجعل منها رمزا وصرخة مندّدة بكل الصّراع الإنساني البشع ومظاهر اللاإنسانية التي تدفع الإنسان ذاته للاقتتال والتناحر في المطلق.. ولذلك تبقى غرنيكا رائعة من روائع الفن التشكيلي في القرن العشرين عموما وفن التصوير أو التدهين رغم ان هذا الضرب من الفنون يقوم أساسا على استعمال اللون كعنصر تشكيلي ليضفي على اللوحة خصوصيتها إلا أن غرنيكا تربّعت على عرش التدهين بتقابل الحضور الكلي في اللون الأبيض والغياب الكلي في اللون الأسود بين النور والظلام بين الموت والحياة.
    مميزات لوحة غرنيكا كثيرة لوحة جمعت بين الإنسان والحيوان، الحصان الذي يتلوى ألما وقد اخترق جسده حراب وسيوف ففارت فيها الجروح وفارت منها الدماء، والثور الثائر الذي أدار رأسه بقوة إلى الوراء من شدّة الذعر ولوحشية المشاهد تحت نحره احتمت تلك المرأة الثكلى وقد أمسكت برضيعها الذي مات في التّوّ وهو مازال في الأشهر الأولى من عمره وقد كان منذ لحظة يرضع ثدي أمّه إلا أن الموت لم يرحمه ففارق مصدر الحياة وتدلى رأسه وكأنه سينفصل عن جسده كما تنفصل الثمرة عن غصنها كل العيون تدحرجت عن أماكنها وسالت أشلاؤها دما وزاغت أبصارها إلا عيني هذا الرضيع فقد بدتا بيضاوين لا حركة فيهما ولا صورة فيلم ترتسم بعد أي صورة من صور الحياة وهو ما يزال غير واع بها ... تحت حوافر الحصان تناثرت أشلاء أحد المقاتلين وقد قطعت رأسه وذراعاه أحدهم ما زال يمسك بسيف مكسور وبجانب هذا السيف انبثقت زهرة تبحث عن أمل مرغوب فيه يمسك بالحياة ...
    من خلال نافذة في الأعلى من اللوحة امرأة تهب مسرعة إلا أن صدرها شدّ إلى إطار النافذة بمسامير نفذت إلى لحمها فلم تجد بدّا إلا أن تمدّ ذراعها طويلا لتبلغ وسط المشهد وقد أمسكت بيدها مصباحا بدّد الظلام لينكشف المشهد وتتضح الرّؤيا المرأة هنا وهناك هب التي تنير السبيل...
    امرأة أخرى نصف عارية فرّت من هول ما رأت.. فرّت لتنقذ وتغيث إلا أن قوّتها خانتها وثقلت ركبتها.. فكادت تسقط على على الأرض..
    في أقصى اليمين امرأة رابعة غطت الأنقاض جلّ جسدها وأحاطت بها ألسنة اللهيب من كلّ جهة فلا أسفل جسدها قادر على مواجهة ثقل ما وقع ولا على إبعاد اللهيب وخطر الحريق فلا هي مستسلمة للقدر المحتوم ولا قادرة على التصصدّي لشبح الاختناق والاحتراق تصلّبت دراعاها وتشنجت رقبتها وعلا صوتها طلبا للاستغاثة فهل من مغيث..
    خر حيّ كان في هذه اللوحة وقد بدا في صراع مع الموت هو ذلك الطائر الجريح الذي سقط على طاولة تفصل بين رأس الثور ورأس الحصان وقع هذا الطائر جريحا وقد اخترق سده الضئيل شفرة قاطعة تخطف الأبصار لشدة بريقها مما يجعله يرفع عنقه عاليا ويفتح منقاره على مصراعيه علّه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ويطلق نشيدا البجع على منصة الاستشهاد لعلّه يسجّل آخر صرخة يدين بها هذه الحرب ويحمل الإنسان أفعاله الوحشية ضدّ بني جنسه وضدّ بني الحيوان..
    ورغم ضآلة هذا العنصر من الجانب الشكلاني اختزل بيكاسو بهذا الطائر كل جوانب الصراع والاقتتال غير المتكافئ بين جلاد طاغية سلط سلاحه الفتاك ضد ضحية بريئة ضعيفة سالمة .. فاختلت الموازين وانعدم التكافؤ وانهارت القيم غاب هذا العنصر في ظلمة الدخان وسواد المكان إلا العين الراصدة للمشهد من عل.. سلّطت أشعتها القوية ومدّت اجفانها الحادة ففضحت الجريمة وأدانتها فبدت الشفرة في تضاد كبير، تضاد من حيث الحجم وتضاد من حيث القيم الضوئية وغير الضوئية وتضاد من حيث نعومة جسم الطائر وصلابة شكل اداة الجريمة وقسوة هيئتها، وقد زاد الأمر أشمل تسجيلا للحقيقة ذلك الفانوس الذي حلّ محل بؤبؤ العين فأضاء وفضح وأدان.
