Register

عزيزى الزائر اذا كانت هذه زيارتك الاولى فيسعدنا تسجيلك معنا بالضغط على الزر اعلاه .

النتائج 1 إلى 4 من 4






  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    قفصة / تونس
    المشاركات
    1,528
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    21

    ابراهيم درغوثي : كتاباتي / حوارات - شهادات - دراسات نقدية



    ابراهيم درغوثي


    كتاباتي
    حوارات ، دراسات نقدية وشهادات


    حوار أجراه معي الكاتب و الصحفي الفلسطيني
    مصطفى مراد وجماعة من كتاب المنتدى الالكتروتي
    " من المحيط للخليج "
    سنة : 2006

    مصطفى مراد :
    العزيز ابراهيم
    أربع مجموعات قصصية وست روايات...
    هل تعتبر نفسك ـ بهذه الكتب العشرة المطبوعة ـ كاتبا نشيطا أم مقلاًّ؟
    الإجابة:
    أولا / شكري الكبير للعزيز مصطفى مراد الذي شرفني بهذه المحاورة .
    ثانيا / سعادتي كبيرة بأن أكون ضيفا على كل هؤلاء الأحبة من المحيط للخليج
    وأتمنى أن يكون العزيز صالح السوسي في الموعد .
    الواقع لديَّ أربع مجموعات قصصية وست روايات ، هو المنشور فقط من أعمالي الإبداعية .
    لأن لدي قصصا وروايات ونصوصا أخرى غير منشورة ، منها المكتمل مثل مجموعتي القصصية : منازل الكلام التي ستصدر في هذه السنة. ومنها الذي هو في طور الإنجاز كالأجزاء المتبقية من ثلاثية عن مناجم الفسفاط في قفصة ، أنجزت جزءها الأول : وراء السراب ... قليلا وهو منشور ، وأنا الآن منهمك في كتابة بقية النص .
    أنا مهتم أيضا بالترجمة من الفرنسية وخاصة للنصوص الصينية . وقد انتهيت من تعريب كتاب كامل فيه عدد كبير من القصص الصينية الحديثة والأمثولات القديمة ( des fables ) وفيه أيضا قصائد عديدة من الشعر الصيني الرائق .
    وبما أن الترجمة من اللغة الصينية مباشرة في باب شبه المستحيل إلا في القليل النادر ، فقد استعملت اللغة الفرنسية – وهي غنيمة حرب كما عبر عن ذلك أحد الكتاب الجزائريين – لترجمة النص الصيني .
    ولئن كانت الترجمة من الأصل خيانة ، فما بالك بالترجمة عن نص مترجم فإن ما يشفع لي هو محاولة الاقتراب من روح الإبداع لعلي أصل إلى تحقيق المستحيل .
    كما أنني بصدد التفكير في كتابة عمل عن هارون الرشيد وأبنائه . أحضرت له الوثائق وقرأت من أجله الكثير من الموسوعات العربية التاريخية القديمة وتجهزت له كما يجب وهو في طور الإنجاز .
    إن عشر أعمال أدبية منشورة في القصة والرواية في تونس يعتبر من الإنجازات الخارقة . فعلى مدى أكثر من خمسين سنة من الاستقلال إلى اليوم عدد الكتاب التوانسة الذين وصلوا إلى مثل عدد هذه الأعمال المطبوعة قليل جدا . لا يتجاوز خمس كتاب على أقصى تقدير .
    ثم المهم ليس في عدد الكتب المطبوعة فقط. فقد تكتب العشرات من الروايات والقصص ولا يلفت أحد إلى تجربتك لأنها لا تستفز المتلقي .
    وقد تصنع رواية واحدة مجد الكاتب .
    بالنسبة لي ، لقد لفتت نصوصي القراء في تونس وفي بقية أقطار الوطن العربي .
    كما أن عددا من هذه النصوص كتبت عنها دراسات من طرف أهم نقاد الأدب في تونس وفي دول عربية كثيرة . ( هناك خمس كتب مطبوعة في النقد عن رواياتي وقصصي القصيرة وعشرات الدراسات الأخرى المنشورة في الجرائد والمجلات ) .
    ولدي روايات تدرس في الجامعات التونسية والجزائرية وحضيت بدراسات في الشهادات العليا .
    هل في هذا كفاية ؟
    أبدا ، فما يدور في خاطري من أعمال أدبية كثير وكثير حتى أن عمرا واحد لا يكفي لإنجازه .
    ولكن ما حيلتنا والموت يتربص بنا في كل ركن من أركان هذه الحياة التي نعيشها ضيوفا عن القدر .

    مصطفى مراد
    ألاحظ ـ مما قرأته لك في المنتدى ـ انك تكتب القصة القصيرة جدا، والقصة القصيرة (المعروفة) التي تجنح عندك بالذات للطول. في ايهما تجد نفسك أكثر
    الإجابة :
    كتبت القصة القصيرة في حجمها الكلاسيكي المتعارف علية – من ثلاث حتى أكثر من عشر صفحات – وكتبت أيضا القصة القصيرة جدا – من بضعة أسطر إلى أقل من صفحة واحدة –
    في أبهما أجد نفسي أكثر ؟
    في بعض الحالات القصة القصيرة العادية لا تكفي لإنجاز مشروع إبداعي فنلتجئ إلى الرواية . كذا هو الشأن بالنسبة لي عند كتابة القصة القصيرة ، فبعض التيمات تكتفي بنص قصصي قصير جدا مكثف حد الجنون ، و البعض الآخر يطلب امتدادا أكبر .
    في هذه الأيام صرت أميل إلى القصة القصيرة جدا لأنني من خلالها أجد فسحة للتعبير عما أريد قوله بأيسر السبل .
    ففي بعض أسطر أبلغ رسالتي وأذهب مع الريح .
    ولكن المهم هو عدم استسهال هذه الكتابة لأنها تتطلب حضورا قويا للبديهة و تركيزا كبيرا في اختيار مواد الإنجاز حتى أنه في بعض المرات تكفي كلمة واحدة زائدة لإفساد معنى النص .
    وهل كل نص قصير هو قصة قصيرة جدا ؟

    مصطفى مراد :
    طيب.. نبدأ من جوابك الثاني الذي فاجأني..
    كيف يكون الإبداع في تونس، بلد أبي القاسم الشابي على هذا الوضع من الركود؟
    فيما هو في المغرب مثلا، مزدهر جدا؟
    الإجابة
    الأدب في تونس في هذه الأيام على أحسن ما يكون الحال مقارنة بما كان عليه حتى سبعينات القرن الماضي .
    فكثيرة هي المجموعات الشعرية والقصصية والروايات التي تطبع كل سنة .
    أيضا هناك صحوة في النقد الأدبي المواكب لهذه الحركة .
    لكن كل ما في الأمر أن الكاتب التونسي لا يمكنه أن يطبع كتبه كلها لأن دور النشر خاصة. وليست لنا في تونس حاليا دار نشر حكومية واحدة. لذلك يصعب على الأديب في أغلب الأحيان نشر إنتاجه على حسابه الخاص ، فيكتفي بإصدار واحد أو اثنين ثم يصاب بالسكته الإبداعية ، خاصة والحالة كما تعرف في تعاطي الإنسان العربي مع الكتاب – لا أستثني من ذلك المثقفين – وتبقى وزارة الثقافة في تونس هي الشاري الوحيد تقريبا للكتاب
    في غياب القارئ الجيد والمتابع الحقيقي لما ينشر في الساحة الأدبية

    مصطفى مراد :
    يقولون إن الترجمة ـ وخاصة للشعر ـ هي خيانة للنص، هل تحس بذلك كمترجم، خاصة وانك تترجم عن لغة وسيطة، كما نفهم؟ وما هي أهم المشاكل التي تواجهك عند الترجمة؟
    الإجابة :
    الترجمة خيانة ليست للنص الشعري فقط وإنما لكل الأجناس. فمن المستحيل على المترجم أن ينقل النص كما هو لعدة اعتبارات لعل أهما الحالة النفسية لمبدع هذا النص وتكوينه الثقافي والعلمي ومعتقداته الإيديولوجية .
    كما أن الأمر يختلف في التعاطي مع الإبداع في الثقافات التي لا تنتمي لحضارتنا. وهنا لا أقصد الحضارة العربية الإسلامية فقط وإنما كل حضارات الشرق الأوسط والبحر المتوسط. فالاختلافات في إنتاج الإبداع وفي تقبله تظل بسيطة مقارنة مع ثقافة الهنود الحمر أو الأفارقة جنوب الصحراء أو سكان بولينيزيا مثلا. وهنا أنا لا أدخل في عملية مفاضلة وإنما أعتبر أن النصوص الأولى يمكن للمترجم أن يتعامل معها بسهولة أكبر عند نقلها إلى اللغة العربية وإن يظل الإبداع الجميل قابلا لحسن التقبل عند الجميع – وهذا ما يحصل معي على الأقل –
    أما عن أهم المشاكل التي تواجهني عند الترجمة فهي صعوبة نقل أحاسيس شخصيات العمل الإبداعي لأن اللغة تظل قاصرة في بعض الأحيان على نقل التعبير الوجداني الموجود في النص الأصلي. فيبدو لك في بعض الأحيان أن النص الجديد ما هو إلا صورة باهتة مقارنة بالنص الأصلي. لذلك تظل تعيد الكرة مرة ومرات وتختار الكلمات وتبحث عن المعاني التي قد تصنع نضارة ورونق نصك أنت.
    نصك الجديد المولود من رحم النص الآخر.

    مصطفى مراد :
    الترجمة أنواع، منها الحرفي، ومنها ترجمة روح النص؟ ومنها الترجمة بتصرف (التعريب، مع الحذف والاضافة والتعديل). اي الترجمات تختار؟ ولماذا؟ وهل تعتبر انه يحق للمترجم ان يتصرف في النص الأصلي؟
    الإجابة :
    لئن حافظت الترجمة الحرفية لأي نص من النصوص على المعنى الإجمالي المقصود من صاحب الأثر بأمانة كبيرة فإنني شخصيا لا أحبذ التعامل معها لأنها تبدو لي متخشبة ، بعيدة عن السلاسة والعذوبة ، محترمة لشكل ومضمون الأثر ولكن داخل كفن ميت . في جملة واحدة ، تبدو لي مثل هذه الترجمة بلا روح ولا حياة .
    النوع الثاني من الترجمة أي ترجمة روح النص والتصرف فيه تبدو أيضا مبتورة لأنها لا تفي بكل الحاجة لأنها لا محالة ستهمل ركنا من أركان العمل وستتجاوز على ما قد لا يروق لذائقة المترجم وتخون النص خيانة بائنة .
    أما التعريب بالإضافة والتنقيص والتصرف في النص على هوى المترجم فيبدو أيضا خارجا على سياق الترجمة الحقيقية لأن الترجمة أمانة قبل كل شيء ومتى خنا هذه الأمانة التي هي أساس العقد بيننا وبين القراء فإن كل شيء يصبح جائزا للمترجم الذي قد يتلاعب بالنص على هواه ويقول كاتبه ما لم يقصد . وتكون الضحية هنا مزدوجة صاحب النص والقارئ الذي لا يعرف الأثر في لغته الأصلية .
    وأنا ماذا أختار من بين كل هذه الأنواع ؟
    شخصيا أحاول المواءمة بينها جميعا أي لا أختار مدرسة بعينها لأصبح عبدا لشروطها وإنما أضع النص أمامي وأختار له الطريقة المثلى للتعامل معه. فما يصلح لترجمة نص قصصي قد لا يلائم نصا شعريا. وما يبدو رائعا عند ترجمة إبداع من اللغة الصينية ولو من وراء لغة وسيطة كالفرنسية مثلا قد لا يصلح لنقل نص عربي إلى الفرنسية.
    أختار الترجمة الذوقية أي أنني أتشهى الكلمات التي أصنع منها نصي الجديد في عملية شبيهة بالوحام حتى يلد النص قريبا من الكمال دون تشوهات قد لا تجعله قابلا للحياة .

    مصطفى مراد :
    نبقى في موضوع الترجمة:
    بما انك مطلع على اداب من لغات اخرى (الصينية والفرنسية)، فكيف ترى مستوى الاعمال الادبية العربية، شعرا ونثرا، قياسا بتلك الاداب؟
    الإجابة :
    من خلال اللغة الفرنسية مباشرة ، أو من خلال ما قرأته مترجما من آداب العالم بواسطة اللغة الفرنسية بما في ذلك آداب الشرق كالتركية والفارسية والهندية والصينية واليابانية وأدب إفريقيا السوداء وأمريكا اللاتينية ، أعتقد جازما أن الأدب العربي الحديث يمر في هذه الفترة بأزهى أيامه ذلك أن الآداب العربية تتوفر على ميزة قل أن نجدها عند الشعوب الأخرى وهي الامتداد الجغرافي الشاسع للوطن العربي . ومن هنا تصبح لأدب كل موطن من مواطن العرب نكهته الخاصة ، كذلك الأمر بالنسبة للعامل التاريخي وارتباطات الدول العربية في العصر الحديث بالدول المستعمرة وبآدابها . فالأدب في المغرب العربي المرتبط أساسا بالنص الفرنكوفوني له نكهته وشروط كتابته و طرائق سرده وفنياته التي تختلف إن كثيرا أو قليلا من النص الأنجلوفوني السائد أساسا في الشرق العربي بما في ذلك دول الخليج .
    كما أن للسرد العربي القديم سطوته على المبدع العربي الذي تخلص من هيمنة طرائق السرد الفنية الغربية ليستثمر التراث العربي – ألف ليلة وليلة والطرائف العربية والحكايات الشعبية والأساطير والنكت وحتى المقامات – ليحاكيها ويكتب من خلالها النص العربي الحداثي المختلف مع السائد الوافد من الغرب وليصنع فرادة الأدب العربي ، حتى لا يقال عنا : " هذه بضاعتنا ردت إلينا " .
    لكل هذا أرى أن الأدب العربي الحديث من حقه أن يتبوأ المكانة التي تليق به بين آداب العالم الحديثة .
    ولكن العائق الهام الذي يمنع ذلك هو أننا لم نقدم أدبنا إلى شعوب العالم الأخرى لأن الماسكين بزمام الأمور يعتبرون الأدب والثقافة من آخر مشاغلهم فلا يلتفتون لما يعني شأن العرب في العالم ويقدمنا كأمة ذات حضارة وأدب رفيعين كالترجمة مثلا ، ولا يقدرون علماءنا وأدباءنا وإنما يعلون من شأن مطرب غنائي مخنث أو فنانة تتقن تدوير الردفين والتلاعب بالنهدين ، ويضعون لاعب كرة قدم جاهل جهول في أعلى المراتب ويحولنه إلى نجم ساطع تتخاطف صوره المعجبات والمعجبين.
    ونهمل من يستحق هذه الإشادة والتشجيع .
    لذلك أهملنا التاريخ .
    وقد تسمع لو ناديت حيا ...
    مصطفى مراد :
    ما هي افضل الاعمال التي قمت بترجمتها الى العربية؟
    الإجابة :
    الترجمة بالنسبة لي هي هواية أولا وهواية أخيرا ، التجئ إليها عندما أحس بفراغ ذاتي وأدبي ، أي أنني في بعض الأحيان لا أقدر على الكتابة الإبداعية في القصة والرواية لاعتبارات نفسية مثلا .
    وبما أنني معتاد على الحركة ولا أحبذ السكون فإنني أملأ هذه الفترة بمشاغل ومن بين هذه المشاغل الترجمة .
    ولكنني لا أترجم في العادة إلا النص التي يهزني وأحس كأنني صاحبه الذي كتبه ، من ذلك مثلا النصوص الصينية في القصة والشعر والحكاية . وهي في الحقيقة من قادني إلى دنيا الترجمة .
    ومن بين ما ترجمت :
    * أشعار من الأدب الصيني الحديث .
    * قصص صينية حديثة .
    * حكايات من الأدب الصيني : Fables chinoises
    * كما ترجمت من العربية إلى الفرنسية ديوان شعر للإماراتي : حارب الظاهري بعنوان " شمس شفتيك " .
    * فخور أيضا بما أترجم الآن من نصوص شعرية وقصصية وخواطر للأحبة في منتدى " من المحيط للخليج ".
    * وأنا الآن بصدد ترجمة ديوان شعر من العربية إلى الفرنسية للفلسطيني : منير مزيد بعنوان " صور في الذاكرة "
    هذا الديوان سيصدر في شهر أفريل القادم بخمس لغات .
    ولكن الترجمة ستظل هامشا يكمل حياتي الأدبية لأنني قبل كل شيء كاتب قصصي وروائي . ولكنها هامش جميل يقدم الإضافة لمشروعي الإبداعي
    .
    المولدي فروح :
    هل يعتقد مثلي الأستاذ ابراهيم ان الادب التونسي يحمل وجهين مختلفين بل متنافرين:
    ــ الوجه الاول للادب الرسمي ، ذلك الادب الذي ينشر عادة في المجلات و الصحف الحكومية او المدعومة من الحكومة و يحظى اصحابه برتبة سفير للادب التونسي في الخارج فنراهم ينقلون الى الاخر( مشرقا و مغربا) صورة ما للادب التونسي و من سوء حظ هذا الاخير ان هؤلاء السفراء يتم اختيارهم بحسب درجة ولائهم و تساهم المجلات الحكومية التي تنشر ادبهم في التعريف بهم ( مجلة الفكر سابقا و مجلة الحياة الثقافية الخ ) كما تساهم وسائل الاعلام و كلها حكومية الى النفخ في هذا الشكل من الادب ليبدو نتيجة لذلك هزيلا مقارنة بالادب العربي.
    ــ الوجه الثاني و اقصد الادب المغاير او الادب المعارض ان صح القول و ان لم اقل اكثر. هذا الادب الذي اختار اصحابه ان يحرموا وسائل الاعلام منه ( عن خطا او صواب ) لا يمكنه عبور الحدود فاصحابه مغضوب عنهم و مرفوضون من قنوات الاتصال . فهل ترى يا صديقي ابراهيم ان لهذا الراي اجابة اخرى ام انك توافقني ..و لم اذكر امثلة على رايي
    الإجابة :
    لهذا الرأي وجهان للحديث :
    الأول ، وحسب ظني ، فيه نسبة كبيرة من الصواب . فمن يذهب لتمثيل الأدب التونسي في بعثات وزارة الثقافة – على قلتها – يحضون بقبول في الوزارة يعطيهم فرصة تأثيث الأيام الثقافية التي تقام خارج حدود الوطن وهم في العادة أدباء مكرسون، قد يقع الاختلاف في تقدير إنتاجهم الأدبي حسب الموقع الذي ينظر منه لهذا الأدب .
    الثاني ، وهو يخص الأدب الآخر ، المغاير للسائد ، فمشكلته كبيرة ليست في حدود تونس فقط وإنما على امتداد الوطن العربي من الماء إلى الماء .
    لأن التضييق على الحريات العامة لا تختص به دولة عربية دون أخرى وإنما هو دستور يتفق عليه الجميع . وضمن هذا الدستور عدم السماح للكتابات عن الدين والجنس والسياسة من اختيار حدود العرب . فتتم المصادرة في المطارات ومعارض الكتاب وفي الصحافة وغيرها من وسائل الاتصال المكتوبة والمرئية .
    وكم سمعنا عن روايات صادرتها الرقابة بعد أن تدخل مواطن / مجموعة من المواطنين لهم اتجاه ديني معين للتحريض عليها
    فالأدب في بلدان العرب لا يعاني من السلطة السياسية فقط – وهي معاناة كبيرة – وإنما أيضا من سلطة أخرى قوية جدا ظهرت في السنوات الأخيرة وهي سلطة الشارع المسيس دوغمائيا والذي يسهل فيه التحريض على النص الذي لا يوافق ذائقتهم في الحياة .


    المولدي فروح :
    تدرك يا صديقي ابراهيم ان المرحوم نزار قباني عرف من اين تدخل الكلمة الى الذوات و نجح في طرق المواضيع النسوية بجراة ساعدته على النتشار...و يقال ان ابراهيم درغوثي نجح في اقتحام عوالم ظلت الى حين مغلقة و امامها حجاب عدة بينهم الدين و الاخلاق و العادات...انت و في عديد من النصوص تجرات على قول الحقيقة كما هي : اسوق مثالا من وراء السراب قليلا حيث قلت : امد....و ابول عليهم ...و غير ذلك من الكلام الجريء...فهل فعلته عن وعي ام بغاية الاستفزاز؟ ام من اجل سلطنة على القاريء...و هل عرفت انت ايضا من اين تدخل الكلنة الى النفوس؟
    الإجابة
    أظن أنك تقصد الكتابة في الممنوعات وهي كثيرة في دنيا العرب . فإن كان ذلك قصدك فهو صحيح لأنني حاولت في أغلب نصوصي الاقتراب من هذا الممنوع . فكتبت في الجنس حد الفضح وفي السياسة حد المصادرة وفي الدين حد الاقتراب من الكفر البين .
    فقد صدرت روايتي " القيامة ... الآن " بمقولة لدوستويفسكي هي : لئن اتبعت الشيطان يا رب ، فإني أظل ابنك لأني أحبك ، ولأن في نفسي سبيلا إلى الفرح الذي لولاه ما وجد الكون " .
    لماذا كل هذا الجنون ؟ لأنني أظن أن العرب والمسلمين في حاجة إلى إعادة قراءة تراثهم بما في ذلك الدين والمنظومة الأخلاقية السائدة منذ ما سمي بالعصر الجاهلي . فالعرب يعيشون في الألفية الثالثة بعد ميلاد عيسى بن مريم ولكن بعقلية لا تختلف كثيرا عن عقلية القرن الأول للهجرة . هم يعيشون المدنية في الظاهر ولكنهم في الحقيقة يحملون التخلف بكل أشكاله في بواطنهم .
    لذلك يصبح من واجب الأدباء والكتاب والمثقفين بصورة عامة خلخلة هذه التصورات البائدة عن الحياة والموت أيضا والدخول فيما سمي بالممنوعات كل بطريقته الخاصة وعدم الخوف من العواقب التي قد تنجر عن ذلك .
    قد يبدو الأمر صعبا خاصة في هذه السنوات التي سيطر فيها الفكر الديني الرافض للحوار . ولكن علينا أن نبدأ .
    لأن الأمر لم يختلف كثيرا في أوروبا حين تحرك فلاسفة الأنوار لزحزحة الفكر الكنسي من العقول فدفعوا أرواحهم للوصول إلى ما تنعم به أوروبا اليوم من حرية في الفكر والمعتقد .

    صالح سوسي
    تعقيبا على إجابتك في ما يتعلق بالنشر في تونس
    ألا ترى أن النشر على الحساب الخاص أساء للمدونة الأدبية التونسية أكثر مما افادها ؟
    بمعنى ألم يفتح النشر على الحساب الخاص الباب أمام أشباه الكتاب و أشباه الأشباه حتى يمطرونا بسخافاتهم و عدائهم الأزلي مع اللغة ؟
    و في نفس السياق ألا ترى أن وزارة الثقافة تساهم بشكل أو بآخر في تشجيع عديد الإصدارات السخيفة باقتنائها لها ؟ ألا يجدر بوزارة الإشراف أن تضع مقاييس لشراءاتها ؟
    الإجابة:
    1 – من زمن بعيد ناديت بتأسيس دار نشر حكومية تابعة لوزارة الثقافة أو لهيئة وطنية ثقافية أخرى كمجلس وطني للثقافة مثلا يكون مسؤولا عما ينشر من إبداع أدبي في تونس ولا يجيز للنشر إلا النصوص التي تستحق الحياة كما كان الحال في السابق .
    فوزارة الثقافة في تونس كانت لديها دار نشر حكومية هي : الدار التونسية للنشر ودار ثانية بالاشتراك مع ليبيا هي : الدار العربية للكتاب .
    الأولى وقعت تصفيتها ولم يعد لها وجود بدعوى عدم المردودية أي أنها أفلست . والثانية نقصت إصداراتها بنسبة تسعين في المائة .
    وإن كانت الدار الثانية لا تعنيني لأنها مربوطة بأهواء السياسة فإن الثانية تعنينا كلنا في تونس
    أي أن وزارة الثقافة مطالبة اليوم بأن يكون لها مؤسسة للنشر تدعمها بالمال الذي يقدم لدور النشر الخاصة ويذهب في جيوب أصحاب هذه الدور دون أن ينتفع به الكاتب من قريب أو بعيد . وعلى العكس من ذلك فإن هذه الدور كما تفضلت بالقول تساهم في سيادة الرداءة على المشهد الثقافي والأدبي في تونس لأنها لا تملك لجنة لقراءة الإبداع الذي تنشره وكل هم أصحابها أن يطبعوا الكتب كما هي ويقبضوا مقابلا لما ينشرون .
    صالح السوسي
    في بعض نصوصك استحضار لشخصيات تعيش معها يوميّا ، تسكن نصك كما تسكن قريتك أو حييّك أقصد ابناء المناجم مثلا ، هل ترى أنك تكتب نصا واقعيّا ؟ ثمّ ما مدى المسافة الفاصلة بين المتخيّل و الواقعي في نصك السردي ؟
    الإجابة
    كتتمة للسؤال الأول أساند ما جاء في كلامك عن دعم الوزارة للرداءة . فحين صار كل من هب ودب يطبع كتبا بدعوى أنها قصة أو رواية أو شعر بدون حسيب أو رقيب وهو متأكد من أن الوزارة ستقتني منه نسخا تسمح له بتسديد ما دفع للناشر الخاص امتلأت السوق بالغث وطغت هذه الإصدارات التافهة على النصوص الجيدة وزاحمتها كما تزاحم الأعشاب الطفيلية الأعشاب النافعة للحياة .
    والغريب في الأمر أن الوزارة تقتني من كل الكتب نفس العدد تقريبا دون تفريق بين أصحابها مما يعطي الانطباع لهؤلاء المتطفلين على الحقل الثقافي بأنهم أصحاب حق وبأن نصوصهم جيدة ما دامت الوزارة قد اقتنت منها على قدر ما اقتنت من غيرهم .
    من هنا ومن هذا المنبر الإعلامي أتمنى على وزارة الثقافة في تونس خاصة وأن الوزير الذي يقودها الآن رجل علم وأدب أن تعيد النظر في هذا الموضوع وأن تمكننا من دار نشر حكومية تصنع ربيع الأدب والثقافة في تونس
    .
    صالح السوسي
    من موقعك كنائب لرئيس اتحاد الكتاب التونسيين أريد جوابا على سؤالي هذا و لصديقنا المولدي فروج حق الرد أيضا إذا شاء :
    يرى البعض أنّ اتحاد الكتاب التونسيين بقي على حاله و أن ما يقدمه للمشهد الثقافي يمكن أن تقدمه أية دار ثقافة أو لجنة ثقافية محلية ، ثمّ من الملاحظ أن الاتحاد لم يكلف نفسه إلى اليوم عناء تأسيس موقع خاص به
    الإجابة :
    إن اتحاد الكتاب في تونس جمعية ثقافية تمولها الدولة التونسية بميزانية محدودة جدا هي لعلمك أقل بكثير من ميزانية أي مندوبية جهوية للثقافة في ولاية من ولايات الجمهورية .
    ولتعلم وليعلم الجميع في تونس أن ميزانية مندوبية الثقافة في قفصة مثلا وهي ولاية صغيرة من ولايات الجمهورية أكبر من ميزانية إتحاد الكتاب في تونس بست مرات. فما بالك بالولايات الكبرى.
    لذلك فنحن نشتغل على قدر ما نملك من مال في هذا الزمن الذي أصبح فيه المال قوام الأعمال والجميع لا يتحرك إلا إذا حككت في يديه الدرهم و الدينار وخاصة الدولار يا صاحبي .
    ومع ذلك فقد قام الاتحاد بإنجازات كبيرة مقارنة بما كان ينجز سابقا خلال سنة واحدة من حياة الهيئة الجديدة.
    من ذلك مثلا أننا أنجزنا بإمكانيات بسيطة جدا وبتعاون كبير وتضحيات أكبر من العزيز المولدي فروج " موقعا إليكترونيا هو " نشرية اتحاد الكتاب التونسيين " استقطبت كثيرا من الأقلام التونسية والعربية . وما عليك إلا أن تزور هذا الموقع لتعرف مدى جديتنا في الانفتاح على عالم الانترنيت .
    نزار ب. الزين :
    يصر بعض النقاد على وضع قواعد و قوانين للقصة القصيرة أو الأقصوصة ( القصة القصيرة جدا ق.ق.ج ) لا يجوز الحياد عنها ، فهل برايك يمكن إخضاع الأدب إلى مثل هذه القوانين الرياضية الصارمة ؟
    الإجابة :
    من منطلق أن القصة القصيرة جنس أدبي وافد على الأدب العربي من الغرب الفرنكوفوني أو الأنجلوسكسوني أو من الشرق الروسي خاصة . وباعتبار أن أغلب الرواد الذين كتبوا القصة القصيرة تتلمذوا على أدباء الغرب فقد حاولوا كتابة هذا الفن الوافد بشروطه الغربية خاصة في البدايات ، أي حتى خمسينات القرن الماضي في الغرب وحتى السبعينات بالنسبة للأدب العربي.
    واعتبر الخارج عن شروط وفنيات الكتابة القصصية المذكورة إما غير عارف بها أو متمردا عنها كما كان الحال عندنا في تونس مثلا مع عزالدين المدني وصالح القرمادي .
    " هذه القوانين الصارمة " : الزمان والمكان والشخصيات والطول ووحدة الأثر النفسي بالنسبة للقصة القصيرة هي موازين حددها أصحابها لهذا الفن كما حددوا موازين لكتابة الرواية والخاطرة والشعر وغير ذلك من فنون الإبداع .
    بقي السؤال الهام ، هل يجوز الحياد عنها ؟
    هذا يعود لموقف المبدع من الكتابة القصصية خاصة والكتابة بصورة عامة .
    فإذا كان هذا الفنان متمردا فإنه سيتجاوز هذه القوانين ويدوسها ويثور عنها ليكتب نصه الخاص به مستثمرا إنجازات الكتابة الحديثة والقديمة أيضا . من ذلك مثلا بالنسبة لنا في أدبنا العربي يمكن للكاتب أن يعود إلى الطرفة والحديث والخبر والمقامة والخرافة وغيرها ليطوعها ويصنع من خلالها نصه الحديث ضاربا عرض الحائط بالشروط الفنية للكتابة القصصية .
    وإذا أراد أن يساير الموجود فما عليه إلا التقيد بالشروط المضبوطة لهذه الكتابة.
    نزار ب. الزين :
    يشير بعض النقاد إلى القصة الواقعية على أنها بعيدة عن معنى القصة الأدبية و اعتبارها أقرب إلى التقرير الصحافي ، فهل تؤمن بهذا الطرح ؟
    الإجابة:
    في نظري هذا يعود إلى براعة الكاتب في استثمار الحدث الواقعي الذي يبني من خلاله قصته .
    فكم من النصوص الواقعية تسحرك بجمالها وفتنتها التي يبلغ الكمال . وما نصوص يوسف إدريس مثلا في الأدب العربي أو نصوص موباسان الفرنسي وتشيخوف الروسي إلا دليلا على ما أقول .
    لأن الواقعية هي أساس كل الأعمال الفنية الكبرى التي عرفتها آداب العالم .
    أما إذا كتب القاص نصا مسطحا ، جافا ، تقريريا ، فإنه لا محالة سيخرج من باب الأدب القصصي ليدخل بابا آخر قد يكون كل شيء إلا الأدب .
    نزار ب. الزين :
    يهاجم البعض الكتاب المبتدئين بسبب ضعف كتاباتهم ، أليس من واجبنا تشجيعهم و الأخذ باياديهم حتى بلوغهم شاطئ الأمان ؟
    الإجابة :
    بالنسبة للموقف من المبتدئين أرى أنه من واجب منابر النشر المختلفة ، من النشر الورقي التقليدي المعروف في الجرائد والمجلات إلى المنابر الإليكترونية الحديثة أن توفر للمبتدئين أركانا خاصة بهم حتى لا تختلط نصوصهم بنصوص الأدباء أصحاب التجربة . لأن القارئ حين يتعامل مع النصوص المنشورة في ركن واحد لا يعرف إن كان صاحبها مكرسا أو جديدا يتلمس الطريق فيحكم على هذه النصوص حكمه على غيرها .
    لذلك يتعرض هذا المبتدئ في بعض الأحيان إلى إحباط قد يقوده إلى الابتعاد عن الكتابة الأدبية فنخسر مشروع أدبيب أو أديبة .
    أما إذا كان النشر في ركن خاص بالمبتدئين فإن الأمر سيختلف لأننا سنعامل هذا النص معاملة النبته الغضة التي من واجبنا أن نرعاها حتى يشتد عودها وتصبح قادرة على الحياة بمفردها .
    نزار ب. الزين :
    ماذا قدم اتحاد الكتاب التونسيين للمسيرة الثقافية العربية و لماذا نرى الحركة الأدبية في المغرب العربي أقوى و أشد زخما من الحركة التونسية
    الإجابة :
    المشهد الثقافي والأدبي في تونس يعيش زخما كبيرا خاصة في هذه السنوات الأخيرة فكثيرة هي المجموعات القصصية والشعرية والروايات والدراسات النقدية التي تنشر في كل شهر .
    حتى أننا في عشرية واحدة هي العشرية الأخيرة من القرن الماضي نشرنا في تونس أكثر مما نشر فيها على مدى نصف قرن من الزمن .
    كما أن لدينا في تونس مشروعا ثقافيا هاما آخر نكاد نتفرد به عن كل بلدان العرب هو المهرجانات الأدبية والثقافية التي تكاد تقام في كل أسبوع وفي كل ولايات الجمهورية ، في مدنها وفي قراها الصغيرة . من ذلك أننا نقيم مهرجانا للشعر العالمي في قرية صغيرة من قرى ولاية القصرين يكاد عدد سكانها لا يتجاوز بضعة آلاف .
    هذه المهرجانات لا تختص بفن دون غيره وإنما هي مهرجانات لكل الفنون .
    لكن كل هذا الزخم لا يصل خارج حدود الوطن لأننا لا نعرف كيف نسوق لإنجازاتنا عكس الأشقاء في المغرب الأقصى الذين استطاعوا أن يصلوا إلى الشرق العربي خاصة بكتاباتهم النقدية المتفردة وبدور نشرهم الكبيرة كدار طوبقال التي صارت تزاحم الدور الشرقية فجعلت الكتاب المغربي وبالتالي الكاتب المغربي يخرج من محليته ليصل إلى كل الأقطار العربية تقريبا .
    نصر بدوان :
    الكاتب الكبير
    ابراهيم درغوثي
    قاصا وروائيا
    لقد رأينا أثر الحداثة في الشعر , من ناحية الشكل أو المضمون , وكذلك اللغة ,
    فأين ترى ذلك في الرواية والقصة القصيرة ؟!
    الإجابة :
    بالنسبة لتأثير الحداثة في القصة والرواية يكاد الأمر لا يختلف كثيرا على الشعر لأن الإبداع كل لا يتجزأ.
    فالأدب السردي الذي بدأ مسكونا بالرومانسية والواقعية الاجتماعية تحول في خمسينات القرن الماضي إلى تيار الوعي واقترب من الحكاية القديمة بأشكالها الخرافية والأسطورية بعدما هيمنت على الذائقة الإبداعية في الرواية خاصة الواقعية السحرية أو العجائبية القادمة مع إنتاج كتاب أمريكا اللاتينية واليابان .
    وقد حاول الكتاب العرب الانفتاح على التراث العربي القديم من حيث بناء النص الروائي خاصة ومن حيث استلهام الأشكال التراثية القديمة في السرد الحكائي .
    لميس سعيدي
    -من خلال تجربتكم في الترجمة و اطلاعكم على الاداب الاجنبية هل ترون ان الكاتب العربي اليوم قادر على تقديم اضافة ابداعية للحضارة الانسانية؟
    الإجابة:
    بالتأكيد ، في مقدور الكاتب العربي أن يقدم إضافة للأدب العالمي بشرط أن لا يعيد إنتاج الأدب الغربي في نسخة عربية لأنه في هذه الحالة لن يتجاوز ما يقدمه العقل الغربي إلا قليلا .
    ولأن كما مقبولا منه ذلك في البدايات فإنه يتوجب عليه اليوم أن يجدد في أدوات كتابته وأن لا يبقى أسير الآداب الغربية . فقد قيل على نجيب محفوظ مثلا حين فوزه بجائزة نوبل واطلع الغرب على الثلاثية مترجمة في لغاتهم ، هذا " إيميل زولا " العربي . أي أن نجيب محفوظ هو صورة من الكاتب الفرنسي المشهور ولكن مثل هذا الكلام ما قبل مثلا عند فوز كاتب ياباني أو صيني بالجائزة . لذلك يصبح في هذه الحالة محتم علينا أن نخرج عنهم وأن نحاول التأسيس لأدب عربي له نكهتنا الخاصة . وحسب ظني فإن هذا لن يتم إلا إذا عدنا إلى التراث السردي العربي مثل المقامة والحكاية والخبر والحديث وغير ذلك من الأساليب لا لإعادتها كما هي وإنما لإعادة إنتاجها في صورة عصرية أن نستفيد منها ونطور في شكلها ومضمونها بكيفية تجعلها قادرة على الحياة في هذا العصر . وبذلك نكون قد قدمنا الإضافة للأدب الإنساني الحديث . كما قدم الأجداد للغرب رائعة " ألف ليلة وليلة " التي مازالت حتى اليوم تبهر كل من يطلع عليها .
    لميس سعيدي
    2-هل التطرق للتابوهات في الادب كالجنس و الدين و السياسة نابع لديكم من رغبة في الثورة على السائد و المفروض بسلبياته و ايجابيته أو محاولة لتقديم رؤية خاصة و فلسفة قائمة على التحليل و غربلة المفاهيم؟
    الإجابة :
    يمثل موضوع " التابوهات " أي الجنس والدين والسياسة في الأدب العربي الحديث معضلة للكاتب والمتلقي زالت مثلا في الغرب لأننا مازلنا إلى يوم الناس هذا في مواطن بني يعرب لا ننعم بحرية تمكننا من الإفصاح عن رغباتنا دون مشقة التعرض إلى المساءلة من الديني والسياسي والأخلاقي . فالمواطن العربي يعيش ازدواجية في شخصيته : الباطن والظاهر .
    في باطنه يعشش فكر منغلق مسكون بالقدامة حد التحجر .
    وفي ظاهره يتلون بالحداثة والانفتاح على نوافذ المدنية الحديثة .
    من هنا يصبح التعامل مع الإنسان العربي محفوف بالمخاطر خاصة في الأدب المكتوب . فهو يمتع النفس مثلا ب " كليب " لفنانة تظهر الاستهتار بالجسد حد الفحش والبذاءة ويتمنع عن قراءة نص أدبي يوظف فيه الجنس توظيفا فنيا يخدم أغراض النص .
    وهو يمارس البذاءة الأخلاقية بكل صورها في الخفاء ولكنه يظهر الفضيلة والتدين للعموم .
    وهو يدعي الدفاع عن الحريات العمامة وحقوق الإنسان الدينية والسياسية والثقافية وفي تمايز هذا عن ذاك إذا كان خارج السلطة إما إذا ارتقى ولو على بعرة بعير فإنه يعود كما الحجاج بن يوسف الثقفي ، لا يشبع من دم الآخر .
    لهذا لا يجازف أصحاب دور النشر بطبع ما قد يتسبب في خراب دورهم . وعاش من عرف قدر نفسه ....
    لكل هذا وغيره حاولت الاقتراب من هذه المحرمات وفي نفسي شيء من : " حتى " و " لعل " و " ليت " وكل هذه الأفعال الناقصة ... حد الفجيعة .
    لميس سعيدي
    3-هل الرقابة في تونس و باقي الدول العربية تشكل عبئا حقيقيا على دور النشر ؟ سمعت هذا من احد الناشرين التونسيين و أتمنى سماع وجهة نظركم
    الإجابة :
    نعم الرقابة في كل بلاد العرب وليست في تونس وحدها هي القاتل الحقيقي للإبداع العربي ولك أن تتذكري ما وقع في مصر منذ سنوات في ما سمي بقضية الروايات الثلاث التي أصدرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر ثم وقعت مصادرتها بعد ذلك لتداخل الديني والسياسي في الموضوع أو ما وقع لرواية السوري حيدر حيدر " وليمة لأعشاب البحر " أو كارثة رواية المرحوم نجيب محفوظ " أولاد حارتنا " التي كادت تؤدي بحياته .
    وغير ذلك كثير لأن ذلك مرتبط بموضوع الحريات العامة الذي ذكرته قبل قليل والذي لا نجد له مكانا للتحقق في بلا العرب .
    أما في تونس فإن موضوع الرقابة على الإبداع من حيث الشكل هو غير موجود بسلطة القانون الذي يمنع هذه الرقابة أما من حيث التطبيق فالأمر مختلف لأن هناك أعمالا أدبية مصادرة ومن بينها مجموعتي القصصية " الخبز المر " فهي ممنوعة من التداول مند سنة 1990 ، كما أن روايتي " شبابيك منتصف الليل " لم يسمح بتداول طبعتها الثانية مند ثلاث سنوات .
    لذلك لا يجارف الناشر العربي بما قد يخرب داره
    وعاش من عرف قدر نفسه ...

    نزار ب. الزين

    قرأت لك مؤخرا عملين روائيين قصيرين أحدهما بعنوان تفاح الجنة و الآخر بعنوان المغني ، الرواية الأولى تخللتها عبارات جنسية صريحة و كثيرة ، أما في الرواية الثانية فكانت العبارات الجنسية متوارية ، سؤالي الأول :
    هل ابتعدت عن الأدب المكشوف؟
    و سؤالي الثاني :
    ماهو رايك بالأدب المكشوف عموما ، و هل يستوعبه العقل العربي و يتقبله ؟
    الإجابة :
    الأدب صنو الحياة وما دمنا نمارس الجنس في الحياة فإن الكتابة الأدبية ستظل تتناول هذه المواضيع مرة بالتورية ومرات أخرى بالتصريح المعلن على رؤوس الأشهاد.
    كل ما في الأمر أنني لا أكتب هذا الأدب المكشوف لتسلية قارئ صار في مقدوره الآن أن يتسلى بما يريد من جنس فاضح في متناول يده، في كل مكان من أشرطة الفيديو الملقاة على قارعة الطريق إلى المواقع الالكترونية المزروعة في كل أجهزة الإعلامية.
    إنني أكتب في بعض الأحيان عبارات قد تخدش الحياء ولكنها ليست مقصودة لذلتها وإنما هي صرخة احتجاج على منكر اجتماعي أو أخلاقي أو سياسي يرى رأي العين ويلمس باليد ولا من يرد عليه . فأكتب بتلك الطريقة الفجة في بعض الأحيان لإيصال احتجاجي مباشرة إلى شعور القارئ لأستفزه وأدفع به إلى البحث عن السبب الذي دعاني إلى استعمال مثل تلك البذاءة في مجتمع يدعي في الظاهر على الأقل ، الطهرانية والتطهر من رجس الشيطان .
    أما عن تقبل العقل العربي للأدب المكشوف فللأمر جوابان :
    الأول يرفضه رفضا باتا بدواعي أخلاقوية تدعى أن مثل هذا الأدب يفسد الشبيبة ويبعدها عن الفضيلة ومكارم الأخلاق .
    والثاني : لا يرى مانعا من التوظيف السلس لهذا الأدب بل هناك من يحرض على كتابته لأنه يمثل نوعا من أنواع تحرر الكاتب وإمكانية من إمكانيات ممارسة الحرية في الكتابة . فما لا يقدر عليه هذا يقدر عليه الآخر . وما لا يستسيغه قارئ يتلهف على قراءته قارئ آخر .
    ولنترك الزهور تتفتح في حقول الأدب : زهور حدائق المنازل وزهور البرية البعيدة عن العمران .