    قصفت المدينة يوم سوقها الأسبوعي فزرعت الطائرات الموت والدّمار وحولت ساحاتها إلى مقبرة جماعية تناثرت فيها الأشلاء وتكدّست فيها الضحايا وسادت الفوضى وانعدم النظام.. انعدم النظام على أرض المدينة فاستعيد على أرضية اللوحة، ليتماسك بناؤها ويتوازن تكوينها خضعت اللوحة إلى نظام معقلن محكم جاء كردّ فعل لفقدان العقلانية خارجها فللعمل اللفني قانونه ونواميسه مهما غابت هذه القوانين والنواميس على العالم في لحظات الجنون والتصرف الأحمق....
    يقوم تكوين اللوحة على نظام رصين وبناء محكم بعضه يرجع إلى مبادئ تنظيم الفضاء التشكيلي الذي كان سائدا في عصر النهضة وما بعده والمجسم لذهنية الفكر المسيحي فيما يعرف بالتثليث... إلا أن بيكاسو لم يكن بوازع ديني مسيحي بقدر ما كانت تتضمنه هذه التركيبة من تماسك للبناء ومتانة للتكوين خاصة وأن هذا الوضع الهرمي يتساوق مع فكرة القصف الصادرة عن نقطة علوية في الفضاء وما يخلفه من انتشار للضحايا في رقعة متسعة على الأرض وهكذا يتبلور شكل المثلث وتلتقي نقاطه الثلاث في شكل هرميي سبّبه النار والدمار تكدّست جل العناصر التشكيلية في هذا الهرم في حين بقي بعضها خارج هذا الإطار ليشكل كتلتين متناظرتين تضمن للوحة مزيدا من التوازن...
    وانقسمت اللوحة إلى أربع سجلات متجاورة متقايسة العرض يحمل كل منها عنصرا من عناصر اللوحة إلى جانب جزء ما من عنصر آخر يقدم بدور الربط والتماسك بين السجلات المتجاورة ويقيها التمزق والانفصال وأن هذا النوع من التوزيع قديم عرفناه في الفن الفرعوني منذ آلاف السنين...
    هكذا جاءت اللوحة على نقيض مصدر الاستلهام فيها على غاية من الترابط والتماسك والتوازن وقد تجلّت فيها أنماط من التنظيم جمعت بين حضارة الشرق والغرب على مختلف العصور فتجذرت أصولها وبرز فيها الحضور الإنساني عبر حضارته المتعددة ورؤاه المختلفة ومع ذلك تبقى اللوحة مفعمة بروح الحداثة والمعاصرة لا لأنها عالجت قضية حدثت في زمن معين ليس بقديم وفي مكان محدد ليس ببعيد ولكن لأنها لوحة تحدّت حدود الزمن تخطّت ضوابط المكان واستحضرت أساليب شتى لم تزدها إلا ثراء وتكاملا دون أن تحنطها رؤية ما أو تنحاز إلى شق دون آخر سوى انخراطها إلى جانب الحق والعدل والحرية...
    وفي الأخير لا يفوتني التعريج على قضية اللون أو بالأحرى غياب اللون فغرنيكا لوحة زيتية غاب فيها اللون أحد العناصر الأساسية في الرسم الزيتي غاب اللون وحضرت القيم الضوئية حضورا قويا تجاور فيها الداكن مع الفاتح وتعددت بينهما الدرجات فكانت هذه الرماديات بمثابة غياب الحياة في الألوان، حيث بقيت جثتها هامدة على أرض الواقعية أو تكاد احتدّ التناغم بين الدرجات الضوئية فحضر الضوء بحضور الأبيض وغاب فخلّف ظلاما حالكا وبتواجد هذين المتضادين إشارة إلى متناقضات أخرى تناقضات تقابل فيها الموت والحياة ودوي القصف باحتباس الأنفاس ونور الحق بظلمة الظلم ومع كلّ هذا الصمت تبقى غرنيكا أقوى وأبقى صرخة ضدّ الحرب وقد عبّر عن ذلك بيكاسو أحسن تعبير فقد فتحت كل عناصر اللوحة بشرا وحيوانات وبانت ألسنتها.. كحراب مسنونة إلا فم الرضيع فقد بقي مغلقا وعيناه مفتوحتان ولعلّ هذه الصرخة الصّامتة هبي أبلغ أثر وأقوى وقعا من أي صرخة في وادي لا يأبه بها أحد فإن صداها سيبقى يتردد إلى الأبد.