    صالح السوسي :
    في رأيك ما الذي ينقص النص الروائي التونسي حتى يصبح نصا مفتوحا على العالمية ؟
    سيما أن نصوصا عربية كثيرة تمكنت من الولوج للعالمية من أبواب كثيرة
    الإجابة :
    نمتلك في مدونتنا الأدبية في تونس نصوصا روائية كبيرة في قيمتها الأدبية بالطبع منذ " حدث أبو هريرة ... قال " لمحمود المسعدي حتى روايات بداية الألفية الجديدة .
    فقد قال ناقد مشرقي لا أستحضر الآن اسمة عن هذه الرواية إنها لو نشرت في وقتها أي خمسينات القرن الماضي لغيرت مجرى الرواية العربية .
    ولكن ما ينقص الإبداع التونسي للقيام بعملية احتراق للسوقين العربي والعالمي هو عدم صدور الروايات التونسية الجيدة عن دور نشر مشرقية كبيرة تحتضنها ثم تعرف كيف تسوقها للعالم .
    وهذا ما حصل مثلا مع الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي التي صدرت روايتها التي جعلتها مشهورة في كل العالم في الجزائر أولا ولكنها لم تشتهر ولم تعرف أصلا .
    ولكنها عندما صدرت عن دار الآداب صارت الحدث الأول في دنيا العرب .
    النص الروائي التونسي من حيث الجودة يماثل تقريبا كتابات العرب الجميلة ولكن ما ينقصنا مع ما ذكرت سابقا ، الإيمان في تونس أولا بأن لدينا مبدعين كبارا نؤمن نحن أولا بتفردهم في إجادة الكتابة ثم ندعو الآخر سواء كان عربيا أو غربيا للإيمان بهم .

    مصطفى مراد :
    لماذا يهرب الكاتب العربي إلى التاريخ والتراث ليتحدث عن الحاضر؟
    الإجابة :
    الكاتب العربي لا يمتلك حرية الكاتب في كثير من البلدان كما في الغرب مثلا ، لذلك تراه في كثير من الأحيان حين يهم بالكتابة عن المواضيع الآنية الحارقة يتردد كثيرا ولا يقدم على انتهاك الورقة إلا إذا قرأ " يس وفي يده ألف حجر " كما يقول المثل التونسي ، لأن نصه قد يحجز ويمنع من التداول فيضيع شقاء عمره . وقد يعرضه هذا النص للمساءلة أمام القضاء أو للسجن في بعض الحالات . هذا إذا كان موضوع الكتابة سياسيا فقط . أما إذا كان الموضوع دينيا أو جنسيا فالطامة أكبر والمصيبة أعظم . لكل ذلك يداور الكاتب ويناور فيعود في بعض الأحيان إلى التراث ويرجع في أحيان أخرى إلى التاريخ يستلهم منه أحداثا وشخصيات يكتب بها ومن خلالها هموم الزمن الحاضر ولسان حاله يقول " ما أشبه اليوم بالبارحة " . وقد كتبت كثيرا من نصوصي القصصية والروائية بهذه الطريقة كما كتب روائيون عرب بالتاريخ نصوصهم الحداثية. والمثال الصارخ هو رواية الغيطاني
    " الزيني بركات " ورواية عم الطاهر وطار " الحوات والقصر " وغير ذلك مما لا يسع الرد لذكره .
    إن التاريخ يكون في بعض الأحيان ملاذنا الأخير نكتب به تقية ، ونخاتل به الرقيب الواقف بسيفه البتار فوق رؤوسنا يتحين الفرص لبتر اليد التي تكتب ما لا يروق للسلطان في بعض الأحيان وللرعية في أحيان أخرى .
    مصطفى مراد :
    هل مازالت الكتابة قادرة على تغيير العالم كما كان الحال حتى ثورة طلاب باريس في ستينات القرن الماضي؟
    الإجابة :
    نعم يا سيدي ستبقى الكتابة وستظل على مدى الأزمنة والدهور الوسيلة الفاعلة لتغيير العالم .
    بها وحدها نغير أنفسنا أولا ثم نغير العالم أخيرا . فمنذ أن خط الإنسان البدائي رسوماته على حيطان المغاور وأسطح الجبال إلى الآن وأنا أكتب لك ردي ليصلك هباءات على أمواج الأثير والكلمة هي هي لسان حال المصلحين من فلاسفة الأنوار في فرنسا القرن الثامن عشر
    إلى وإدوار سعيد وأصدقاء الإنسانية في أمريكا القرن العشرين وما بعده . الكلمة يا أخي ستبقى دائما أقوى من الرصاصة التي تخيف الطغاة ، خاصة الآن بعدما صار العالم على ما هو عليه من حداثة في استعمال وسائط جديدة تمكن من الاتصال بالدنيا قاطبة في أقل من رمشة عين.
    نعم لقد غيرت الكتابة العالم قديما وسيكون للكلمة النابضة بالحياة دور كبير في تغيير عالم اليوم . هذا العالم الذي تغولت فيه الرأسمالية كما لم تتغول في القرن الثامن عشر ستسقطها كلمة حق تقال في وجهها البشع .
    مصطفى مراد :
    يكتب ابراهيم درغوثي أدبا مكشوفا قد يصدم ذائقة المتلقي العربي لماذا هذا التوجه في الكتابة؟
    الإجابة :
    أظن إن الكاتب العربي - لو قمنا بدراسة مقارنة مع آداب الشعوب الأخرى – سيحتل المرتبة الأخيرة في الكتابة البورنوقرافية لأننا في العادة نحتكم إلى عادات وتقاليد تكبلنا وتمنعنا من الاقتراب من المواضيع الجنسية إن تلميحا أو تصريحا ، إن سرا أو جهرا . والذين تمردوا على هذه العادات قليل ومع ذلك نالوا من التجريح الشيء الكثير من سدنة الأخلاق الحميدة وأرباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    وقد وجدت عند قراء نصوصي القصصية والروائية موقفان :
    الأول ، بارك هذه الكتابة وشجع عليها لأنها موظفة توظيفا إبداعيا يخدم النص ويدفع بأحداثه إلى منتهاها لأنها ليست مقحمة لإثارة الغرائز عند القارئ - وهذه الإثارة متوفرة الآن في أماكن أخرى كثيرة لعل آخرها الكتاب - .
    والثاني رفضها رفضا قاطعا ، باتا دون أن يلتفت لدواعي التوظيف .
    أما أنا فإنني سأقول للجميع بأنني لن أتردد لحظة واحدة ، ولن ترتعش أصابعي البتة كلما وجدت نفسي أمام موقف يستدعي الاستنجاد بالكتابة الفجة ، النابية ، القبيحة ، الوسخة ،بما فيها البورنوغرافية . وأنني سأستطرف في هذه الكتابة ما شاء لي التطرف . فأمام رب مصنع
    يغتصب عاملة فقيرة وأمام جندي أمريكي يغتصب سجين مكبل اليدين والرجلين ، وأمام سجانة تستنجد بالكلاب لاستجواب معتقل ، وأمام شعوب تغتصب جهارا نهارا بالنار والحديد على مرأى ومسمع من العالم أجمع ، وأمام بلدان تدمر على رؤوس أهلها . هل يمكن لنا أن نصمت أو نحكي عن هذا الظلم بكلام أحلى من ورود الربيع .
    كلا وألف كلا ، سأرد على كل هذا العنف المادي ، بعنف لفضي ، وهو أضعف الإيمان .

    مصطفى مراد :
    لمن كانت قراءاتك الأولى وعمن تعلمت هذه السخرية السوداء التي تطبع نصك الأدبي قصصا وروايات حتى أنك تجعل قارئك حائرا بين البكاء والضحك .
    بين الضحك من هذه الحياة أو البكاء عليها ؟
    الإجابة :
    هل أقول لك إن كتاب الغرب " ايميل زولا " و" كي دو موباسان "
    و" تشيكوف " مع محمود بيرم التونسي وعلي الدوعاجي والبشير خريف هم من أثث بداياتي في القراءة ، وأنني أنا التلميذ في دار المعلمين في تونس كنت أحفظ بعضا من قصص " موباسان " بالفرنسية عن ظهر قلب إكراما لأستاذ فرنسي كان يشفق على فقرنا فكان يهدينا من مكتبته الخاصة ما نحتاجه من كتب ثم يرفض أن يسترجعها منا .
    هل كان ذلك الأستاذ يحفر عن غير قصد في وجداني وذاكرتي البكر ما سيكونه ابراهيم الكاتب بعد ذلك ؟
    هل كانت " الدقلة في عراجينها " و" خليفة الأقرع " و " حبك درباني " وقصص " مشموم الفل " المحملة بكل ما للبشير خريف من روح المرح الجريدي بنكتته اللاذعة اللادغة وهي تنكتب في تلك الذاكرة الطفلة سر هذا النص الطريف المليء بالمجون والعربدة اللفظية فيما يقال وما لا يقال ؟
    ربما ... ولكن الأكيد أن لتكويني النفسي والأدبي والعلمي دخل كبير في هذه الكتابة . فأنا جريدي مثلي مثل البشير خريف وتعلمت في المدارس القرآنية منذ بدايات تعلم النطق القرآن ، فحفظته وأنا صبي لا أعي معانيه ثم صرت أكرره أكثر من مرة في السنة حتى يوم الناس هذا . ومع كل ذلك تشبعت بالفكر الماركسي اللينيني منذ أن وعيت معنى أن يتملك أقلية أكثر من حقهم ، ويفتقر الأكثرية إلى ما يسد الرمق .
    ألست معي أن مثل هذه الخلطة قادرة على أن تصنع ذلك الأدب الذي يمتزج فيه السواد بخفة الدم والألم المبرح بتلك الابتسامة الصفراء التي لا يفهم معانيها إلا من عرف ما كابدته الإنسانية منذ أن وعى الإنسان معنى أن يعيش دون أن تداس كرامته .
    مصطفى مراد :
    ما هي العلاقة التي تريد أن تربطك بقارئ نصك .
    هل هي علاقة تفاعل حتى التصادم مع النص أم علاقة مسايرة وإتباع لما يريده الكاتب .
    الإجابة :
    في ظل غياب الفكر المستنير ، وهيمنة فكر الإتباع على الثقافة العربية يصبح من واجب الكاتب أن يبحث عن قارئ لا يساير الموجود بل يتصادم مع النص بالمشاركة في فعل الكتابة – من وراء ظهر الكاتب – الذي أنجز عمله ورماه للريح ، قارئ مثقف في حاجة إلى تفكيك النص وإعادة بنائه ، أي قارئا مشاركا في عملية الإبداع يضرب عرض الحائط بما جاء في واجهة الكتاب وينبش داخل الأسس وبين طيات الحجر عما لم يجاهر به صانع الأثر لعدة اعتبارات لعل أقلها سوءا خوفه من الرقيب الذاتي القابع في أعماق كل أديب عربي تربى على الخوف منذ الولادة بداية من سلطة الأب حتى سلطة الرب.
    لأننا في اللحظة الحالية نجد أ نفسنا أمام أغلبية من قراء النص الأدبي
    – إن وجدت – تكتفي بالقراءة الهامشية للنص / قراءة الدرجة الصفر، أي قراءة الاستمتاع لا أكثر ولا أقل .
    مصطفى مراد :
    ماذا يقول ابراهيم درغوثي عن نصوصه القصصية والروائية لو كان ناقدا من نقاد الأدب بدون مجاملة أو تعريض ؟
    الإجابة :
    هل يمكن أن أحدث عن نصوصي دون أنا أقع في المحضور ؟ أنا المتهم بأنني أعشق ذاتي حد الفناء فيها . أنا المتهم بأنني أخبئ تحت رماد ابتسامة لا تفارقني حتى في ساعات البؤس القصوى روحا شقية
    قادمة من أقاصي الحياة . روحا عاشت بالتأكيد في عوالم غير عالمنا هذا وأصابتها لعنة ما ، فقذف بها في دنيا بشر القرن العشرين لتتعذب ما شاء لها قدرها ثم لتعود من حيث جاءت ؟
    هل أحدث عن قصص وروايات ابراهيم درغوثي التي أغضبت الكثيرين كلا لسبب ما . فيهم من ثار لأنني تجرأت على ما كان يود الخوض فيه ولكنه أحجم عن ذلك رعبا من ردة فعل متلق لا يوجد إلا في مخيلته لأننا شعب لا يقرأ ، وإن قرأ فإنه لا يقترب من الأدب الجديد الذي يختلف عما اعتادت عليه الذائقة الجماعية من نصوص الرواد عربا وأعاجم ، ولا يؤمن بأن الأدب يتجدد كما تتجدد الحياة .
    وفيهم من سمع بما كتبت فسبني ، " على الحساب حتى يقرأ الكتاب " . فأنا مارق على قوانين اللعبة ، أتهتك على هواي ولا أهاب سطوة المحرمات لذلك " يحل دمي في الأشهر الحرم " دون أن تدفع دية لقاتلي وفيهم من يعاديني " لله في سبيل الله " لأنه يرى باعتقاد حقيقي أنني تجاوزت الخطوط الحمراء التي لا يسمح في العادة بالاقتراب منها ، فما بالك بمن تجاوزها دون أن يلتفت لصياح المحتجين .
    أم هل أحدث عن نصوص إبراهيم الإنسان الذي عشق في عمر من أعماره الماركسية - ولا زال إلى الآن - يظن أن خلاص الإنسانية يكمن تحت غطاء تابوت لينين وفي تضحية القديس غيفارا بدمه من أجل فقراء العالم . هذا الاعتقاد الذي تركني هائما أبحث عن خلاص جديد لروحي المعذبة بين نارين : المادية الجدلية والمادية التاريخية من جهة وسطوة رأس المال من الجهة الأخرى ؟
    أم أحدث عن كتابات إبراهيم العاشق لتراثنا العربي الإسلامي شعرا ونثرا ، خرافات وأساطير ، ألف ليلة وليلة والقرآن الكريم ، رحلة ابن بطوطة وأغاني الأصفهاني ، المدونات التاريخية الكبرى وكتاب القزويني عجائب المخلوقات ، وكل ما لا يخطر على بال المشتغلين بالأدب ممن يظنون أن الغرب وحده ، أسس للسرد القصصي والروائي والذين أختلف معهم على طول الخط .
    أما عن التقنيات والآليات التي أوظفها لكتابة نصوصي فتلك حكاية أخرى بدأت الكتابة عاشقا للواقعية الاشتراكية ، فوقعت في هوى مكسيم غوركي وعبدالرحمان الشرقاوي . وبتعاليم المعلم " جدانوف " حبرت نصوصي القصصية الأولى في : " النخل يموت واقفا " و " الخبز المر " فدفعت ضريبة هذا العشق ، إذ حجزت مجموعتي القصصية " الخبز المر " ومنعت من التداول مباشرة بعد صدورها سنة 1990 ولازال الحجز ساري المفعول إلى يوم الناس هذا . ثم تمردت على هذا الخط بعدما اكتشفت مقامات الحريري والهمذاني وشطحات أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ وما أسرت به شهرزاد لشهريار وأساطير العرب الأولين فعرفت أن الحكي أوسع مما كتب الغرب أوروبيا كان أم أمريكيا وأن لنا زادا أدبيا لو تدبرناه لخرجنا للعالم بكتابة أخرى تتقاطع مع الأدب الغربي ولكنها لا تكرره في نسخة رديئة باهتة .
    لكل ذلك كتبت نصي بطريقة صدمت المتلقي المعتاد على الجمود ( لا فرق في ذلك بين القارئ العادي والناقد العادي أيضا ) ولم يخرج على الجماعة سوى من في " رأسه عقل " كتبت النص الكشكول الآخذ من كل شيء بطرف ، من الشعر ، ومن التاريخ ،ومن الفن " ومن الأساطير، استشهادات وتقاطع مع نصوص أخرى ، واستحضارا لشخصيات من التاريخ ومن كتب لأدباء أحببتهم فوضفت حضورهم في قصصي ورواياتي حتى صاروا مني ومن نصي أيضا . وظن البعض ممن : " عرف شيئا وغابت عنه أشياء " أنني أسطو على نص الغير لأنهم لم يطلعوا بعد على تقنية " الكولاج " المتداولة في الأدب والفن الغربيين منذ سنين وسنين . ولم يعرفوا " التطريس " وهو الكتابة على الجلد بعد محوه فيبقى من القديم أثر في الجديد وهي تقنية استعملها الكاتب العربي القديم .
    هكذا كتبت مجاميعي القصصية : " رجل محترم جدا " و" كأسك ... يا مطر " ورواياتي : " الدراويش يعودون إلى المنفى " و " القيامة ... الآن " و" شبابيك منتصف الليل ".
    وهكذا سأظل أكتب إلى أن تقوم قيامتي ....
    صالح السوسي :
    إلى أي مدى يمكن فصل السياسي عن الثقافي ، هل يمكن للعمل الابداعي أن ينأى عن الراهن السياسي ؟
    كيف ينظر ابراهيم الدرغوثي المبدع إلى هذا الراهن العربي في ضبابيته ؟
    الإجابة :
    -1 - لقد نظر جماعة الفن للفن لفصل السياسة عن الأدب ولكن تنظيراتهم أسقطتها الحياة لأن الأدب هو المرآة التي يطل منها الإنسان على الحياة في تشابكاتها المختلفة بين الديني والثقافي والسياسي والاجتماعي. فلا يمكن أبدا أن نفصل الأدب عن كل هذه الإشكاليات المعيشة وإلا قتلناه ورمينا به في مزبلة التاريخ .
    فكثيرة هي القصائد الشعرية الفصيحة والعامية والمدونات السردية من أخبار وقصص وحكايات التي أصبحت مع مرور الزمن وثائق تاريخية يقرأها علماء الاجتماع للاستدلال بها على وقائع أهملها المؤرخون أو كتبوها بلسان قلم السلطان.
    إن الأدب الحارق هو ذاك الذي يدخل المناطق الملغومة ولا يخشى المشي فوق قنابلها المزروعة بالسياسي الآني والقديم
    فيكتب عن الحياة الحقيقية للبشر المكتوين بنار الدنيا في كل تجلياتها .
    -2 - أرى أن أمتنا العربية تعيش اليوم واقعا شبيها جدا حد التماثل بما عاشته بداية من القرن العاشر ميلادي حتى دخول الأتراك العثمانيين مصر والشام .
    فقد عانت في تلك الفترة من هجوم التتار والمغول والصليبيين كما هي تعاني اليوم من هجوم اليهود المتصهينين و الأمريكان والأنجليز وأذنابهم .
    وكما كانت تعيش الفرقة والتشردم في تلك الفترة ها هي تعيش اليوم نفس ذاك الداء الذي أوقعها في الذل والمهانة .
    ولئن كان الظلام حالكا في هذه المرة فأنا متفائل بالمستقبل لأن الأمم الكبيرة تضعفها الهزات ولكن لا تقتلها.
    وأمتنا العربية قادرة على الخروج من هذا الظلام طال الزمان أو قصر
    نزار ب. الزين
    عند زيارتي لتونس في صيف 2005 ، لفت نظري العدد الكبير جدا من المقاهي المنتشرة في كل مدينة صغيرة أو كبيرة أو بلدة أو حتى قرية ،كما لفت نظري أن هذا الإنتشار ذكوري ، فما هو تغسيرك لهذه الظاهرة و هل تعني أن روابط الرجال باسرهم ضعيفة ، و هل تناولت أو أحد زملائك الكتاب في كتاباتكم الأدبية هذه الظاهرة؟
    الإجابة :
    نعم ظاهرة انتشار المقاهي في تونس تلفت النظر لعدة اعتبارات. ويمكن قراءتها بأشكال مختلفة حسب وجهة النظر التي ننطلق منها.
    فهناك من يحسبها على استفحال البطالة في جهة من الجهات فمن لا يجد شغلا يلهيه يتلهى بتمضية الوقت في المقهى .
    وهناك من يعتبرها تلهية للوقت حتى لمن يعمل ووسيلة للترفيه عن النفس بعد ساعات العمل المرهقة في الإدارة أو في المعامل والمصانع .
    وهناك تفسير آخر يعتبر الذهاب إلى المقاهي ظاهرة صحية من افرازات المدنية الحديثة وفدت على بلادنا مع الاستعمار الفرنسي ثم تطورت حتى صارت على ما هي عليه الآن من انتشار في كل المدن والقرى التونسية فهي منتدى كالمنتديات الأخرى الموجودة في الشرق .
    فعند زيارتي في الصائفة الماضية لسوريا لفت انتباهي انتشار ظاهرة النوادي في كل الجهات التي زرتها في القطر وتوافد العائلات والأفراد عليها. وحين استعلمت عن الظاهرة قيل لي إنها ظاهرة انجلوسكسونية .
    أما عن التواجد الضعيف للمرأة في المقاهي التونسية فربما يعود الأمر إلى أن المرأة مازالت تخجل من التواجد في الأماكن العمومية المحكومة بسلطة الرجل خاصة في الأرياف وفي المدن الصغيرة . أما في العاصمة والمدن الكبرى فقد تخطت المرأة هذا الحاجز الأخلاقي وهي تؤم المقهى وتستمتع بوقتها كما تريد جنبا إلى جنب مع الرجل .
    هل لهذه الظاهرة صدى في الأدب التونسي ؟
    نعم . ولكن باحتشام كبير ، فليست هناك أعمالا إبداعية كبيرة مشهورة تناولت هذه الظاهرة لأنها بالنسبة للتونسي صارت أمرا عاديا لا يلفت الانتباه .
    ليلى إبراهيم :
    ألا يفكر إبراهيم دروغوثي في صياغة سيرته الذاتية في كتاب كما فعل الروائي الرائع غابرييل غارسيا ماركيز؟
    ذكرت ماركيز لأنني حين قرأت سيرته شعرت بأني أقرأ رواية من رواياته
    الإجابة :
    شكرا للعزيزة ليلى ابراهيم على طرح هذا السؤال عن كتابة السيرة الذاتية . فمن المعروف أن كل كاتب يطمح في كتابة سيرته ولكن القليل منهم فقط نجح لأن كتابة السيرة الذاتية من أصعب أنواع الكتابة لأنه يتحتم عليك أن تكون صادقا مع نفسك أولا ومع قرائك أولا أيضا.
    فمن المعروف أننا نعيش في مجتمع عربي إسلامي محكوم بضوابط أخلاقية يصعب على المبدع اختراقها. وأشهر مثال على ذلك سيرة محمد شكري المغربي التي دفعت باسمه عاليا في الأدب الغربي ولكنها منعت من التداول في أغلب الدول العربية ولازالت إلى الآن محل شبهة ولعنة لمن يقرأها.
    بالنسبة لي كتابة السيرة الذاتية مشروع قابل للإنجاز. فقد بدأت أفكر فيه بجدية حين بلغت الخمسين من عمري
    أولا لأنني على استعداد تام لخرق الممنوعات التي يخاف عادة الكتاب من الحديث فيها خاصة إذا تعرضت لحياتهم الشخصية.
    وثانيا أظن أنني في هذا العمرقد راكمت من الحياة ما يستحق الرواية .












    أنا هانىء في قريتي ، فلمادا أبحث عن وجع القلب في العواصم الكبرى ؟
    حوار: نورالدين بن الطيب
    1- عرفت في أكثر من تجربة بالعودة إلى كتب التراث ، هده العلاقة التي نسجتها مع التراث العربي كيف تقيم مردودها الإبداعي ؟
    التراث العربي يشتمل على كثير من الفنون لم يصلنا منها إلا أقل القليل . فما دهب مع الريح أكثر مآت المرات مما نتداوله اليوم . فزيادة على آلاف المخطوطات التي احترقت وشوهت وردمت بها الأنهار لتعبر فوقها جيوش الغزاة الدين مروا على هده الأرض ، فإن الكثير مما نجا من تلك المخطوطات ظل مدفونا في المكتبات الخاصة والعامة ولم يحقق منه إلا القليل .
    ومع دلك فإن هده القلة مما وصلنا تشي بعظمة مبدعي هده الأمة .
    وسوف لن أتحدث إلا على جانب واحد من هده الفنون ، هو الجانب الإبداعي . وسأظل في حيز صغير من هدا الجانب ، هو باب السرديات العربية القديمة : الخرافة والحكاية الشعبية والخبر والمقامة والقصص بأشكاله المختلفة .
    فالعربي ترك للثقافة العالمية في هدا الباب تراثا لا يقدر بثمن . ولو أنني دكرت فقط مدونة ألف ليلة وليلة فإنها ستغني عن البقية . هدا الكتاب المهمش في الثقافة العربية الإسلامية ترجم إلى كل لغات العالم تقريبا . وما من كاتب عالمي كبير إلا وقرأ هدا الكتاب وتأثر به .وأسأل هنا كتاب هدة الأمة المنكوبة إن كانوا قرأوا هدا الإعجاز.
    إن المكتبة العربية تحتوي على كنوز أخرى في السرديات منها على سبيل الدكر فقط المقامات وكتب السيرة وكتب الرحلة والمدونات التاريخية العظمى وكتاب الأغاني هده الكتب التي لو تدبرناها لخرجنا للعالم بفنون في السرد قد تقلب معايير تدوق الآداب والفنون المهيمنة على دائقة المتقبل في العالم أجمع .
    فهيمنة الرواية بشكلها الحالي على المشهد الإبداعي العالمي لن تدوم إلى أبد الآبدين ولا أدل على دلك من أن ساحة الإبداع القديمة تنازعتها أشكال [داعية أخرى قبل الرواية كالحكايات الشعبية والملحمة والمسرح . والمشهد اليوم مهيأ أكثر من أي وقت مضى لقبول أشكال أخرى للتعبير على هده الفوضى العارمة التي تسود عالم اليوم .
    شخصيا أحاول قدر جهدي الإفلات من هيمنة الرواية البلزاكية على نصي الإبداعي ودلك بالمراوحة بين استعمال تقنيات الرواية الغربية والنص السردي العربي القديم . لدلك يحضر في نصي التناص مع ابداعات العالم المختلفة من الكتب الدينية الغارقة في التخويف من يوم الديمومة إلى الكتب المهمشة الخادشة للحياء . كما يحضر في نصي شعر الدارجة والشعر الفصيح وتحضر الأسطورة واللقطات التلفزية المسروقة من قناة السي آن آن الأمريكية ويحضر المقدس وكلام المجان والفسقة في كوكتال سردي جعل بعض الممتلئين حد الإنتفاخ بالنص التقليدي يخرجون نصوصي من خانة الرواية ويلقون بي وبها خارج حدود الإبداع .
    - انظر على سبيل الدكر رواية القيامة ... الآن التي جربت فيها هده الطريقة بتطرف –
    وقد استوحيت هده الطريقة من كتب تراثية جامعة مانعة لعل أشهرها كتاب الأغاني لصاحبه العالم العلامة علي بن الحسين بن محمد بن أحمد المكنى بأبي الفرج الأصفهاني – ومرة أخرى أدعو من لم يطلع بعد من المغرمين بالسرد من كتاب هده الأمة على قراءة هده المدونة التي تحتوي على ست وعشرين مجلدا حوت من كل شيء بطرف لعلهم يجدون فيها فتحا جديدا في فنون السرد قد يشرع أمامهم أبواب كتابة أخرى تقطع مع السائد وتسعى لبناء نص ابداعي عربي يختلف مع الشكل المهيمن في الساحة العربية
    2- أصبحت كاتبا حاضرا في أكثر من بلد عربي من خلال الدراسات النقدية والأطروحات الجامعية . هل تعتقد أن الجامعة أنصفتك ؟
    شخصيا أنصفتني الجامعة التونسية . من دلك أن محمد القاضي ومحمد الصالح بن عمر ومحمد الباردي ومصطفى الكيلاني وعثمان بن طالب وصلاح الدين بوجاه وأحمد السماوي ونجيب العمامي ومحمد الناصر العجيمي وفرج لحوار وبوشوشة بن جمعة وومنصف الوهايبي قد كتبوا حول تجربتي الإبداعية قصة ورواية .كما أن رواية : الدراويش يعودون إلى المنفى كانت ضمن خمس روايات تونسية تناولها الأستاد صلاح الدين بوجاه في دكتوراه دولة أشرف عليها الأستاد محمود طرشونة .
    من خظ أدبي الطيب أيضا الكتاب القيم الدي أعده الأستاد أحمد السماوي حول التطريس في قصصي ورواياتي .
    كما أن الباحثة الشابة آمال البجاوي أعدت شهادة ماجستير أشرف عليها الأستاد محمد القاضي حول روايتي أسرار صاحب الستر .
    وهناك ثلاث كتب أخرى صدرت حول كتاباتي أكثرية المقالات المنشورة فيها بأقلام أهم نقاد الجامعة التونسية . مما دفع بعض الدين في قلوبهم مرض للتقول حول هده الحضور الطاغي لأدب ابراهيم درغوثي في الساحة الأدبية التونسية والعربية أيضا . وأنا الفقير إلى ربه القابع في قرية منجمية صغيرة في الجنوب الغربي التونسي . سلاحي قلم أخط به على الورق جنوني وهلوساتي . وثروتي مكتبة دفعت فيها ماتوفر لي من مال كسبته بعرق الجبين .ولسان حالي يقول : اكتبوا ياسادتي نصوصا تنبض بالحياة وستجدون من يبشر بنبوتها داخل أسوار الجامعة وخارجها . فالنقاد يقتنهم النص النص الدي يستفزهم ، النص المارق على القانون فيسعون وراءه للقبض على جريرته أما النص العادي فإنه يلد ميتا ، لدا من الجمر أن نكلف النقاد دمه .
    3-أنت من جيل مخضرم ، هل يمكن اعتبارك بلا جيل بالمعنى الفني والعمري أيضا ؟
    في تونس لدينا ثلاثة أجيال من المبدعين . الجيل الأول هو جيل الرواد الدين أوجدوا مواطئ قدم للقصة والرواية في الأدب التونسي الجديث وقد عاشوا من عشرينات القرن الماضي حتى نهاية الأربعينات وندكر منهم الدوعاجي والعريبي والمسعدي ومصطفى خريف ومحمود بيرم التونسي ...
    ثم جاء بعدهم جيل الآباء المؤسسين لفن السرد في تونس . وقد عايشوا هده التجربة حتى نهاية سبعينات القرن الماضي كالمطوي والجابري والبشير خريف ومحمد يحي ومصطفى الفارسي وعبد القادر بالحاج نصر ... ومن هدا الجيل من صمت ومنه من مازال على عهد الكتابة
    أما الجيل الثالث حسب ظني واعتقادي فهم كتاب الثمانينات من القرن العشرين وما بعدها . هدا الجيل الدي يملأالآن الساحة الإبداعية في تونس . وانا من هدا الجيل الدي تخرج من مدرسة الإستقلال وقرأ معانيها .
    ولئن كان أدب جيل الرواد بلا ضوابط بالمعنى الفني للإبداع لأنه أدب اشتكشاف للقصة والرواية الوافدتيم حديثا من وراء البحر
    وأدب الجيل المؤسس أدب مؤدلج في عمومه يمجد ثورة الإستقلال وبناء الدولة الحديثة ويحدث عن بطولات المجاهدين من أجل حرية الوطن حينا أو يقص علينا مآسي الشعب الكريم حينا آخر .
    فإن أدب الجيل الثالث هو الدي أسس بصورة فعلية دعائم الأب القصصي والروائي في تونس . فحتى نهاية سبعينات القرن الماضي أي بعد ربع قرن من الإستقلال لم تجد قريحة الكاتب التونسي إلا بأقل من خمسين عملا نطلق عليه من باب الإصطلاح – رواية – لأننا لن نجد إلا في القليل من تلك النصوص الشروط الفنية لكتابة الرواية .
    ولكن مع الجيل الجديد نضجت تلك الشروط . فصار بعض المبدعين التونسيين يتفننون في كتابة الرواية بعد أن حققوا شرطي الجودة الفنية : عدم الخلك بين المفاهيم وتملك الموهبة والحس الإبداعي الراقي ، مما حقق للمكتبة التونسية عشرات الروايات التي تضاهي في جودتها النص العربي والعالمي
    4- كيف ترى نفسك في زحمة الأصوات القصصية والروائية التونسية ؟
    لن أجيب مباشرة عن هدا السؤال وسأترك الإجابة عنه للنقاد حتى لا – أسقط في تمجيد الدات كما ورد في نص للآنسة حنان معالي – الطالبة في مرحلة ثالثة لغة وآداب عربية – في دلك الحين والتي ربما صارت الآن دكتورة لا يشق لها غبار . صدر هدا النص في الملحق الثقافي لجريدة الشروق بتاريخ 19 ديسمبر 2003 ، تناولت فيه بالنقد والتجريح حوارا أجراه معي الأستاد كمال الرياحي لمجلة عمان الأردنية واستكثرت فيه على نفسي الأمارة بالسوء هدا الحظور في منبر أدبي عربي جعل صوت أديب تونسي يصل مشارق أرض العرب ومغاربها إذ وجدت أصداء هدا الحوار في الجزائر والمغرب وسورية وليبيا ومصر . ولم أرد عليها في حينها لأنني قرأت من خلال سطور مقالها اسم من دفعها إلى تلك الكتابة المريضة مرض نفسه الأمارة بالسوء . والله يهدي سواء السبيل .

    5- كثيرا ما يفتتن الأدباء بالعاصمة فيحاولون الإستقرارفيها رغم ما تكلفه من هم مادي . لماذا لم يفكر
    ابراهيم درغوثي في الإستقرار في العاصمة ؟
    أنا يا سيدي هانئ في قريتي فلمادا أبحث عن وجع القلب خاصة بعد أن صار العالم قرية كونية صغيرة يمكن أن تجول فيها وأنت وراء مكتبك . فالأنترنات والوسائط العلمية الحديثة كالمواقع المستحدثة في هده الشبكة العنكبوتية والبريد الإلكتروني مثلا تمكنك من أن تقطع العالم طولا وعرضا وأنت قابع هانئ في مجلسك داخل بيتك الصغير في حضن أخلاق القرية .
    إن العواصم لا تصنع كتابا كبارا لإن المبدع الحقيقي ، صاحب الموهبة الخلاقة ، قادر على الكتابة التي تهز القارئ هزا من أصغر قرى المعمورة .
    6- بعض أعمالك ترجمت إلى لغات أجنبية ، مادا أضافت الترجمة لإبراهيم درغوثي ؟
    يجري المبدع العربي وراء الترجمة للغات أخرى طمعا في النجومية العالمية ولكن حظ هدا المبدع من هده النجومية قليل . فحتى نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للآداب لم يحقق أدبه الإختراق الدي حققه أمثاله من الحاصلين على هده الجائزة . فبينما تطبع نصوص هؤلاء في مآت الآلاف – أنظر ملايين – النسخ ظلت روايات نجيب محفوظ تطبع في عدة آلاف لا أكثر ولا أقل .أما البقية الباقية من أدباء العربية – بما فيهم أشهر كتاب الشرق – فإن ترجمات نصوصهم تطبع في دور نشر صغيرة لا تحقق لهم الإنتشار المرجو . ومكابر من يدعي عكس دلك . لأن مؤسسات النشر العالمية الكبرى لا تهتم بالأدب العربي اهتمامها بأدب الثقافات الأخرى أولا ،ولأن العرب أنفسهم لا يولون للأدب اهتماما يدكر .
    فيما يخصني ، ترجمت روايتاي : الدراويش يعودون إلى المنفى وشبابيك منتصف الليل إلى الفرنسية وصدرتا عن دار تونسية / فرنسية هي : دار أسود على أبيض وراج النصان جيدا إد نفدت الطبعةالأولى في أقل من نصف عام وحصلت من الدار على حقوقي كاملة . لكن هدة التجربة انطفأت بسرعة لأن صاحب الدار أغلقها بعد أن قام بتجربة رائعة نشر خلالها عددا كبيرا من النصوص التونسية روجها خارج حدود الوطن .
    والمهم حسب رأيي هو أن يحقق المبدع العربي حظورا لافتا في بلده أولا ثم في وطنه الكبير ثانيا .
    أما الجري وراء العالمية في الضروف الحالية من خلال الترجمة إلى اللغات الحية ، فضرب من المحال ، إلا إدا كانت وراءك مؤسسة مالية كبرى شأن الكاتب الليبي ابراهيم الكوني المسنود من أعلى هرم السلطة في بلده .


    7- كثيرون يقولون أن الرواية هي مستقبل الأدب العربي ، هل يؤمن الدرغوثي بذلك ؟
    يظل الشعر سيد الفنون لدى العرب العاربة والمستعربة . فالأمية المستثرية في كثير من بلدان العرب تجعل من سلطة الرواية ثانوية مقابل الشعر . هدا الفن الأزلي الدي عاشر العرب على مدى الدهور ووسم وجدانهم بطابعه سهلت له الأمية المهيمنة على بني العرب هده المكانة المريحة التي يحضى بها الآن . فنحن قوم سماع والرواية بنت الرأسمالية التي علمت شعوبها القراءة والكتابة لتسهيل سيولة سلعها بما فيها الكتاب . لدلك ترى الكتاب يروج في الغرب . ولكن سوقه كاسدة في البلدان العربية .
    لقد ردد بعض النقاد مقولة – زمن الرواية العربية – ولكنني شخصيا أشكك في صحة هده المقولة وأرى أنها حلم صعب التحقيق لأن الرواية تتطلب قراء حتى تزدهر وتسود . والمجتمعات العربية لا تتوفر على هدا القارئ في الوقت الراهن .
    صحيح أن الرواية توفر للمبدع أفقا أرحب للتعبير من حيث بنيتها وقدرتها على اختراق بقية الفنون ولكن مقتلها يتمثل في العزوف على القراءة .
    8- الجوائز العربية في تونس وفي العالم العربي ، إلى أي حد تعتقد أن لها مصداقية ؟
    ككل الجوائز في العالم ، بما في دلك جائزة نوبل للآداب تتحكم في اسناد هده الجوائز آليات عدة آخره المصداقية . فللجان التحكيم شروطها الخاصة في اسناد هده الجوائز وقد تكون جودة النص هي آخر هده الشروط .فكثيرا ما سمعنا بجوائز أسندت لغير مستحقيها وترك مستحقوها في التسلل . أوفي أحسن الأحوال تقسم مناصفة بين نص جيد ونص غريب عن الجائزة غربة صالح في ثمود .








    الرواية بين التراث والتاريخ
    شهادة

    عشت طفولتي في عالم مسكون بالخرافات والأساطير والجنّ والشّعوذة. فبلاد الجريد التي أنتمي إليها عالم بذاته. هي واحة في قلب الصّحراء التونسية ( الجنوب الغربي المتاخم للجزائر ) عاشت ازدهارا منذ الفتح العربي الإسلامي حتّى دخول جنود الغازي الفرنسي لهذه البلاد في نهاية القرن التاسع عشر.
    كانت « بلاد الجريد » صرّة الصّحراء إذ فيها تتقاطع الطرق القادمة من المغربيين الأوسط والأقصى والأندلس والذّاهبة إلى مشارق الأرض. كما كانت المحطّة الأخيرة للتّجار القاصدين « أفريقيا » جنوب الصّحراء. ( مالي والنّيجر وتشاد ونيجيريا...) فامتزج في هذه الأرض التّاريخ بالجغرافيا: زنوج إفريقيا وبقايا الرّوم وبربر صنهاجة وكتامة وعرب العراق القادمين مع طلائع الفتح وبنو هلال وسليم ورياح وزغبة الّذين جاؤوا مصحوبين بكلابهم البيضاء الضّخمة وسيوفهم البتّارة وبناتهم الجميلات ( الجازية وأخواتها ) وفتوحاتهم وهزائمهم وخرافاتهم وسيرهم.
    عشت في هذه الأجواء طفولتي داخل زوايا الدّراويش والمجذوبين وأصحاب الكرامات ومقرئي القرآن والأحاديث النّبوية ومردّدي قصص " ألف ليلة وليلة " وسير " عنترة العبسي " وسيف بن ذي يزن " و " ذات الهمة و " ذياب الهلالي " و " خليفة الزناتي ". وصانعي البطولات ضدّ جنود فرنسا والشّعراء الشعبيين وآكلي العقارب والأفاعي...
    وكان جدّي درويشا ادّعى – وصدّقه الأهالي – أنّه متزوّج من جنّية أنجبت له أبي وعمّي وانتقمت منه فطارت إلى السّماء بعد أن كشف سرّها لبني البشر. جنّية لبست صورة بني آدم ولكنّها ظلّت تحتزن في داخلها نار الجحيم التي أورثتني نصيبا منها فعاشرت الأبالسة الذين علّموني السّحر وما يخفى طيلة ردح من الزمن. ثمّ ضاع منّي كلّ هذا الزخم حين اكتشفت " ماركس " و " إنجاز " و" لينين " و " ستالين " والمرتد " كاوتسكي والتحريفي حروتشوف والمعلم جدانوف والقائد " أنور خوجة " والرّائع " غيفارا ". فلعنت " ربيع براغ " ورفعت كتابي الأحمر الصّغير وأنشدت قصائد الثورة مع عمال " تيرانا" وفلاّحي أرياف الصّين الشّاسعة وأنا أحلم بالجنة.
    وتهشّم جدار " برلين " بصواريخ " الجلاسْنوسْت " وقذائف " البيروسترويكا " ففقدت اليقين. وظللت هائما على وجهي أخبط خبط عشواء في الليل البهيم إلى أن اكتشفت تجربة الكتابة الابداعية: قصّة ورواية. فدفنت نفسي وسط الكتب. قرأت الكثير ولم أكتب سوى القليل من المشاريع التي اقتربت من ذاكرتي المفجوعة بالويل والثّبور وعظائم الأمور.

    المشروع الأوّل: التّراث والتّاريخ.
    الرّواية التاريخية هي بنية زمنية متخيّلة خارجة من معطف التّاريخ. هي ما يتسرّب في مخيال المبدع من أحداث ووقائع وشخصيات وزمن تاريخي دون أن تكون التّاريخ كما هو واقع بالفعل حسب الرّواة والمؤرّخين سواء كانوا رواة السّلاطين والملوك والأمراء وأرباب الدّولة أو رواة المهمّشين والمعارضة. الرّواية التارخية هي قراءة المبدع للتّاريخ بعد أن صار من أخوات " كان " لذلك أحاول جاهدا في كلّ مرّة ألامس فيها التّاريخ أن أجعل ما هو مثبت في الموسوعات كحقيقة ثابتة لا يدخلها باطل، تجاور قراءتي الخاصة لهذا التاريخ في ضوء العلوم الحديثة. فأبطل في بعض الأحيان الثابت وأثبت في أحيان أخرى المتحوّل. وأتلاعب بالأزمنة والأمكنة فأستحضر شخصيات عاشت في العصور السّحيقة إلى القرن العشرين مثلا وأقرأ ردود أفعالها سلبا أو إيجابا. أو أستشرف المستقبل فأجعل شخصيات روايتي تعيش في أزمنة قادمة ( الثواب والعقاب في رواية القيامة... الآن ) انطلاقا من التّراث الديني كالقرآن والأحاديث والتّفاسير الصّحيحة أو الإسرائيليات. فأجعل نصّي « كوكتالا » تختلط فيه أقوال « الترمذي » و « البخاري » بتصريحات مذيعي « التلفزيون » وتتجاور فيه شطحات « الدّراويش » مع قراءة العلماء لهلوسات النفس البشرية الأمّارة بالسّوء.
    إنّ التّراث جزء مكمل لحياتنا الآنية. فكلّ واحد منا مسكون بالتّراث بشكل من الأشكال فمنذ أن يخلق نطفة في رحم أمّه يبدأ التّراث في محاصرته. تلبس أمّه " الوَدَعَ " وتٌعلّق في صدرها " حوته " وتضع على غطاء رأسها " خمسة " وتبدأ في عدّ الأشهر إلى أن تحين ساعة الطّلق فتستعين القابلة بالأولياء الصّالحين والمشعوذين وبتراب مكّة وبدعوات العجائز المباركات لتكون الولادة سهلة وينزل الجنين سليما معافى.
    بعد الولادة تبدأ النّذر والتّقرب إلى الرّب بالصّدقات والعطايا ليحفظ الطّفل من الموت. وهكذا دواليك إلى أن يضع الطّفل يديه على القلم ويفتح أوّل كتاب ويدخل مغارة " علي بابا " بعد أن يعرف السّر المكنون:
    " افتح يا سمسم ".
    شخصيا مررت بكلّ هذه المراحل وكلّ واحدة منها تركت في ذاكرتي ووجداني بقايا كبقايا سديم النّجوم المنفجرة منذ ملايين السّنين. ثمّ جاءت تجارب الحياة فأكملت ما أنجزه التكوين النفسي والاجتماعي لذاتي المبدعة.
    إنّ للمحيط الأسري دورا كبيرا في اهتمامي بالتّراث ولكنّ الدّور الأهم كان لاطّلاعي الواسع على الذّاكرة المهملة لهذه الأمّة، فالمدوّنة التّراثية العربيّة التي اهتمّت بالسّرد منذ البدايات حتّى نهاية القرن التّاسع عشر تحوي في طيّاتها عالما عجيبا ومخزونا ثريا من القصص والحكايات والأمثولات والطرائف والأخبار، والنّكات والوقائع والمقامات وغيره ممّا تفتّقت عنه الذّهنية العربية قبل ظهور الإسلام وبعده. فقبل ظهور الإسلام أي فيما كان يسمّى بالعصر الجاهلي، أنتج العرب كمّا هائلا من القصص لم يصلنا منها سوى القليل وهي القصص التي لا تتعارض مع مفهوم الدّين الجديد للحياة والمجتمع. ثمّ بعد ظهور الإسلام، بداية بالمدوّنة الخاصّة بسيرة الرّسول وقصص الفتوحات والغزوات، مرورا بطرائف الجاحظ والمقامات التي لم يشتهر منها سوى ما كتبه « الهمذاني » و « الحريري » ( مع العلم أنّ أكثر من ستّين كاتبا أبدعوا في هذا الفن )، ورائعة ألف ليلة وليلة التي اشترك في تأليفها المخيال الجمعي لهذه الأمّة على مدى قرن من الزمن، وسير عنترة العبسي وسيف بن ذي يزن وذات الهمّة والزّير سالم والظّاهر ييبرس، وأخبار الملوك والأنبياء والرّسل، وغير هذا كثير ممّا تحفل به بطون المخطوطات الرّاقدة في الخزائن الخاصّة والعامّة والتي لم تجد من يحقّقها وينفض عنها غبار النّسيان إلى حدّ الآن.
    إنّ هذه المدوّنة التّراثية التي أنتجها المخيال العربي ألهبت فكر قصّاصي أوربا. فقد ذكر بعض مؤرخي الأدب أنّ لقصص " الدّي كاميرون " الإيطالية التي تعتبر أم القصّ الأوروبي الحديث جذورا عربية وفدت عليها من خلال التّواجد العربي في جزيرة " صقليّة " كما أنّ « ثربانتس » صاحب « دون كيخوت » استلهم نصّه من خلال القصص الرّائجة في بلاد الأندلس قبل السّقوط النّهائي للعرب والمسلمين في تلك الأصقاع.
    وقد حاول المبدعون العرب في عصر النّهضة ( أي في نهاية القرن التّاسع عشر ) الانفتاح على تلك المدوّنة التّراثية بالتّوازي مع الاستلهام من النصّ الوافد من الغرب. وكان من أبرزهم: محمد المويلحي في « حديث عيسى بن هشام » وأحمد فارس الشّدياق في « السّاق على الساق فيما هو الفارياق ». ولكن الغلبة في الأخير كانت لطريقة السّرد الغربية بدعوى أنّ النّص القصصي وافد من الغرب وأنّ تقنيات الكتابة القصصيّة غير موجودة في التّراث النّقدي العربي وغير ذلك من الحجج المتهافتة. فكأنّ لا تقنية للكتابة السّردية سوى تقنيات « موباسّان » و « بلزاك » و « دوستويفسكي » أو « تشيكوف » و«والترسكوت »...
    إنّ قلّة من المبدعين العرب المعاصرين – وأنا واحد منهم – وبعد أن اطّلعوا على المخزون الثّري للمدوّنة الإبداعية العربية التي سبق وأن ذكرت بعضها، جرّبوا كتابة مغايرة للسّائد. كتابة لا تقطع مع الجذور ولا تتناسى العصر الحديث. وقد جرّب هذا الشكل الفنّي في تونس مبدعون مسكونون بهاجس التّغيير والخروج عن الطّرق السّالكة التي عبّدها كتّاب الغرب. وأهمهم على الإطلاق « محمود المسعدي » و« عز الدين المدني » من الجيل السّابق و « فرج الحوار » و « صلاح الدين بوجاه » من الجيل الجديد.
    إنّ النّص الإبداعي الحديث نص مغامر بطبعه، لن تكتب له الحياة والدّوام إلاّ إذا خرج عن المألوف والمكرور وضرب بعيدا في أقاصي الإبداع باحثا عن دِنان خمر لم تطمث من عهد ساسان ليسكب روحها في كؤوس من البلوّر المصنوع في معامل القرون الحديثة.
    إنّ التّراث العربي الإسلامي الشّفوي والمكتوب يحمل أشكالا مختلفة من السّرديات فالنكتة والطّرفة تحملان كثيرا من مواصفات القصّة القصيرة جدّا أو قصّة الدّقيقة الواحدة كالتكثيف الشّديد والخاتمة الصّادمة. والأخبار هي قصص تتفاوت في حجمها طولا وقصرا. أمّا المقامة أو الحديث فهي شكل راق جدّا شبيه بالرواية الغربية الحديثة. وقد بلغ السّرد العربي أوجه مع الملاحم والسّير وخاصة رائعة " ألف ليلة وليلة " التي خلبت الألباب وأذهلت الغرب قبل الشّرق. ولكن المؤسف هو أنّ المبدعين العرب لم يلتفتوا إلى هذا التّراث السّردي لاستلهامه و النّهل منه إلاّ فيما ندر – وإنّما ركبوا السّهل وادّعوا أنّ التراث العربي لا يحمل في خباياه القصّة والرّواية والملحمة. وزعمهم صحيح إذا قسنا السّرد المقصود بميزان النّقد الغربي. ولكنّه يجانب الصّواب إذا نظرنا إلى تراثنا السّردي بعيون عربيّة.
    لكلّ هذا حاولت العودة إلى هذا التّراث لابتكار معان جديدة وأشكال طريفة من رحم هذا القديم دون الانقطاع عن فنون السّرد الحديثة. لقد حاولت تطوير شكل الرّواية الغربية وأعطيتها نكهة أخرى بأن أركبت على الفرس الأوربية حصانا عربيا أصيلا. فجاء نصّي يحمل الصّفات الحميدة لكلا الجنسين. فيه مقوّمات الرّواية الغربية ولكن فيه أيضا إضافات الشّكل العربي كالاستطراد والعنعنة والتّدوير والشّعر والاستشهادات. وتحضر فيه أيضا الطّرفة والخبر والشعر العامّي وهلوسات المتصوّفة وغير ذلك ممّا حوى السّرد العربي القديم.
    هي على كلّ حال تجربة تهدف إلى إحياء ثقافة الأجداد والتّمرد على ثقافة الغرب التي تنظر باستعلاء إلى الثقافات الأخرى. ولي شرف القيام بها. فإن نجحت فلي أكثر من أجرين وإن فشلت فعلى غيري إثم الكافرين بالتّراث.

    المشروع الثّاني: الحداثة والتّراث :
    الحداثة حركة فكريّة تقوم على الإعلاء من شأن العقل وتعتبره الرّكيزة الأساسية التي تقوم عليها حياة الفرد والمجتمع وتؤكّد على أنّ العقل هو مصدر كلّ تقدّم وأساس كلّ المعارف. ولكنّي شخصيا ومع إيماني العميق بهذه المقومات أرى أنّ هناك أنماطا معرفية أخرى يمكن للفكر الإنساني أن يستثمرها للتعبير عن مشاغله في الحياة كأن يلتفت إلى الخرافة أو الأسطورة أو الماورائيات بصفة عامّة. هذا التراث الإنساني الذي أرى فيه مصدر تحرير للفكر من قيود العقل وانفلات من جبروته وتسلّطه. فلم يعد مطلوبا من المبدع العربي الذي عاش ويعيش عجيب هذا القرن والقرن الذي سبقه أن يعكس الواقع كما هو، بل صار محتّما عليه أن يهرب من هذا الواقع من خلال شبابيك واسعة يفتحها على التراث الذي يعجّ بالأساطير والخرافات التي فسّر بها الإنسان البدائي ماهية هذا الكون والتي صارت في هذه الأيام المفتاح السّري الذي لا يمكننا بحال من الأحوال أن نغلقه لفهم عجائب هذه القرن الذي تحول فيه العلم إلى أسطورة فاقت في غرابتها ما لا يمكن لأي عاقل أن يتصور. فأنا مثلا لا يمكنني أن أفسّر دكّ مباني مركز التجارة العالمية في نيويورك بتلك الأجسام الجهنّمية الطّائرة إلاّ بسورة الطّير الأبابيل التي ترمي بحجارة من سجّيل فتجعل الإسمنت المسلّح والحديد والبلّور والبشر والودائع الذّهبية وذاكرة رأس المال العالمي والسّكرتيرات الجميلات وطاولات الإينوكس ومديري الشركات العابرة للقارات والمخبرين الواقفين أمام المصاعد في الطابق المائة من البناية التي تطلّ على نعيم " مانهاتن " وأجهزة الكمبيوتر الفائقة الجودة ورادارات الانترنات الفخمة و... عظمة أمريكا. تجعل كلّ ما ذكرت. وما سهوت عن ذكره. وما لم يخطر على بال، عصفا مأكولا. ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله. ولله الأمر من قبل من بعد..
    إنّنا نعيش حداثة زائفة فالماضي والحاضر يتداخلان في وعي الإنسان العربي تداخلا لا فكاك منه. إذ أنّنا نحمل في ذواتنا تراثنا الثقافي وإرثنا من الحضارات التي تعاقب على الأرض التي مازلنا نعيش على أديمها. فنحن نعيش حاضرنا بوعي زائف لأنه حاضر مسكون بأشباح الماضي. حاضر مريض بالإنفصام يتجاذبه قطبان:

    القطب الأوّل: لحظة تالدة نريد أن نسترجعها ولو في شكل مهزلة.
    القطب الثاني: لحظة آنية نحياها حياة الأيتام في مآدب اللّئا؟.
    هذه العوامل السّوسيو – ثقافية قادتني إلى التراث العربي لاستقرائه والبحث من خلاله عن سبب تأزّم هذه المجتمعات العربيّة التي دخلت عصر « النّهضة » مع دول شرقية أخرى كاليابان مثلا. ولكن في حين عرفت اليابان كيف تستثمر إرثها الحضاري القديم وتطوّعه لبناء دولتها العصريّة. ظلّ المجتمع العربي يتأرجح بين العضّ بالنّواجذ على مفهوم للدّولة ولّى وانتهى أو عصرنة مجتمع بدويّ متخلّف، قسرا. وذلك بسنّ تشريعات تبقى في الغالب الأهم حبرا على ورق. لذلك حاولت توظيف هذا التّأزم روائيّا في نصوص انفلتت من عقالها فجاءت متأرجحة بين ماض ما انفكّ يتجدّد فينا كلّ يوم وحاضر يأبى الثّبات على حال من الأحوال.

    المشروع الثالث: الواقع والعجيب :
    أوجب علينا معلمنا « جدانوف » لمّا كنّا تلامذة أوفياء للواقعية الاشتراكية أن يكون بطلنا إيجابيّا. وأن ننظر إلى الواقع بعين بصيرة. وأن نصنع أبطالا خارقين لا يهابون الرّدى. وأن نرى المستقبل جنّة للمحتاجين والبؤساء تحت راية ثورة العمّال والفلاّحين التي ستدكّ قلاع الرّأسمالية دكّا دكّا.
    كنّا في تلك الأيّام نفكّر في تغيير العالم فجاءت قصصي التي كتبتها في ثمانينات القرن الماضي مرتبطة بالواقع كأحسن ما يكون الارتباط. تلامس أوجاع ناسه وتحتجّ صارخة في وجه قبضة البوليس وحذاء الجنديّ الخشن النازل للشوارع لقمع مظاهرات البؤساء والمطالبين بثمن عادل لرغيف الخبز ولقمة العيش. ثمّ فجأة، انهارت هذه الأحلام بانهيار « جدار برلين » وبسقوط علم « الأمميّة » تحت أقدام المحتجّين في شوارع « موسكو » ولينينغراد » وبالطلقة المكتومة من مسدّس في صدغ "تشاوسسكو" وبكتب الرفيق أنور خوجه المقدّسة تكدّس الزّبالة في شوارع « تيرانا » وبأمريكا تصرخ بأعلى مكبّرات صوتها بأنّ التّاريخ قد انتهى وبأنّ الرأسمالية في شكلها المعلوم ستسود في الدنيا والآخرة.
    في تلك الضّروف العصيبة هرب كلّ واحذ منّا إلى ذاته المعذّبة ليختار لها مصيرا. فمنّا من اختار الموت تحت عجلات جرّار زبالة البلدية. والبعض الآخر أصابه مسّ من الجنّ فأهلكه. وآخرون اختاروا " الخواء ". أفرغوا أبدانهم من أرواحها واشتروا الحياة الدّنيا بالآخرة. والآخرة خير وأبقى.
    ونظرت حولي أختار لي واحدا من المصائر فعافتها نفسي جميعها. واختارت القلم وما يسطر. وغيّرني القلم. صارت رؤيتي للعالم مغايرة للمعتاد. صرت أرى البشر يمشون على رؤوسهم. وصارت الحيطان تتكلّم والهواء يطلّ علينا بألف وجه ووجه. والطّيور أصبحت لها وجوه بشرية بأنياب خنازير. ولبست أرجل تماسيح وطارت بأجنحة كأجنحة طائرات الأواكس. وامتلأ العالم براحة الجيف بعد أن أمسكت بخناق البشريد جبّارة يحرّكها دماغ إلكتروني قادر على الاستماع لدبيب النمل ورؤية بريق الدّرهم من فوق سبع سماوات. إنّ المطّلع على نصوصي القصصيّة الأولى يجد ظاهرة العجيب والسحري مبثوثة في ثناياها. أي أنّني – وأنا التلميذ النّجيب المفعم حدّا التخمة بالواقعية الاشتراكية – وجدت في لاوعيي مكانا لهذه الظاهرة. فقبل أن أقرأ لـ « ماركيز » و « أستورياس » و « أكتافيوباث » و « إيزابيل اللّندي »، قرأت " القرآن " وحفظت هذا الكتاب عن ظهر قلب. وقرأت في طفولتي الأولى قصص « ألف ليلة وليلة ». وعايشت الأهل وهم يحكون الخرافات القديمة المسكونة بالجنّ والملائكة والعفاريت والغيلان والموتى الذين يخرجون من قبورهم ليلا يهيمون في القرية ويزورون بساتينهم في الواحة يسقون نخيلها ويقلّمون أشجارها ويشربون الشاي مع الأصدقاء ويبطشون بالأعداء. يفقأون أعين المتلصّصين على أراملهم وينامون في أسرّة الحبيبات نوما خفيفا. ويغادرون فجرا إلى الأجداث قبل أن يفاجئهم آذان الصّبح. وتعلّمت قصّ " السّيرة الهلالية ". وحفظت أجزاء كثيرة منها حتّى أنّني صرت أرى كلّ امرأة جميلة « عزيزة » وكلّ عاشق « يونس » .
    وكبرت. وكبر معي هم القراءة والنّبش في الذّاكرة المنسية لهذه الأمّة. فاكتشفت العجب العجاب في رحلات " ابن بطوطة ". و " عجائب مخلوقات " « القزويني » وغرائب قصص حيوان « الجاحظ ». هذا فضلا عن المعروف من القص العربي القديم في موسوعة « الأغاني » و « الكامل في التاريخ » والبداية واتلنهاية » وغيره... كـ « الإسراء والمعراج » وسيرة الرّسول المصطفى بصيغها المختلفة.
    في هذه المدوّنات يحلّق المخيال العربي إلى آفاق لم يبلغها أحد بعد أن تفتّحت أمامه أسرار السّماوات والأرضين وجزائر البحار السبعة. إنّ « ماركيز » تلميذ متوسّط الموهبة إذا قارنّاه بـ « القزويني » أو بـ « ابن بطوطة » على سبيل المثال فقط. لذلك أعدّ ننفسي واحدا من تلاميذ هؤلاء السّاردين العرب الكبار. أتجسّس على حكاياتهم لآخرجها من غياهب التاريخ وأ ضعها عارية أمام قارئ القرن العشرين وما تلاه. أكتب بها ومن خلالها ما يعجز فن القول الحديث عن الإتيان بمثله هازئا تارة بالجغرافيا وضاحكا تارة أخرى على ذقن التّاريخ.
    المشروع الرّابع: المقدّس والمدنّس:
    إن الدّين والجنس والسياسة رغبات مكبوتة، دفينة في أعماقنا ودور الكاتب هو أن يفجر هذه الطاقات في نص أدبي يصدم ذائقه المتلقي. دوره أن يصنع الإنسان السليم خارج دوامة الأمراض المستثرية فينا منذ أن أكل آدم من تفاح الجنة.
    لقد حوّل هذا الثالوث المحرم الإنسان العربي إلى رجل/ امرأة تعاني من الانفصام في شخصيتها. يتمارس العيب في الخفاء وينهي عن المنكر جهارا. ينتهك المقدّس الدّيني طيلة عمرها ويستغفر ربه عند الشدائد يسبّ الرّوس واليابانيين والإنجليز والأمريكيين واسرئيل والفرنسيين والناس أجمعين ولكن لا يتجرّأ على رفع إصبعها احتجاجا على الساسة من أبناء جلدتها. يكفر بكلّ الملل والنحل ويقف في الصّف ليصلّي في الجبّانة صلاة الجنازة ( هل لاحظتم كيف أنّني لم أنقط الياء من فوق هذه المرّة لأنّ المرأة لا تقف في الصفّ لتصلّي صلاة الجنازة في الجبّانة ) يبكي أمام صور القتلى من شهداء الانتفاضة في أرض فلسطين ولا تخرج للشارع محتجة على صمت الجهاز العربي من البحر إلى البحر. ( ولن أنتهي من عدّ أمراضنا الجنسية والدينية والسياسية لهذا أدعوك إلى ملئ الفراغ على هواك ) وسأكتفي بنقطة واحدة من هذا الفراغ هي المسألة الجنسية. فكثير من القراء يتهمون نصوصي بأنّها تسعى إلى تعنيف المتلقّي بصور خادشة للحياء والذّوق العام تشوّه الجسد وتقتل الرّوح وتبالغ في استحضار الرّغبات والشّهوات الكامنة في أعماق الغرائز الحيوانية للإنسان الأوّل !
    إنّني أريد أوّلا أن اتفق مع متقبّل نصي على نقطة مهمّة قبل التّواصل معه هي: إنّ الابداع شيء والمنظومة الأخلاقية السائدة لدى شعب مع الشعوب في جزء من المعمورة وفي زمان معيّن شيء آخر. فالإبداع ثابت والأخلاق متحوّلة. وما هو مقبول لا يثير الشبهات لدى شعب ما يبدو مقرفا يثير التقزز لدى شعب آخر. لذا وجب الفصل نهائيا في نظري بين الأخلاق والإبداع. فمتى وضعنا حدودا للإبداع قتلناه. ومتى سلّطنا الأخلاق على النص الأدبي حكمنا عليه بالموت والبوار. من هذا المنطلق أتعامل في نصوصي مع المنظومة الأخلاقية السائدة الآن وهنا.أتحدّاها جهارا نهارا. وأقول كلمتي وأمضي. وأسعد حين تصلني تشكيات وتظلمات من « تعدياتي على الذوق العام » حينها أتأكد من فداحة المصيبة ومن أنّ البون مازال شاسعا بين الحقيقة والخيال. ففي عصر الصورة العابرة للقارات والصوت النابح داخل الأجهزة المحملة بهواتف الانترنات. مازال للكلمة نصيب. مازالت الكلمة قادرة على خدش الحياء. فأتمسك بحقي في « الإعتداء » على هذا الحياء الكاذب وعلى الجزء العائم فوق الماء من جبل النفاق والكذب. وأتمنى لو أنّ العرب أمة تقرأ كما هو الشأن لدى الأمم التي تعاصرها في بداية هذا القرن الجديد. وتذهب أمنياتي أدراج الرياح حين أتذكر أن نجيب محفوظ « المنوبل » منذ أكثر من عشر سنوات مازالت كتبه تطبع في أعداد محدودة لا تفوت خمسة آلاف نسخة تظل مركونة على الرفوف لسنوات عدة يتراكم فوقها الغبار ويتبرز على ألوان أغلافها الباهتة الذباب وهوام الأرض. في حين يطبع من كتب أمثاله من أصحاب جائزة « نوبل » ملايين النسخ توزع هدايا بمناسبة الأعياد وتقرأ على الشواطئ وفي المنتزهات والحفالات وفي الميترو وفي المخادع الفاخرة. وأتحسر لأن عنف كلماتي الفاحشة لن يخدش حياء سوى قلة من « المثقفين ». ولن يصل إلى جمهور الشعب الكريم الصائح في مدارج الملاعب الرياضية وعلى الهواء مباشرة بما لذّ وطاب من فواكه الكلم الطيب.
    إن الجنس في نصي هم على القلب بالنهار وانفلات بلا حدود في الليل. وبما أن الإنسان حيوان جنسي. وبما أنّ الإنسان العربي متهم بأنه سيد هذه الحيوانات قاطبة فقد انشغلت في جزء من مشروعي الإبداعي بهذا المكبوت وافردت له رواية كاملة هي " شبابيك منتصف الليل". والغريب في الأمر أن القارئ العادي تقبلها بحماس أكبر من القارئ « المثقف » لآنه تعامل مع النص بدون خلفيات وبـ « قلب أبيض » بينما سعى الآخر إلى تأويلها تأويلات شتّى، أهونها خدش الحياء العام وأخطرها العمالة للغرب الأمبريالي والصهيونية العالمية.
    إنّ مشاكل الإنسان العربي متعددة، متنوعة بتنوّع ألوان الطيف. ولكن الثالوث المحرم يمثل قلب الرّحى ضمن هذه المشاكل. فلئن صفى الغرب حساباته مع هذه المشاكل فإننا مازلنا إلى الآن نتجادل حول جنس الملائكة ونترقب المهدي الذي سيخلصنا من الظلم ويملأ الأرض عدلا بعد أن ملأت جوارا. ونجلد عميرة على وقع رقصة هز البطن أمام شاشات التلفزيون الملون.




























    محاورة ابراهيم درغوثي
    دروب الكتابة النصية الآن
    دروب الفكر / الفن الهادف
    قام بالمحاورة : بلهوان الحمدي / تونس

    رسخ القاص والروائي التونسي إبراهيم درغوثي نسغه الإبداعي في مدونة السرد العربي بجدارة . ودأب في آثاره العديدة التي تتلون بشتى التلاوين وتروم مسارب التجريب . إعمال تنهل من شتى المصادر الفنية الغربية والتراثية وتتناول الحياة والإنسان في أحواله المختلفة . لقد زاوج بين القصة القصيرة والرواية : : النخل يموت واقفا " و " الخبز المر " و "رجل محترم جدا " و " كأسك ... يا مطر " ( قصص قصيرة ) و " الدراويش يعودون إلى المنفى " و "القيامة ... الآن " و " شبابيك منتصف الليل " و" أسرار صاحب الستر " ( روايات ) . وأصدر مؤخرا روايته الجديدة " وراء السراب ... قليلا ) تبشر بإيميل زولا عربي وGerminal
    عربية .
    إنك أن تحاور كاتبا فوارا كينبوع بارد في قلب الصحراء ، مغارة في عمق الكاتب / الموقف ، واقتحام له من حيث هو محترف أو ورشة إبداع تكشف أغوار الدرغوثي وتضيء سبل عوالمه السردية والفكرية .

    اهتمامك بالرواية متى بدأ ؟
    أذكر أنني كنت طفلا يافعا ، عمري أكثر من عشر سنوات بقليل ، حين بدأ اهتمامي بالكتاب المطبوع . فنحن ما كنا نملك في بيتنا كتبا لأن والدي كان أميا كأغلب سكان القرية ، والكتاب كان عزيزا ونادرا ندرة العملة الذهبية . لذلك صادقت أبناء عائلتين . عائلة مدير المدرسة الابتدائية ، وعائلة تمت إلى الوالدة بصلة قرابة دموية . من أبناء المدير تعرفت على أدب جرجي زيدان . ومن أطفال العائلة الأخرى ، قرأت الأدب الفرنسي : إيميل زولا وموباسان وفيكتور هيجو وغيرهم ... أذكر الآن بعد هذه السنين الطوال ، وكانني أذكر حادثة وقعت بالأمس أول رواية كاملة قرأتها .... كانت لجرجي زيدان ، وكان عنوانها " فتاة غسان " ، التهمتها خلال يوم وبعض ليلة . إلا أن الخاتمة كانت مفقودة ، فظللت أؤلف خواتم لتلك الرواية منذ ستينات القرن الماضي حتى الآن . ولعل واحدة من أطرف تلك الخواتم إنني سميت ابني البكر " غسان " .

    أفضل رواية كتبت حتى الآن ؟ أفضل رواية كتبتها حتى الآن ؟
    لا يمكن لي أن أذكر لك أفضل رواية كتبت حتى الآن . فأنا أمقت أفعال التفضيل أولا وثانيا لأنه من المستحيل أن نتوافق على أجود عمل إبداعي كتب حتى الآن .
    إن الاختيار عند الشخص الواحد صعب ، فما بالك بالكثرة . والروايات ، كالنساء لا يمكن لك أن تفضل واحدة عن الأخريات خاصة إذا كنا جميلات . فلكل واحدة حلاوتها وجاذبيتها التي تأسر بها القلوب .
    ومع ذلك سأذكر لك ثلاث روايات لا أمل قراءتها أبدا : " الآن هنا .... أو شرق المتوسط مرة أخرى " لعبد الرحمان منيف و " المسيح يصلب من جديد " لكزانتزاكيس ، و " الدون الهادئ " لميخائيل شولوخوف .
    أما عن رواياتي ، فأفضلها عندي " شبابك منتصف الليل " لأن " أبو اللعنات " هو " أنا " .

    أي شاعر تعتبره أكبر شاعر في سائر لغات القرن العشرين ؟
    لأنك خيرتني فإنني سأختار دون أن يطرف لي جفن ، محمود درويش . ولتذهب اختيارات سماسرة جائزة نوبل إلى الجحيم .

    لنتحدث عن التأثيرات غير الأدبية . تأثيرات كانت حاسمة بالنسبة لك ولآثارك : المرأة ، السياسة ...
    السياسة قادتني إلى الأدب فحين فشلت في النضال السياسي في نهاية ثمانينات القرن الفائت ، هربت إلى الأدب . ولأنني ورفاقي ما استطعنا تغيير العالم بالقوة من خلال تثوير العمال والفلاحين وسقطنا في اختبار لي الذراع مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي وزيت الذرة وأكياس الروبافيكا وبواخر القمح اللين ، فإنني ذهبت إلى الورقة لعلها تحتوي شيئا من عذاباتي وأحلامي .
    أما المرأة ، فهي الأتون التي تضطرم فيه ناري المقدسة .

    ما هي درجة أهمية النساء في حياتك ؟ هل تذكر متى جننت بأول امرأة ؟ وآخر امرأة أثارت اهتمامك ؟
    بدون المرأة لا يمكن لي أن أعيش يوما واحدا ، فهي ملهمتي في الدنيا الفانية وهي رجائي في الدار الباقية . وأنا : اللائيكي " أطمع في حياة أبدية من أجل المرأة . من أجل امرأة تختزل فتنة نساء العالم في جسد واحد .
    أول امرأة جننتني هي جارة ، كتبت فيها أشعاري الأولى وكدت أموت من الوجد يوم تزوجت . و ( جرحها ما زال إلى الآن طريا ) . وآخر امرأة هي طيف يزورني كل ليلة في المنام ، تترك عطرها على السرير وتذوب مع خيوط الفجر الأولى .


    ماذا تعني بالنسبة إليك " الحرية – الموت الآتي ؟
    الحرية : سراب نلهث جريا وراءه .
    الموت : حياة أخرى . فأنا أعتقد أن الإنسان يعيش حيوات متعددة . أنا مثلا عشت قبل الآن أعمارا أخرى في أزمنة موغلة في القدم . وسأعيش حيوات أخرى إلى ما لا نهاية ...
    الآتي " لا يخيفني أبدا ، بما أنني أعتبر الموت تجددا للحياة بأشكال أخرى .

    سئل حنا مينة كيف حال العرب ؟ فأجاب : كالشراع والعاصفة . بماذا يجيب إبراهيم درغوثي ؟
    أقول العرب يعيشون الآن كالأيتام على مآدب اللئام . ولا حول ولا قوة إلا ....

    ما هي نقطة الانطلاق لديك من أجل كتابة قصة ؟
    قد تكون حادثة بسيطة لا تجلب انتباه الإنسان العادي . قد تكون صورة في نشرة الأخبار أو شخصية لشخص ما ... أو كلمة ، صوت ، حركة ، مكان ... كل هذه قوادح لنار الكلمة الكامنة في أعماقي ، الساكنة تحت طيات الذاكرة المنسية .


    ما هي أهمية الجملة الأولى في نصك ؟
    للجملة الأولى أهمية كبيرة فيما أكتب وفيما أقرأ أيضا . إنني أختار ما أقرأ من خلال السطور الأولى للكتاب ، فإما أواصل مغامرة القراءة والاكتشاف وإما ارمي بالكتاب خارج الذاكرة . لهذا أختار دائما بدايات نصوصي بدقة متناهية . والطريف في الأمر أنني غيرت بعض بدايات قصصي في مرات عديدة بعدما اكتملت القصة وهدأ فوران الأحداث .

    هل تصحح كثيرا ؟ هل تمزق أوراقا كثيرة ؟
    في العادة ، لا أكتب نصا إلا إذا حصلت في ذهني صورة مكتملة لموضوع القصة . ثم يبدأ النص في الاختمار والتوالد . فأدون الخطوط العريضة على ورق الكتابة ثم من خلال الجذاذات التي تحصلت عليها أضع عوالمي وشخصياتي وأبني أحداثي بحرية تامة بعد أن أسجن الرقيب الذاتي في قمقم أرمي به في بحر الظلمات وأرشي الملكين المكلفين بيميني وشمالي بتذاكر للفرجة على فيلم يعرض للمرة الأولى قاعات السينما ... بعدها يسهل علي الأمر ويقل تمزيقي للأوراق .

    هل تحتاج إلى وقت طويل لكتابة رواية ؟
    تتطلب من كتابة قصة قصيرة زمنا يتفاوت بين ليلة واحدة وأسابيع عدة . أما بالنسبة للروايات فالأمر يختلف لأن ذلك يتطلب شهورا عديدة . وقد يتطلب أمر الكتابة في بعض الأحيان سنوات عدة لأن رواية اليوم لم تعد ذلك الهذيان الجميل فقط ، وإنما صارت نمطا من الكتابة العالمة العابرة للأجناس والفنون والعلوم . فحين كتبت روايتي " أسرار صاحب الستر "
    مثلا قرأت عددا من المدونات التاريخية القديمة التي تتحدث عن حكم بني أمية . وطالعت كتاب " الأغاني " بأجزائه الكثيرة لأتعرف على أجواء مجالس اللهو والطرب واللذة التي كان الخليفة الوليد بن يزيد الأموي يحييها في قصوره وفي منتزهاته . واطلعت على أكثر من كتاب في علم النفس لأعرف كيف أحلل شخصية ذلك الخليفة ، تلك الشخصية المليئة بالمتناقضات ، من أقصى درجات المجون إلى أعلى درجات التقوى ... هي إذن كتابة صعبة . ومن يستسهل كتابة الرواية في هذا الزمن ، خاطئ خطاء وجب رده إلى طريق الرشد بالكلمة المنطوقة ، فالمكتوبة ، فإن استحال ذلك فبالقلب وذلك أضعف الإيمان .

    هل تتحدث مع أصدقائك عن الكتاب الذي تعمل فيه ؟
    منذ أن يبدأ العمل في التشكل داخلي أبدأ في الحوار مع أبطال هذا العمل . أتحدث مع شخصيات قصصي وكأنني أتحدث مع شخصيات حقيقية . أتشاور معهم فيما يجب وفيما لا يجب ... إن هذه الشخصيات الورقية أجبرتني في أكثر من مرة على تغيير مسار أعمالي شأنها شأن الأصدقاء ( كان ذلك في البدايات ، أيام كنت أتلمس طرق الكتابة ) . أما الآن ، فإنني أحاول الانتهاء من الكتابة أولا ، ثم أعرض النص مكتملا على من أتوسم فيه رهافة الحس ورحابة الصدر وعمق الثقافة وخاصة الإيمان بأن للآخر أيضا الحق في رأي قد يخالف رأيك على طول الخط .

    ما هو المكان المثالي بالنسبة لك من أجل الكتابة ؟
    يقول وليام فولكنر : " المبغى هو المكان الأكثر ملاءمة للكاتب ، فالهدوء يسود هناك كليا في ساعات الصباح ليحتفل بالمرء عند المساء " .
    طالما غبطت من يكتب وسط ضجيج المقاهي لأنني لا أستطيع الكتابة إلا في الأماكن الهادئة ليتسنى لي الاستماع إلى الصخب الذي يضطرم في أعماقي .

    قال هيمنغواي : لا يجوز للمرء أن يتوقف عن الكتابة إلا بعد أن يعرف كيف سيتابع في اليوم التالي .
    أتوقف عن الكتابة حينما أعجز عن إتمام جملة من جمل نصي . وقتها أعرف أن المخيال الذي أغرف منه قد جف نبعه ، فأضع قلمي جانبا وأذهب للنوم . لكنني حين أعود إلى نصي أقرأ الخاتمة التي وقفت عندها مرات عدة لأواصل من حيث توقفت أو لأبدأ بدايات أخرى ، إذ طالما غيرت البدايات الجديدة مصائر شخوصي وبدلت وقائع الأحداث الجليلة .

    هل تعرف قبل أن تكتب رواية ماذا سيحدث لكل شخصية فيها ؟
    هذا مستحيل ، فشخصيات قصصي متمردة ، ترفض الانقياد لمشيئة السارد في أغلب الأحيان وتختار مصائرها بنفسها .

    ماذا يحدث عندما تنتهي من كتابة نصك ؟ هل يفقد اهتمامك إلى الأبد ، فيصبح أسدا ميتا ؟
    لا . في أكثر من مرة عدت إلى قراءة كتبي السابقة . وقد وددت في أحيان كثيرة إعادة كتابة قصصي ورواياتي . النصوص لا تموت فهي حاضرة دائما في وجداني تتنافذ مع بعضها وتتكامل وترفض الثبات على حال واحدة . ولو قيض لي كتابتها مرة أخرى لجاءت في شكل مغاير قد يختلف على الشكل الأول اختلافا بينا .

    هل أن الحقيقة هي دائما أفضل شكل أدبي ؟
    الحقيقة شكل من أشكال التعامل مع الحياة والفن . وقد يتفوق الخيال في بعض الأحيان على بعض حقائق هذه الدنيا . الكاتب وهو يتعامل بحياد مع بعض " حقائق "الحياة ، في مقدوره أن يصنع منها أشكالا جديدة للكتابة كالفنطازيا والحلم والعجيب والغريب ، حيث يشكلها ويطوعها لتصبح مادة نصوصه الخارجة طازجة من رحم الحقيقة .

    ألا ترى أن القارئ غالبا ما يلاحظ سحر الأشياء التي يرويها دون أن يرى الواقع الذي أوحى بها ؟
    وهنا مربط الفرس ، كما يقول العربي القديم ، لأن عين الفنان ترى ما لا يراه الإنسان العادي .
    وإلا فبماذا سيمتاز الفنان عن عامة الشعب ؟

    عندما تكتب ، هل تتصور متقبلا افتراضيا ما تخاطبه لغة وأطروحة وأسلوبا ؟
    لو وضعت في حسابي متقبلا افتراضيا لنصي لأحجمت عن الكتابة . لأننا يا صاحبي نعيش في مجتمع كل واحد فيه يظن نفسه مالكا للحقيقة وما عاداه خارجا عنها . لهذا تكثر في هذا المجتمع الممنوعات والمحاذير
    والحكم على الآخر بمعيار أخلاقوي . لكل هذا أخمص عيني وأكتب ما يحلو لي كتابته . فمن شاء فليؤمن بنصي ، ومن شاء فليكفر به .

    هل تخشى " مطحنة " النقد ؟ وما هو الدور المناط بالتقاد حسب رأيك ؟
    لا أخشى النقد ، وإنما أفرح كلما وجدت نصي على طاولة هذا الفنان العليم بأسراره يشرحه على هواه ويعرضه للقارئ عاريا من ورق التوت . فالنصوص الجيدة تستفز النقاد فيذهبون للبحث عنها ويلاقونه بالترحاب ساعة الالتقاء بها . أما النصوص العادية ، فتظل تراود النقاد حينا من الدهر ثم تبور بضاعتها فتموت .

    ما مدى صحة رأي الباحث جابر عصفور القائل في كتابه : " زمن الرواية " إن الرواية هي القادرة بمفردها على مواجهة القمع ؟
    هذا رأي صائب في بعض وجوهه . ولكنني أرى أن الرواية وحدها عاجزة عن القيام بهذه المهمة الصعبة ( التي لو وضعت على أكتاف الجبال لهدتها ) . إنني أظن أن فنونا أخرى أيضا بمقدورها معاضدة جهد الرواية للقيام بهذا الأمر كالسينما والمسرح والتلفزيون والرسم و... منظمات حقوق الإنسان .
    وهو الدور الذي قامت به لوحة " غرنيكا " لبيكاسو مثلا ...

    ماذا يستطيع الأديب أن يفعل أمام حفرة تحتوي على مئات الجثث الآدميين الذين قتلوا أمام بعضهم البعض ؟
    هل يصف سماء زرقاء مثلا ؟
    هل يصف حبيبين في حالة عناق ؟
    أمامه خيارات عدة :
    كأن ينخرط في بكاء هستيري .
    أو يسأل هؤلاء الأموات لماذا قتلوا بهذا الشكل ؟
    أو ... يذهب ببساطة ليوبخ الريح التي قادته لهذه الحفرة النتنة .

    الكاتب العربي اليوم جبان ومتملق . قلبه مع الحرية والأحرار وسيفه على رقابهم . كيف ترى دور المبدع والمثقف والكاتب العربي في ظرف تحولت فيه أمته إلى قطيع نعاج تنتظر الذبح ؟
    على المبدع أن يدق بيديه الاثنتين على جدار خزان قصة غسان كنفاني التي حولها الطيب صالح إلى فيلم من أروع الأفلام العربية بعنوان
    " المخدوعون " . أو يدفن رأسه في الرمل في واحدة من صحارينا العربية . وما أكثرها صحارينا العربية ...

    ماذا توحي لك هذه الأسماء : كريم الناصري ، تاج الدين فرحات ، سعيد مهران مصطفى سعيد ، غيلان ، طالع العريفي ؟
    كريم الناصري ( الوشم ) ، تاج الدين فرحات ( النخاس ) ، سعيد مهران ( اللص والكلاب ) ، مصطفى سعيد ( موسم الهجرة إلى الشمال ) ، غيلان ( السد ) ، طالع العريفي ( الآن هنا ... أو شرق المتوسط مرة أخرى ) : طالما لبست أقنعة شبيهة بوجوه هؤلاء الرجال ، وتقمصت أدوارهم على مسرح الحياة . حتى أنني في لحظة جنون ، أخرجت طالع العريفي من بين أوراق رواية عبد الرحمان منيف وأجريت في عروقه دم الحياة . وجعلته يمثل دورا آخر في روايتي " القيامة ... الآن " لأنتقم له من جلادي الدنيا انتقاما على الورق . هو انتقام على كل حال ... أليس كذلك ؟
























    العمارة الفنية في رواية : السيرك
    لصلاح الدين بوجاه .