    جمع وتقديم محمد بن جماعة

    لوحة غرنيكا
    [
    [IMG][/IMG]


    الأستاذ محمد اليانقي يحاضر حول غرنيكا


    الأستاذ رشيد الفخفاخ يعرف بالأستاذ المحاضر


       معلومات الموضوع / المقال - المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    العنوان غرينكا بيكاسو
    الكاتب / الكاتبة محمد حسن بن جماعة
    رابط المقال غرينكا بيكاسو
    المصدر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    حقوق هذا الموضوع / المقال محفوظة مالم يكن الموضوع منقولاً إلى منتديات المعهد العربي
    تفرشُ الأحجارُ دربي :::: وأنا بالرّغـــمِ أمشـي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الأردن
    المشاركات
    17,725
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    104

    رد: غرينكا بيكاسو

    الظروف الي بتحاصر اللوحة مثيره للاهتمام
    موضوع بقدم معلومه ومطروح بشكل رائع
    يسلمو محمد

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الدولة
    Jordan
    المشاركات
    13,060
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    82

    رد: غرينكا بيكاسو

    [align=center]برغم الآلم والموت الذي تحمله اللوحة إلا ان لها جمالية خاصة معبرة ورافضة للموت والحرب

    محمد بن جماعة

    كل الشكر والتقدير لما قدمته عن اللوحة وللفنان محمد اليانقي

    تقديري [/align]
    [align=center]
    اجمع براعم الورد
    ما دمت قادرا على ذلك

    مدونتي

    http://sahar.blogsland.net[/align]

  4. #4
    الصورة الرمزية المصطفى الدقاري
    المصطفى الدقاري غير متصل
    اشـــراف عــام، (مُحكم)
    رئيس تحرير المنتقى
    ناقد وباحث في المناهج
    تفضل بزيارة منتداي
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    الدولة
    ..........
    المشاركات
    21,477
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    128

    رد: غرينكا بيكاسو

    أخي محمد
    وتبقى كرنيكا جوهرة بلاد الباسك الأبي الباسل، في كل الإقليم سواء الشمالي أو الجنوبي يحتفي بالمدينة ويذكر بالمجزرة، وبفضل بيكاسو ستبقى كرنيكا خالدة خلود الفن.
    لك جميل التحايا.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الدولة
    الجمهورية التونسية - مدينة صفاقس
    المشاركات
    6,826
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    46

    رد: غرينكا بيكاسو

    بسم الله الرحمن الرحيم
    * فائق التقدير لجهد فنان مرهف يدرك تماما قيمة العمل الفني المعبر عن بعد إنساني يتجاوز ملابسات الراهن .
    * إضافة وإضاءة أكدتا غنى الفن التشكليلي وقدرته على اختزان أدق المعاني.

  6. #6
    الصورة الرمزية ولاّدة
    ولاّدة غير متصل
    اشراف عام على البراعم
    مــامــا ولاّدة
    كــــاتبــة
    تفضل بزيارة منتداي
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    الدولة
    بين حرف يرقص و اخر يبكي
    المشاركات
    7,215
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    49

    رد: غرينكا بيكاسو

    سيدي الفاضل ...

    ما شدني في كل ما كتبت... هو فعلك الذي قمت به ...

    عرفت بهذه اللوحة القيّمة ... ثم قمت بالتعريف بالفنان التشكيلي التونسي محمد اليانقي...

    سيدى انت كبير ... و تكبر في عيني باستمرار ....

    اشتاق حروفك .... تتربع على عرش الروح ... فتنعشنى ...

    و تجعل مني جارة للملائكة ....

    لك كل ودي ....

    ولاّدة
    عيوننا اليك ترحل كل يوم

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    1,741
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    22

    رد: غرينكا بيكاسو

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ميران مشاهدة المشاركة
    الظروف الي بتحاصر اللوحة مثيره للاهتمام
    موضوع بقدم معلومه ومطروح بشكل رائع
    يسلمو محمد
    شكرا ميران.. أنت تتذوّقين جيّدا المواضيع الفنّية..دامت صحّتك ودام اهتمامك بعالم الإبداع والفنّ.. تحيّاتي
    تفرشُ الأحجارُ دربي :::: وأنا بالرّغـــمِ أمشـي

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    1,741
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    22

    رد: غرينكا بيكاسو

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة RedRose مشاهدة المشاركة
    [align=center]برغم الآلم والموت الذي تحمله اللوحة إلا ان لها جمالية خاصة معبرة ورافضة للموت والحرب

    محمد بن جماعة

    كل الشكر والتقدير لما قدمته عن اللوحة وللفنان محمد اليانقي

    تقديري [/align]
    الألم والعذاب وربما انتشار الموت أحيانا يسبّب حساسيّة خلاّقة في مجالات إبداعية شتّى.. رسما ونحتا.. شعرا ونثرا .. موسيقى وسينما أو مسرحا.. إنشادا أو كلاما.. الكلّ يصبّ في توق الإنسان إلى السّعادة والسّلام ورفضه الحرب والقتل والتشريد...

    تحياتي
    تفرشُ الأحجارُ دربي :::: وأنا بالرّغـــمِ أمشـي


صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 06:52 PM







Powered by vBulletin™ Version 4.2.0
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.