    تبدأ الرواية بإهداء ،وتنتهي بنافلة .
    الإهداء للزقاق ، ولرفاق رحلة السارد في هذه الرواية . والنافلة نصيحة أوردها أبوعبد الله محمد بن الأزرق في كتابه : بدائع السلك في طبائع الملك ، تدعو إلى التحكم في الأسرار وكتمانها ، حتى تصح .
    وبين الإهداء والنافلة تنبني عمارة الرواية .
    تبدأ الأحداث بمنظر بانورامي من الزقاق الذي يقودنا إلى السقيفة الأولى ، فالسقيفة الثانية . ومن السقيفتين إلى وسط الدار ، فالمقصورة ، فالمسراق . لنخرج من الرواية من خوخة الباب .
    ندخل ونخرج وأحداث الرواية تلهينا بالظاهر بينما تغتني هي ببواطن الأمور . وبين الظاهر والباطن تدور الأحداث .
    ندخل من الزقاق إلى دار " راضية الجمالي " و " فرناق الرحبة " و " بطحاء الجرابة " ، فيعترضنا في دار راضية ، أختها مريم وساسي وضباط قدامى ومظفون سابقون وأثرياء جدد وزوجة مسؤول إداري متقاعد ، كلهم جاءوا ليتسلوا بالخمرة والرقص والموسيقى في حفل يكرع فيه " الماغون " حتى طلائع الفجر وتهتز فيه الأرداف وتدوخ الأنفس برائحة المخدر الوطني والمستجلب من الخارج .
    وفي " فرناق الرحبة " نعثر على حثروم الفرانقي ودودو وقاقة الصغير وشراب اللاقمي المستجلب من سانية ذراع التمار ولحم كلب متبل وأكياس فحم وحطب وبراميل نفط .
    وفي بطحاء الرحبة ، في مصبغة سرغين ، نتعرف على محسن البياض وحسين المنفي وسالم الحوات .
    وفي المنشية ، قاقة الكبير وأخته هندة وعلي الميليشيا وسالم الحوات .
    هل نسيت أحدا من عدة ميمون النجار ، المفتش الجديد الباحث عن فك مغاليق الشوارع المبهمة . بالطبع ، فهم أكثر من أن يحصوا ، وسيأتي ذكر البقية تباعا ونحن نصاحب هذا المفتش في حله وترحاله . هذا المفتش الذي " هو مزيج من شيخ جليل ومهرج في سيرك جوال " ( الرواية ص 12 ) .
    في دار راضية الجمالي " تعترضنا السقيفة الأولى وفيها نتعرف على طقوس قبول المريدين ، هي طريقة وثنية رومانية ويهودية وباطنية ، فقدت المعاني الكامنة فيها ولكنها ظلت تعبق بروائح البخور والمؤامرات والدسائس . وتنسج فيها الصفقات والألاعيب من " وراء ظهر " المفتش ميمون النجار . ولكن هل حقيقة أن هذا المفتش غافل عن حوادث الحفل ؟ وهل في مقدوره أن ينسى مهنته الأصلية وهو يراقب الأحداث ولا تغيب عنه " نقطة نور حمراء صغيرة رفافة في سقف الدهليز " ( الرواية ص 19 ) ، حسبها ضوء كاميرا سرية فذهب يستجلي أمرها ولكنه ضاع في متاهات البيت القديم .
    في هذه المتاهة التي يضيع فيها الجاسوس ، مكان للحب . حب عنيف ينشأ بين حسن الشاعر فأر الكتب ومريم ذات الورع البسيط والتدين غير المعلل . مريم سليلة دار المجون والعربدة تهمل رجال الأعمال والسياسيين وأصحاب الموبقات وتتعلق بحسن ليصير عندها كل الدنيا . وميمون النجار كالطائر الكاسر يراقب الأحداث من عل ليبعث عند الفجر رسائله بالفاكس ويجري بعض المكالمات قبل أن يخلد للراحة .
    ونفاجأ ونحن في السقيفة الثانية بجريمة قتل . يموت الصحبي السعفي وترمى جثته تحت جدار خرب لفسقية مهملة ، فينبري ميمون النجار يبحث في هذه الجريمة . ونعرف ونحن نصاحبه في بحثه أن القتيل كان يعمل عونا بإدارة الضرائب وأنه نزيها . يحلم كثيرا ويروي أحلامه للمشتغلين بالغيب . وأنه كان مغرما بجمع الطوابع البريدية وبمطالعة الورقات الثقافية في الجرائد . ولكنه ، بعد التقاعد ، صار صاحب نعمة محدثة . وتنتهي حكايته باكتشاف المفتش لمساومات تعرض لها حول الملفات التي كان يمسك بها .
    ولكن هل حقا انتهت حكاية الصحبي السعفي ؟
    أبدا لم تنته الحكاية لأن طيف الرجل سيعترضنا في الأيام العصيبة التي عمت فيها الفوضى كامل البلاد .
    في هذه السقيفة أيضا نتعرف على خديجة زوجة الرحموني التي تعمل في بيوت الأفراح تعد العرائس لليلة الدخلة . والرحموني يعمل مغسلا للأموات ، يجهزهم لملاقات وجه الرب . وتحت ثوب العروس وكفن الموتى تمرر عمليات مسترابة : تهريب سلع عادية ومحظورة وحشيش ومخدر. وميمون النجار يجعل للمدينة نموذجا مصغرا لناسها ومبانيها . مدينة تسكنها تماثيل شمع . مدينة يحولها خياله إلى مدينتين . واحدة من صخر والأخرى من شظايا تهويماته . فيها تتحول زربية عتيقة من مخلفات الأجداد عثرت عليها راضية الجمالي في صندوق قديم إلى وثيقة تاريخية تحتوي طلاسم وأسرار تركها الولي الصالح سيدي حامد قشيش . وتفوح الرائحة في المدينة فيتناقل الأهالي أخبار الكنوز الضائعة ، فتشتعل العزائم لفك طلاسم الزربية في عدو مجنون وراء سراب خلب .
    ثم ندخل وسط الدار ، فنتعرف على أصول ميممون النجار الريفية وعن تنقلاته بين الأعمال الوضيعة والدراسة في الجامعة . وبين معاشرته لكل الموبقات ومشاركته في معركة برج علي رايس ، تنبني شخصية هذا الرجل الذي يفضل الانتماء إلى سلك الحرس الوطني ليصبح مفتشا يحقق في الجرائم العادية والخارقة محولا الحياة إلى لعبة " ماناج " كبرى . جامعا حوله مجموعة من مريديه يمدونه بأخبار دور البغاء وبالمضاربات بالأقوات وبالجواري وبأحوال البلاد والعباد .
    في وسط الدار نلتقي مرة أخرى بحسن الشاعر الهارب من بيته ومن حب مريم أخت راضية الجمالي . يهرب الرجل من الحب فيقع في العذاب . يجمع بين الأختين في دار عمته دوجة لتكبر لذته ويسلو غرامه . ولكن هيهات فمريمة دائما في القلب .
    في وسط دار راضية الجمالي ترى العجب العجاب . يتحول بائع روبافيكا إلى العمل السياسي ، فيشتري الجاه بالسخاء و بالمتع والأجساد البضة والماغون . وتتحول درة الفاتنة إلى قاضي قضاة المدينة .
    ونمر من وسط الدار إلى المجلس الكبير حيث يجتمع بوليس وراقصة وشاعر . ميمون النجار وراضية الجمالي وحسن ، يتحدثون بكلام الحكماء ومريم تروح وتجيء بينهم بالحلويات . فتختلط حكايات البوليس عن جبل برقو وأسداس البوخة والخنازير الجريحة بدعوة حسن للبناء بمريم وبغمزات سندة المفضوحة لميمون النجار . وبالود يكبر بين الراقصة والمفتش السري .
    وتنتهي السهرة في دار راضية الجمالي فيركب المفتش الكاليس مصحوبا بخثروم ليطوف بالأماكن الموبوءة من وسط المدينة حتى سانية ذراع التمار . هناك يلتقي بالأعراب الوافدين للسلام عليه ولحديث آخر الليل .
    ويقرر ميمون النجار الاعتكاف في سانية ذراع التمار ، فتقوم القيامة في المدينة . يختلط الحابل بالنابل ويغدو الوضيع وجيها والعكس بالعكس ، فتطوف الصبايا بخثروم ، ويتجمل قاقة . ويمتلك باخو دكاكين القماش الرفيع ويستحوذ الرحموني على حوانيت الشرب . كل ذلك في طقس سوريالي إذ يتكلم الموتى وتنبت قرونا للجزارين وتبرز أعراف ديكة لبائعي الدجاج . ويموت الحب بين حسن ومريم ، فيتحول عنها إلى سندة النحيلة السمراء . وتترجم مريم رأيها في الرجال، فهم كلاب لا يليق بهم سوى أن تعاملهم كما تعاملهم راضية الجمالي . وتضرب عن العودة إلى منزلها وتختار الاستقرار من جديد في دار أختها .
    كل ذلك وميمون النجار معتكف في سانية ذراع التمار لا يشارك في الأحداث إلى أن انهارت المصبغة ودفعت المراجل ما فيها إلى الشارع كطوفان جديد .
    يقودنا هذا الطوفان إلى المقصورة . فكلما عظم شأن الحكاية زدنا إيغالا في دهاليز راضية الجمالي . فنكتشف الخروج العظيم الذي اختلطت فيه السيارات والدراجات وزلاجات البلاستيك بالأحمرة والراجلة في رحلة عجيبة تقفز فيها الصبايا فوق الأشجار ويطير فيها الصبيان في سماء غابات الزيتون واللوز .
    وبعد أن انتشرت الفوضى في كل البلاد . فوضى عارمة لا تبقي ولا تذر . وتفرق أهل المدينة في كل الأصقاع يملكون بحد السيف وبعنف طلقة البارود كل ما اعترض سبيلهم . خرج ميمون النجار من حيث لا يعلم أحد لينصب نفسه ملكا على هذه الفوضى وليقلب الموازين فتصير راضية الجمالي غريمة الأمس حليفة اليوم في اتحاد غريب توزع فيه العطايا على الأهل والأتباع . ثم يظهر على خشبة السيرك الكبرى عامر قائدا جديدا لهذا الطيش الكبير . فيواصل مع الجماعة غاراته على الجهات الأربعة تحت أنظار الفلاحين وجوارح الساف والعقبان . وليضع تقويما جديدا فيه شهر للخمر وآخر للخبز و ثالث للوهم الجميل .
    وتنتهي سنوات التيه ، فيعود الجميع إلى البداية القديمة ، إلى عتمة دار راضية الجمالي " فلا شيء يحدث ... لا شيء يتغير " ( الرواية ص 82 ) .
    وتهدأ العاصفة في المستراق . تهدأ العاصفة ونحن نتأهب للخروج من الدار ومن أحداث الرواية . فترجع راضية الجمالي إلى عاداتها القديمة ، سيدة في بيتها تأمر وتنهي . وترجع الجماعة إلى الرحبة وفنونها ليفجر فيهم حسن كشفه الرهيب . إنهم يعيشون في مدينة النحاس . مدينة خارجة من بطن التاريخ . بشرها حجر فقدوا ملامحهم الإنسية وتزيأوا بزي الحجر .
    في هذه المدينة ، عاد ميمون النجار يفتح مكتبه ليبدأ اللعبة من نقطة البداية ولكنه يعرف في قرارة نفسه أن لعبته لن يكتب لها النجاح إلا إذا هجر هو وأصحابه هذه المدينة " مدينة النحاس والموتى " ( الرواية ص 87 ) . فيخرج إلى الخلاء ويشتري قطعة أرض واسعة ضمها إلى سانية ذراع التمار ليبني فيها مدينته الفاضلة .لكن هذا الحلم ذهب أدراج الرياح بعد أن ذكرته راضية بأن لا جدوى من هذا العبث . فمدينته هذه مرسومة على الزربية العتيقة التي عثرت عليها في صناديق جدتها . وأن ما يجري وراءه هو وهم وسراب ، فتتواتر عليهم الأخبار السيئة وهم في حمى العمل : فيطرد ميمون النجار من عمله وتدخل راضية السجن وينفى حسن من المدينة ويختفي بقية الصحب في الدهاليز المعتمة أو يلتحقون بخدمة المفتش الجديد . ولا ييأس ميمون النجار ، فيواصل العراك متسلحا بعناده الأصيل ، فتخرج راضية من السجن ويعود حسن إلى كتبه ويطل الهاربون برؤوسهم من وراء ظلام الدهاليز ليصنعوا للمدينة لهوها وصخبها " ماناج " يشفي غليل الكبير والصغير . يتعشقه الكل ، نساء العائلات الكبيرة ورجالاتها ، ففيه لهو وعبث ولعب آناء الليل وأطراف النهار . وميمون النجار من وراء مكتبه المكيف يشرف على الظاهر والباطن . وعامر يجمع الأموال التي حولت الجميع من حال العسر إلى اليسر ، فوجد ميمون بابا يصرف منه على المشاريع العامة في المدينة صحبة أولي الأمر . فهل صار
    " الماناج " وجه من وجوه الخروج والفوضى بعد أن اتخذ شكل " سيرك " شارك في ألعابه الخارجون على القانون زمن الخروج الكبير ليلهوا أنفسهم بألعابه ، وليتلهى بعدهم سكان مدينة النحاس .
    ونخرج من الرواية كما دخلناها ، في خوخة الباب ديكور بدائي لخيمة السيرك الكبيرة . خيمة تضج بالأنوار والأصوات وعلىالحبل سندة تلعب ألعابها البهلوانية صحبة ميمون النجار . فيرقص الجميع رقصة مجنونة تنتهي بصراع على أرضية السيرك بين راضية وسندة . صراع مجنونتين أكلت الغيرة منهما العقل والقلب ودوختهما ذكرى ليلة من ليالي الخروج والفوضى ....
    هذه على الأقل ظواهر الأمور ، وأما عن بواطنها فحديث آخر ...























    الكاتب ابراهيم درغوثي للملاحظ :

    ثلاثة أسئلة من طرح : المحسن بن هنية

    1- رأيناك تنظر إلى – النخل يموت واقفا – وكنت تلوك – الخبز المر – وأنت تستقبل – الدراويش يعودون إلى المنفى – وقد هالك الأمر وكأنك ترى – القيامة الآن – وعندها تلبس البدلة وربطة العنق لتكون ك – الرجل المحترم جدا - . ولكن ماراعنا وأنت الرجل المحترم جدا إلاّ وأنت تنظر وراء – شبابيك منتصف الليل – وتخرج غير مبال تحت الرذاذ متحديا له : - كأسك ... يا مطر – ولا يخجلك أن تهتك –أسرار صاحب الستر – وما زلت تفجر الأشياء ...
    أستاذ ابراهيم كيف مررت من هذا الركام أوكيف مر بك هذا الكل ... وإلى أين أنت به ذاهب .... أم هناك أشياء أخرى – وراء السراب ... قليلا –

    سيدي وراء كل عنوان من العناوين التي ذكرت موقف ورأي . موقف من العالم ورأي حول مفهوم الأدب والفن .
    فلئن كنت في زمن ولى وانتهى نظرت إلى الدنيا بعين الحالم فرأيت النخل يموت واقفا – مثلا ، فما ذلك إلا لأنني كنت مهووسا بقراءة أدب الواقعية الإشتراكية الذي كنت أرى فيه الأدب الوحيد المعبّر عن طموحات طبقات الشّعب الكادحة من عمال وفلاحين ومن والاهم من الأنتلجنسيا ... والحالمين بالجنة الأرضية .
    ولكن الهزة التي دكّت العالم في نهاية ثمانينات القرن الماضي والسقوط المدوّي لإشتراكية غورباتشوف وتهافت سكان أوروبا الشرقية على المكدونالد والبيبسي كولا ... هز كثيرا من اليقينيات التي عشّشت في ذهني وكيفّت عقلي ووجداني ممّا جعل حلاوة الخبز تتحوّل إلى طعم العلقم وطراوته إلى يباس .
    فمنذ بداية تسعينات القرن الماضي صرت أرى الدنيا بعين أخرى . عين تقرأ الأشياء في حقيقتها ، لا كما نودّ نحن أن تكون . ووازنت بين الممكن والمستحيل فرأيت أن تنظيرات معلمي جدانوف لم تعد تصلح لزمن الهمبورجر والأفكار المعلبة التي ترى أن التاريخ قد انتهى وأن القيامة قاب قوسين أو أدنى . لذلك كتبت روايتيّ : الدراويش يعودون إلى المنفى و القيامة... الآن عن هذا الزمن المأزوم . هذا الزمن الذي فقد قيمه وفقد فيه الإنسان إنسانيته بعد أن سيطرت على الكون يد عملاقة تسوسه على هواها .
    إن النصّ الإبداعي وثيقة تعبّر كأشدّ ما يكون التّعبير عن الزّمن الذّي يعيشه المبدع بخيره وشرّه . ولا خير في نصّ يمرّ على الحوادث التي تعيشها أمته دون أن يؤرخ لها ، لا كما يريد كتبة السلطان وإنما كما يريد هو . فكثيرة هي الكتابات الإبداعية التي اخترقت الأزمان ووصلتنا الآن وهنا لتجعلنا نعايش تلك الأزمان وكأننا منها، ضاربة عرض الحائط بنصوص المؤرخين وكتبة الدواوين السلطانية .
    كيف مررت من هذا الركام . أصدقك القول ياسيدي . مررت بصعوبة لا تصدق . مررت من هذا الركام بعد أن تركت في المسارب التي اتبعتها ، كثيرا من ريش الجناح الذي أطير به . فليس من السهل أن تخترق السائد وأن تقنع بنصك الجديد الجماعة ، خاصة إذا كان هذا النص متمرّدا في شكله ومضمونه ، لا يأبه بالأمور الجليلة التي قد تصدم ذائقة متلق اعتاد على أن الأدب هو دروس في الوعض والإرشاد حتى إذا تصفح نصي هاله ما يقرأ فقام يدعو بالويل والثبور وبعظائم الأمور متناسيا أن الأخلاق متحركة لا تدوم على حال . فما هو ممنوع الآن قد يصبح مباحا غدا وما هو مستهجن لدى شعب من الشعوب قد يكون مستحبا لدى شعب آخر .وروايتي – شبابيك منتصف الليل – المطاردة باللعنة في الثقافة العربية الإسلامية يتهافت عليها قراء الثقافة الفرنسية وتجد لديهم الترحيب والتبجيل . مع العلم أن لا شئ دائم فقد منعت رواية – الخبز الحافي – للمغربي محمد شكري في كل البلاد العربية تقريبا سنينا طوال ولكنها اليوم تعرض على واجهات المكتبات الكبيرة في شوارع المدن العربية وتدرس في أهم الجامعات .
    هل أنا نادم عن هذاالنهج الذي سرت فيه . أبدا . فطريقي ما طويلا . وخطاي لن تكلّ عن المشي



    2 – عرفتك رجلا عاديا باشا صموتا ، لا ينزل ساحتك الكبر أو لوثة الغرور . تتكلم في هدوء . لا ترفع صوتك أو تتفوه بكلام نابي أو فاحش . هكذا أنت الظاهر . ولكن في الخلوة مع الورق والقلم يظهر ابراهيم درغوثي الكاتب المخالف لابراهيم درغوثي العادي .
    هل يمكن القول أن الكاتب شخص ثان يسكن الشخص الظاهر للناس ولا يحضر إلا في الخلوة ، ولا يتلبس صاحبه إلا إذا أمسك بالقلم ... وهذا الثاني إذا أقررت به يحضر معك متى استدعيته أم يستعصي حضوره أحيانا .

    دعني أوّلا أقرّ بأنّ قوانين المجتمع الذّي نعيش فيه تكبح جموح المبدع / أيّ مبدع كان . لكن الفرق بين هذا وذاك يتمّثل في مدى قدرة الواحد منهما على التمر ّد على هذه القوانين والفكاك من أسرها . فالمنظومة الأخلاقية شئ والإبداع شئ آخر . ومتى جعلنا من الإبداع خادما للأخلاق فقط قتلنا روح المبدع . لأنّ الإبداع في أصله تمرد عن السّائد وذهاب إلى الأقصى . والمنظومة الأخلاقية السائدة في المجتمعات منذ أقدم العصورألى يوم الناس هذا كابح لهذا التمرد بالقوانين المكتوبة أو المتواضع عنها من طرف الأغلبية . ...
    وهذا الكلام يقودنا إلى طرح سؤال مهمّ جدّا : هل كل مبدع كائنا مزدوج الشخصية ، يعيش حياتين ويلبس وجهين ويتزيأ بزيين أم أن هذه الصفة قد تنطبق على البعض دون الآخرين .
    ما أعرفه أن العظماء من المبدعين فقط هم من كانوا على شاكلة من ذكرت – أي بشرا بألف وجه ووجه - حتى عدّوا عند عامة الناي بما في ذلك بعض المثقفين (أي المثقف الشبيه بالعامي في تفكيره وفي تقديره لعظائم الأمور ) من المرضى الذين يستوجب علاجهم . فأنت في مجتمع يصعب عليك أن تمارس فيه حريتك بإطلاق ، بما في ذلك حرية أن تكتب على هواك لا على هوى المتقبل لنصك . حينها ( وإذا كنت مبدعا حقيقيا لا مبدعا مزيفا ) يحضر الشخص الآخر – القرين – كما عبّر عن ذلك شعراء ما سمّي بالعصر الجاهلي ليعوّض جبنك وتخاذلك وخوفك من الرقيب بأشكاله المختلفة : سيف الدين ، وسوط السياسة ، وازدراء الأخلاق .
    إن علم الأدب الحديث يفرّق بين الكاتب وسارد النص . فالكاتب هو شخصية اجتماعية لها مكانتها في المجتمع الذي تعيش فيه ( أسرة وعمل وميثاق إجتماعي يتحكم في أفعاله وأقواله و...) ولكنّ السارد هو شخصية مختلقة عن الكاتب – شخصيّة من ورق – قد تتفق مع صانعها في بعض الأمور ولكنها قد تتمرّد عن هذا الخالق في أمور أخرى متجاوزة الحدود الحمراء التي يهاب الكاتب الإقتراب منها . لذا لا يمكن – في البلدان الراقية على الأقل – محاكمة الكاتب عن رأي صدر في عمل ابداعي لأن بإمكانه التنصّل من المسؤولية عن هذا الرأي بسهولة رادّه الى سارد النص ّ لا الى الكاتب .


    3 – أنت لست أكاديميا . وهناك من الكتاب من يمتلك شهادات أكاديمية . وهناك من يقول ليس للشهائد الأكاديمية أي علاقة بالإبداع – بل على رأي الدكتور بوشوشة بن جمعة من تقيده المناهج فيفقد حرية الإبداع ويظل في دائرة المنهج . أم يمكن القول أن الكاتب هو رجل مصاب بالثاني الذي تحدثنا عنه سابقا . فإن تعاشرا وتمازجا ولد الإنسان كاتبا ... أو يظل سائرا على قدم واحدة فلا يبلغ مرافئ الكتابة والإبداع ...

    شخصيّا أؤمن بأنّ الإبداع موهبة قبل كلّ شئ .أي أن الإنسان المبدع يحمل في تكوينه الجسمي جينات الإبداع . فلا يمكن لمن ليست له موهبة أن يبدع النصّ الذي يختلف عن السائد المكرور المجتر .
    ولكن أرى أيضا أنّ الموهبة وحدها لا تكفي بل يجب صقلها ورعايتها وذلك بالإطلاع على المناهج الحديثة والدراسات الهامة في ميدان الأدب المخصوص . وأزيد فأقول بأنه لا يكفي صاحب الإختصاص الدوران حول نفسه بل عليه أن يطّلع على الفنون الأخرى لتنفتح أمامه الآفاق وسيعة فينهل من الفنون والآداب المختلفة ليكتب النص المختلف / الحامل لهموم هذا الزمن الذي تشابكت فيه الطرق ....
    فالشهادة العلمية وحدها ليست جواز عبور لشواطئ الأدب الجميل ، الرائق ، الفتّان . وكم من دكتور دولة في الآداب والفنون ، يحمل في صدره علوم الأولين والآخرين ويحفظ المناهج العلمية عن ظهر قلب ولكنه يسقط بسهولة في امتحان الإبداع ، فيكتب شعرا جافا كأعجاز نخل خاوية أورواية متينة البناء محبوكة الصنعة ولكن بلا طعم ولا رائحة كالزهور الإصطناعية تبهرك بجمالها حتى تظن أنه الكمال ليسقط في يدك ساعة تشمّها وتضعها بين أحضانك .
    هذا لا ينفي وجود نصوص ابداعية رائعة كتبها جامعيون .
    لكنّه استثناء في كل الأحوال .



    المصائر ودلالاتها
    في رواية : بحر هادئ سماء زرقاء
    لعبد الواحد براهم



    كانت عشريتا الخمسينات والستينات من القرن الماضي بامتياز فترة التأريخ للثورة التي قادت تونس إلى الاستقلال في 20 مارس 1956 . فقد انبرى الأديب التونسي إلى الكتابة عن الكفاح الوطني لتمجيد بطولات المناضلين الذين تركوا وراءهم الغالي والنفيس وذهبوا إلى الجبال يحملون على أكفهم أرواحهم فداء للوطن الحبيب . ذهبوا وهم يعلمون أنهم يقاتلون ببنادق قديمة من مخلفات الحرب العالمية الثانية أعتى قوات المستعمر المدججة بأجود ما انتجت معامل السلاح في أوروبا . ومع ذلك عروا صدورهم للرصاص لتسيل دماءهم فداء للوطن .
    لقد أرخ الأديب التونسي لتلك الثورة ولأيام الفرح الأولى في نصوص كثيرة لعل أهمها ما كتبه العروسي المطوي والمختار جنات وعبد القادر بن الحاج نصر وغيرهم من كتاب الجيل المؤسس للقصة والرواية في تونس . ولكنني لن أتناول بالدرس تلك النصوص لأنها أشبعت قراءة وتأويلا وإنما سأتناول نصا جديدا صدر سنة 2004 للقاص والروائي عبد الواحد براهم يحمل عنوان : بحر هادئ سماء زرقاء وذلك لعدة اعتبارات لعل أهمها البعد الزمني عن مصادر الأحداث وعدم مشاركة الكاتب في صنع ذلك التاريخ مما سيؤهله للحديث بحياد عن الوقائع التي تؤثث عمله الإبداعي . فعبد الواحد براهم ينطلق في قص أحداث روايته على لسان سارده عامر من حدث تاريخي ظل محفورا في ذاكرة الشعب التونسي ( وإن لم تكشف حقائقه إلى الآن ، لأن التاريخ المعترف به على مر الأزمان هو تاريخ الغالب لا المغلوب ) . فسرد لنا عامر نتفا من الصراع الذي دار بين جماعة صالح بن يوسف أو ما اصطلح على تسميتهم بجماعة الأمانة العامة ، وأنصار الزعيم بورقيبة . وبين لنا كيف أن هذا الصراع الذي دار بين الإخوة / الأعداء ، رفاق السلاح بالأمس وأعداء اليوم كانت له نتائج وخيمة على كثير من المناضلين الذين ذهبت تضحياتهم الكبيرة مع الريح فلم يجنوا من خيرات الاستقلال سوى الاعتقال والسجون والتعذيب والقتل أيضا . ذنبهم الوحيد أنهم اختلفوا في تقدير صواب القبول بالاستقلال الداخلي الذي رغب فيه الزعيم بورقيبة ورفضه الزعيم صالح بن يوسف .
    ( ثم هبت ريح الشقاق وتقاتل الإخوة الأعداء إلى أن تغلب الفصيل الأقوى لما حاز في يده السلطة . وشاء حظ أبيه وعناده أن يكون في الفريق الأضعف ، فاغتيل ، وطورد أبناؤه ، وانتزعت أموالهم . وها هو أصغر الذرية يصادف بمجرد انتهاء تعلمه اليتم والفقر والمطاردة ، وانسداد الأفق .
    أصيبت أمه بالهلع وهي تراه حائرا لا يدري أين يتجه ، ولا أين يدفن رأسه حتى ينساه رجال السلطة . وفي يوم باعت مصوغها لتزوده بما يكفي لسفر طويل ، ثم دفعته نحو الحدود الصحراوية مع دليل من معارف زوجها الأقدمين . ) الرواية ص 18 .
    هي ذي التعلة التي اختارها الكاتب ليسرد لنا أحداث هذه الرواية . فعامر ذهب أولا إلى مصر للدراسة في جامعة القاهرة ولكن صادف وصوله إلى هناك اندلاع الحرب الكلامية التي دارت رحاها بين الزعيمين عبد الناصر وبورقيبة لاختلاف سياسة كل منهما ونظرته للعالم زمن الحرب الباردة . ففي حين كان بورقيبة ينظر إلى الواقع نظرة الحكيم العارف بعواقب الأمور ، المقدر لقوى الخير والشر حق قدرهما ( والتاريخ أثبت ذلك ) ، كان عبد الناصر يرى العالم بعين الحالم المدفوع بمد الجماهير الهتافة بالتغيير الثوري وصنع التاريخ على هواها :
    طمعت أن اجد الصدور الرحبة ومرابع العلم في انتظاري وأن أعثر من أول يوم على ايواء وعون اشتهر بهما الأزهر الشريف قديما ، لكن المدينة الضخمة لم تأبه بنا .... لمجرد أننا آتون من بلد مغضوب عليه عربيا أو مصريا ( الرواية ص 19 ) .
    وكلنا يذكر ونحن صغار تلك الأغاني التي راجت في تونس في ذم مصر وحكامها ومنها :
    الكل من أجل البقشيش * لكن في تونس ما يمشيش .
    وغيرها كثير ، ومن الطرفين المتحاربين ، فقد كان مذيعو صوت العرب من القاهرة في تلك السنوات من ستينات القرن الماضي يكيلون التهم إلى حكام تونس معتبرينهم مارقين عن الصف العربي ، خارجين عن الإجماع . وكان يعاب على الحبيب بورقيبة في نظر عبد الناصر ، قبول الاستقلال المنقوص وخيانة الثورة الجزائرية . لذلك لم يجد عامر وأصحابه مكانا في الجامعة المصرية ، فغادر أرض الكنانة مكرها بعدما فرغ منه الجيب ليلتحق بجامعة دمشق . وعكس أصحابه الطلبة الآخرين لم ينتسب لحزب البعث ليجزى شكورا وتمتلأ جيوبه بالدراهم وإنما فضل أن يظل على الحياد ، يعمل في فرن عباس الحلبي ويسكن في بيت أم أحمد .
    وبعد غيبة طويلة يعود عامر لأرض الوطن لتبدأ رحلة البحث عن أصدقاء الشباب : عثمان وسعيد ومروان . وباستعمال تقنية الفلاش باك يعود بنا السارد إلى بداية خمسينات القرن الماضي ، أيام اندلاع الثورة التحريرية ليقص علينا واقعة أدخلت هؤلاء الأصدقاء السجن عن طريق الصدفة وحدها ، إذ وجد الجماعة أنفسهم من حيث لا يعلمون في قلب معركة لم يصنعوها ولم يكونوا من أبطالها . ولكنها الصدفة وحدها قذفت بهم في آتونها ، فاحترقوا بنارها أولا ثم جنوا منها خيرا كثيرا بعد ذلك .
    كنا ساهين عما يجري في الخارج . منشغلين بالمراجعة فحسب ، إذ كانت تلك سنتنا الأخيرة لنيل شهادة التحصيل ، ولدينا صعوبات جمة لحذق المواد العلمية كالجبر والهندسة ، لأن مدرسينا الفطاحل يستخفون بها . فلا يعطونها الوقت الكافي ولا التمرين الوافي .
    قبل المغرب بقليل ، خرجنا كوكبة صاخبة تشق نهج الزاوية البكرية في اتجاه محطة الترامواي بباب الأقواس . حرصت أنا وابن عمي على مرافقتكم إلى هناك ، وهي فرصة لشم هواء جديد وإطلاق دم الحبس في السيقان لساعات . وظللنا نمرح ونضحك أثناء الطريق كأطفال صغار انفلتوا من كتاب .
    هل تتذكر أيضا أننا مررنا أمام دكان منصور ، فحيانا بحرارة ، واجتزناه ونحن نلوح بالأيدي . وأشار إليه ابن عمي أننا عائدان بعد إيصالكم إلى المحطة . ثم مشينا الهوينا نتحاور إلى أن لاح آخر النهج ، كانت عربات الترامواي واقفة في المحطة ، فتصايح الجماعة فرحا بوصولهم في الموعد ، وطاب بعضهم من بعض الإسراع قبل انصراف العربات ، ومن ثم جروا مودعين بأيديهم دون أن نتصافح .
    لكن ما كادت أيديهم تلامس أولى العربات حتى انقض عليهم رجال الأمن ، لا يعلم أحد من أين انبثقوا أو من سلطهم عليهم . ذلك أن معركة دارت قبل وصولهم بين الشرطة وصبيان باب الأقواس ، تراشق فيها الجميع بالحجارة دون أن تعلموا ذلك حين خروجكم من الشارع الجانبي الصغير ، فصرتم كالواقع في فخ انفتح فكاه ثم انغلقا بسرعة قبل انحسار الدهشة .
    دوت صفارات البوليس تصم الآذان ، وامتلأ الهواء ضجيجا وسبابا باللغة الفرنسية، وانفتحت أبواب سيارات كالمصيدة ثم انغلقت بعنف .
    ووسط كل هذا الصخب سمعنا صياحكم واستنجادكم ، بل احتجاجكم البريء . ولكن من كانت له حينذاك أذن لتسمع ، أو ذراع لتدفع . ( الرواية ص 61 )
    ومباشرة بعد الاستقلال غدا الجماعة من الوطنيين المناضلين الذين صنعوا فرحة الشعب وأعياده . فحصل كل واحد منهم على جزء من كعكة الخير :
    عثمان غدا رئيسا مديرا عاما لشركة وطنية .
    ومروان صار مسؤولا كبيرا ذائع الصيت عالي القدر .
    وسعيد ارتقى سلم الثراء حتى صار يقف إلى جانب الوزراء عند زياراتهم للجنوب .
    هكذا هو التاريخ يرفع من يشاء ويذل من يشاء ولله الأمر من قبل ومن بعد .
    عثمان وسعيد ومروان و جدوا في المكان المناسب وفي الزمان المناسب فجنوا ثمرة هذا الحظ ، بينما تناسى التاريخ رجالا أفذاذا وقفوا في وجه المستعمر وقدموا لتونس أرواحهم ولكن بقايا عضا مهم ما زالت إلى الآ ن في سفوح الجبال وفي الوديان السحيقة .
    يبدأ عامر رحلة بحثه عن الأصدقاء بعثمان ، ليجده في مكتب فخم وقد تقدم في الحضوة حتى صار ذا جاه وشأن .
    وأمام شاهد عيان لم يقدر عثمان على المراوغة فصدع بالحقيقة عارية ، لأنه قد يكذب على من لا يعرف تاريخة ولكنه لا يقوى على ذلك أمام من عايش أحداث حياته الماضية :
    هي الضروف قادتني إلى هذا المنصب دونما تخطيط مسبق ، كما قادتني قديما إلى ذلك المأزق الذي تعرف ، والذي لم نخطط له لا أنا ولا أي أحد من رفاقنا . وأنت شاهد على ذلك ( الرواية ص 56 ) .
    ولكنه ، مع ذلك يراوغ ويحاول الادعاء بأنه كافح من أجل الاستقلال ، فيهزأ عامر منه ومن حقيقته التي يريد بها لي عنق التاريخ .
    وفي هذا الحوار القصير يظهر تبجح الرجل بكفا حه من أجل الوطن أمام رجل عايش تلك الأحداث وكان شاهد عيان عليها :
    - إذا لم نمسك نحن بالخطط والمراكز الحساسة ، نحن من حركنا السواكن في اتجاه الاستقلال وسطرنا الخطط للكفاح من أجله ، فلمن سنتركها .
    - بالطبع لا يوجد من هو أولى من – نحن – الذين ذكرت .
    - لا تهزأ من قولي ، فتلك هي الحقيقة .
    - لا أشك في ذلك لحظة .
    هذه حقيقة عثمان التي يريد أن يثبتها . يريد أن يقر له رجل يعرف أنه سجن على وجه الخطإ ، بأنه بطل من أبطال التحرير ، وبأنه يستحق هذا المنصب الرفيع الذي يشغله الآن . ولكن عامرا مدرك لحقيقة الأشياء ولم يكن من السهل على عثمان مغالطته . فهو يعرف أن المناصب الهامة لم توزع على الأقدر فالأقدر وإنما وزعت على الأقرب فالأقرب .
    هل أذكر اسم محضر أدوية ( أمسك ) إدارة بنك واسم حلاق ( أمسك ) خطة مدير فلاحة واسم تاجر زيوت ( أمسك ) سفارة .القائمة طويلة فعلى من تضحك يا عثمان . ( الرواية ص 60 )
    بعد عثمان يأتي دور سعيد – الأعمش – أصيل جهة قفصة . كان أبوه عاملا فلاحيا معدما يعمل في أراضي أحد المعمرين . ولكن بعد الاستقلال مباشرة ، وبعد أن وضعت الدولة يدها على هذه الأراضي ، أوكلت بعضها للمقاومين والمناضلين وكان سعيد واحدا من هؤلاء المناضلين الذين تحوزوا هذه الأراضي ، فنعم بالخير العميم ورغد العيش . وصار معمرا جديدا لكنه يلبس الجبة والطربوش هذه المرة ويمتلك ضيعة بها حظائر للماشية ومخازن للحبوب وآلات الزرع والحصاد . ويسكن فيلا أنيقة ضخمة البنيان كقصور السلاطين ، غنية بالفراش والرياش .
    صار سعيد ابن الفلاح الفقير وجيه المنطقة وقائد العشيرة ، يزوره المسؤولون ويحلون مشاكله بجرة قلم ، ويستشار في القرارات التي تخص الجهة ، ويبث العيون هنا ويشتري الضمائر هناك ، ويدفع أجورا للخبراء والمستشارين ، ويشغل في أراضيه النسوة بدل الرجال بدعوى أن الرجال لا يعرفون سوى طبخ الشاي و ( الحرث ) .
    وعندما يجابهه عامر بأن هذا الكلام هو كلام المستعمر السابق يرد عليه سعيد :
    - أنت لا تعرف أولئك الناس ، ولذا دعك من التكلم باسمهم .
    - ما بك تتكلم وكأنك لست واحدا منهم ؟
    - ولا أنت منهم أيضا .
    - هذه لغة المعمرين ... كأني بهم غادروا المكان دون أن يأخذوا معهم أفكارهم و ممارساتهم . ( الرواية ص 90 )
    ثم وزيادة في النكاية بعامر تعترضهم سيارة الحرس وهم في زيارة لأملاك سعيد على ظهر جرار فلاحي ، فيهين سعيد الحرس ويوبخهم على اهمالهم حراسة أراضيه :
    اعترضتهم سيارة حرس في أحد المفترقات . فلما عرفوا صاحب الجرار نزلوا ليحيوه بحرارة ، ويسألوه عن الصحة والأحوال ، ولكنه عوض أن يرد التحية بأحسن منها أبدى لهم غضبه من تغافلهم واغماض عيونهم عن دواب الجيران يهملها أصحابها فترتع حيث تشاء في أرضه ، وتتلف من الزرع ما تتلف ( الرواية ص 91 ) .
    في طريق عودته من الجنوب ، يختتم عامر زيارته للأصدقاء بمروان الذي صار واليا على سوسة فأكرم وفادته باستضافته في فيلا فخمة على الشاطئ.
    وخلال هذه الزيارة يكشف لنا عامر عن التحولات التي لحقت بهذا الرجل ابن التاجر النابلي ميسور الحال ، وحولته من شاب خجول عاشق لابنة عمه ، مغرم بالغناء والطرب كلما جاء على ذكر حبيبته إلى طاغية يسجن الناس بدون محاكمة ويتلاعب بمصائر الخلق . فأين نحن من مروان الذي كان يرفع عقيرته بالغناء كلما سئل عن ابنة العم :
    دور دور
    خبز السميد ، وكعك محور
    خرجت مالحمام تفور
    شدوني لنطيح التالي
    و مروان هذا الآخر قاسي الملامح ، مهيب المنظر ، الغامض . مروان الحاكم وهو يدخن السيجار ، ويسجن الناس بدون محاكمة :
    - يقولون إنك شديد صعب الميراس
    - صعب على الكافرين بالنعمة
    - ويقولون إن خيرك أقل من شرك ، وإنه لا يصيب في الغالب سوى المقربين منك ....
    - لا تلوك الألسنة إلا نصف الحقيقة ، ولا يمضغ الناس إلا سيرة من يتحرك ، ومن يعمل ( الرواية ص 101 )
    صار مروان واليا على سوسة فقبض على البلاد والعباد بيد من حديد . فازدهر في عهده العمران ، وعلت البنايات ، وطور المدينة ، فحولها إلى واحدة من أجمل مدن الجمهورية ، ولكنه أمر أيضا بإطلاق الرصاص على فلاحي جهة الساحل الذين عارضوا التعاضد :
    من كان يضن أن ذلك الشاب المنطلق الأسارير سيغدو كهلا متجهما ، متكتما على عواطفه فلا يظهر منها أثرا على وجهه ؟ من كان يظن ذلك الطالب المغرم بدروس الهندسة والجبر وملجإ زملائه لحل المشاكل الحسابية سيحول اهتمامه كليا إلى حل المشاكل الإدارية وخوض المعارك السياسية مع ما تتطلبه من دهاء وكياسة ؟ من تخيل يوما أن ذلك العاشق المتيم بابنة عمه سيذكرها يوما فلا يرف له جفن ولا تخرج من صدره آهة . حتى وإن تصورها في بيت رجل آخر ؟ هل أرضخته تصاريف القدر إلى أحكامها فرضي واستكان ؟ ( الرواية ص 102 )

    وتنتهي زيارة عامر لأصدقائه بالعودة إلى تونس . ولكن كيف كانت نهاية هؤلاء الأصدقاء ؟
    - عثمان صار تاجرا يبيع الأقفال والمسامير لتأثيث العمارات التي نبتت كالفقاع في الأحياء الجديدة العصرية ، بعد فشل سياسة التعاضد وانفتاح البلاد على السياسة الليبرالية .
    - وسعيد طلق الفلاحة بسبب التعاضد أيضا ولكنه لم يخسر كثيرا لأنه صار نائبا في البرلمان ، فهو رجل كل المهمات .
    - أما مروان فإنه سجن لاعتراضه على التعاضد ، ثم أطلق سراحه فذهب ليعيش حياته الخاصة بعيدا عن صخب المدينة

    هل هذه الأحداث كل ما في هذه الرواية الجميلة ؟ بالطبع لا فهي تزخر بقصص أخرى . كل واحدة منها تستحق مقالا خاصا بها . كقصة ذلك الشاعر الجنوبي وعشقه لوطنه ولمذيعة الراديو ( وهي تذكر بحياة منور صمادح وزبيدة بشير ، وإن كان الكاتب تقصى من ذلك حين ذكر في بداية روايته بأن ما جاء في الرواية محض خيال فإذا عثر القارئ على تشابه بين شخوصها وأحداثها وبين شخوص وأحداث في الواقع ، فذلك محض صدفة لا غير . ولكن من أين للصدفة وأبيات شعر كهذه :
    شيآن في بلدي * قد خيبا أملي
    الصدق في القول *والإخلاص في العمل
    وهما بيتان مشهوران لمنور صمادح وإن وقع تحريف البيت الثاني في الرواية ليصير :
    الضرب بالدف * والشطحان بالقلل
    أوقصة الحب بين عامر وبديعة ، وهي قصة بدأت قبل الهجرة إلى الشرق ، فيها من التشويق والإمتاع ما فيها ، وانتهت بنهاية الرواية ، نهاية سعيدة ككل قصص الحب العربية :
    حتى إذا انتشى الجميع بالغناء والرقص ، وابتشموا بالأكل والشرب اصطفت العائلة كلها لصورة تذكارية تخلد الحدث ، وتظهر ما تركه في النفوس من بهجة لا أدل عليها من البسمات العريضة المرسومة على جميع الوجوه رغم ندوب الجسد وجراح الروح .
    صورة إذا نفضت عنها الغبار بعد سنوات لن تقول لك سوى أنها أخذت في بلد لا كدر فيه ، شيمة أهله السعادة الدائمة ... بحرهم هادئ وسماؤهم زرقاء . الرواية ص 189














    ثلاث تجارب من الشعر التونسي الحديث
    الإئتلاف والاختلاف في شعر :
    محمد الخالدي ، حسن بن عبد الله وعبد الوهاب الملوّح



    يواجه الشعر الحديث ظاهرة هامة جدّا هي صعوبة وصول القصيدة إلى المتلقي لما فيها من غموض قابل للتفسير في بعض الأحيان ، ومبهم لا يترك للقارئ فرصة للنفاذ إلى تخومه في أحيان كثيرة. ذلك أنّ هذا الفنّ النبيل صار عند الشعراء الجدد استثمارا للقناع والرمز والتراث بأشكاله المختلفة الديني والأسطوري والصوفي والأدبي.
    والدواوين المدروسة الثلاثة:
    • أجنحة الماء لحسن بن عبد الله 1
    • سيّدة البيت العالي لمحمد الخالدي 2
    • أنا هكذا دائما لعبد الوهاب الملوّح 3
    تشترك في هذه الظاهرة مع اختلافات شتى وهمنا في هذه القراءة هو البحث عن نقاط الائتلاف والاختلاف لدى هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين يمثلون واحدة من أهم تجارب الشعر الجديد في تونس .

    I - سيّدة البيت العالي: أو تأويل التأويل .
    في ديوانه " سيّدة البيت العالي " يحاول محمد الخالدي أن يحوّل مضمون قصائد الديوان إلى مشروع موحّد، شامل لقصيدة واحدة .
    فهناك نصّ مركزي يدور حول " سيّدة البيت العالي " ونصوص هامشية تدور في فلكه وبين هذه النصوص جميعها رابط مكين هو عذوبة الإيقاع والتأنق في انتقاء الألفاظ وفي صياغة الجملة الشعرية :
    " من هذي الفارعة المعطير
    تمشي فتكاد تطير
    ما مرّت بالحيّ مساء إلاّ فتّح زهر وانساب عبير " ( الدّيوان ص 9)
    1- في البناء الفني للديوان :
    تحتوي هذه المجموعة الشعرية على ستّ وعشرين قصيدة تمسح ثمان وسبعين صفحة . لكنّ اللاّفت للانتباه أنّ أربع قصائد هي على التوالي:
     سيّدة البيت العالي.
     أسرار سيّدة البيت العالي .
     الليل عند سيدة البيت العالي .
     مقامات البيت العالي .
    تمسح لوحدها اثنان وثلاثون صفحة من الديوان أي أقلّ بقليل من نصفه. وهو ما يدعم قولنا السابق بأنّ الشاعر ينحو في هذا الديوان منحى كتابة المطولة الشعرية خاصة بعدما تأكد لنا أنّ بقية القصائد هي تنويعات على النصوص الأربعة المذكورة يحتفي فيها الشاعر بسيدة هذا البيت منذ العنونة أحيانا كما هو الحال في قصائد :
     العشاق يحتفلون بأميرة .
     أميرة تزور عشّاقها .
     كبرت أميرة .
    أو داخل متن القصيدة كما هو الحال في :
     الشرفــة : " هي ذي أميرة أشرقت يا سعدنا "
     فاتنة الحيّ: " ذهبت " نور" من يزيح الظلاما
     العائدة : " مرّت أمس فضجّ الحيّ لمرآها "
    هذي " نور تعود "
    أو كناية دون ذكر الاسم في بقية القصائد كما هو الشأن في قصيدة "فتنـة" إذ يقول :
    تمرّ من أمام مقهانا حييّة
    فتسرع الخطا تاركة وراءها
    حرائقا وغابة من الأنين
    أو في قصيدة " مرّي بي "
    وفيها : "يندى المساء إذا مرّت بحيينا
    ويضوع عطر ."
    والأمثلة كثيرة .
    ففي لغة شعرية صافية تحتفي بأناقة اللّفظ وطلاوة العبارة يقدّم لنا الشاعر " سيّدة البيت العالي " التي يسميها مرّة "أميرة " ومرّة " نور" فمن هي هذه السيّدة فاتنة الحيّ التي تستبيح القلوب وتزيح الظلام وتشرق على الخلق كالشمس ؟
    من هي هذه السيدة التي جعل منها الشاعر قناعا ليبوح لنا من خلاله بلواعج حبّه وما خبّأه الفؤاد ؟ هل هي امرأة جميلة تعشّقها كما تعشّق قبله شعراء أخر "رباب " و " ليلى " و"بثينة" و "سعاد" ؟
    من هي هذه الحبيبة التي وقف الشاعر يترصّدها أمام طلل عصريّ ؟ يسائل عنها نادل المقهى وحارس الشاعر ومريدي الحانة المقابلة للبيت العالي.
    من هي هذه السيدة التي :
    " كانت أجمل من في الحيّ
    تكاد تضيء إذا طلعت كالشمس .
    إذا خطرت قيل ملاك
    وإذا نظرت قيل غزال" ( الديوان ص 12)
    هل هي "تونس " امتزج فيها عشق الأنثى بعشق الوطن ؟ أم هي هذه الأرض العربية المشتهاة نعشقها حدّ التوحّد بها في تولّه صوفيّ مجنون .
    من هي " نور " هذه التي جنّنت كلّ الخلق فما قدروا عليها . تأبت على وصالهم وهي تتيه بجمالها في قصرها العالي بين تعاريش الورد الجوري والليلك والنسرين ؟
    من هي " نور" هذه التي :
    " لها ما شئت من الديباج ، لها أكداس من ياقوت وجواهر شتّى (الديوان ص 10 )
    هذه التي فتنت كلّ الخلق ثمّ ذهبت كما جاءت تاركة في القلب حسرة العاشق ولوعة الولهان:
    " عجت على الحيّ أسائل أهل الحيّ متى رحلت سيّدة البيت العالي ؟
    ما ردّ الحيّ
    سألت الحارس : لم أقفر من أهليه البيت العالي ؟ فبكى .
    وسألت النادل : ما أخبر البيت العالي ؟
    فبكى .
    وسألت الشمس : متى أخت الشّمس ارتحلت ؟
    فبكت .
    وسألت ...سألت فما ردّ الحارس والنّادل .
    ما ردّ النّجم ولا الشمس .
    أمّا أمّ الخير فقد ضمّ بقاياها رمس . ( الديوان ص 15 )

    2- مرجعيات الشاعر :
    إنّ مرجعيات نصوص هذه المجموعة الشعرية تفتح أفقا متحولا ومتغيّرا في وعي المتقبّل فهي تنزاح عن المعاني الأصيلة المصرّح بها لتبدع أشكالا جديدة من التواصل بين ذا ت الشاعر وهذا الآخر المتلقي لفيض معانيها .
    إنّه يعرض نصّه على المتقبل تاركا له الحرية الكاملة في تأويل خطابه. فهو لم يعرّ ذاته للجمهور المتلقي لهذا النّص ولم ينغلق تماما على أناه وإنما جعل معاني نصه قابلة للتأويل وسهّل على المتقبّل إعادة إنتاج هذه المعاني التي تنفلت من الذاكرة لتسائل حاضرنا وماضينا في نفس الوقت. فمفتاح الدخول إلى عالم محمد الخالدي في هذا الديــوان هــو " الحبّ" وهو حبّ أهل الصوفية وسكرهم وعربدتهم . فهناك في الديوان دلالات مختلفة تربط بين تجربة هذا الشاعر ورؤية الصوفيين الأوائل : اللّغة ذاتها والبناء شبيه بأبنيتهم مع بعض الاختلاف . فمحمد الخالدي لا يهرب من الواقع المحسوس إلى العوالم الغرائبية والسوريالية وإنّما يستعمل الأقنعة والرموز والإشارات ليثري بها مدلول كلمته .
    إنّه مستوى آخر من مستويات الكتابة عند محمد الخالدي . فهو يورد إلى الذاكرة عوالم الصوفية ولكنه ينقطع عنهم في ذا ت اللحظة لأنه أنزل الشعر من عليائه وهبط به إلى التقاط مفردا ت الحياة اليومية . وبين هذا وذاك تغمرنا متعة عارمة ونحن نسلّم أنفسنا إلى إغواء اللغة وفتنتها عنده .
    وسأضرب لذلك بمثالين الأول وفيه ذكر للخمرة والمدام والكأس وورد في قصيدة " طللية " ص 7:
    ها أنّا تعبّ لا شيء يؤنسني
    غير المدام وذكرى سالف الزمن .
    ما دارت الكأس إلاّ شمت طلعتها .
    فاستعيد زمانا ليس كالزّمن .
    أرى الأحبّة يرتادون حانتهم .
    عند المساء وقد ناؤوا من الحزن .
    فيشربون على ذكرى التي رحلت .
    وقد سبتهم ولم ترحم ولم تلن .
    والثاني وفيه ذكر لمفردات الحياة اليومية : ستائر الصالون والضيوف وآنية الزهر ومدخل الصالون ...وورد في قصيدة: " الشرفة ص 26 "
    " من شرفة في البيت عالية تطلّ
    فتميس ليلكة ويذوب طلّ
    ...ونظلّ نرقب لا نملّ
    - هي ذي تزيح ستائر الصالون ، تدعو أمّها :
    أمّاه ! آنية الزهور أهاهنا في مدخل الصالون ؟
    كم عدد الضيوف ؟ نسيت . ثمّ تعود للأزهار تحضنها .
    فينفلت شعرها الجثل
    يهمي على الكتفين، يرحل غيمة ،
    - رفقا بنا بقلوبنا ...قد شفّنا الدّلّ .
    هي قصائد مكثفة إلى حدود التكثيف وثرية بالدلالات المتنوعة ، تمتح في مضامينها من التراث العربي في مختلف أشكاله وتنتمي في ذات الوقت إلى ديوان الشعر العربي الحديث .


    II- حسن بن عبد الله : شاعر يزرع صوته في حدود المطر :
    الكتابة الشعرية عند حسن بن عبد الله هي تأسيس لخطاب شعري جديد خاصة في ديوانه الأخير: " أجنحة الماء . إنّها كتابة تقتضي طريقة خاصة في القراءة والـتأويل فأنت مطالب عند ملامسة قصائد هذا الديوان أن تبذل مجهودا كبيرا حتى تدخل أعماق النّص وتفكّك رموزه ومضامينه. فالشاعر يمنح المعاني والكلمات دلالات جديدة إذ يصير للماء أجنحة وتتضرّع الدالية باليتم وينتشر العنب غناء ويصبح للقمح دين. إنّه يفرغ الكلمات من حقولها الدلالية الواقعية ليجعلها تتفجّر بمعان أخرى غارقة في عوالم الغرائبية.
    إنّك مطالب بأن تجرّب مفاتيح كثيرة لتضفر بنشوة اشراع قصائده فالغموض بالنسبة لقصائد حسن بن عبد الله هو غموض مقصود يجعلك تتعامل بشفافية مع شعره. إنّه ذاك الغموض الذي أشار إليه الناقد الحصيف عبد القاهر الجرجاني في قوله :
    " إنّك تعلم على كلّ حال أنّ هذا الضرب من المعاني كاللؤلؤ في الصدف لا يبرز لك إلاّ أن تشقها عنه . وكالعزيز المتحجّب لا يترك وجههه حتى تستأذن عليه. ثمّ ما كلّ فكر يهتدى إلى وجه الكشف عمّا اشتمل عليه . ولا كلّ خاطر يؤذن له في الوصول إليه ."
    إنّك تقف حائرا أما قصائده . تحاول أن تعايشها . أن تفهمها فلا يتاح لك الفهم في المرة الأولى وتعيد الكرة مرّة ومرّات إلى أن تهتك سرّها وتكتشف مقاصدها وتتبيّن معانيها فتهتزّ طربا وتطير من النشوة. إنّ جمال قصائده في غموضها. ذاك الغموض الذي تبحث عن سرّ الإمتاع فيه فلا تجده سوى في التفاصيل الصغيرة التي يعيد عقلك الباطل تجميعها لتحصل على معادل للحياة كما هي.
    1- استحضار ارث الطفولة :
    في ديوان " أجنحة الماء " يوظّف الشاعر " رمز" الماء كعنصر شعريّ مجازيّ. هذا "الرّمز" يرد في صور مختلفة ومتعددة كلّها تحيل على الماء .
    ويمكن أن نمثّل لها على الشكل التالي:

    النّــوء


    الهطول
    أ- المــــاء
    الخصب الماء رحمة
    المطـر
    الغـمام



    العطـش


    الضمـأ
    ب- المــاء
    الطّوفان الماء نقمـة
    التيــه
    البيـداء
    إنّ هذا الحضور القوي للماء في جلّ قصائد الديوان عتبة مهمة ندخل من خلالها إلى عوالم الشاعر. وبعودة بسيطة إلى التحليل النفسي نكتشف أنّ لرواسب الطفولة دخلا كبيرا في هذا التوظيف. فحسن بن عبد الله مواطن من الجنوب المتاخم للصحراء. هذه المنطقة التي يصير فيها الماء " نبيّ الصحراء" .
    إنّ لهذا الحضور القويّ للماء في الديوان دلالات شتّى منها الذاتي ومنها الموضوعي.
    فمن دلالات الذّات استحضار صور من الطفولة. صورة " خطاف مبلّل بالمطر" (الديوان ص 28 )
    والخطاف هو رسول النوء وهو المبشّر برائحة المطر وبالخير والبركة فيستقبله الأطفال بأهزوجة : "يا نوّ خالتي
    صبّي على قطّايتي
    قطّايتي ذهب "
    وتحنّي له العجائز رأسه إذا وقع في الأسر. ويطلق سراحه ليوصل رسائلهن إلى قبر النبيّ .
    هي ذي واحدة من الصور المشرقة للماء. تقابلها صورة أخرى هي صورة البيداء العطشى وهي تنادي ربها ليجري فوقها السحاب في فصل الخريف حتى " لا تجوع عراجين البلـح " ( الديوان ص 35)
    وتصرخ البيداء : حين يؤول الأمر إلى عطش
    لابدّ إذا للبيداء أن تصرخ ملء
    صراخ الماء (الديوان ص 26 )
    2- الرمز وتأويله:
    يهرب حسن بن عبد الله في ديوانه هذا إلى الرمز ويستعمله بكثافة لافتة للنظر ( ربّما خوفا من سيف الواقع) فيتحوّل المسموع عنه إلى صور مرئية والمعنوي إلى صور حسّية تنبض بالحياة . ذلك أنّه يشحن جملته بطاقة لا تنفد من الإيحاءات والدلالات دون أن يسقط في المباشرتية وسأضرب لذلك ببعض الأمثلة :







    مثـــــــال أوّل
    صورتها في التداعي 1 صورتها في يقين العطش 2
    ألا
    يالتّي
    ذكرها في العناق
    وصورتها في التداعي
    إذا ما تراءت
    تفاءل تمر الشمائل
    وانساب
    يتلو قصائده
    النّحل
    ذي خيمة
    (لم تقلها الخيام)
    ألا
    يالتي
    في الغمام
    متى يطلق العشق منك حمام ؟؟؟
    يطير – هديلا
    ويسكن – ريشا
    مع الشمس
    حين تنام ... ألا
    مر عام
    وعام ...وعام
    تشقق طين اليقين
    فاسقطنا
    عطش في السؤال – مكين
    ألا
    مر عام
    تشقق طين اليقين
    تشقق فينا الجبين
    ألا
    مر عام
    وعام ...وعام
    ولم نلتق في حدود الكلام
    ولم نلتق
    مر ّ عام
    وعام ...وعام




    أوّل ما يلفت النظر أنّ القصيدتين تشملان على نفس عدد الأبيات (تسعة عشر بيتا لكلّ واحدة منهما) وأنّ الثانية تعارض الأولى وتناقض معانيها. فبينما ينبض النّص الأوّل بالأمل والحياة يجثم على النّص الثاني شبح التشاؤم والموت واليأس.
    النّص الأوّل النّص الثاني
    الغمام الطّين
    تفاؤل تمر الشمائل تشقّق طين اليقين
    وينساب يتلو قصائده النّحل أسقطنا عشق في السؤال مكين
    متى يطلق العشق منك حمام لم نلتق في حدود الكلام
    وبينما تنتهي القصيدة الأولى نهاية مفتوحة (ثلاث نقاط متتابعة ) فإنّ الثانية تختتم بنقطة باتّة جازمة .
    وبينما تنتهي الأولى بهديل الحمام يسكن مع الشمس حين تنام فإنّ تتالي الأعوام عاما وراء عام (عشر مرّات ) مع في ذلك من تكرار وملل دون الوصول إلى نتيجة هو المصير المحتوم في النّص الثاني . فمن هي هذه التي تسكن في الغمام وينساب من أجلها النحل يتلو قصائده وتطلق حمائم العشق؟
    هل هي الحرية مثلا؟
    الشاعر لا يصرّح بذلك. وإنّما يترك للمتلقي حريّة تأويل الأقوال.
    مثــــــــــال ثــــــــان
    وكنت أتابعها 1 وكنت أحدثها 2
    ...وكنت أتابعها
    بالمساء ...على قلق
    بالخطاف المبلّل
    أطلقه للحقيقة عارية
    تتملكني القيروان
    وتسكنني راغبا في انتشار الغمام ...كنت أحدثها
    بالمحراث الهارب
    من أتعاب يدي – ماسكه
    وأحدّثها عن سوس القمح
    في ذاكرة
    وعن الأسباب المحفورة
    في شجر لا يثمر

    في النّص الأوّل استعمل الشاعر قناع "الخطاف" للتدليل على اقتناعه بالحرية المطلقة التي يمثلها هذا الطائر الذي لا حدّ لحريته وهو يحلّق باحثا عن الحقيقة .
    أماّ في النّص الثاني فقد استعمل قناع " المحراث" للتدليل عل أنّ خيرات الأرض تذهب لمن لا حقّ له فيها. لذلك يصاب القمح بالسوس والشجر بالعقم ويهرب المحراث من يدي ماسكه.
    في تصميم المقطعين المذكورين من قصيدتي المثال الثاني واللتان تتتابعان في الديوان – كما هو حال المثال الأوّل- يستثمر الشاعر إضافة إلى أسلوب القناع، أسلوب الثنائيات اللغوية- للتدليل على تنافر المعاني التي يريد إبرازها وليكسب المفردات دلالات عكسية:.
    الخطاف في السماء المحراث على الأرض
    الخطاف طليق المحراث مكبّل بيدي ماسكه
    الخطاف يجري وراء الحقيقة منتشرا مع الغمام المحراث ينتج قمحا ينغل بالسوس وشجرا لا يثمر
    ففي الصراع ين المأمول والمعلن يتشكل طرفا الصراع في صور وأشكال فنّية ويتجسدان في ملامح تظهر على أقنعة عديدة تعبّر عن أبعاد رؤية الشاعر للواقع والمرتجى بين الوجه المشرق للحقيقة ووجهها القبيح.
    إنّ استثمار الرمز والقناع عند حسن بن عبد الله محاولة جريئة لخلق آفاق جديدة قادرة على استيعاب مستجدات الحياة ومتناقضاتها.


    III- "أنا هكذا دائما" أو الأنا الخارجة من جحيم الذات :
    عبد الوهاب الملوّح صاحب "أنا هكذا دائما" هو شاعر تسعينيّ " واقف وحده" . هو رجل مسكون بالفجيعة روحه دمّرتها صواعق الآلهة وبعثرتها في فجاج الجحيم . ومع ذلك فقد ظلّت "أناه " تنبض بالحياة وتحتلّ صدارة الكون .
    و"أنا هكذا دائما" عنوان مجموعته الشعرية الجديدة يعبّر صراحة عن هذا التأزم في ذات الشاعر فـ"أنا" مبتدأ هذه الجملة هو ضمير منفصل خصوصيته الابتداء يحتل صدارة الجملة واضعا نفسه في " سرّة الكون" و" هكذا دائما" خبر يحدّث عن حالة الشاعر ويبلّغ رسالة إلى الآخر في مستوياته المختلفة. إنّ هذه الأنا تصدم ذائقة المتلقي لما تحتوي عليه من تنافر بين الواقع وما يتحقّق من خيبة تزعزع أفق توقعه . ففي حين يترقب الآخر من الشاعر أن يخبره أنّه " خير من تسعى به قدم" على رأي مولانا أبي الطيّب المتنبي، يهمس له في حسرة ما بعدها حسرة:
    "أنا هكذا دائما
    أراني بلا قامة
    ممعنا في التشظّي (الديوان ص 10)
    هي إذن " أنا" منسحقة تعي كينونتها في هذا العالم المليء بجبروت "الآخر". "أنا" تتعدّد علاقاتها بالأمراض النفسية من الفصام إلى النرجسية ومن العصاب إلى الماليخوليا:
    " أنا الأكبر في الحزن.
    والأبعد الآن في التيه.
    والأجمل الآن في العشق.
    والأقدم الآن في السّكر.
    والمتألق في قلقي أبدا (الديوان ص 110)
    أنا مريضة بذاتها تتأرجح بين الكلّ والاّشيء :
    قلت :
    لا أدّعي في الحقية شيئا
    ولا شيء لي
    غير أنّي كثير (الديوان ص 99)
    هكذا هي " أنا" شاعر تسعينيّ تونسيّ يجنّ حين يحبّ امرأة يشتعل اللّيل بين يديها فيحزن الله من أجلها ويحزن من أجله أيضا.
    يحزن الله من أجلهما معا.
    هكذا يمكننا العبور من العنوان إلى النّص لنقتحم أغواره ونحيط بفضائه الرمزيّ والدلاليّ .
    فالعنوان هو نصّ مواز كما عبّر عن ذلك " جيرار جينات" ذو حمولات دلالية وعلامات ايحائية شديدة التنوّع والثراء تأسس لفضاء نصّي واسع وتفجّر ما كان هاجعا في وعي المتلقّي.
    ينتمي شعر عبد الوهاب الملوّح في هذا الديوان إلى خارطة الشعر الحداثي لكنه في مضمون قصائده يمتح من التراث العربي في مختلف أشكاله. إنّه يوظّف التراث بطريقة قصدية واعية مما أغنى نصّه بمواقف وشخصيات وأعلاما وأحداث تاريخية تحمل الإبعاد المعاصرة لرؤيته الإبداعية حتّى لا يعجز المتقبّل على استغلال القدرات الاسقاطية للقصيدة:
    بين وجهي وهذي المسافات
    أكثر من شبه
    حزن يوسف في الجبّ
    حكمة سيدي الخضر تصطحب
    الأنبياء إلى الله
    غربة عشاق ليلى
    يتيه بهم سرّهم بين رجع الصدى
    وصحاري المدى
    " سيرة السّهروردي" تألف في الحرف أسماءه النكرة
    قلت أيضا :
    أنا هكذا دائما
    أقرأ المتنبي
    وأسكر منذ الصباح
    إلى صحوة الروح في غفوة الحلم فيها ( الديوان ص/ص 93/94 )
    فهو يستخدم في هذا المقطع من قصيدة "أنا هكذا دائما"
    رموزا




    دينية
    أسطورية طبيعية
    صوفية
    أدبية


    أنبياء الله
    يوسف
    سيّدنا الخضر
    الصحاري
    السهروردي
    المتنبي
    ليلى

    إنّ الإحباط هو القاسم المشترك بين ذات الشاعر وهذه الرموز فهو يستبطن حالات :
    - يوسف في الجبّ
    - السهروردي وهو يترقّب الجلاّد
    - المتنبي هاربا من تبعات " عيد بأيّة حال عدت يا عيد"
    - الصحراء بما فيها من موت وخراب
    - سيدنا الخضر الذي لم يجد له مستقرّا في هذه الدنيا الوسيعة.
    استعمل الشاعر في هذا المقطع كثيرا من الرموز الشعرية التي لا يجد القارئ صعوبة كبيرة في التقاط دلالاتها مازجا بين عدّة وسائل في تشكيل صوره بحيث تتفاعل فيما بينها لتعكس نفسية الشاعر وإحساسه بالرّعب من كابوسية الواقع الذي يعيشه .
    إنّ في شعر عبد الوهاب الملوّح حزن كبير هيمن على جلّ قصائد هذا الديوان. فأحزانه لا حدود لها وإحباطاته في النّاس والحياة:
    إلهي !
    ادعيت الحقيقة مثل نبيّ
    وأورثت أتباعيّ الأوفياء
    مزامير رؤياي
    ثم شربت دمي في القصيدة
    لكنّي ما استرحت ...( الديوان ص 15)
    إلهي
    اختصرت مسافة عمري
    دقيقة حبّ مع امرأة تتنسّك ليلا
    تجاهر بالحلم
    لا تستريح على مقعد في الفضيلة
    لكنّي ما استرحت ( الديوان ص 16)

    على سبيل الخاتمة :
    تنتمي هذه الدواوين الثلاثة إلى خارطة الشّعر الحداثي السّائد هذه الأيام في المدونة الإبداعية العربية ولكن لكلّ واحد من شعراء هذه الدواوين طريقته الخاصة في النّهل من هذه الحداثة . ففي حين استعمل حسن بن عبد الله أسلوب القناع يختفي وراءه ليقول ما يشاء في قصائد مكثفة إلى أقصى حدود التكثيف وثرية بالدلالات المتنوعة فإنّ محمد الخالدي ينجح في إعادة إنتاج قصائد حبّ عصرية مستثمرا المخزون الصوفي لغة وابنية .
    أمّا عبد الوهاب الملوّح فإنه استثمر الرّمز في محاولة جريئة لخلق آفاق شعرية جديدة قادرة على استيعاب مستجدات الحياة ومتناقضاتها .
    اتفق ثلاثتهم على تفجير اللغة وانتهاك قداستها وتحميل الكلمة دلالات جديدة ولكنّهم اختلفوا في استعمال المعجم اللّغوي .
    فحسن بن عبد الله يذهب بعيدا في التجريد .
    وعبد الله الملوّح يكثر من استعمال الأبنية اللغوية المتشابهة .
    أما محمد الخالدي فإنه يعمد إلى إفراغ الكلمات من حقولها الدلالية الواقعية ليجعلها تنفجر بمعان أخرى تعادل في غموضها غموض الحياة .
    فهل من اليسير على المرء أن يفكّ أسرار هذا العالم الذي نعايشه في كلّ آن وحين ؟









    الروائي العربي : ابراهيم درغوثي :
    لست شيخ طريقة ولا قطب أقطاب
    حوار : الساسي جبيل

    يكتب ابراهيم درغوثي بلغة بسيطة ولكنها لغة متينة ومسرفة في جمع الصور الكثيفة ... يكتب الدرغوثي بصدق بعيدا عن كل الإفتراءات اللغوية التي تعاني منها الرواية العربية اليوم
    إذا بحثت عنه في نصه وجدته حارسا لكل كلمة فيه . وإذا بحثت عنه خارجه وجدته في انتظار قرار من قارئ يبحث في المبنى عن معنى...
    يكتب ابراهيم درغوثي الروائي التونسي بعيدا عن الغموض والخيال المخل بالواقع لذلك أصبح في السنوات الأخيرة أحد أبرز الروائيين في تونس ، و باتت نصوصه محل ترقب وانتظار من القراء ...
    في هذا الحوار تحدث الدرغوثي عن التراث والتاريخ والجنس والتجريب والرواية الجديدة ، كما لم ينس الحديث عن المحضور بشكل غير محضور طبعا ...

    - ماهو تقييمك لخمسين سنة من الكتابة الروائية التونسية ؟
    وأين تضع ابداعك ضمن المشهد الروائي في تونس ؟

    أنا واحد من كتاب الموجة الجديدة التي طفت على السطح بداية من نهايات ثمانينات القرن الماضي نتيجة ضروف مادية وموضوعية عاشها الأدب والأدباء. ذلك أن الأدب فـي تونــــــــس ( وأخص بالذكر الإبداع السردي ) راكم على مدى ثلاثين سنة تجارب عدة لكتاب سبقوا جيلي ، كتبوا القصة والرواية . هؤلاء الكتاب كان لهم سبق البداية والحفر في أرض بور . ولئن اختلف النقد الأدبي في تثمين هذه التجارب لرواد القصة والرواية في تونس فإن أحدا لا ينكر فضلهم في تعبيد الطريق للأجيال اللاحقة . ولئن بدت لنا الآن بعض هذه التجارب الإبداعية ساذجة ، مفتقرة إلى أبسط شروط الإبداع الفني ، فإنها أثثت المشهد الأدبي في زمانها وجعلت من بعض كتاب ذلك الجيل أسماء معتبرة ما زالت نصوصها قيد التداول ( المدرسي على الأقل )
    إن الكتابة الإبداعية في تونس ( قصة ورواية ) تعود في بداياتها إلى عشرينات القرن الماضي حين أطل المبدع التونسي على عالم الأدب من خلال نافذتين : الأولى مشرقية والثانية أوربية . فمن خلال الجريدة والمجلة والكتاب المشرقي ( المصري بالخصوص ) عرف التونسي أشكالا أخرى للإبداع ما كان على علم بوجودها ( القصة والرواية مثلا ) . ومن خلال لغة الآخر، ( الفرنسية هنا ) تجذرت هذه المعرفة بأصول هذه الكتابة الإبداعية الجديدة . ولئن لم يصلنا من هذه الكتابات إلا النزر اليسير ، إذ ظل معظمها طي دوريات النصف الأول من القرن الماضي فإن أصداءها بلغتنا من خلال قصص علي الدوعاجي وروايات محمود المسعدي . ولكن تلك الإرهاصات الجيدة للنص الأبداعي في تونس لم تكن سوى إستثناء ، فلم تتواصل مع الجيل الذي سبقنا . إذ هيمن على المشهد الأدبي منذ بداية الإستقلال ( 1956 ) وإلى منتصف الثمانينات ( مع بعض الإستثناءات ) النص الذي لا يقنع بأدبيته ، إلى أن ظهر جيل جديد يملأ الآن الساحة الإبداعية في تونس . جيل مثقف يكتب الرواية بامتياز ، ويبحث عن مكانه تحت الشمس العربية ، ويطمح في الوصول إلى العالمية لو توفرت له بعض الشروط كالنشر في الدور العربية الكبيرة .

    - هل يعود ظهورك إلى اشتهار روايتك الدراويش يعودون إلى المنفى التي نالت الجوائز ونشرت أكثر من مرة خارج حدود الوطن أم إلى قدرتك الفذة على كسب القراء .؟

    الدراويش يعودون إلى المنفى هي روايتي الأولى ، ولكنها الرواية التي اشتهرت بها أيضا في تونس وخارج حدود الوطن . ورغم تواتر اصداراتي الروائية إلا أنها ظلت الرواية / العلم التي أعرف بها وتعرف بي . هذه الرواية صدرت في طبعة أولى سنة 1992 عن دار رياض الريس بلندن بعد أن فازت بتنويه من لجنة جائزة الناقد خول لها النشر ضمن السلسلة الروائية التي تصدر عن تلك الجائزة ثم نشرت في تونس ، وهي الآن معدة للنشر في مصر ضمن منشورات الهيئة العامة لقصور الثقافة . كما أن هذه الرواية ترجمت إلى الفرنسية والألمانية وأعدت حولها رسائل جامعية وتناولها النقد الأدبي في تونس وفي الدول العربية .
    هذه الرواية ترددت كثيرا قبل المشاركة بها في تلك المسابقة لأنني كتبتها وأنا عائش في منزلة بين المنزلتين : الكفر بواقع الحال الذي تعيشه أمتنا العربية في بداية تسعينات القرن الماضي وحرب الخليج الثانية على الأبواب من ناحية ، والإيمان بالمستقبل من ناحية أخرى وذلك من خلا ل العودة إلى التاريخ الذي علمنا أن هذه الأمة تقوم واقفة دائما بعد الهزائم ، تنتفض من كبواتها وتنفض عنها غبار المعارك الخاسرة وترفع رأسها بشمم نحو السماء . فجاءت روايتي متشضية ، مبعثرة ، مسخوطة ، خارجة عن الشروط المعروفة لكتابة الرواية ، تلزم قارئها كثيرا من الجهد للملمة شتاتها والربط بين أجزائها إذ فيها من شعر الحداثة إلى أساطير الشعوب البائدة ومن خرافات الأجداد إلى تنظيرات كلود ليفي شتراوس ، ومن العربدة والكفر بالآن العربي ألى السخرية بالجليل من الأمور وبالحقير .
    هي راية عبثية حين تنتهي من قراءتها تحس بذلك الشبع الكاذب . بعد أن تكون لا مست كل شيء دون أن تظفر بمبتغاك .
    هي رواية اللايقين بعد أن زلزلت صواريخ التوماهاوك الأرض من تحت أقدامنا في حروب نهايات القرن العشرين .
    لقد أردت كتابة تاريخ هذه الأمة من خلال هذه الرواية منذ بدء الخليقة إلى إلى نهاية حرب الخليج الثانية بشكل كاريكاتوري يختلف عن رواية كتاب البلاطات ولكن يختلف أيضا عن سرود العامة .
    هل جعل هذا الإنشاء الغريب الخارج عن قواعد الكتابة الروائية من دراويشي نصا مختلفا ألج به ومن خلاله قلوب قراء أعياهم البحث عن المختلف . ربما . فقط أريد التأكيد على أن نص الدراويش هو واحد من نصوص الموجة الجديدة في الكتابة الإبداعية العربية ، فلست شيخ طريقة ولا قطب أقطاب وإنما أنا واحد من كتاب هذه الأمة . أبحث عن مفاتيح لأبواب أخرى للنص الروائي العربي بعيدا عما سأسميه اصطلاحا بعمود الكتابة الروائية التقليدية للوصول إلى آفاق جديدة قد تصدم ذائقة المتلقي المعتاد على القراءة السهلة ، ولكنها ستجد لا محالة مكانتها في عقول المتلقين لما تتوفر عليه من سلطة في الإدهاش وفي زعزعة اليقينيات .

    خوضك في المحضور ، هل كان السبب الرئيسي وراء الإجماع النقدي على نصك؟

    في العادة ، ملامسة المحضور لعنة تصيب المبدع لتظل تبعاتها تلاحقه مدى العمر . ولكنني شخصيا جنيت خيرا كثيرا من وراء هذه الملامسة . وأقل هذا الخير أن هذه الكتابة دفعت بنصي إلى الواجهة . فمنذ الدراويش يعودون إلى المنفى روايتي الأولى ، وإلى وراء السراب قليلا روايتي الأخيرة ، كتبت حول تجربتي عشرات الدراسات النقدية الأكاديمية وعدد من بحوث التخرج الجامعي ونشرت حول هذه التجربة كتب نقدية كاملة وأجزاء من كتب تناولت الإبداع التونسي .
    هل كل هذا الإجماع عائد إلى أنني تناولت في أعمالي المحضور الديني والجنسي والسياسي ، فعريت المستور وتجاوزت الحدود المسيجة بفتاوي الظلام وبنادق الحرس وعقد المرضى . لست أدري . ولكن ما أدريه أنها كثيرة النصوص التي تناولت هذه المحضورات، ولكنها لم تجد نفس الصدى الذي وجدته نصوصي ، لأنه لا يكفي أن تتهتك في كتابتك وتملأها بالكلام البذيء الماجن أو تعلن خروجك عن المؤسسة الدينية بفجاجة أو تكفر بدين السياسة والسياسيين والأنجليز والأمريكانيين والناس أجمعين ، لتدعي أنك تكتب في المحضور . كل هذا حسب ملتي واعتقادي ، قبض ريح ونواح تحت رأس ميت ، لأنه من شروط الإبداع الهمس دون اللمس والإيحاء دون الجهر بالكلمات وإلا تحول النص إلىمنشور دعاية لا يسمن ولا يغني من جوع .

    أنت من الذين يستثمرون التراث والتاريخ في نصوصهم ... هل يمكن قراءة الماضي في الحاضر؟

    للحديث عن هزيمة 67، رحل بنا الروائي المصري جمال الغيطاني إلى نهايات القرن الخامس عشر الميلادي فحدثنا عن أحوال مصر في عصر المماليك وعن هزيمتهم أمام الجيوش العثمانية . فهل كان الغيطاني وهو يكتب رواية الزيني بركات يكتب رواية تاريخية أم أنه كان يكتب حاضرنا من خلال ماضينا ، ويشرح أسباب هزيمتنا الآن بواسطة التاريخ . ولماذا لم يذهب الرجل إلى اللحظة الحالية ليكتب عنها بل هرب إلى تلك الأزمان .
    أظن أن حرية المبدع المغيبة هي التي جعلته يهاجر بنصه إلى زمن المماليك خوفا من سيف الرقابة المسلط على الإبداع . فالكاتب يستثمر التاريخ والتراث ( شخصيات وأحداثا وأمكنة ) ليحاول خداع الرقيب ، بداية من الرقيب الذاتي القابع في أنفسنا ، مرورا بالمجتمع بمكوناته المختلفة ، وصولا إلى الرقيب المباشر المكلف بفلي نصك من ألفه إلى يائه .
    لكل هذا أهرب شخصيا إلى تاريخنا وتراثنا الثقافي والأدبي . أهرب إلى الأصفهاني وابن جرير الطبري وابن خلدون والمسعودي وألف ليلة وليلة والمقامات وكتب السيرة ولا أتعب كثيرا في الحصول على مماثلات تكاد تطابق ما نعيشه في عصرنا الحالي : خيانات وهزائم ، وثورات واغتيالات ، وأسواق للرقيق ومدن فاضلة ، وتتار ومغول و .... ما أشبه الليلة بالبارحة . ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم ، ولله الأمر من قبل ومن بعد .

    الرواية الجديدة مختلفة عن النسق السائد في الكتابة في هذا الجنس الأدبي ... ما هي برأيك المقومات الأساسية للرواية الجديدة ؟

    الرواية الجديدة مصطلح وافد من الغرب وبالتحديد من فرنسا ، ظهر مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية ومن كتابها ناتلي ساروت وكلود سيمون . وهي تسمية لنص مغاير لما اصطلح عليه بالرواية التقليدية التي سادت المشهد الأدبي في أوروبا والعالم بأسره . وليس هناك تعريف جامع لهذا الصنف من الروايات لأن كل واحد من روادها اختط لنفسه طريقا سار فيها إلى النهاية ولكن الجميع اتفقوا على أن الرواية الجديدة هي خروج على الأركان العامة المميزة للجنس الروائي .
    وتجربة المبدع العربي في هذا الباب تختلف عن تجارب كتاب الغرب مثلا ، فقد اتجه الكاتب العربي إلى استلهام الكتابات التراثية لإثراء هذه التجربة من حيث بناء النص الروائي وتشكيل كيانه . فأدخل إلى عالم النص السردي الشعر والخرافة والخبر والأحاديث المسندة إلى رواة آخرين خارجين عن قانون لعبة السرد . وكسر خطية نمو الأحداث بالإستشهادات والإستطرادات . وأفلت من سلطة شخصيات النص الروائي بتهميشهم تارة أو اللعب بهم تارة أخرى .

    التجريب بات صورة واضحة في الكتابات العربية ... إلى ماذا يعود ذلك برأيك

    التجريب سمة من سمات الحداثة في الإبداع. والنصوص الجديدة الخارقة للسائد هي دائما نصوص تجريبية ، حتى أن رواية زينب مثلا هي حسب رأيي نص تجريبي بما أنها خرقت السائد وخرجت عن المألوف في زمانها . فأحدث هيكل الصدمة وصنع الحدث . فالمبدع الحقيقي لا يكتفي بمسايرة المتعارف عليه ، الحاصل على الإجماع وإنما هو ذاك الذي يخوض التجارب الجديدة ليضع بصمته على وجه التاريخ ،وإلا عد واحدا من كل متجانس . واحد من الذين يكتبون لملء الفراغات .
    ولئن كنت أختلف معك في تعميم التجريب على الإبداع العربي (في الرواية خاصة )لأن مجتمعا متخلفا لا يمكن أن تسود فيه الكتابة التجريبية التي هي من مرتكزات التطور والتقدم ، إلا أن هذا الشكل من الكتابة صار يغري بعض الكتاب العرب المتمردين على سلطة النص القديم وحرسه الأوفياء . فالتجريب هو قبل كل شيء أيمان بالقدرة على خرق السائد وتخطي المكرور والإتيان بما لم تستطعه الأوائل .
    إن النص التجريبي يمكن المبدع من حرية بلا حدود في الكتابة ، فلا سلطة على تخييله . ولا قيد يتحكم في قلمه .

    - هل نحتاج إلى غرائبية في الكتابة لنخترق قراء النص الإبداعي؟

    وأنا طفل أحبو الكلمات ، كنت أستمع كل ليلة إلى جار لنا يقرأ من كتاب قصصا تأسر القلوب وتترك الأنفاس مشدودة إلى ميعاد الليلة القادمة . وفجأة مات الجار فلم أجد بدا من سرقة كتاب الحكايات . خطوت فوق الموت ودخلت الغرفة حيث يرقد الجارفي كفنه وسرقت الكتاب
    يومها ، كان الأهل في شغل عني . كانوا منهمكين في تحضير الجار لإستقبال ربه . وكنت فوق السطوح أقرأ نهاية حكاية البارحة .
    هل عرفتم عنوان الكتاب الذي جعلني لا أهاب الموت وأدخل عليه في عقر داره شاهرا في وجهه شجاعة صبي العاشرة .
    إنه كتاب الليالي وما أدراك ما الليالي . كتاب الست شهرزاد وملك الملوك شهريار وما بينهما دنيا زاد والأبالسة والمردة وشياطين الإنس والجان . ..
    إنني من يومها وأنا أسير كتاب ألف ليلة وليلة . أربعون سنة وأنا أحاول الفكاك من ذاك الأسر بدون طائل وحتى لا أبالغ ، أذكر أنني خرجت عن ملكة الحكايات بضع سنين كتبت فيها نصوصا مرتبكة ، مريضة بالأيديولوجيا . ألهبت فيها ظهر الكلمة بالصوط لتدخل باب الواقعية الإشتراكية ولتجمل حياة العامل والفلاح . ولكنني عدت لأميرتي أخطب ودها بعد تلك الخيانة الموصوفة وأعدها وعد حق بأن لا أكرر التجربة مرة أخرى .
    أن الغرائبية تغري المتقبل بعوالمها العجيبة فإنسان هذا العصر في حاجة إلى محفز يدفعه دفعا إلى القراءة . وبما أن نصوص الواقعية بمختلف أطيافها لم تعد تملك هذا الإغراء ، فإن عوالم الفنطاسطيكي هي اليوم واحدة من الإمكانيات التي ستجدد الرواية لإنقاذها من الترهل ولتخرج بها من الأبواب الموصدة . فالرواية جنس إمبريالي كما عبر عن ذلك الناقد التونسي محمد القاضي ، جنس قادر على السطو على الأجناس الأخرى بسهولة ويسر . والعجائبية مظهر من مظاهر تمثل الحياة والموت أيضا بمقدورها أن تثري عوالم الرواية ، لذلك برع كتاب أمريكا اللاتينية وإفريقيا السوداء والهند واليابان في استثمار عوالم الخرافة والأسطورة والحكاية الشعبية . أما المبدع العربي فإنه مازال في خطواته الأولى في هذا الباب رغم ثراء تراثنا الشفوي والمكتوب بالعجيب والغريب ورغم حيازتنا قديما لقصب السبق في هذا الباب .

    - يعود الفضل في ظهورك إلى الاهتمام النقدي بنصوصك ... هل أنت مدين للنقاد بهذا الحضور الطاغي أحيانا ؟

    النقد والإبداع فرسا رهان متلازمين . فالإبداع لن يتطور إلا إذا واكبته حركة نقدية نشيطة تعلي من شأن الجيد ولكنها في نفس الوقت تسكت عن الرديء . وكثيرة هي الأصوات التي تدعي أن النقد تجاهلها عنوة لأمر ما .لكنني أعتقد أن النص الكبير سيجد مكانه لا محالة الآن أو غدا . والمبدع الجيد سيحضى بالاحترام والتقدير في حياته وفي أسوإ الأحوال بعد مماته لأن النصوص الهزيلة التي يكبر من شأنها النقاد دون وجه حق ولأسباب أعجز عن ذكرها لن يكتب لها البقاء . فهي تلد ميتة ، بلا جذور تتمسك بها في الأرض الصلبة . وسيصيبها الفناء حالما يذهب عنها البستاني المأجور .
    هل أنا مدين للنقاد بهذا الحضور الطاغي
    أتمنى أن تكون أزهاري قابلة للحياة بعد ذهابي وذهاب البستاني .

    إلى أي مدى نجحت في كتابة النص الذي أردت كتابته؟

    لا أظن أنني وصلت إلى ذلك النص وإلا لكنت دخلت عالم الصمت . فأنا منذ البدايات أبحث عن النص المشاكس ، الملعون ، الصاخب ، الخارج عن القانون ، النص الذي يفر من بين يديك كلما ظننت أنك أ مسكت به لأننا في المحصلة الأخيرة لا نكتب سوى نصا واحدا نظل ندور حوله وندور . نهرب منه لنعود إليه ، لنعزف ألحاننا المختلفة على نفس الأوتار .

    -ماذا حققت بعد كل هذه المؤلفات التي كتبت . وهل يمكن أن تكون الكتابة سبيلا للوصول إلى ما فيه الكفاية من طموحات ؟

    نحن في هذا الوطن لا نجني من الكتابة ربحا ماديا كما هو الحال في البلدان المتمدنة حيث تطبع الكتب في مئات الآلاف من النسخ . ولكننا نجني محبة الناس . فإن يحــتفي بـــك رجـــل ( أو امرأة ) لا تعرفه قبل لقائك الأول به ويقول إنه سعيد بمعرفتك لأنه قرأ لك نصا أعجبه . ويشد على يدك بمودة ويعطيك ابتسامة حلوة تخرج من القلب مباشرة هو خير من الدنيا وما فيها من الحياة الفانية .
    هل أنا رجل حالم في زمن لا يؤمن إلا بالدولار . شيء ممكن .؟
    وحتى لا أخفي عنكم الحقيقة كاملة أقول إنني ربحت من الكتابة أشياء أخرى كثيرة أترك لنباهتكم التفكير فيها .
    فمن تصدقون من الرجلين : أبا العتاهية أم المتنبي . ؟










    مــــــــع الروائي ابراهيـــم درغــــــــوثي

    حاوره كمال الرياحي
    لمجلة " عمان " الأردنية

    إن إقامة القارئ في مدوّنة ابراهيم درغوثي القصصية و الروائية لن تجعل منه سيّدا في بيته , لأنّ ذلك البيت بيت كل ما فيه متحرّك بإذن من فرمان الروائي الذي يمقت السكون و ينشد نظام الفوضى .
    إنّ البيت الروائي عند درغوثي بيت عجائبي تحملك احدى غرفه إلى عالم الممكن بينما تستقبلك أخرى بعوالم المستحيل , تستنشق منه عبق التاريخ و التراث , و لكنّ كل شرفات غرفه مفتوحة على الراهن و الحداثي ,إذ يعمد درغوثي من خلال مقولة التجريب إلى خلخلة نوامييس السرد الكلاسيكي و هزّ يقينيات الرواية التقليدية و الاجهاز على القارئ الاستهلاكي و تمزيق وجهه الشهرياري ليدعو إلى قارئ فاعل لا يرض بالعيش خارج الأثر .
    يطالب درغوثي مع كل نصّ جديد بقارئ سيّء النيّة لا تجعله يقظة القراءة يسبل جفون اليقين بقدر ما تبعث فيه يقظة المعارك و القتال لتتحوّل القراءة من غاية المتعة و الاسترخاء و احتلاب النوم إلى عملية نزال من أجل تحقيق الذات , نزال يقف فيه الكاتب حاملا نصّا مصقولا سنّه بأدوات و طرق مجهولة على القارئ ان يكشفها و يفضحها ليستحق لقب "قارئ"





    إبراهيم درغوثي :قاصوروائي تونسي من مواليد 1955


    من مجموعاته القصصية :
    1/ النخل يموت واقفا
    ط(1) دار صامد: صفاقس / تونس 1989 _ط(2) دار صامد:صفاقس / تونس 2000
    2/ الخبز المـــــر
    ط(1) دار صامد: صفاقس / تونس 1990
    3/ رجل محترم
    ط(1) دار سحر: صفاقس / تونس 1995
    4/ كأسك ...يا مطر
    ط(1) دار سحر: تونس 1997
    1/ الدّراويش يعودون إلى المنفى
    ط(1) دار رياضالرّيس: لندن بيروت 1992
    ط(2) دار سحر: تونس 1998
    ط(3) الهيئة العامة لقصورالثقافة / مصر 2004
    من رواياته :
    2/ القيامة...الآن
    ط(1) دار الحوار: سوريا 1994
    ط(2) دار سحر: تونس 1999
    3/ شبابيك منتصف الليل
    ط(1) دار سحر: تونس 1996
    ط(2) دار المعارف: تونس 2004
    4/ اسرار صاحب السّتــر
    ط(1) دار صامد : تونس 2002
    5/ وراء السّراب ...قليلا
    ط(1) دار الاتحاف: تونس 2002
    ط(2) مركز الحضارة العربية - مصر 2004
    تحصّل على جوائز عديدة منها :
    1. جائزة الطاهر الحداد في القصة القصيرة 1989
    2. الكومار الذّهبي جائزة لجنة التحكيم (1999) عن رواية : أسرار صاحبالسّتر
    3. الكومار الذّهبي لأفضل رواية تونسية 2003 عن رواية : وراء السّرابقليلا
    4. جائزة المدينة للرّواية 2003 عن رواية : مجرّد لعبة حظّ (مخطوط )
    التّرجمـــــات:
    1/ الدّراويش يعودون إلى المنفى ( فرنسية) نشر: دارأسود على ابيض – تونس / مرسيليا (1999)
    2/ شبابيك منتصف الليل ( فرنسية) نشر : دار أسود علىابيض – تونس / مرسيليا (1999)
    3/ تفاح الجنة ( قصة قصيرة) : ترجمة : دينس جونس- ديفس ( انجليزية ) نشرت ضمن مختارات من القصة العربية ـ نشر الجامعة الأمريكية / القاهرة – مصر –2000.
    هنا حوار مع الروائي يحاول النبش في خلايا الابداع عنده






    n صُـنّفـت إبداعاتك القصصيّة والروائيّة ضمن خانـة الأعمـال التجريبيـّـة هل يشغلـك كثيـرا التحليق خارج السرب والمغامرة الإبداعية ؟

    ““ التجريب هاجس سكـنَـنِي منذ بداياتي . قلت " يا إبراهيم قد صَدَقت الرُؤْيَــا " . فاكتبْ جديدا أو فاصمتْ . تعلم من تجارب الآخرين (القدامى والمحدثين) وحاول أن تتجاوز ما كتبوه . أكتب سطرا واحدا جديدا، فقرة واحدة. معنى واحدا. اخلق شخصية فريدة. أصدم ذائقة المتقبل. حرّك البرك الرّاكدة قل كلمتك ولا تخجل. غامر . اهتك عرْض اللّغـة . بعثر البنى التقليدية للكتابة. ولا تلتـفت وراءك.
    امضِ قُـدما إلى الأمـام ، دائمـا إلى الأمام ولا تلتـفت أبــدا وراءك . هكذا كنت منذ بداياتـي الأولـى.
    وهكذا سأظلّ إلى أن أسمع نباح كلاب السّعير .

    n التجريب الروائي ، هل حقّق للرواية العربية حداثتهـا ؟

    ““ كثيرة هي الأعمال الرّوائيـة العربيـة التي حقّقـت فرادة في الإبداع . وكثيرهم الرّوائيـون العرب الذين ثاروا على البنية التقليدية للكتابة الرّوائيـة الموروثـة من الغرب. ولكن قليل منهم فقط وجد التّرحاب لدى المتقبل. لماذا؟ ربّما لأننا أمّـة إمّعـه. قالـوا : جمال الغيطاني مبدع كبير جرّب فأجاد التجريب ـ مزج التراث بالحداثة في روايته : "الزيني بركات" وفي بقيّـة أعماله القصصيـة والرّوائيـة فردّد لكل (أقصد في تونس على الأقل) هذه المقولـة وتناسَوا بقيـة المجدّدين. وصاروا يقيسـون مدى نجـاح العمل التجريبي بمدى مطابقته لرواية "الزيني بركات". حتى صارت هذه الرّواية "محرارا" للجميع. أنا لا أشكك في عظمة تلك الرّواية. وفي جديّـة عمل الغيطاني. فهو واحد من أهم الرّوائيين العرب الذين ضخّوا دمًـا نابضـا بالحياة في شرايين الرّواية العربية الحديثة. ولكنّني أتّهم المهتـمّين بالأدب بالكسل والاتكال على أقليّة قليلة من الباحثين المجتهدين الذين يكتشفون قدر مستطاعهم من النّصوص الهامّة فيتلقفها الطفيليون ويصنعون لها هالة من التمجيد تغطّي على الأنظار بقيّة النّصوص الهامّة الأخرى. فتنسى وينسى أصحابها.
    إنّ الرّواية العربية الجديدة، مشرقا ومغربا حقّقت فرادتها. وتجاوزت النّص الجاهز لدى كثير من الرّوائيين وذلك بخرق السائد في المبنى والمعنى وبـتجاوز النّص الكلاسيكي المهيمن على الذّائقة الإبداعيّـة.
    ولكن هذا الجديد اللّذيذ مازال غير مستساغ لدى الكثير من القرّاء المعتادين على بنية معلومة في الكتابة القصصية والروائية، بنية قطع معها الرّوائي التجريبي في عمليّة فرديّة هي بلاشك خطوة رائدة لتحقيق فرادة وحداثة هذا الفنّ النّيل.

    n هذا الهوس بالتجريب ألا ترى أنّه أجهز على عدد كبير من القرّاء أصحاب المعرفة المحدودة بفنون التلقّي فأقلعوا عن قراءة الرواية لتصبح الرواية نصّ النخبة ؟

    ““ يُبدع الكاتب نصّه ويدفع به للقرّاء آملا أن يصل إلى أكبر عدد منهم. ولكن هل هذه الحقيقة البديهية صحيحة ؟ هل نملك في هذه الأمّة التي دعاها "نصّها المقدّس" إلى القراءة أناسا يهتمّون بالقراءة؟ هل لدى المبدع وهو يدفع بنصّه إلى المجهول من يترقبّه أمام واجهات المكتبات ؟ أم أنّ نصّنا يـلد " لقيطا " لا أهل له. ففي أمّة تِعداد بشرها قارب ثلاثمائة مليون مازال الكتاب يطبع في الف نسخة وفي الغالب الأعمّ على نفقة المؤلف. فلمن يتجّه المؤلف بأعداد نسخه البائسة؟ إلى " الجمهور العريض من القرّاء ! أم إلى " قرّاء النّخبة " ؟
    شخصيّا أُرضي نفسي أوّلا . أكتب ما أريد وكما أشاء ثم أرمي بكتابي للرّيح. جازما بأنّني سأجد من سيتقبّل هذا النّداء. قد يكون واحدا من قرّاء النخبة ( ولا أعـني بالنّخبة أصحاب الشهادات العليا وإنّما أقصد أصحاب الرّؤوس التي تملك عقولا تتدبّر بها أحوال النّاس والدّنيا) وقد يكون واحدا من عموم القرّاء. فكم وصلتني ردود على أعمالي من أفـراد من "الشعب الكريم " أدهشتني لأنّ النصّ المبهر يدفع متقبله إلى تدبّره دفْـعـا فيجتهدُ ويشقى بفهم مراميه.

    n هل هناك ثوابت في العمل الإبداعي الأدبي أم أنّ الحريّـة الثابت الوحيد ؟

    ““ بدون حريّة لا يمكن للكاتب أن يبدع نصّا ولكن لا بد لكل عمل من ثوابت تؤكد تجذّره في تربته.
    هذه الثّوابت التي تصنع النص في مقدور المبدع الجاد أن يثور عليها لصالح الابداع. فلولا ثورات المجدّدين في الشّعر (نازك الملائكة بدر شاكر السيّاب ...) وغيرها على عمود الشعر الكلاسيكي لما وصلنا الآن إلى قصيدة النّثـر.
    المهم أن نحتفظ بالأصل ونحاور الفروع لنصنع الجديد وهذه المحاورة والمداورة لن تكون إلاّ بالحريّة. حريّة المبدع من الرّقيب الذّاتي ومن رقابة الآخر.

    n أنت من الروائيين الذين لم يقنعوا بالواقع، فجعلوه عتبة للتحليق في متخيّل يصل أحيانا حدّ السحر والعجيب، هل فعلا أفلس الواقع كل هذا الافلاس لتتحوّل أغلب الكتابات إلى فضاءات الفنطاستيكي والعجيب أم أنّ الواقع أكثر ايلاما من احتمالنا فهرب الروائي إلى المتخيّل ملاذا وبحثا عن طمأنينة فالواقع أصبح أعجب من العجب وأغرب من الغرابة؟ .

    ““ الغريب والعجيب والفانتاسطيكي والسّحري، طرائق فنيّة للكتابة ابتدعها المبدع العربي منذ أقدم العصور. من ذلك أنّ كتاب "ألف ليلة وليلة" و"رحلة ابن بطوطة" وكتاب "عجائب المخلوقات" وكتب السّيرة. والمدوّنات التاريخية كـ ²البداية والنهاية ² و" تاريخ الطبري " وغير ما ذكرت، كثير ... كلها تزخر بإبداع طلّق الواقع وجاب آفاقا بديعـة فوق السماوات السبع وتحت الأرضين وخلق شخصيات الجن والعفاريت والغيلان والهواتف فجنّن كتّاب الغرب قبل أن يعيد اكتشافه الكاتب العربي ولسان حاله يقول : " هذه بضاعتنا رُدّت إلينا". هذا من النّاحية التّاريخية . أمّـا من ناحية المعيش في هذه السّنوات من بداية هذا القرن الجديد ونهايات القرن الفائت فإنّ ما يحدث أمام أنظارنا من تقدّم علمي وتخلّف اجتماعي وحيف اقتصادي وهيمنة لروما الجديدة على مقدّرات مساكين هذه الأرض جعل الكاتب يعجز عن تصوير هذه الأحداث إذا عالجها بطريقة الواقعية الاجتماعية التي سادت في منتصف القرن الماضي فعاد إلى تراث الشعوب القديمة يكتب من خلاله حاضرنا. فلا عجب إذن أن نجد كتاب أمريكا الاتينية يعودون إلى تراث الهنود الحمر وكتاب شبه القارّة الهنديّة وإفريقيا واليابان يحيون حكايات الأجداد وسمرهم والكتاب العرب يستثمرون التراث العربي الاسلامي بعجيبه وغريبه يكتبون من خلاله عن واقع مأزوم شبيه بعهود غزوا التيار لبلاد المشرق وتمزّق الانسان العربي بين حاضر بائس وماض تدّعي الأساطير التي وصلتنا عنه. أنّه كان مشرقا وضّاء.

    n هل تكتب للقـرّاء أم للنقّـاد ـ وهم قرّاء أيضا ـ ؟

    ““ أكتب لنفسي قبل كلّ شيء. أكتب لإرضاء نرجسيتي. أكتب لأداوي جراحا ذاتية تسكنني منذ فقدت اليقين في كلّ شيء. يأتي بعد ذلك القرّاء والنّقـاد.
    الكتابة صارت عندي شفاء للرّوح. ويلذّ لي بطبيعة الحال أن تجد هذه الكتابة قبولا لدى القارئ العادي والقارئ المختص.

    n قلت في حوار مع مجلّة " قصص" التونسية (جانفي مارس 2002) أنّ من علل رجوعك إلى التراث هو فهم عجائب هذا القرن : " لا يمكنني أن أفسّر دكّ مباني مركز التجارة العالمي في نيويورك بتلك الأجسام الجهنّمية الطائرة إلاّ بسورة الطير الأبابيل التي ترمي بحجارة من سجيّل ..." هل أنّ في التراث الأدبي والديني وفي كتب التاريخ والسير إجابة لكلّ أسئلة هذا الواقع ؟

    ““ يصعب أن نجد إجابة لكل أسئلة هذا الواقع في كتب التّراث بمختلف فروعه. ولكن ما قصدته هو أنّ تلك الوقائع التي هزّت أمريكا والعالم هي عندي غريبة غرابة تفسير وقائع مثلها حدثت في تاريخنا العربي الإسلامي وامتلأت بها الذّاكرة الشعبية حدّ الشّبع دون أن تجد لها تفسيرا علميا. فسعت إلى تفسيرها تفسيرا ما ورائيا يُقنع المخيال الجمعي ولكنّه يُربك العقل الفردي.

    n سقوط اليديولوجيات هل يخدم الفنّ أم يقتله ؟
    هل يمكن أن يعيش الفنّ خارج الايديولوجيا ؟

    ““ لقد نظّر "جدانوف " لأدب الثورة الخارج من معطف "الواقعية الاشتراكية" والمغلّف بالمطرقة والمنجل. أدب يصنع التّاريخ يسقي الفولاذ بعرق العمّال ويملأ الحقول بالزّنابق والرّياحين. أدب يبشّر بانتصار الخير على الشّر في إطلاقية بدون حدود.
    شخصيّا سحرتني "الواقعية الاشتراكية " في بداياتي خاصّة بعد قراءاتي لأعمال "مكسيم جوركي " و"الكسي تولستوي" و "قسطنطين سيمونوف" و"جنكيز اتماتوف" وغيرهم من روّاد هذا الفن. ولا غرابة في ذلك، فحين تكون ماركسيا لينينيا يصبح من البداهة أن تعتنق مذهب "الواقعية الاشتراكية " وأن تتبنّى هذا الطّرح دون سواه لأنّك حين تتخطّاه إلى طريق آخر تصبح مارقا عن الطّريق القويم. كافرا بنعم المعلّم "جدانوف " عدّوا للخير والمحبّة والسلام.
    ولكن مع ذلك هل يمكن للإنسان أن يعيش بدون ايديولوجيا ؟ هذه واحدة من المستحيلات! فالإنسان المستقلّ هو إنسان مستقيلٌ. والأدب هو نبض الحياة من خلاله نطل على الدّنيا من كوى وشبابيك شرقية وغريبة تصنع مشهدًا "بانورامي " يستحيل على الايديولوجيا أن تسجنه أو تُدجّنه ولكنها مع ذلك تترك أثرها عليه.

    n الرواية "فنّ المستقبل" هكذا نعتها جبرا ابراهيم جبرا.هل يعني هذا أنّها قـــد أقالت الفنـــون الأخرى ؟!

    ““ الرّواية هذا الفن القادم من الغرب مع بواريد "نابليون بونابارت" هذا الفن الذي يحاكي الحياة دون أن يصنعها. هذا الفن الجديد الذي قتل فنوننا السّردية العربية القديمة واستأسد فوق قبرها هاتكا فاتكا لأنّه في الوقت الحالي الأقدر من بقيّة الفنون المكتوبة على الإخبار على أحوال الدّنيا والنّاس.
    ولكن هل ستكون الرّواية " فنّ المستقبل " في العالم أجمع ؟ أشكّ في ذلك! قد تكون " فنّ المستقبل " في الدّول المتخلّفة علىركب تكنولوجيا الاتصالات الحديثة ـ والدّول العربية ـ واحدة منها. ولكنّها لن تكون كذلك في بقية دول العالم الرّاقي لأنّ الصّورة هي التي ستسود العالم خلال القرون القادمة ولن يبقى للكلمة المكتوبة هذا الطّغيان المقدّس .
    سيكون "الفيلم " التسجيلي واللـقطة المشهدية ونشرات الأخبار المصوّرة على أجهزة التلفاز. وغرائب " الأنترنات" فنون المستقبل التي ستجعل أحفادنا ينظرون إلى "الرّواية " نظرتنا الحالية إلى "الخرافة " و"الأسطورة" و"المقامة" .

    n عندما تنوي خوض تجربة ابداعية ما . هل تنبجس في ذهنك أوّلا صورة المكان أم صورة الشخصيّة أم الأحداث ؟!

    ““ قد أبني نصّي من خلال حدث بسيط لدى عموم النّاس، ولكنّه يهزّني هزّا عنيفا فأختزنه في عقلي الباطن مدّة قد تطول أو تقصر لأكتب من خلاله بعد ذلك قصّة قصيرة أو أصوّر به شخصية من شخصيات رواية كما أنّ للأمكنة سلطانها عليّ خاصّة عندما تجعل أحداثا وقعت فيها تتداعى داخل مخيلتي المتخومة بالأمكنة والأزمنة. فأنـا مهووس بأنّني عشت أعمارا كثيرة في أمكنة مختلفة من هذا العالم وفي أزمان متباعدة منذ بدايات التّاريخ. فأمكنة كثيرة توحي لي بأنّني عشت فيها حيواتي الماضية وأشخاصا أراهم لأوّل مرّة أحسّ بأنّني عايشتهم في مرّات سابقة من أعماري المتعـدّدة.

    n وصف أحد الجامعيين الرواية قائلا هي : "جنسا أدبيا امبراليـا على الاطلاق " وقال عبد الرحمان منيف في "الكاتب والمنفى" إنّها لا تطالب برأس أحد. ما رأي ابراهيم درغوثي ؟!!!

    ““ الأستاذ محمد القاضي مصيب في رأيه. فما يميّز الرّواية عن غيرها من أجناس السّرد الحديثة الأخرى هو هذه الرّحابة في مساحتها القولية التي تمكنّها من احتواء القصّة والمسرح والسينما والرّسم والخرافة والشّعر في تجانس أخّاذ.
    الرّواية الناجحة "سينفونية" من الأصوات يمتزج فيها "الدّو" ماجُورْ (Do majeur) مع الـ"سي" مينور (So -mineur) دون أن يكون هناك نشازُ يُذهب بمتعـة المتقبّـل.
    لكلّ هذا امتنعت الرّواية الجديدة على كلّ المنظرين فاستعصى عليهم وضع تعريف كاف شاف لماهيتها.
    الرّواية هي البحر المحيط المتلاطم الأمواج في حالات الغضب، والهادي ساعات الصّفاء. يحوي في جوفه الدّوروجيف الحيتان الكبيرة. هكذا هي الرّواية. والروائي الناجح هو القادر أكثر من غيره على التحكّم في هذه السّلطة الإبداعيّة.

    n هل تعتقد أن الالتفات للتراث ضروري لإذكاء الطاقات الايحائية لعوالم الرواية العربية وتأصيلها في فضائها العربي الشرقي ؟

    ““ التّراث العربي الإسلامي يزخر بفنون سرديّة غاية في الجمال كالأخبار والطّرائف والحكايات والقصص والوقائع والمقامات والسّير. ولكن حظّنـا السّيئ جعلنا نكتشف الرّواية الغربية فنتبنى بنيتها السّردية وفنونها الكتابية ونهــمل ما عداها.
    إنّ انبهارنا بالغرب في نهايات القرن التاسع عشر جعلنا أسرى لكل ما جاء من وراء البحر بما في ذلك الأدب والفن والموسيقى. أسرى للفن الغربي الذي ألهانا عن إعادة اكتشاف تراثنا الثقافي. فلو طوّرنا مثلا الحكاية العربية القديمة أو المقامة بما يلائم عصرنا لربّما أثرينا الأدب العالمي بفن جديد يمشي بموازاة الرّواية الأروبية دون أن يقلّدها مُحدثا كشفا إبداعيا للإنسانية جمعاء.

    n "الدراويش يعودون إلى المنفى " أوّل تجربة روائية.كيف تحوّلت من الكتابة القصصيّة إلى الكتابة الروائيّة ؟

    ““ تحولت من كتابة القصّة إلى الرّواية مباشرة بعد سقوط حائط "برلين " وبداية حرب الخليج الثانية. فقد أحسسْت في تلك الفترة دمار بدني وروحي أردت أن أعبّر عنه بالكتابة ولكنّني توقعت أن القصّة القصيرة لن تقدر على احتواء كلّ هذا الدّمار فكتبت رواية " الدّراويش يعودون إلى المنفى" التي جاءت متشضيّـة، مهشّمـة ، منتهكــة لناموس الكتابة التقليديـة. ممتنعة عن القارئ العُجول. ساخرة من ذائقة المتقبّل التقليدي . في شكل قصص مُصَندَقـة تدعو القارئ إلى البحث عن روابط يُحـزم بها الشضايا الخارجة عن الضبّـة والمفتـاح.
    هل هذا فقط ما جعلني أتحـول إلى كتابة الرّواية أم أنّ لحجـْـز مجموعتـي القصصيـة الثانيـة "الخبز المـر " دخلاً في ذلك ؟ قد يكون. لأنّنـي بقيت مدّة ثلاث سنوات بعد الحجـز ومنـع المجموعـة من التَـداول عازفــا عن الكتـابـة، أبحث لي عن طريـق للخـلاص .

    n صورة الآخـر في "الدراويش يعودون إلى المنفى " وفي "شبابيك منتصف الليل " بدت لنا ترديدا لصورة الآخر دأب على رسمها المبدع العربي. فهو عادة شاذ جنسيا / مخنّث يمارس اللواط والتهتّـك . هل هذه صورة الآخر فعلا أم هي محاولة تنفيس يمارسها المبدع على الواقع المؤلم ؟

    ““ الآخر، هو ما ذكرت ولكنّه العالم والفيلسوف والباحث والسائح والغازي المتفوّق بسلاحه وعلمه وآلاته الالكترونيـة لحديثه والمناصر لحقوق الأنسان والفاشي والمجرم أيضا.
    الأخر، هو الأروبي القريب منّـا، ولكنّه أيضا الكوري والهندي والياباني. الآخر، هو مزيج من كلّ هؤلاء. هو الخير والشرّ في آن واحد.
    ولكن لماذا ترتسم في الغالب الأعم صورة قاتمة على هذا الآخر في مخيّلة المبدع؟ ربّما لأن صواريخ "التّوماهاوك " التي ضرب بها الأمريكان العراق ما تزال تطير أمام أنظارنا المشدوهة. ربّما لأنّ مواقف كثير من السّاسة الأروبييـن عمياء عن الحق العربي في فلسطين . هذا وغيره كثير.
    وبما أنّ المبدع لا يقدر على إلحـاق الأذى مباشرة بهذا الآخر فإنّـه يلجـأ إلى كهوف ما قبل التّـاريخ. وكما صوّر الانسان البدائي الحيوانات الوحشية التي كان يودّ صيْدها ثمّ رشقها بنباله وسهامه ورماحه ثمّ أسال دمها. وظنّ أنّـه بذلك يسهل عليه قتلها. يعمد المبدع العربي إلى الفتك بالآخر الغربي على الورق فيهتك عرضه ويسبي نساءه ويحوز أمواله ويشنّع بفحولته. الفرق الوحيد بينهما أي إنسان ما قبل التاريخ وعربي العصر الحديث أنّ الانسان البدائي ينقش رسومه على الصخر والعربي ينشرها بواسطة المطابع التي صنعها هذا الآخر.

    n ابراهيم درغوثي أحد أهمّ الروائيين والقصّاصين التونسيين الذين تورّطوا فعليّا في الكتابة السردية . كيف كانت بداياتك مع الابداع ؟

    ““ بداياتي مع الابداع كانت نهاية في " فوكوياما" الياباني المتامْـرك. فبعد أن أكّد أنّ التّاريخ قد انتهى وأنّ العالم صار أمريكيّـا حتّى النّـخـاع ، صرخت بملء قلمي أن طَـهْـيَ الطوفان مازال طريّا وأنّ غـوّاصة نوح صار لها صواريخ نووية وأنّ مقولته معكوسـة فالآن فقط بدأ التّاريخ الحقيقي للبشريّة. فالماضي ـ كلّ الماضي ، ما هو إلاّ مشيـة مرتبكـة للانسان، خطًـى أولى في بداية طريق طويل مازال على البشرية أن تمشيه حاملة على الكتف الأيمن المسيح وعلى الكتف الأيسر جهاز "إعلامية " فائق الجودة .

    n "شبابيك منتصف الليل " رواية نشرتها سنة 1996 بدار سحر مثّلث تجربة سرد مختلف كتب جسدا مختلفا. وربّمـا أولى اختلافاته أنّه حفل بجسد الذكر دون الأنثى.

    ““ لقد احْتفلت في كلّ أعمالي تقريبا بالجسد، جسد الذكر والأنثى على حدّ السّواء . ولكنّني أفردت جزءا هاما من رواية "شبابيك منتصف الليل" للاحتفاء بالجسد منتهكا ومنهوكا. وبالغت في هذا الاحتفاء لاستفزاز ذائقة المتقبّل متناصّا مع كتاب رائع ترجم إلى أغلب لغات العالم وأخرجته المطابع في طبعات أنيقة وثمينة، هو / "الرّوض العاطر في نزهة الخاطر" للعلاّمة : أبي على النفزاوي بردّ الله ثراه. وقد عالجت في روايتي "الجنسانية " الذّكوريّة، فكان لزاما عليّ أن أتكلم عن جسد الذّكر فاعلا ومفعولا به في لغة مباشرة تسمّي الأشياء بأسمائها دون تورية لأنّني في روايتي لم أتعامل مع ملائكة وإنما تعاملت مع بشر يأكلون ويشربون وينامون مع نسائهم ويمارسون الجنس السّوي كما يمارسون اللّواط والسّحاق. كما أنّني أهتممت في تلك الرّواية ببشر همّشهم المجتمع فعاشوا على أطرافه : عمّال المناجم و"البزناسة " وأطفال الشّوارع وغيرهم. هؤلاء المهمّشين الذين كانوا يفجّرون كبتهم الجنسي بطرق شـاذّة مع بعضهم ومع الآخر (الأمريكي ) حملتُ صورتهم إلى قارئ يعرف أنّ ما تحدّثت عنه الرّواية هو حقيقة تدور أحداثها في العلن والخفاء ولكنّه يتأبّى على تأكيدها خوفا من سلطة المجتمع القامعة.

    n يحضر الكلب كحيوان وكرمز في مؤلفك " شبابيك منتصف الليل " خاصّة وفي أعمالك الأخرى عامّة. وهو ما يذكّرني برواية الأديب الكردي خوسرو ألجاف " الكلب " ورواية الجزائري الجيلاني خلاص " رائحة الكلب" و"اللص والكلاب" لنجيب محفوظ ... و"كلب السبخة " لمحمد الهادي بن صالح...
    هل يحمل الكلب كلّ هذه الرمزيّة والايحائية والدلالة ما جعله ينفرد دون حيوانات أخرى بحضور بارز في المتن الروائي ، كيف تنظر إلى هذا الكائن ؟ !

    ““ من أوّل الحيوانات التي دجّنها الانسان، الكلب. فقد ظهر هذا الحيوان في رسومات عديدة للانسان البدائي كما ظهر في الكتابات الهيروغليفية للفراعنة. وهو يمثّل الضدّين لدى الانسان. فهو تارة الصّديق الوفي (هناك عديد من القصص العربية القديمة التي تمجّد صداقة الكلب للانسان) وهو طورا العدوّ الذي يتحوّل إلى سبّة توجّه للآخر (يا كلب! ) حاشاكم اللّـه منها .
    الكلب صار قيمة يتعامل معها المبدع كالجد والصّدق والجشع والوحشية والوفاء . وهو كحيوان مستأنس ومدجّن تخلّق بأخلاق البشر وفقد جزءا كبيرا من عاداته القديمة. لهذا وضّفه الانسان في قضاء مآربة المدنية والعسكرية، قديما وفي العصر الحالي، وصنع بطلا لأفلامه ومسسلسلاته التلفزيونية وقصصه وحكاياته.
    الكلب صار متمّمًا لديكور الإنسانية.
    n قلت أن أقرب شخصيّة كتبتها إلى نفسك هي "أبو اللعنات" في روايتك "شبابيك منتصف الليل " وفسرّت هذا القرب بجرأته وقدرته على مواجهة الذات والآخر دون خوف ولا ندم . هل هذه صورة العربي المنشود عندك ؟!

    ““ نعم! فمن صفات الإنسان العربي لهذا العصر، النّفاق والجبن وعدم القدرة على الإصداع بالرّأي وانتهاك المحرّمات في الخفاء وادّعاء الطهارة في الجهر وغير ذلك من الصّفات النّميمـة.
    إنّني لا أبحث عن "سوبرمان' ولكنّي أبحث عن إنسان عادي فقدناه هذه الأيام. فأبو اللّعنات عاش إنسانيته دون زيادة ولا نقصان، بمتعها وملذّاتها وجاهر بتلذّذه بهذه المتع. وهذه صفة فقدناها في إنسان هذا العصر المنتفع على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت وما لا يخطر على البال.

    n في روايتك "شبابيك منتصف النهار" مثلّث بأجساد الشخوص وخاصّة بأعضائهم التناسليّة مثلما مثّل الرّاوي بالكلاب، هل تجد راحة في تعذيب شخصيات أعمالك ؟
    كيف تفسّر هذا العنف؟ هل هي ساديّة؟ أم هي تصعيد لما تعانيه في الواقع ؟!

    ““ الخصاء وسيلة انتقام رهيبة استعملها المقتدرون للانتقام من أعدائهم. وقد تعدّدت هذه العملية من خصاء بدني جسماني إلى خصاء معنوي عرفاني.
    فماذا تساوي الأعضاء التناسلية لإنسان أصاب الخصاء عقله. فقط أريد أن أنبّـه إلى إشكاليّة مطروحة في السّؤال تتمثّل في أنّ من مثّل بالأعضاء التناسليّة لبقيّة شخصيات الرّواية هو أيضا "الرّواوي" الذي مثّل بالكلاب. هذا الرّاوي الذي يتداخل مع شخصية الحفيد تداخلا لا فكوك منه تمثّلت عقدته في خصائه المبكّر (زمن الطّهارة). ولكن هذا الخصاء هو خصاء معنوي أكثر منه جسدي. وهو يرمز إلى انتهاك رجولة أمّة كاملة صار رجالها يبحثون عن التّعويض بممارسة الجنس مع الحيوانات وهي كائنات غير عاقلة لا فرق عندها بين العنين وغيره. أو مع الآخر (الغربي ) فرنسيّا كان أو أمريكيا وفي ذلك محاولة في البحث عن الرّجولة الضّائعة.
    وفي كلّ الحالتين تسقط هذه الشّخصيات في "اللاّمعنى".

    n هل سُجنْتَ ؟! تجربة السجن هل هي تجربة ضرورية للكاتب ليكتشف عوالم أخرى وفضاءات أخرى وليشعر بأن قلمه فاعل ومؤلـم ؟!.

    ““ مررت بتجربة السّجن لمدّة قصيرة (أقـلّ من أسبوع) بعد حوادث الخبر عام 84. ولكنّ هذه التجربة على قصرها كانت مريرة لأنّني رأيت من خلالها الوجه الآخر للانسان. الوجه القبيح، الشّرير، الصّادي الذي يتلذّذ بتعذيب أخيه الانسان وخجلت من نفسي، إذ قارنت تجربتي البسيطة بتجارب المناضلين الذين قضّوا أعمارا داخل السّجون. لهذا، آليت على نفسي أن أفضح هذا العذاب كلّما سنحت لي فرصة الكتابة عن السّجن ولكنّني لا أعتقد أنّ هذه التجربة ضرورية للكتابة عن التعذيب وامتهان كرامة الانسان خاصّة بعد توفّر وسائل الاعلام الحديثة التي تضعك المبدع عيانا في موقع الحدث يعني ليس من الضروري أن يعيش المبدع معناه ما حتّى يكتب عنها بصدق وإلاّ فإنّنا سنحوّل المبدعين إلى المناجم والسّجون والبحار وإلى فقراء معدمين ومجانين ... إنّ الابداع تجربة وجدانية يستبطنها الكاتب ثم يكتب نصّه وهو يستحضر شعور وأحاسيس شخصيات أعماله الرّواية والقصصية.

    n ما هي غاية الكتابة ؟ ما علاقتها بالحياة ؟

    ““ الكتابة هي تأبيدٌ للحظة / للحظات من حياة الكائن البائد. هذا الانسان الذي عمّر الكون ما كان أن يكتب له الخلود لولا الكتابة . الكتابة هي أبهى ما اكتشف العقل البشري على مدى القرون والأجيال منذ أن خطّ بمسماره على ألواح الطين في بابل وآشور إلى أن صار يستغلّ كهارب الجوّ ليخطّ بها على شاشات الكمبيوتر .
    الكتابة هي الحياة.

    n "القيامة ... الآن " رواية تتنفّس من أجواء حرب الخليج . الحروب تصنع روايات ... أما الروايات فتصنع حروبا أدبية وسجالات . هل ننتظر من ابراهيم درغوثي رواية يكون قادحها ما حدث في 11 سبتمبر 2001 ؟! أم أنّ تلك الأحداث أعظم من التخيـيل والابداع ؟!

    ““ لا أظنّ ذلك، لأنّ الأحداث العظيمة تصنع الرّوايات العظيمة (أنظر مثلا رواية "الحرب والسلام " لتولستوي).
    و"11 سبتمبر " هو حدث جلل لكنّه لم يمسّ شفاف قلبي ولم يدفعني لاستثماره لكتابة نص حوله. مع العلم أنّني تحدّثت في روايتي "القيامة ...الآن " عن إمكانية وقوع ما حدث لأنّ المبدع لديه حاسّة سادسة تلهمه توقّع ما يصعب التكّهن بوقوعه.

    n أعمالك" تواقع المقدّس مثلما " تواقع " المدنّس"، وكأنّي بها نصوص تخرق كل الحجب والستائر من دين وعادات ومحرّمات ومسكوت عنه ... ما هي حدود الإبداع عندك ؟!!


    ““ متى وضعنا حدّ للإبداع قتلناه. فالابداع بحر بلا ضفاف.
    إن المبدع العربي معرّض أكثر من غيره إلى الإدانة كلّما تعرّض إلى واحد من المواضيع الحارقة. فهو ممنوع من الكتابة عن الجنس بدعوى التّهتك والفجور وجرح الذوق العام. وهو مارق عن الملّـة إذا لامست كتاباته الدّيـن من قريب أو بعيد وهو متّهم بمعاداة الأنظمة السياسية الحاكمة إذا هم بالحديث عن واقع اجتماعي متأزّم. لم يبق أمام الكاتب إلاّ أن يسكت أو أن يكتب قصصا ميتة ، بلا طعم ولا رائحة. قصص تفوح منها رائحة المهادنة، مهادنة المسكوت عنه بكل ألوانه وأشكاله .
    شخصيا اخترت الذّهاب بعيدا والخروج عن عصا راعي القطيع. فكتبت نصّي بعد أن قتلت الرّقيب البارك فوق كتفيّ.
    وبعد أن تحرّرت من ربقة هذا الرّقيب انفتحت في وجهي بوارق الابداع فكتبت على ضوئها ما أشتهي . وتركت للقارى حريّة الرّفض أو القبول لهذه النّصوص. وجعلت التّاريخ حكما بـيني وبين الإبداع.

    n عرفنا نصوصا روائية كتبت باللهجات المحليّة وضعها يوسف القعيد (مصر) ومحمود بلعيد (تونس) وفؤاد التكرلي (العراق).
    ما هو موقفك من استعمال الدارجة في الأدب ؟ هل هذا شكل من أشكال التجريب ؟!

    ““ أنا ضدّ كتابة نصّ كامل بمحكيّة محليّة مهما كان موقعها من الخارطة العربية. لا لإنّ هذه المحكيّة قاصرة عن تبليغ ما يصبو إليه الكاتب. فكثير من اللّهجات العربية توجد فيها بلاغة تضاهي العربية الفصيحة وصور فنيّـة رائعة والفاظ وتعابير تذهب إلى الهدف مباشرة ونبلّغ المعنى المقصود بقدرة فائقة. ولكنّني مع ذلك أحبّذ استثمار ماذكرت لإثراء النصّ الفصيح (عند الضوروة) وخاصّة في الحوارات التي تدور بين شخصيات الأعمال الأدبية (وقد أبدع في هذا الباب الرّوائي عبد الرحمان منيف في ملحمتـيـه "مدن الملح" و "أرض السواد" ففي الأولى استعمل محكية "جزيرة العرب " وفي الثانية "دارجة" العراق.
    كما أنّني لا أرى مانعا من استعمال اللّهجة الدّارجة في الحوار الباطني وعند تداعي الأحداث لدى شخصيات العمل الأدبي.

    n بعدك عند العاصمة لم يكن عائـقا أمام وصول أعمالك إلى جمهور القرّاء. هل تعتقد أنّ الاقامة بعيدا عنها أأمن للمبدع من خطر التيه في الزحام ؟!

    ““ إنّ وسائل الإتّصال الحديثة مكّنت الكاتب من التنقّل في المكان والزمان بسهولة ويسر لذا لم يعد عائقا البعد عن العواصم بالنّسبة للمبدع. فالدّنيا صارت أضيق من قرية كبيرة وبواسطة " الأنترنات" يمكن لنصّك أن يسافر إلى "بيكين " أو "سنْتياغو" أو " نيويورك" بعد الضّغط على زرّ واحد.
    إنّ إقامتي بعيدا عن العاصمة مكّنتني من وقت أكبر للقراءة والكتابة. ففي قرى لا يوجد فيها مسارح ولا قاعات سينما ولا ملاعب كرة ولا مقاهي لائقة ولا أمكنة أخرى للتّرفيه يصير الكتاب (مع التلفزة بالطبع) نافذتك الوحيدة التي تظلّ منها على العالم .
    ومع ذلك فأنـا متأكّد من أنّني لوعشت في العاصمة فإنّني لن أضيع في الزّحام لأنّني صرت صاحب عُزلة مقدّسة تقيني شُرور التّيه في اللاّمعنى.

    n في زمن "النشر المفقود والتوزيع المخجل" تنشر أعمالك في لبنان وسوريا وتونس ... ويُعاد نشرها وتترجم إلى لغات حيّة عدّة ـ اللهم لا حسد ـ دون أن تكون وراءك هالة إعلاميّة ولا سدنة إعلام . حتّى أنّي وجدت صعوبة في العثور على صورة شخصيّة لك، هل تعتقد أنّ الساحة الأدبية تشكو أزمة نصّ أم أزمة قارئ ؟!

    ““ السّاحة الأدبية في تونس صارت هذه الأيام تشكو من تخمة في النّصوص المنشورة. فما نشر خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين، يضاهي ما نشر خلال الأربعين سنة الأولى من عمر الاستقلال. ولكن هل هذه ظاهرة صحيّة أم أنّها تخفي مرضا مزمنا تُعاني منه شريحة من المجتمع التونسي تظنّ أن نشر كتاب شعري يعني الوجاهة والدّخول في "شعب اللّه المختار" .
    ومع ذلك فأين نحن من المجتمعات الأخرى؟ ولأُدلّـل على الفرق بين النّشر لدينا ولديهم سأذكر مثلا واحدا هو الكاتب البرازيلي "باولو كويلْهو" الذي طبعت روايته "الخيميـائي " في إحدى عشر مليون نسخة باللغة البرتغالية فقط.
    إنّ السّاحة الأدبيّة في تونس تمتلك في اللحظة الرّاهنة عددا مهمّا من الأصوات المتميّزة في النّثر والشّعر. أصوات لو وجدت سوقا أكبر وأرحب لصنعت ربيع الابداع العربي.
    ولكن حظّ "كويلهو " البرازيلي قائم . وحظ المبدع العربي نائم ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

    n هل تعرّضت أعمالك لقمع الرّقيب ؟

    ““ نعم . مُنعت مجموعتي القصصية الثانية " الخبز المرّ" من التداول منذ سنة 1990 ولا زال الحظر ساريا عليها إلى الآن.
    كما أنّ روايتي " شبابيك منتصف الليل " جُمّعت من السّوق ومن على رفوف المكتبات الخاصّة والعامّة منذ سنتين.

    n سؤال الهويّـة . هل مازال سؤالا صالحا لمتن روائي . أم أنّ زمن العولمة زاد في ترسيخه ؟

    ““ في هذا الزّمن، زمن العولمة ترغب أمريكا في أن تسود ثقافة واحدة هيّ ثقافتها هي . ثقافـة "البزنس" و"الهمبورغر" و"الفاست فود". ترغب أمريكا في تحويل العالم إلى حديقة خلفية لقصرها الباذج.
    في هذا الزّمن ـ على الشّعوب المغلوبة على أمرها أن تغصّ بالنّواجذ على ثقافتها ولغتها وتقاليدها وعاداتها وأن تستكب مبدعيها لتخليد مآثرها وتاريخها وفنونها الشعبية حتّى لا تأكلها طاحونة أمريكا العملاقة وتحولها إلى قطرة في بحر "العم سام " .
    إنّ هويّة الشّعوب المولّى عليها في هذا القرن في حاجة أكيدة إلى تخليد مآثرها لا بواسطة الرّواية فقط وإنما أيضا بواسطة الشريط السينمائي والفيلم التسجيلي والشّريط المسموع والرّسوم الفنيّة حتّى لا تصبح هذه الشعوب في خبر كان، ويصيبها ما أصاب حضارات عتيدة قضت عليه "المدنيّة " الغريبة كحضارات" "الأزبيك" و "الأنْكـا " و "المايا " في أمريكا الوسطى والجنوبيّة. وحضارة سكان « أستراليا" الأصليين وحضارات الشعوب الإفريقية جنوب الصّحراء.
    علينا أن نطير بجناحين حتّى لا نسقط في الهاوية، ننظر بثبات إلى المستقبل دون أن ننسى أنّ وراءنا ماض مُشرق علينا أن نتعلّم منه أيضا.

    n كيف تقيّم مسهمتك في فنّي الرواية والقصة القصيرة هل تشعر أنّك قدّمت إضافـة نوعيّة ؟!

    ““ لا أدري ! فالأمر موكول إلى القرّاء والنّقاد. وكلّ ما أدريه أنّني أحاول في كلّ مرّة أكتب فيها نصّا جديدا، أن أخرق السّائد في الشّكل والمعنى. وأن أحاول الخوض ضدّ مجرى النّهر متجاوزا نصّي السّابق.
    فهل وفّقــت في ذلك ؟ لست أدري .

    n هل لك طقوس عند ممارسة الكتابة ؟

    ““ يشتدّ نهمي للكتابة في فصل الشّتاء. أمّا الصّيف فهو فصل القراءة بامتياز .
    لا أقدر على الكتابة في الأماكن العامّة كالمقاهي مثلا. فالضّجيج يُذهب من رأسي الأفكار ويجعلني كالصّحراء اليبـاب . حين يشتدّ نهمي للكتابة يصيبني الأرق ليلا. وحين أنام تغـزو الأحـلام سريري (حتّى أنّني حوّلت كثيرا من أحلامي إلى فصول في رواياتي أو قصص قصيرة ).

    n حدّثنا عن ابراهيم درغوثي الطّفل .. كيف كانت طفولتك ؟ هل كنت تحلم بأن تكون أديبا كبيرا ؟

    ““ كان جدّي "درويشا " تتلمذ أبي على يديـه . ولولا المدرسة التي أحدثها " الكفّار" في بلدتنا لكنت قارئ كفّ أو ساحرا من سحره قبيلـتنا في بلاد الجريد وما جاوورها من بقيّة الأقوام . وعلى كلّ فأنّ مهنة الكتابة هي فرع من فروع السّحر والشّـعوذة . حفظت "القرآن" وأنا طفل. وسمعت كثيرا من القصص والحكايات فأتقنت سردها لغيري من الأطفال كنت حين تنفذ هذه القصص أحكي لهم أخرى من تأليفي وأكذب حتّى أحوّل العالم إلى أكذوبة كبيرة.
    لم أحلم أبدا بأن أصير أديبا فكلّ شيء جاء عن طريق الصّدفـة. ربّما حلمت بأن أكون نقابيـا أو رجل سياسة أما الأدب فكان من آخر اهتماماتي (لا اقصد قراءة الأدب وإنما أقصد كتابة القصص والرّوايات ) ولكن فشل تجربتي السّياسية مع اليسار قادتني إلى الأدب.

    n هل تشعر أنّـك " رجـل محتـرم جدّا " ؟

    ““ يُصعب أن نعثر على "رجل محترم جدّا " في هذا الزّمن العربي الرّديء .

    n متى تبدأ القيامـة عندك ؟

    ““ القيامة قائمة عندي منذ ابتلائي بداء التفريق بين الخير المطلق والشر المحْض. وقد تحدّثت عن ذلك في روايتي : " القيامة...الآن " .
    إنّني أعتقد أنّ كلّ شخص يصنع قيامته بنفسه ويختار بإرادته التوقيت ومكان انجاز هذا الحدث الذي شغل البشريّة منذ بواكير الفكر الإنساني . وملحمة "قلقامش" شاهد على ما أقول .

    n رواياتك قصيرة وفيهــا بياضات كثيرة. هل تؤمن بأنّ الرواية الـجيّدة ليست دائما الرواية الطويلة ؟

    ““ في عصر الأكلات الخفيفة (على الطّائر) ووسائل تزجية الوقت الكثيرة والتّي لا تتطلّب جهدا يذكر، يصعب على الإنسان تمضية شهر في قراءة رواية. لقد مضى ذلك الوقت الذي كانت فيه القراءة هي أهـــم وسيــلة للمتــعة الذهنية ، أيّامها كان في إمكان القارئ أنّ يطالع الرّوايات الطويلة Les romans fleuves)) بأجزائها المتعدّدة دون أن يحسّ بالملل لأنّه لم يكن يوجد على السّاحة مزاحم للقراءة كما هو الشّأن الآن : خاصّة التلفزيون.
    لذلك فضّلت منذ البداية كتابة الرّواية القصيرة التي يمكن تكثيف أحداثها وقول ما يمكن قوله في خمسمائة صفحة في مائة صفحة فقط لأن التطويل لا يعني دائما علامة للجودة. فكثير من الرّوايات الضّخمة ملأى بالحشو حدّ التّخمة. وكثير من الكتّاب يظنّون أنّهم يبدعون نصّا جيّدا إذا حبّروا ألف صفحة. ويتناسون أنهم لو مرّروا كتاباتهم تلك على الغربال لبقي ما ينفع النّاس. أمّا الزبد فيذهب جفاءً

    n "لا شمس هذا اليوم في السّماء .
    لا شمس في الغرب
    لا شمس في الشرق
    لا شمس فوق الصحراء العرب
    لا شمس فوق الكريملن .
    لا شمس فوق البيت الأبيض.
    لا شمس هذا اليوم في السّماء. " (القيامة ... الآن ص 17)
    هل الواقع بكل هذه السوداويّـة ؟ ماالذي أوجد هذه العتمة ؟!

    ““ حال هذه الأمّة الآن يا صاحبي شبيه بما كان عليه حال ملوك الطّوائف قبل سقوط بلاد الأندلس في يد الإسبان. وخوفي أن يكون مآلنـا ما كان عليه مآلهم خاصّة و"الصهيونية العالمية تتربّص بنا الدّوائر. ونحن كمن يؤذّن في مالطا. وإلاّ فبماذا نفسّر هذا السّكوت الرّهيب على ما "يجري في فلسطين والعراق ونحن نشاهد ما يجري على تلك الأرض مباشرة على شاشات التلفزيون.
    إنّني من موقعي أحسّ أنّني مشارك في هذه التّراجيديا لَوْلَو بالسّكوت عمّا يجري) لهذا فضّلت عدم مشاهدة نـشرات الأخبار إلاّ في القليل النّادر لأنّني أحسست في وقت من الأوقات أنّني سأصاب بالجنون. لهذا فضّلت أن أحتفظ بجزء من هذا العقل بعيدا عن الدمار على أن أحاول ترميم البقية في يوم من الأيّام.

    n المكان لم يعد زاوية من زوايا العمل الروائي بل أصبح شارع الرواية الرئيسي حتّى أنّه تحوّل إلى شخصيّة رئيسية مع بعض الروايات الحديثة. كيف ينظر ابراهيم درغوثي إلى المكان الروائي ؟!!

    ““ في الرّواية الجديدة، لم يعد شرطا أساسيا لنجاحها أن تدور الأحداث في أمكنة معروفة ظاهرة للمتقبّل، واضحة بيّنة تؤطّر أفعال الشخصيات وتؤثّر في زمن من وقوع الأحداث. لقد صارت الأمكنة متشضيّة شأنها شأن الزّمن الرّوائي .
    المكان فقد قدسيته القديمة كزاوية للتبّرك يتمسّح على عتباتها المريد ويطوف بأركانها رُكنا ركنًـا واضعا نُذرا هنا وشمعة هناك، طائفا بالعتبات متمسّحا بالتّوابيت العتيقة.
    المكان تحرّر من هذه السّلط ووهب نفسه للمبدع يفعل به ما يشاء. المكان تحرّر من سلطة الضّبط والرّبط فاتحا آفاقا شاسعة أمام المبدع المجدّد فلم يعد قيد يضغط عليه بل صار مفتاحا يفكّ به الأقفال المستعصية على الحلّ.

    n الرواية مدينيّة بطبعها " مقولة " خرقتها روايات درغوثي حسب رأيك هل يمكن لفضاءات القرية أن تنتج رواية سويّة " ؟!

    ““ في القديم كان يمكن لهذه المقولة أن تكون صائبة . أمّا الآن فقد تبعثرت الأوراق لأن كثيرا من مدن العالم الثالث هي قُرًى تضخّمت وانتفخت فشوّهت صورتها. فلا هي بالمدينة على النّمط الأورو ـ أمريكي ولا بالقرية العربية التقليدية.
    زد على ذلك أنّ المدنيّة الحديثة حوّلت إلى بيوتنا في القرية كلّ أنماط المعيشة السّائدة في المدن. لهذا لم يعد من الغريب على المبدع أن يكتب الرّواية وهو مستلق تحت ظلّ نخلـة باسقـة أو سنديانة وارفة .

    n لقد وصفت في روايتك " القيامة ... الآن " مشهدا هو أشبه ما يكون بما حدث في 11 سبتمبر 2001 بنيويورك تقول فيه : "يومها حدث زلزال عظيم. تحركت الجبال ذات اليمين وذات الشمال وطفى الماء في البحار والمحيطات. وتساقطت ناطحات السحاب الواقفة في شوارع " نيويورك" على الأرض وتحوّلت في غمضة عين إلى ركام من البلّور المهشّم والفولاذ والحديد... هرب الناس في كل اتجاهات وتنادوا بالفرار."
    روايتك نشرت قبل الأحداث بكثير. هل تعتبر هذه نبوءة أم أنّ ما حصل هو حلم يأتي كل عربي لمّا يشتدّ به الإحساس بالقهر والظلم ؟!!

    ““ نشرت روايتي "القيامة ... الآن" التي وردت فيها المقولة، في طبعتها الأولى بدار الحوار سورية سنة 1994. وما كتبته في تلك الرّواية لم يكن نبوءة ولا كهانة وإنما هو حتمية من حتميات التّاريخ. فالقهر الذي سلطته الولايات المتّحدة على العالم قبل سقوط المنظومة الاشتراكية، وخاصّة بعد ذلك السقوط لا بدّ أن يولّدا انفجارا على شاكلة ما وقع في "مانهاتن " . أمريكا التي استعبدت العالم بايديولوجيّة "نهاية التّاريخ" و"صراع الحضارات" كانت تظن أنها بمنأى عن الخراب. ولكن الخراب يعشّش في بيوتها. فأمريكا التي ربّت "الوحش" من أسميته "بالجسّاسة" في روايتي وهو وحش أسطوري في التراث العربي الإسلامي على شاكلة" كينع كونغ " لابدّ لها أن تنال جزاء فعلتها. وقديما قال حكيمنا الشاعر المتنبّي :
    " ومن يجعل الضّرغام للصيد بازه * تصيّده الضّرغام فيما تصيّد "

    n ما هي آخر أعمالك السرديّة ؟ مجموعة قصصيّة أم رواية ؟ !

    ““ عملي القادم، مجموعة قصصية عنوانها : شُموسٌ سوداءُ" حاولت كالعادة أن لا تكون تقليدية في بنائها الفنّي قسمتها إلى أربعة أجزاء، في كلّ جزء منها قصّة أو مجموعة من القصص ، يحمل كلّ جزء عنوانا فرعيا .
    الأوّل : شمس الغسق .
    الثاني : شموس الليلة الليلاء .
    الثالث : شمس الصّبح .
    والرّابع : شمس النّهار به قصّة واحدة هي : "الوحش "
    " انشقّت السّماء . وظهر وحش جبار بدأ في قرض الشّمس من جانبها الأيْسر
    /أهـ /.
















    من مظاهر التجريب في رواية مصطفى الفارسي : حركات (1)


    إن –حركات – وجه آ خر للتّجريب في الأدب الروائي التونسي . وهي مخطّط موجز لأعمال روائية مستقبلية تهدف إلى تحقيق نقلة حاسمة في تاريخ الكتابة الروائية التونسية والعربية عامّة (2)
    مصطفى الكيلاني


    كتب مصطفى الفارسي – حركات –في فترة حرجة من تاريخ تونس الحديث .عشريّة سبعينات القرن الماضي . هذه العشريّة الّتي كانت تموج بأحداث جسام منها إرهاصات الصراع الدامي الذي كان على الأبواب بين الحزب الحاكم ونقابات العمّال ممثّلة بالاتحاد العام التّونسي للشغل ( أحداث جانفي 1978 )الّتي كان من نتائجها التّضييق على الحرّيات العامّة . فكانت مصادرة هذه الرّواية واحدة من أشكال هذا التّضييق .إذ صدرت الطّبعة الأولى منها في ماي 1978 ولكنّها لم تر النّور وظلّت محجوزة وممنوعة من التّداول شأنها شأن عديد من الأعمال الإبداعية في القصّة والرّواية والشّعر . ولم يسمح بإعادة طبعها إلا بعد التّغيير، فأجيز نشرها من جديد سنة 1996 (3) .
    إنّ المطّلع على هذه الرّواية يدرك مدى صعوبة المغامرة الإبداعية الّتي خاضها مصطفى الفارسي وهو يكتب نصّه . فقد كانت هده الرّواية مغايرة لما سبقها منشقّة عن الرّوايات التّقليديّة الّتي سادت المشهد الإبداعي التّونسي منذ الاستقلال حتّى تاريخ ظهورها ( مع استثناء واحد : نصّ عزّالدّين المدني – الإنسان الصفر –الّذي نشر جزأه الأول سنة1969 ولم ينشر كاملا إلى الآن ) فكسّرت هذه الرّواية رتابة هذا المشهد . وأحدثت هزّة في البناء التّقليدي الّذي يميل فب الغالب الأعمّ إلى الانتظام ويقبل الرّتابة .
    لقد انفتح مصطفى الفارسي في هذا النّصّ على تقنيات جديدة بالنسبة للكتابة الرّوائيّة في تونس ليحرث في أرض بكر ، فتعالقت في نصّه نصوص شتّى ، نصوص الذّاكرة والجّين والتّاريخ واللسانيات والفكر والأسطورة . وتحاور مع النّصّ الآخر عابرا للنصوص انطلاقا ممّا سمّاه المصري ادوار الخرّاط –لاحقا- بالكتابة عبر النّوعيّة (4) .
    فهل كفر مصطفى الفارسي قبل الجميع ( على الأقلّ في تونس ) بالرّواية التّقليدية ومرق عن دينها وديدنها . مؤمنا بأنّ الرّواية جنس أدبيّ ما زال قيد التّشكّل ، عاملا على تأسيس عناصر روائيّة عربيّة لها نكهتها الخاصّة ، فنوّع في دائرة التّخييل ووسّع فيها مستثمرا التّعالق النّصّي (5). ليدخل نصّه في حوار مع النّصوص الأخرى منطلق من فكرة سبق أن تناولها كاتب قبله ، لإثرائها والإضافة إليها ، ايمانا منه بحواريّة المعارف .
    ولكن قبل تناول هذا المنزع الجديد الذي خطه الفارسي في الكتابة الروائية في تونس ، سننظر أوّلا في أدبيّة هذا النّصّ ، وفي مدى التزام مصطفى الفارسي بسرد الحكاية في هذه الرّواية الّتي قال عنها جلّول عزّونة : -انّ كتابنا هذا وان اتّخذ شكل رواية وصنّفه النّقّاد الى حدّ الآن ضمن هذا الجنس ، فانّ المتمعّن فيه لا بدّ وأن يشعر بنوع من التّململ ، إذ يجد فيه القارئ مستويات عدّة تمكّن من تصنيفه ضمن أجناس أدبيّة مختلفة – (6)
    ولم يختلف الدّكتور محمود طرشونة كثيرا مع رأي الأستاذ عزّونة في تجنيسه لهذا النّصّ وذلك في مداخلة له بعنوان – مقوّمات قراءة شموليّة للأدب العربي : حركات نموذجا –جاء فيها : "وأوّل صعوبة في دراسة هذا الكتاب تتمثّل في تصنيفه ونسبته إلى احد الأنواع الأدبيّة البارزة كالرواية والأقصوصة والمسرحيّة والخاطرة فهو يجمع بين كلّ هذه الأنواع في تركيبه وتقسيمه"الخ ...(7)
    أمّا النّاقد أبو زيّان السّعدي فقد ساير هو أيضا الجماعة في رأيهم إذ قال عن الرّواية : " نحن إزاء عمل فنّي ، ليس هو برواية ولا مسرحيّة ولا قصّة قصيرة ، وإنما هو جميع ذلك ، هو عمل تجريبي فيما أعتقد مكّنه منه ما أتاحه له الموضوع من إمكانيات حافلة كلّها بالإشارات التّاريخيّة والرّموز اللّغويّة ، وما يزخر به الواقع من متناقضات لا تنتهي " (8) .
    لقد وجد الناقد الأدبيّ نفسه في حيرة أمام هدا النّصّ . ولئن وجدنا عذرا للدكتور طرشونة في حيرته في البحث عن جنس لنصّ الفارسي . ذلك أنّه كتب بحثه عن هذا النّص ّسنة 1982 (9) أي قبل أن يشيع مفهوم التّناصّ في الكتابات النّقديّة العربيّة . فإنّنا لا نجد سببا لحيرة الأستاذ عزّونة الّذي قدّم للرّواية في طبعتها الثّانية الصّادرة سنة 1996 (10) . وهو القاصّ والرّوائيّ والنّقد الباحث عن آفاق جديدة للرّواية العربيّة (11) . فممّا لا مجال للشكّ فيه أنّ الأستاذ عزّونة قد اطّلع على كتابات جوليا كريستيفا وتنظيرها للتّناصّ من حيث هو تداخل وتفاعل بين نصّ وغيره من النّصوص .
    إن الفارسي قدّم لنا في هذه الرّواية نصّا مركّبا من مجموعة نصوص يستقلّ كلّ واحد منها بذاته ولكنّه في نفس الوقت يجد امتدادا له وسط هذا التّراكم النّصي . فالرّواية مجموعة من الحركات تتتابع في متتاليات نصّية ينظمها خيط واحد يدور حول حكاية قحطور . فهذه الحكاية هي النّواة الأصليّة الّتي بنى عليها الفارسي روايته . وبقيّة النّصوص هي إمّا تكملة لها أو تنويعات عليها . فكأنّ الفارسي كتب نصّا أوّليّا هو قصّة قحطور ثمّا أغناها ببقيّة النّصوص . دلك أنّ قصّة هذا الرّجل سكنته منذ الصّبا فعايشها وعايشتة إلى أن كتبها . ولكنّها ظلّت غير مكتملة فأضاف اليها ما جعلها هذا النّص المركّب ، الفريد في نوعه ، والمغامر في شكله وفي بيانه .
    يقول الفارسي في الإهداء :
    إلى روح والدي حامد بن سطا علي الفارسي الذي شارك في حرب الريف
    منقادا فلم يقتل ولم يقتل وعاد من الأطلس العظيم بزاد من الذكريات لم ينفذ طوال حياته .
    ... حدّثني عن أبطال أبطال أنوال وضبط ملامح المرسلوجي وقحطور في خطوط وسطور علقت بذاكرة الطّفل الّذي كنت فكانت مبعثا لهذا العمل (12) .
    ينطلق الفارسي من ذكريات الوالد ليكتب عن قحطور ، هذا الرّجل الّذي هاجر من تمغزة للبحث عن الخبزة في المدينة فسكن الجبل الأحمر (13) وعمل حارسا لأملاك الرّأسماليّة المنتصرة في المستعمرة القديمة .
    يكتب الفارسي عن قحطور هذا البوهيمي الّذي لا يملك من حطام الدّنيا سوى كيس أبيض – هدّية الولايات المتّحدة لفقراء العالم – كيس قمح النّمنّي no money (14) – قمح ببلاش مدموغ بيدين متصافحتين تعنيان : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته، ولكن"هما تعنيان أيضا قبضة حديديّة على رقبة الحاكم والمحكوم في البلدان المغلوبةعلى أمرها .يحكي لنا الفارسي قصّة قحطور هذا الرّجل الّذي دخل حروبا كثيرة خرج من جميعها مهزوما . حربه الأولى في كسّينو مع جيش الحلفاء .دخلها رغم أنفه للدفاع عن شرف فرنسا الّذي أهدره جيش هتلر . فانتصرت فرنسا . ورجع هو إلى أرض الوطن برجل من خشب . وحربه الثّانية مع ذكرياته عن حروب الرّيف المغربي ( عبد الكريم الخطّابي ومذبحة أنوال )، وحرب فلسطين ومذبحة دير ياسين وحرب الجزائر ومذبحة ساقية سيدي يوسف .وحربه الثّالثة مع ذاته المريضة بعذاباته وعذابات شعبه في البحث عن القوت وعن الحرّية والكرامة الوطنيّة . وحربه الأخيرة مع زوجته قحطورة . وهي أخطر حروبه إذ تدور رحاها في بيته مع شريكة حياته . يظنّها حربا ميسورة الرّبح فإذا به يحرج منها مقسوم الظهر بعدما جعلت منه زوجته ديّثا يرى بعينه خياناتها ويسكت عن هذا الأذى .
    هي : الجادور(15) أنت ... أما ناي خندورة ، شختورة ، في عيون الملاح .
    هو : نعرف المليح امتاعك ... ها درزيّة ها بلعوطة ... ما يجيش حتّى في عمر أولادك . لو ما كنت عاقرة .
    هي : العاقر إنت اللي تقول راجل ... أمّا ناي قدّر عليّ ربيّ وتبّعتك ...
    هو : ها مرا استحي ... ها مرا اجعري ... استري ما ستر الله .
    هي : ناي اللي ساترة عارك ... ولاّقعدت مسخرة ومضغة في فم الفيلاج .
    هو : هامرا خلّيها سكات ... نا داسس دايا في ردايا حتّى آش يعمل الله ... ساكت على خيرة وشرّة ... أمّا انقلّك الحق ... مع ها الدّرزي ... ولد الجيران عملت العار ... ت ها وخذي بزويش بزغبة ... وأمّه في سنّك
    هي :العزوز أنت ... ناي مازال فيّ ما ينشبح ... نايّ في نصف عمرك .
    هو : الكاذب اللّه يهلكه ... أمّ خلّيها سكات ... ها الولد حل عيونك وعمّر كانونك .
    هي : لا حاك . لا حاك .
    هو : بل عروقك وخلّاك كالشّجرة الخارفة ... تنوّر في الصّيف الصّايف (16) .

    فعمّن يكنّي الفارسي في هذا الحوار ؟ وإلى من يرمز بقحطور وقحطورة ؟

    تتقاطع مع هدا النّصّ المركزي ( أي حكاية قحطور وقحطورة )على امتداد الرّواية نصوص أخرى نوّع الكاتب في أشكالها من الحكاية الشّعبيّة إلى النّصّ المترجم من أدب الغرب ، ومن النّص السردي إلى الحواريّة التّي تحتوي في طيّاتها على صيغة المسرحيّة بالتركيز على الإخراج الطّباعي الذّي يظمّ اسم الشخصيّة قبل العبارة الّتي تقواها وغير ذلك من علامات الكتابة المسرحيّة . ومزج بين الصّيغتين في أطثر من مكان حتّى يحقّق الإختلاف في انتاج الدّلالة . ووظّف حروف الأبجديّة العربيّة وفكذك طلاسمها وأوّل معانيها على هواه .
    إنّ للّغة العربيّة قداستها في أذهان العرب والمسلمين . فبواسطة هذه اللّغة أنزل القرآن من السّماء لأرض النّاس . لذلك قدّس المسلمون الحرف العربيّ وأنزلوه المكانة الّتي تليق به .
    ومصطفى الفارسي ، حين اقترب من هذا الباب المعرفي على وعي تامّ بالمهمّة الّتي أوكلها لنفسه حتّ أنّ الأستاذ جلّول عزّونةاعتبر في مقدّمته للطبعة الثّانية من الرّواية الّتي عنونها ب: "حركات لمصطفى الفارسي والتّبشيربعهد جديد للأدب ""وفي باب " السنيّة الفارسي أو الحرف نطفة الكلام ": إنّ هذا الجانب في حركات هو أعمقها وأهمّها إذ به تمتاز على غيرها من الإبداعات "(17) .
    ولئن كنّا نختلف مع الأستاذ عزّونة في تقييمه لهذا الأثر فإنّنا لا ننكر طرافة توظيف الفارسي للحروف العربيّة في بنائه لنصّه الرّوائي وفي استثماره لأسرار الحروف للدّفع بالسّرد إلى منتهاه في كلّ أجزاء الرّواية .
    إنّ مصطفى الفارسي استثمر في هذا الباب ما يمكن أن نسمّيه بشخصنة الجماد . فصار لحروف الأبجديّة العربيّة شخصيّة تحقّر تارة وتمجّد أخرى .
    وقد أزرى الأديب في هذه الرّواية بأغلب الحروف المذكورة ونعتها بصفات مذمومة : فالدّال إنسان مهجور مجتثّ الأصول إلى حين ، لا يعرف له قرار (18) .
    والميم : إنسان ... دعيّ ، يرد في الصحاري وهو حالم ، ساذج متهوّر ... مقامر ... مجازف (19) .
    والواو : أجوف ... بارد لا خير ينسب إليه (20) .
    والعين : امبراطور مغرور ... أقسى الحروف لعنة اللّه عليه ، شرّير لأنّه من الحروف المنزّلة ، دفعه التّيه إلى الشّطط (21)
    والألف : طاغ متجبّر ... منقلب مراوغ (23)
    واللّام : ضعيف لأنّه فقد وجهه (23) .
    وأغلب الحروف المذكورة هنا ، مذكورة في بعض سور القرآن كالألف وألّلام والميم ، في سورة " ألم "والعين في " كهيعص " والسين في "يس" . وهي حروف تفنّن المفسّرون منط القرن الأوّل للهجرة إلى بدايات هذا القرن الجديد في البحث عن معانيها ومدلولاتها . وقد أدلى الفارسي بدلوه في هذا النّهر . فنفض عن هذه الحروف عباءة المقدّس ليقرأها قراءة دنيويّة ، وليصنع بها ومن خلالها مصائر أبطال روايته .

    إنّ للموروث الثّقافي للأديب العربي دخلا في إنشائه لنصّه . والفارسي أديب يمتح من التّراث العربي الإسلامي ، ولكنّه أيضا يلتحم بالتّراث الأدبي العالمي المعاصر .لذلك جاءت نصوصه حصيلة ماتراكم في لا وعيه خلال مراحل تكوينه الأدبي . فتمثّلها وأعاد إنتاجها بالصّيغة الّتي ظهرت عليها في رواية "حركات" . لأنّ قارئ هذه الرّواية يلاحظ بيسر حضور النّصوص الأخرى داخل طيّاتها إن صراحة او مضمّنة . كما يلاحظ بسهولة أنّ الموروث العربي الإسلامي القابع في ذات الكاتب والموروث الثّقافي الغربي المكتسب ، يترابطان ويتعاضدان لبناء هذا النّص الرّوائي .
    وسننظر في هذه المداخلة في شكلين من أشكال التّناصّ وردتا في هذه الرّواية هما :
    1 – التّناص مع ألف ليلة وليلة.
    2 – التّناص مع مسرحيّة " السّور المنيع " لماكس فريش
    وسنركّز في بحثنا عن التّعالق النّصّي بين هذه الرّواية والنّصوص المذكورة من حيث مادّة الحكي (القص) وطريقة تقديمها ( الخطاب) وطريقة صياغتها ( الأسلوب ) وأبعادها الدّلالية ( الدّلالة ) .

    1- خيط الموروث الثّقافي العربي والتّناص مع ألف ليلة وليلة
    ويظهر ذلك في باب السّكون وقد عنونه الكاتب ب : مردان صاغون .

    إنّ المتتبّع لخيط الحكاية في هذا الباب لا يغيب عنه الشّبه الكبير بينها وبين حكايات ألف ليلة وليلة إذ يحضر في هذا النّص الملك وأرباب الدّولة الوزراء : وزير السّيف ووزير القلم ووزير الخزانة . ويحضر القصر بفخامته وبكامل مستلزماته .
    يقصّ هذه الحكاية سارد عليم بخفايا الأمور ، فنعرف من خلال سرده الأحداث أنّ ثورة تحاك ضدّ الملك ، وأنّ الشّعب يطالب بحقّه في الخبز والحرّيّة . فيجمع الملك مجلسه للنّظر في الأحداث الجسام الّتي تجتاح المملكة . وبعد مداولات عسيرة بينه وبين وزرائه ، تنتهي الحكاية بإعدام الوزراء وباغتيال الملكة وبانتحار الملك الذّي طلب من مؤرّخه قبل انتحاره أن يدوّن وصيّته في كتاب مجالس النّظر ، زاعما أنّه قام بهذه الثّورة في البلاط حين علم بتنكيل حاشيته بمواطنيه ، لكنّ الأذناب اغتالوه حتّى لا ينهي ثورته التّصحيحية ويعلن ميلاد أوّل مملكة جمهوريّة في التّاريخ ف "" الدّهماء الغبيّة في حاجة إلى منقذ ينجّيها ممّا تردّت فيه من انحلال وانحراف وضلال . فرأيت أن أوهمهم بأنّي المنقذ المنتظر . وبأنّي كافحت من أجلهم وضحّيت في سبيل اعلاء كلمتهم .(25)

    هكذا حدّث الملك مدوّن سيرته ، فكان له ما أراد .إذ استطاع بدهائه أن يخلّد اسمه في تاريخ جمهوريّة صاغون الوليدة. فنقش على تمثال يزيّن أكبر ساحة من ساحات الجمهورية: " هذا أوّل ملك جمهوري في التّاّريخ ".
    هكذا يستعيد الكاتب بعض عوالم ألف ليلة وليلة خاصّة حين يستدعي مهرّج السّلطان . وهو في قصّة مردان صاغون وزير القلم .أو حين يحوّل الأحداث من بعدها الواقعي إلى بعدها العجائبي ، فيستعرض خصائص القطّة الميّتة ، قطّة الملك الّتي عوض أن يحشوها قشّا حشاها آلات الكترونية ،فأصبح للقطّة قوّة "جيمس بوند " . وصار بمقدورها أن تطلق وابلا من السّاحقات الماحقات على أعداء الملك .
    هذا من ناحيذة القصّة ، أمّا من ناحية الخطاب ، فإنّ محاكاة اللّيالي تبدو جليّة في الأسلوب المعتمد من طرف الكاتب . إذ كثيرا ما يعمد إلى تطعيم نصّه بعبارات طالما تردّدت في اللّيالي من قبيل : " اعلم أيّها الأخ أيّدك اللّه وإيّانا بروح منه أنّ لنا في أخبار القرون الأولى معتبرا ومختبرا (26) أو بالإستشهاد بالشعر وإن كان ركيكا في نظمه ، إد الرّكاكة مقصودة ، وذلك في مقطوعة قطّوستي :
    قطّوستي قطّوستي ***يزيّنها ذيل طويل
    جميلة مسودّة ***ووجهها حلو جميل
    وعينها برّاقة ***كجمرة ذات شعيل
    يفنى الجميع وهي ***لا تفنى مدى الدّهر الطّويل
    أو حين يأمر بتدوين أحداث وقعت فترة حكمه شأنه شأن شهريار الّذي يأمر في كلّ مرّة تعجبه حكاية من حكايات شهرزاد بتدوينها لتكون عبرة لمن يعتبر .
    إنّ الكاتب في هذا النّص يهرب من اللّحظة الرّاهنة ليستدعي الحكاية القديمة جاعلا منها أمثولة يتخفّى وراءها بواسطة الأقنعة والرّموز ليسقط معاناة الشّعب الكريم في عصرنا الحاضر على زمن ولّى وانتهى ولسان حاله يقول : " ما أشبه اليوم بالبارحة " . فلولا شواهد من النّص تحدّث عن الطّلبة والعمّال والمحامين ، وعن مضربين يرفعون لوائح بمطالبهم ، وعن وزير للملك في عطلة صيفيّة بالبلاد السّويسريّة ، وعن أقراص مانعة للحمل ، لخلنا أنفسنا في حضرة هارون الرّشيد ووزيره جعفر البرمكي وسيّافه مسرور .

    2- خيط الموروث الغربي والتّناصّ مع مسرحيّة ماكس فريش : السّور العظيم la grande muraille :

    في تداخل سلس بين الأجناس ، يمسرح مصطفى الفارسي هذا الجزء من الرّواية فيمرّ من السّرد والوصف إلى الصّيغة المسرحيّة الصّرف (29) .إذ يحوّل باب العين : "صوت الشّعب الأخرس" وباب الميم مكرّر : "دقّت السّاعة إلى حواريّة تدور أحداثها في محكمة الإمبراطور . أبطالها ، إمبراطور الصّين ، ألرّجل الخارق ، الّذي بنى الصّور الشّهير وبطانته من جهة ، والشّاعر الأخرس "هوشي " المتّهم بالثّورة على الإمبراطور ، من جهة أخرى . وهنا أفتح قوسا لأذكّر بالاختيار الصّائب لأسم هذا الثّائر الّذي يحيل مباشرة على ""هوشي منه "بطل تحرير فيتنام ، الرّجل الّذي تصدّى لجبروت فرنسا ولطغيان أمريكا .
    حاول الإمبراطور وبطانته إلصاق تهمة التّآمر على أمن الدّولة بالأخرس ، فانبرى الشاعر للدّفاع عنه ، نافيا أن تكون للرّجل صلة بهذا الادعاء . ولكنّ الإمبراطور الّذي تحوّل إلى مدّع يصرّ على إلصاق التّهمة بالأخرس ، واصفا إيّاه بصوت الشّغب عوضا عن صوت الشّعب (30) . إنّها محاكاة ساخرة في الأسلوب والخطاب لمسرحيّة السّور المنيع أعاد فيها التّاريخ نفسه على شكل مهزلة تتكرّر باستمرار (31) منذ أن ادّعى السّلطان أنّه حرّر العباد ونشر السّلام في العالم . وادّعى على من خالفه أنّه مجرم خطير . جرمه أمس واليوم أنّه : " يدّعي أنّ السّور الّذي شيّدناه كان مجرّد صفقة تجاريّة ذهب ضحيّته الملايين من رعايانا الأبرياء ... يتكلّم ... يقول أنّنا حشرات سامّة تمتصّ دماء الشّعب الطّيب كالعلق الخبيث . ويدّعي أنّ أفراد حاشيتنا عصابة خطيرة من قطّاع الطّرق " (32) .
    ولا يقبل بالرّأي الآخر الّذي يمثّله في الرّواية صوت الشّاعر الّذي ملأ المحاكمة صخبا وضجيجا معلنا في كلّ آنية وحين أنّ من يحاكم أخرس لا ينطق وبأنّ صوت الشّعب يجب أن يكون مدوّيا يقضّ المضاجع .
    إلى أن يعلو صوت الحقّ . صوت طلقات رشّاش خارج القصر ، يضنّها الإمبراطور صوت إعدام الأخرس ، ولكنّها في الحقيقة إعلان عن بداية الثّورة ضدّ القصر .


    إنّ التّعالق بين نصّي الفارسي وفريش ينتج دلالة تتشابه فيها وظائف الحكي بين النّصين . فالواقعي والتّاريخي يتماثلان في عملية استعادة للأدوار تكاد لا تنتهي . والمحاكمات السّياسيّة ، ومنها محاكمة أرباب الفكر ( الشّعراء مثلا ) مازالت متواصلة منذ عهد "تسي" إلى زمننا الحاضر لأنّ الإمبراطور يريد من الشّاعر أن يتغنّى بفضائله ، بالتّهليل والتّمجيد له ولأهله وصحبه . والشاعر يريد أن يخبر السّلطان بما تخفيه السّرائر .وانا في تاريخنا العربي الحديث خير مثال على ذلك : بروز ظاهرة الثّنائي أحمد فؤاد نجم والشّيخ إمام في مصر بعد حرب 1967 وما تعرّضا له من حبس ومطاردة في عهدين مختلفين من الحكم في مصر ، عهد جمال عبد النّاصر وعهد السّادات .

    لقد مرّ على صدور هذه الرّواية أكثر من ربع قرن ولكنّها ما زالت إلى الآن تمتلك جدّتها وطرافتها ، إذ بإمكان القارئ الحاذق والناقد الحصيف أن يجدا مسالك كثيرة يعبران من خلالها إلى مسالك هذا النّص الّذي يوقض في النّفس أكثر من سؤال حارق .
    هذا النّص الجديد المتجدّد دائما أبدا .




    المراجع والمصادر :

    (1) مصطفى الفارسي : حركات (ط1) الدّار التّونسيّة للنشر / ماي 1978
    (2) مصطفى الكيلاني : صمن : التّجريب في الأدب التّونسي ، مجلّة فصول ، المجلّد 12 ، العددالأوّل ربيع 1993
    (3) مصطفى الفارسي : حركات ،ط2، دار سحر ، 1996 .
    (4) انظر : ادوار الخرّاط ، الكتابة عبر النّوعيّة ، دار شرقيّات ، القاهرة ، 1994
    (5) أحمد السّماوي : التّطريس في كتابات ابراهيم درغوثي ، صامد للنّشر ، صفاقس/ تونس 2002
    (6) انظر مقدّمة جلّول عزّونة ، ط2 من الرّوايةوالّتي عنونها ب : حركات لمصطفى الفارسي والتّبشير بعهد جديد للأدب .
    (7) محمود طرشونة : مباحث في الأدب التّونسي المعاصر ، المطابع الموحّدة ، تونس 1989
    انظر أيضا دراسته حول حركات بعنوان : " مقوّمات قراءة شموليّة للأدب ، ص/ص 63/83
    (8) أبو زيّان السّعدي : " من أدب الرّواية في تونس " ص 43 ، الشّركة التّونسيّة للتّوزيع ، تونس 1988 .
    (9) شارك محمود طرشونة بهذا البحث في أعمال النذدوة الّتي انعقدت بكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بتونس من 30 مارس إلى 2 أفريل 1982 تحت عنوان " القراءة والكتابة " ( انظر مقدّمة جلّول عزّونة للطّبعة الثّانية من الرّواية ) ص 5 .
    (10) زيادة على المصدر رقم 6 انظر كتاب جلّول عزّونة ، في الفن القصصي ، دار سحر ، تونس /ب-ت .
    (11) للتّدليل على تعلّق كاتب "حركات "بألف ليلة وليلة، انظر الرّواية ص 98 وفيها : " أنا مسرور خادم السّلطان ... جنديّ في مهزلة أزليذة لا أوّل لها ولا آخر ."
    (12) الرّواية : انظر الإهداء
    (13) الجبل الأحمر : ضاحية من الضّواحي المهمّشة في تونس السّتّينات / un bidon ville
    (14) تسمية راجت لقمح كانت الولايات المتّحدة الأمريكيّة تجود به " مجانا "على فقراء العالم .
    (15) الجادور : حيوان مهجّن من أتان وحصان ، وهو شبيه بالبغل .
    (16) الرّواية ، ص 48
    (17) جلّول عزّونة : مقدّمة الطّبعة الثّانية للرّواية ، ص 9
    (18) الرّواية ، ص 17
    (19) الرّواية ،ص 23
    (20) الرّواية ، ص 27
    (21) الرّواية ، ص 35
    (22) الرّواية ، ص 45
    (23) الرّواية ،ص 51
    ( 24) لمزيد الإطّلاع أنظر : سعيد يقطين / الرّواية والتّراث السّردي ، من أجل وعي جديد بالتّراث / المركز الثّقافي العربي – الدّار البيضاء 1992 .
    (25) الرّواية ،ص 106 .
    (26) الرّواية ، ص 88 .
    (27 ) الرّواية ، ص 90
    (28) الرّواية ، ص 107
    (29 ) أنظر مقدّمة جلّول عزّونة للطّبعة الثّانية من الرّواية ص 6 الّتي جاء فيها مايلي : والإحالات المسرحيّة هنا واضحة وبشكل مكشوف ، وبالخصوص مسرحيّة ماكس فريش " سور الصّين " التّي سكنت روح الفارسي ردحا من الزّمن واستغلّها هنا بأحداثها وشخصياتها ضمن المسار العام ل"حركات" . فقد اقتبس الفارسي جملا كاملة ومشاهد بأسرها من "سور الصّين " . من ذلك مثلا اللّوحتين الخامسة والسّادسة من المرحلة الأولى ، وما يهمّ الأخرس واستنطاقه . واللّوحة الثّامنة عشرة من المرحلة الثّانية .
    (30) الرّواية ، ص 42
    (31) ألاتذكّر هذه المحاكمة بما جرى في تونس في ستّينات وسبعينات القرن الماضي من محاكمات لمناهضي العهد السّابق وأشهرها محاكمة الأزهر الشّريطي الذّي قام بمحاولة انقلابيّة ضدّ بورقيبة ، ومحاكمات القوميين العرب ، وجماعة آفاق اليساريّة ، ومنظّمة العامل التّونسي الشّيوعيّة ونقابيي الإتّحاد العام التّونسي للشّغل
    (32) الرّواية ، ص 42 .


















    رواية الحرية ... حرية الرواية
    من الآن ...هنا إلى القيامة ...الآن

    شهادة



    كيف يمكن أن ندمر السجون .
    نعم كيف يمكن أن ندمرها وكيف نستطيع أن نخلق نظاماا نسانيا يؤمن فعلا بالحرية .
    هذه هي المسألة التي تستحق العناء .

    ( الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى ) ص95

    1

    التقيته أول مرة في بداية تسعينات القرن الماضي خارج معرض الكتاب في تونس العاصمة . كنت في بداية مشواري الآدبي فقد أصدرت مجموعتين قصصيتين : النخل يموت واقفا والخبز المر . وكان علما في رأسه نار .
    أذكر جيدا أنني أهديته مجموعتي الثانيه . رأيته يتفرس في صورة الغلاف ثم يرفع رأسه ليسألني إن كنت صاحب الصورة .
    أعلمته أن الصورة مأخوذة من كتاب : معذبو الأرض لفانون وأنني اخترتها لأنها شبيهة بوجه صديق لي يعمل في مناجم الفسفاط بقفصة . فرأيت ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه الأسمر الناحل ثم سمعته يقول:
    -لا تؤاخذني ، لقد هرب بنا قطار العمر .
    وبعد مدة قصيرة من التأمل أضاف :
    -أنتم الشباب أمل هذه الأمة فاكتبوا ولا تخافوا .
    هو ذا عبد الرحمان منيف صاحب الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى .
    كتب الرجل شرق المتوسط ولكن ظل في صدره شيء من حتى فعاد من جديد لهذا الموضوع الحارق : السجن والسجان والسجين . القيد والحرية . السراديب النتنة والحلم بالافق المشرع على السماوات .
    لم يقل الرجل كل شيء في شرق المتوسط فعاد إليه مرة أخرى . وأنا متأكد أنه كان بمقدوره الكتابة عن هذا الشرق ثالثا...ورابعا ...وعاشرا ...وألفا... فموضوع السجن السياسي وحرية الإنسان العربي لن يسعهما كتاب ولو كتب بماء البحر المحيط .

    2

    في ثمانينات القرن الماضي خضت تجربة السجن . كانت المدة قصيرة ولكنها على كل حال جعلتني أعرف قدرا من المعاناة التي يعيشها البشر داخل جهنم الدنيا .فتعاطفت مع المسجونين في العفير والسجن المركزي وسجني العبيد والقليعة . وازددت مقتا للجلاوزة بمختلف رتبهم من العسكري البسيط إلى آمر السجن . لأن السجن واحد وإن اختلفت مواقعه ، والسجان واحد لئن ارتدى الدشداشة واعتمر الكوفية أو لبس كسوة الفرنجة . سيان لا فرق بين هذا وذاك الا بمعجم التلفظ الخاص بالسب والشتم .
    كانت المناسبة التي عرفت فيها التحقيق وغرف السجن ، الحوادث التي عرفت بثورة الخبز. ا ندلعت حوادث الشغب في كل بلدات ومدن الجمهورية من جنوبها إلى شمالها . حوادث عفوية لم يؤطرها أحد من اليمين أو اليسار . وكاذب من يدعي عكس ذلك . لأن تلك الأحداث لو كان وراءها مؤطر لكان لها شأن آخر .
    احس المواطن أن السكين وصلت اللحمة الحية وبأنه لن يكون بمقدوره مستقبلا الحصول على قضمة الخبز فخرج للشارع ليعبر عن سخطه في غضبة قل نظيرها في تاريخ تونس الحديث . وبحث النظام الحاكم في تلك الفترة عن كبش فداء فوجد ظالته في المعارضة بمختلف أطيافها من يمين ويسار . فزج بالجميع في السجن .
    3

    أوحت لي أحداث تلك الفترة بموضوع روايتي القيامة الآن . وكان القادح الفعلي لبداية الكتابة رواية عبد الرحمان منيف الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى . لا لأنها الرواية الوحيدة التي دخلت عوالم السجون ، فقد سبقه إلى ذلك كتاب أخر .ولكنها الرواية التي تشبعك حد البشم وهي تصف وتعري وتدين تلك العوالم .
    وبما أنني مغرم بالمثيولوجيا وقارئ نهم لكل الكتب التي تحدث عن اليوم الآخر وعجائب الجنة والنار فقد أردت أن أحاسب من موقعي كسجين سابق الجلاد والضحية ، فاستحضرت من رواية عبد الرحمان منيف ، الشهيري والعطيوي ، آمري سجني العبيد والعفير وعادل الخالدي وطالع العريفي ، وهما ضحيتان من ضحايا السجن .
    هل قلت الشخصيات التي يمكنني أن أستحدثها لتأثيث روايتي بشخصية السجان والمسجون فذهبت أبحث عن متكئ في تلك الرواية كما ذهب في ظن البعض . أبدا . ولكنني قمت بهذا الفعل عامدا متعمدا لأنني أردت أن أتشفى من جلادي الدنيا ، هؤلاء الذين عرفتهم في الرواية حتى صارو ا عندي بشرا من لحم ودم . لا شخصيات من ورق . صاروا أسماء علم يمكنك أن تصادفهم في الشارع أو في أي مكان يخطر على بالك . أتشفى بتعذيبهم في نار روايتي وأسلط عليهم ألوانا من عذاب الآخرة التي طالما تكلموا باسمها عندما كانوا يعذبون ضحاياهم .
    جاء في القيامة الآن ص:82 مايلي :
    نودي على الشهيري .
    جاء يتعثر.
    سلسلت في دبره سلسلة حتى خرجت من منخره .
    وجاء العطيوي .
    فسلسل معه .
    وقصف بهما في النار كما يقصف الحطب .
    وكان العطيوي كلما وضع يده على جمرة من جمرات النار ذابت يده .
    تحولت إلى سائل لزج كاللصاق .
    ثم تبخرت .
    وإذا رفعها عادت كما كانت .
    يد سليمة كأيدي بني آدم .
    وإذا وضع رجله على جمرات النار ، ذابت .
    وإذا رفعها عادت .
    هكذا سبعين ألف مرة في اليوم الواحد .
    كنت أمتلك كمبيوترا صغيرا .
    وكنت أعد للعطيوي
    واحد ...
    إثنان ...
    ثلاثة ...
    ألف وأربع مائة ...
    خمسون ألفا ...
    ستون ألفا وتسع مائة وتسع وتسعون ...
    سبعون ألفا.
    ويدق ناقوس صغير أن عد إلى العد يا عادل الخالدي .
    وأعود أعد : واحد... اثنان ... ثلاثة ...
    ولأيدي ولأرجل تذوب فوق الجمر ...
    وتعود من جديد إلى طبيعتها . ثم تعود إلى الذوبان .
    وانا أعد .
    ولا أتعب
    ( القيامة الآن ) ص 81
    ولأنه جاء في حديث شريف أن : في جهنم ، سبعون ألف واد، في كل واد ، سبعون ألف شعب ، في كل شعب ، سبعون ألف ثعبان ،وسبعون ألف عقرب ، لا ينتهي الكافر حتى يواقع ذلك كله .فقد جعلت الشهيري يعيش هذه الأهوال :
    رأيت الشهيري وقد لبس سبعين ألف وجه .
    رأيت وجوهه في كل واد من أودية جهنم .
    وشممت رائحة لحمه المشوي في كل شعب من شعاب جهنم .
    ناديته :
    يا هووووووووووه
    أنت يا شهيري .
    تجمعت وجوهه السبعين في وجه واحد كبير عرضه كما بين السماوات والأرض .
    أسود .
    يسيل منه عرق غزير .
    قلت له :
    -هل عرفتني
    رد : نعم .أنت من دفعت في استه بعامود كهرباء .
    وعاد إلى الشعاب .
    وعاد إلى وديان جهنم .
    وعدت إلى مؤخرتي .
    وعاودني وجع الدار الفانية .
    ( القيامة الآن ) ص 78

    4

    أن تكون ضحية في يد جلاد ،تجربة قاسية تعلمك أن بني آدم مهما تحضر يظل يحمل بين جنبيه قلب وحش متعطش للدم .
    أن تقف وجها لوجه أمام بشر فقد انسانيته ليصب على رأسك ألوانا من العذاب ويتفنن في ايذائك بدون رحمة ولا شفقة ولا يترك لك فرصة أن تبصق في وجهه دم أسنانك المهشمة في فمك ، تجربة تعلمك معنى القهر وشدة وطأته على كرامة بني الانسان .
    أن يقفل وراءك باب حديدي بعد أن يقذف بك في زنزانة رطبة تفوح منها رائحة البول والخراء الطازج ، تجربة تعلمك معنى أن تكون حرا . تذهب إلى المقهى مثلا متى تشاء لتحتسي شايك مع الأصحاب وتتبادل معهم آخر الفكاهات وتعود إلى البيت ساعة نشرة الأخبار لتتفرج على العالم من وراء زجاج التلفاز .
    هي ذي حريتك التي يمنعك حديد باب الزنزانة من الوصول إليها . فأنت لا تطلب ارتياد السماوات العلى و لا تروم اختراق الأرضين .
    ومع ذلك يدوسك الجلاد برجليه . ويهتك سترك . ويعري كرامتك في شرق المتوسط مرة وفي القيامة الآن مرة أخرى .
    ولكن هل نيأس . أبدا
    تعالوا معي نسترق السمع إلى عادل الخالدي وهو في أحلك فترات سجنه الأنفرادي . بماذا كان يحدث هذه النفس الأمارة بالسوء ياترى .
    كان يقول : قلت في نفسي في محاولة لأن أصل إلى توازن ما : متى يصل الإنسان إلى الحرية . ضحكت بسخرية وقلت :
    الحرية لا تأتي وحدها . الحرية ذهاب دائم ، وأغلب الأحيان إلى المجهول ، وهي حالة بحث لا تعرف التوقف أو الهدوء ، وكل وصول ليس أكثر من محطة يعقبها سفر آخر إلى نهاية الحياة .
    الآن ...هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى (ص 372)
































    القاص والروائي ابراهيم درغوثي في حوار أدبي
    مع هيام الفرشيشي .

    1 – كتاباتك تنتمي إلى تيار التجاوز . ما هو تبريرك لتجاوز أساليب الحكي
    التقليدية ؟
    أعتقد أن لكل زمن تقنيات للكتابة والبوح بمكنونات النفس . فمنذ ألف سنة أو يزيد ، كان الحكواتي يمارس فنه في الأسواق العمومية أو في المقاهي . ثم لماذا نذهب بعيدا . فأنا شخصيا تربيت على إيقاع الحكايات الشعبية التي كانت الجدات والخالات والعمات والجارات تحكيها لنا بأساليب غاية في التشويق ونحن نسمر في ليالي الشتاء أمام كانون براد الشاي .
    وحين نعود لتقنيات الكتابة الإبداعية وأساليب القص في الأدب العربي ، فإننا نلاحظ أن هذه الأساليب والتقنيات قد تغيرت كثيرا منذ الإطلالة الأولى على فن القصة والرواية التي وفدت على أدبنا العربي من الغرب .
    إن النصوص التي كتبها الرواد والتي حاولوا فيها محاكاة القصة والرواية الغربية مازالت إلى زمن الناس هذا تعيش بيننا وتجد لها من الأتباع والمريدين من كتاب اللغة العربية ولكنني شخصيا لا تستهويني هذه التقنيات في الكتابة لأنني منذ البدايات كنت متمردا على الساكن ومغرما بالمتحول من الأشياء . لذلك كنت وأنا أكتب نصي أرى بعين للمنجز السردي العربي التقليدي وبالعين الأخرى أبحث في المجهول والمنسي من تراثنا السردي القديم كالمقامة والخبر والحكاية والأسطورة وما شابه ذلك من منجزات الأدب العربي القديم . لأنه من الواجب علينا كأدباء أن لا نكتفي بالموجود ، فنسير على الطرق الممهدة وإنما يصبح من واجبنا أن نتجاوز هذه الطرق وأن نختط لنا مسالك أخرى للقادمين بعدنا من الأجيال .

    2 – في رواية " مجرد لعبة حظ " عدت إلى التاريخ لتستثير الغيبي والعجائبي ، هل مرد ذلك الصورة التاريخية التي تختلط فيها الحقيقة بالأوهام ؟
    في عودة الكاتب إلى التاريخ مآرب كثيرة منها مثلا الإتكاء على شخصيات قديمة
    أو أحداث وقعت في الماضي ليكتب بها ومن خلالها عملا إبداعيا يخاف إن كتبه بلغة عصره وأحداثه الآنية أن يصادر أو يساء فهمه . فيلتجئ الكاتب إلى المواربة والمداورة والتلصص على الأحداث من ثقب التاريخ تارة و من وقائع التراث تارة أخرى وهذا راجع بالأساس إلى الخوف من سلطة المحرمات التي يعاني منها صاحب النص .
    ففي روايتي " مجرد لعبة حظ " مثلا استحضرت شخصيات تاريخية لأبني بها نصي منها جميل بثينة وإيليسار وغيرهما لأن التاريخ والتراث منجم المناجم التي يمكن للمبدع أن يستثمرهما في الكتابة أحداثا ووقائع وأساليب أيضا .
    إن روايتي " مجرد لعبة حظ " تلاعب في الزمن بالزمن لأنها تنبني أساسا على قصة حب قديمة جدا . قصة حب بين بحار فينيقي وعليسة ، ثم تحول هذا الحب بواسطة تناسخ الأرواح بين بثينة وجميل ، ثم صار جميل أستاذ تاريخ في معهد ثانوي في مدينة الحمامات وبثينة تلميذة من تلامذته . وخلال هذه الصيرورة التاريخية الممتدة أكتب تاريخ المنطقة العربية بطريقة أمزج فيها بين الخيال والوقائع الحقيقية التي جدت في هذه البلاد . وبما أن الواقع وحده ما عاد قادرا على تفسير التاريخ فإنني استعرت وسائل أخرى للكتابة من وراء العقل لأفسر بها هذا المنطق العجيب الذي صار يتحكم في مصير الإنسان بصفة عامة والإنسان العربي بصفة أخص .


    3 – كيف يرتقي الكاتب الحديث بالذائقة الفنية للقارئ العادي والذي يرى الكتابات المتجاوزة ملغزة ، بعيدة عن فهمه وإدراكه ؟
    عندما تكتب نصك تكون بين خيارين : إما أن تكتبه وأنت تضع نصب عينيك قارئ هذا النص ( وهم قراء يختلفون حسب الجنس والسن والثقافة ونوعية التقبل و... ) فتكتب حسب وصفة تحاول أن ترضي بها كل هذه الأذواق دون أن تقع فيما قد يغضب أحدهم ، أو أن تكتب نصك على هواك أنت وكما تريد له أن يكون . وهذا حسب رأيي الأنسب لأن الكتابة خلق من عدم . والخلق لا يكون حسب وصفة معلومة لأنه حين ذاك يكون فاقدا للروح ، بل بلا معنى أصلا . لذلك يكتب الكاتب نصه ويرمي به للريح . يرمي به في وجه العاصفة دون أن يخاف . وما على متقبل هذا الأثر إلا أن يتعب قليلا ليستمتع بجهد المبدع وعصارة فكره .
    أوليس الوصول إلى نتيجة ما بعد التعب والجهد ألذ من الحصول عليها بسهولة ويسر ؟


    4 – تدنيس المقدس أمر قد يثير حفيظة الفكر الدوغمائي ( المنغلق ) ، ولكنه مبرر فنيا .
    كيف ينفصل الفن عن المعتقد في رأيك ؟
    الأدب والدين والأخلاق حقول معرفة يختلف كل واحد منها على الآخر حد التنافر في بعض الأحيان . فالأديب حسب ظني واعتقادي ليس عالم دين ولا رجل أخلاق إلا إذا أردنا أن نحول الإبداع إلى دروس في التربية والأخلاق والموعظة الحسنة والدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر وهذا مما لا يستقيم مع النص الإبداعي . لأن الإبداع من الفن ، والفن حرية أولا وحرية أخيرا . لكل هذا يقع الأديب في بعض الأحيان في المحظورات إذا لامس الجنس والسياسة وخاصة الدين . والأمثلة كثيرة عن كتاب ورجال فكر تعرضوا لأقسى العقوبات الحاطة من الكرامة والتي وصلت في بعض الأحيان حد القتل في أزمنة العرب القديمة ( الحلاج والسروردي وبشار
    بن برد والجعد بن درهم وغيلان الدمشقي .... ) أو في العصر الحاضر ( طه حسين و نجيب محفوظ وفرج فودة ونصر حامد أبو زيد ... ) لأننا لا نفرق حتى هذه الساعة عند الحكم على الأديب بين ما إبداعي وهو ما يعبر عن وجهة نظر الشخصيات التي خلقها الكاتب ، وهي شخصيات من ورق . وبين موقف الأديب الحقيقي ، أي صاحب هذا النص الذي قد يختلف في أحيان كثيرة مع شخصياته .
    إن الاقتراب من المقدس فقط ( لا تدنيسه / حسب عبارتك ) في الإبداع العربي
    ما زال إلى الآن محل شبهة لأننا إلى حد هذه الساعة نعيش تحت سطوة الماضي ولم نقرأ تراثنا الديني قراءة علمية كما كان الشأن في أوروبا في عصر الأنوار ( مع ديدرو ومنتسكيو وبقية الفلاسة الذين قرأوا الدين المسيحي قراءة عقلانية تليق برجال علم وأدب ) ولذلك عندما نقترب من موضوع ديني نتحسس رقابنا ونضع الأيدي على القلوب لأن السكين التي حاولت ذبح نجيب محفوظ ما زالت جاهزة للذبح والرصاصة التي قتلت فرج فودة مازالت في فوهة المسدس .


    5 – هل الكتابة في نهاية الأمر انعكاس لما يعتمل في الذهن عن الواقع ، أم الواقع هو منطلق التخييل والتجريب ؟
    لا يمكن لأي أديب أن يكتب من فراغ ، من لا شيء ، فالكتابة هي انعكاس للموجودات في ذهن الكاتب ولكن طريقة تأويل الواقع تختلف من واحد إلى آخر . وهكذا تتنوع مذاهب الكتابة من الواقعية الاجتماعية إلى الواقعية التصويرية ، ومن الواقعية الاشتراكية إلى الواقعية العجائبية إلى التجريب ، فتيار اللاوعي إلى غيره من المذاهب والصرعات التي تقترب من الواقع فتحاول محاكاته أو تبتعد عنه لتعود إليه بطرق شتى يبرع كل أديب في الإمساك بطرف من أطرافها .


    6 – لمن يقرأ الأديب ابراهيم درغوثي ؟
    قراءاتي متعددة ومتنوعة ، فأنا لا أكتفي بميدان واحد من ميادين الثقافة والأدب لأن زمننا هذا صار يفرض على المبدع إن كان يطمح إلى الإضافة أن يكون موسوعي التكوين . ولا غرابة في ذلك فعالم اليوم متنوع ومتفرد فرادة كبيرة تكاد لا تشبه في شيء ما عاشته الإنسانية في أزمنتها السابقة .
    إن التغيير يطالعك أينما وليت وجهك . وسأضرب مثلا بعالم الأنترنيت وما أدراك ما عالم الأنترنيت .
    هناك تقرأ ما لا يخطر على بالك من نصوص كان من الممكن أن لا ترى النور لو قيض لها أن تنشر على وسائط الكتابة التقليدية . وهذا واحد من مصادر قراءاتي الآن فمن هناك يمكنك أن تطل على قصص وروايات حداثية لكتاب عرب من المشرق والمغرب . نصوص عربية أصيلة أو مترجمة لكتاب عالميين. كتابة مغرقة في التجديد لأن أصحابها على إطلاع وافر على منجزات العصر الحديث في القصة والرواية سواء مباشرة من اللغات العالمية أو بواسطة الترجمة . وهكذا ، أصبح في املكاني ، أنا ابراهيم درغوثي المقيم في قرية صغيرة من قرى ولاية قفصة في الجنوب التونسي أن أقرأ للعالم أجمع وأنا قابع وراء مكتبي .
    كما أصبح من الممكن لك أن تنشر ما شئت من نصوص بضغطة صغيرة على زر آلي ، فيصبح نصك في متناول قراء لم تحلم ولو في المنام بوصولها إليهم في مشارق الأرض ومغاربها .
    بعد هذه التوطئة ، أعود لجوهر السؤال لأقول لك إنني مغرم في الأساس بالنص العربي القديم : ألف ليلة وليلة والمقامات وموسوعة الأغاني للأصفهاني والمدونات التاريخية القديمة وحكايات الشطار والكتب التراثية المختلة والحكايات الشعبية والمقامات والأخبار والنوادر وكل ما يمت للتراث العربي الإسلامي بصلة .
    من هذا التراث الثري أنهل ومنه أتعلم طرقا جديدة للكتابة والإبداع . ولكنني لا أكتفي بذلك فقط لأنني غير منطو على ذاتي أولا وثانيا لأن هذا المنجز السردي القديم لا يكفي وحده لنواجه به العصر . لذلك لا أتوانى على قراءة النص الروائي الحديث سواء لبعض الكتاب التونسيين الحداثيين أو لكتاب عرب أو لكتاب من العالم .
    وآخر نص أنا بصدد قراءته هو رواية لكاتب مصري من جيل الستينات هو صبري موسى بعنوان " فساد الأمكنة " نشر هذه السنة في سلسلة " عيون المعاصرة " بعدما نشر في مصر منذ بدايات سبعينات القرن الماضي .
    وهو نص كبير بكل المقاييس وبالتزامن معه أقرأ في كتاب " بدائع الزهور في وقائع الدهور للعالم الشيخ محمد بن أحمد بن إياس الحنفي وفيه ذكر ما كان في بدء المخلوقات وأحاديث عن غرائب المخلوقات والموجودات في قص عجائبي يربك ذاتك الحداثية وما جاورها .


    7 - كيف يقيم القاص والروائي ابراهيم درغوثي الأدب التونسي في سطور ؟
    الأدب التونسي في هذه السنوات يمر بأزهى فتراته ولا فرق في ذلك بين القصة والرواية والشعر والنقد الأدبي والمقالة الصحفية . وأنا لست مع المتذمرين الذين يدعون عكس هذا . هؤلاء الذين لا يرضيهم " العجب ولا الصيام في رجب " . فالأدب التونسي بعد أن مر بمراحل التلمس في عهد الرواد ثم البحث عن مكان تحت الشمس زمن الستينات والسبعينات من القرن الماضي وصل الآن إلى مرحلة النضج الفني إن في الشكل أو في المضمون . ونحن في تونس نمتلك من الشعراء وكتاب السرد من نفاخر بهم الأمم الأخرى في هذه السنين الخصيبة ( وإن كنت لا أريد ذكر الأسماء حتى لا أقع في المحظور ) ، فإن العديد من كتاب تونس صاروا اليوم يحصدون الجوائز العربية ويحضون بسمعة طيبة جدا في المحافل الأدبية وتدرس نصوصهم في الجامعات مع أمهات الكتب .
    شيء واحد أريد أن أنبه إليه بهذه المناسبة ، هو الانتباه إلى وسائل النشر الحديثة المهيمنة الآن على ساحة النشر في العالم . وهي النشر الإيلكتروني . فما لاحظته يدعو إلى العجب تقريبا . ذلك أن هذه الساحة تكاد تخلو من الكتاب التونسيين . ومن يملك منهم موقعا على الانترنات قليل وقليل جدا مقارنة مع الأدباء العرب خاصة في المغرب والعراق وليبيا ومصر . ومن ينشر منهم نصوصه في هذا الفضاء الحديث أقل .
    إن النص التونسي مرحب به جدا في هذه الفضاءات لأنه يمتلك خصائص الحداثة والتجديد والتجريب لذلك يرغب أصحاب هذه المواقع في هذه النصوص ويبادرون بنشرها حال حصولهم عليها . وأنا شخصيا صرت أنشر قصصي ورواياتي في أكثر من ثلاثين موقعا أدبيا على الأنترنات تمتد من المغرب إلى اليمن ومن فلسطين إلى العراق ومن أمريكا إلى السويد .
    هي إذن دعوة للأصدقاء الكتاب التونسيين للانخراط في النشر الحديث حتى نمكن نصنا من الخروج إلى العالم الأرحب .





























    قراءة في ذاكرة بلاد الجريد
    من خلال رواية " الدقلة في عراجينها " للبشير خريف .


    لقد احتفى النقد الأدبي برواية " الدقلة في عراجينها " للبشير خريف احتفاء كبيرا ، حتى عدت من الروايات المؤسسة للأدب التونسي الحديث . ولكن جانبا هاما من جوانب هذه الرواية لم يتعرض له النقد الأدبي إلا في القليل النادر سأحاول قدر جهدي أن أبحث فيه في هذه المداخلة ، حيث سأقرأ هذه الرواية قراءة " سوسيو ثقافية " . قراءة تبحث في ذاكرة بلاد الجريد وفي المخزون الثقافي والاجتماعي والسياسي لهذه الجهة خاصة وأن ثقافة العولمة السائدة هذه الأيام تحاول تكريس أمناط جديدة من الثقافات تحقر القديم التالد وترفع من شأن الجديد الوافد على أجنحة الهوائيات والأنترنات ولو كان تافها مبتذلا .
    يقول البشير خريف :
    " في البلد أطوار التاريخ البشري جميعها متمثلة في مختلف الأحياء والدروب ، والذي يحدو به حب التجول والتفرج على بلاد الله يذهب إلى الجريد ، فإنه لا ينتقل في المكان وحسب بل ينتقل في الزمان أيضا .
    يجد القرون الوسطى في سوق البياضة ، وإذا تقدم يجد صدر الإسلام حول زاوية الولي الصالح سيدي عبد العالي ، حيث أولاده وأحفاده يعيشون كالصحابة والتابعين تروى أحاديثهم معنعنة وبخلافات طفيفة في اللفظ . وإذا أمعن غربا يدخل بلاد كنعان حيث يعيش قوم غريبات عيشة الرعاة الوارد ذكرهم في التوراة . ويجد روائح القرن العشرين عند سي العروسي ، فإنه معلم في " الكوليج " معجب بمديره ، له " فونوغراف " ويشرب القهوة مصفاة ، وتأتيه جريدة " البيش " كل يوم ، ويعتقد وجماعته ككل الظرفاء في كل زمان أن حضارتهم بلغت النهاية . يأكلون السمك ويقولون : إنه منذ ثلاثة أيام كان يسبح في بحر صفاقس .
    وين عيطير الإنسان . " ( الرواية ص 96 )
    يظهر من خلال هذه الفقرة شدة وعي البشير خريف بثراء المخزون السوسيولوجي في هذه الجهة ، فيعمد إلى تطريز روايته بشيء من التاريخ والتراث الشعبي كلما دعت الحاجة لذلك منبها بحصافة وحنكة تارة وبالملحة المحببة إلى نفس المتلقي طورا إلى هذا التراث . فكأنه يذكر به وينبه إليه حتى لا يقع في دائرة النسيان .
    إن حصافة البشير خريف كبيرة ، فقد انتهى من كتابة هذه الرواية سنة 1966 أي أن أقل من أربعة عقود مرت على كتابتها ولكن التغييرات التي طالت بلاد الجريد في هذه السنين القليلة من عمر الزمن أكبلا من أن تحصى .
    فمن منا مازال يحتفل ب" المايو " مثلا ؟
    " لأن المايو – بترقيق الميم وتشديد الياء – الذي يوافق الرابع عشر من شهر ماي الإفرنجي ، يوم يحتفل فيه أهل الجريد احتفالا فلاحيا جميلا ، فيه يميل الطقس إلى الحرارة دون اللفح ، وتعطي الغابة بوادر إنتاجها .( الرواية ص 11 )
    فما هو أصل هذا الاحتفال ؟ وما هي جذوره ؟
    شخصيا أرجح فكرة ورود هذا الاحتفال مع وصول بني هلال إلى الجريد واستيطانهم هناك في أواخر القرن العاشر الميلادي . أي أن هذا التراث دام طيلة ألف سنة توارثه الأحفاد عن الأجداد والبنات عن الأمهات ولكنه كاد الآن يندثر ، فلا تذكره إلا القلة القليلة من العجائز تذكر به وتتحسر على الأيام الخالية .

    مظاهر الاحتفال ب" المايو " أو عيد فرعون :
    قبل قليل قلت إنني أرجح فكرة الاحتفال بهذا العيد إلى هجرة بني هلال إلى الجريد ، لأن الهلاليين الذين وصلوا هذه البلاد جاءوا معهم بعاداتهم وتقاليدهم وتراثهم الذي وصلهم من وراء القرون ، من ذلك الاحتفال بفرعون وتقديم الولاء له وشكره في مواسم الصابة :
    " في ذلك اليوم تقدم الغابة مراسم الولاء إلى المنزل ، فينضد الخماسة زنابيل مفعمة تفاحا وبرقوقا وخضرا مزهرة تتدلى منها بواطئ اللاقمي وعلائق الصيس والجمار ودلاء الذكار ، وتتوجه إلى الدور " ( الرواية ص 20 ) .
    فتستقبل النساء هذه الخيرات وقد زين عيونهن بالكحل وأفواههن بالسواك ومشطن شعورهن ، ولبسن الجديد .
    في القائلة يذهبن إلى الوادي ( أولا يذكر هذا بالذهاب إلى النيل ؟ ) ، هناك تبد أ مراسم الاحتفال :
    " وقفت إحدى الفتيات على ربوة وصاحت بالوادي كأنها جاهلية تخاطب إلها : فرعون ، يا فرعون طول شعري وكبر قعري - قد النخلة والعرجون – ( وهذه تكملة للترنيمة لا أدري لماذا أسقطها البشير خريف ) . وتلك من العادات التي لبثت حية ، من القدم إلى يومنا هذا ، وهي لا تقل فائدة - لو تدبرها المؤرخون – عن آثار الحجارة المنقوشة ، لعلهم يجدون بينها وبين نيروز مصر علاقة ، أيام كانت الصحراء معشوشبة يشقها النيل أو النيجر ، ويجوبها الفيل ، ويجوس في مروجها الأسد . " (الرواية ص 24 ) .
    مع التذكير فقط بأن عيد النيروز هو عيد فارسي يحتفل به في بلاد ما بين النهرين . ولست أدري هل هو خلط من البشير خريف في نسبته إلى مصر ، أم أنه يقصد من وراء ذلك تشابه الاحتفال بالأعياد في العراق ومصر .
    تتسابق البنات جريا في مياه الوادي ، والخاسرة تمثل دور امرأة فرعون .
    - نمشي معاكم أعبي خويا ؟
    فغم الولد صوتها
    - وين تمشي ؟
    فأدارت وجهها ناحية الحوش .
    - قل له أديجة نمشي معاكم للعيون .
    فأجابتها عمتها :
    - ولاش آنت العيون ؟
    - ندرجح معاهم
    - تو نربط درجيحة في لوثار وندرجح أنا وياك . ( الرواية ص 23 )
    لأنه لا يكتمل الاحتفال بعيد فرعون إلا إذا تأرجحت النسوة على أراجيح من حبال مصنوعة بليف النخل . فقد توعد فرعون زوجته بقتلها حيثما وجدها على الحالات المعروفة لاستعمال الجسد البشري .
    قاتلك ، قاتلك .
    كانك تمشي ، قاتلك ...
    كانك واقفة ، قاتلك ...
    كانك راقدة ، قاتلك ...
    كانك قاعدة ، قاتلك ...
    كانك تجري ، قاتلك ...
    هكذا توعد فرعون زوجته ، فاحتالت عليه بأن صنعت أرجوحة تتأرجح عليها طائرة بين السماء والأرض . فأسقط في يده وتركلها حياتها . ( وهاهي شهرزاد تحافظ على حياتها بحيلة مرة أخرى .
    تتأرجح النسوة في الأرجوحة وهن يرددن هذه الترنيمة :
    حاحي ... على فرعون .
    حاحي ... حب الزيتون .
    حاحي ... نهار سعيد .
    حاحي ... اليوم العيد .
    حاحي ... مطرق سمسم .
    حاحي ... طاح اتسرسم .
    حاحي ... مطرق عاج .
    حاحي ... طاح ابراج .
    حاحي ... عليه كرزات .
    حاحي ... قد الطاسات .
    حاحي ... عليه زنانة .
    حاحي ... حمرة مرجانة .
    حاحي ... نادوا أمه .
    حاحي ... تلبس هدهود .
    وتخش ... ليهود .
    حاحي ... نادوا أخته .
    حاحي ... تلبس غرارة .
    حاحي ... تخش النصارة .
    فرعون طول شعري وكبر قعري قد النخلة والعرجون .
    وينتهي الاحتفال بيوم " المايو " بأكل الرضخة المصنوعة من المشمش الأخضر والحليب والفلفل الحار . وتعليق " تساكر المايو " تحت قصة باب الحوش . وبرش الماء المبارك الذي أعده المؤدب بعد الصلاة محركا إياه بسبابته قارئا عليه آيات من الذكر الحكيم حتى يمنع هذا الماء وتلك الطلاسم المرسومة على الورق ، العقارب من الدخول إلى المنزل ولسع أهل البيت

    طائر بوحبيبي :
    " اليوم " المايو " العطراء ، شبحت بوحبيبي بمشي برجليه ، يا حليلوتهم أربعة طويرات يبدلوا في رجليهم " ( الرواية ص 12 ) .
    " طلعت الشمس قليلا ورفرفت طيور بوحبيبي وكثرت زقزقتها . وكان يرجو أن يرى هذا الطير يمشي مبدلا رجليه في خطوه الواحدة تلو الأخرى ، تماما كما يفعل الإنسان ، عوض أن يقفز كما هو طبعه . ( الرواية ص 12 )
    " زقزقت طيور بوحبيبي ، وفرت من طاقات الأوثار التي كانت تنثر ضياء مثلثا في المخزن. (الرواية ص 12 ) .
    ظاهرة ثانية لفتت نظري وأنا أقرأ هذه الرواية هي احتفاؤها بعصفور معروف جدا في بلاد الجريد هو " طير بوحبيبي " فهذا العصفور له حضور كبير في الرواية وفي الواقع أيضا
    ( وإن بدا هذا الحضور يتلاشى في السنين الأخيرة ) ، فأهل الجريد يستبشرون بهذا الطائر حتى أنهم حين يسمعون زقزقته في الصباح يحيونه ب " خير يا بو بشير " . فهو البشير وهو الحبيب وهو العشير لأنه لا يغادر بلاد الجريد أبدا فيبني أعشاشه داخل البيوت دون أن يخشى الصيد أو التشريد أو العبث ببيضه ف – بيض هذا الطائر يسبب لمن يمسه الحمى – هكذا علمتنا الأمهات وأخافتنا من لعنة الاقتراب من بيض هذا العصفور .
    إن أهل الجريد دجنوا هذا العصفور ، فقد بنوا منازل تساعد على استقرار هذا الطائر فيها . فالمعروف أن البيوت عالية ( وهذا راجع لحسن قراءتهم للمناخ وخاصة في فصل الصيف الذي تشتد فيه الحرارة فتبلغ أكثر من 50 درجة في الظل ) ، وجعلوا داخل هذه البيوت أوثارا يعلقون عليها عراجين التمر . فيستغل بوحبيبي النوافذ الصغيرة العالية المعدة أساسا للتهوية ولشد الأوثار ، فيبني أعشاشه فيها ويربي فراخه بين البشر دون خوف أو وجل .
    ولكن هذه الظاهرة تلاشت الآن أو كادت تتلاشى بعد أن غزا الاسمنت المسلح سقوف البيوت في الجريد وعم نمط البناء الإفرنجي الأحياء الجديدة . فبقي بوحبيبي يسقسق في الخرائب المهجورة .
    مقارنة بسيطة مع طائر آخر معمر في الجريد هو الزاوش تعطيك مدى التقدير الذي يحضى به بوحبيبي .فالزاوش معروف أيضا في الجريد . ولئن كان يبني بيوته أساسا في الغابة فإنه يغامر في بعض الأحيان ويعشش في البيوت أو قريبا منها . ولكن الجريدية لا يكنون له أي احترام ولا هيبة . فيتسلق الصغار الحيطان العالية ويخاطرون بأرواحهم للقبض عليه وهتك أعشاشه وشي فراخه والتلذذ بأكلها .
    وقد عدوا هذا الطائر من التسعة المفسدين . وهم في عرف أهل الجريد : الفأر والفرفور والجراد ، والذيب والذيبوب والذباب ، والبق والبرغوث والقراد . فالفرفور هو الزاوش وقد عد ثاني المفسدين لأنه يفسد صابة التمر ، بينما لا يقترب بوحبيبي من التمر إلا في حالات الجوع القصوى .
    وبهذه المقارنة البسيطة يظهر لنا مدى معزة أهل الجريد لطائر بوحبيبي . مما جعل البشير خريف يحتفي به في أكثر من مكان في الرواية التي ستبقى لا محالة ذخرا ثمينا للأجيال القادمة التي لن تعثر على بوحبيبي في بيوتها ولن توقضها سقسقاته في الصباحات الباكرة كما كان الحال لأمثالي ولمن سبقنا من أهل الجريد الذين دجنوا هذا الطائر وتآلفوا معه ، فألفهم حتى أنه هجر معهم أرض الجريد عندما هاجروا إلى المناجم في عشرينات القرن الماضي وما بعدها .

    عنف الخصومة بين الجريدية :
    ظاهرة ثالثة أريد أن أتناولها بالدرس في هذه المداخلة هي : عنف الخصومات التي كانت تحدث بين الجريدية في قراهم المختلفة . وقد ترك لنا التاريخ الشفوي المتناقل عبر الأجيال بعض هذه الخصومات التي أدت إلى عداوات كبرى بين العروش دامت طويلا . من ذلك مثلا في نفطة الصراع على الماء بين الشرفة وعلقمة ، والذي كاد ينتهي بمأساة كبيرة لولا تدخل العقلاء . ولكن صداها مازال يتردد إلى اللآن فيضرب المثل بالعطش ب : "عطشة علقمة ".
    وقد ذكر لنا البشير خريف في رواية " الدقلة في عراجينها " صدى هذه الخصومات وجعلنا نعايش الكثير منها . ولكن أهمها وأشدها وقعا على النفس تلك الخصومة التي وقعت بين عبد الحفيظ بن سالم بن عبد العالي ( حفة ) الميعادي ، وصهره علي الزبيدي :
    رشف من القهوة واستمر يقول بصوت هادئ متثبت : الآن ، وقد ظهرت صحة نبوءته ووقعوا فيما حذرهم فليدعوه ومن يتصدى لأولاد سيدي عبد العالي . لتدع بينه وبين عدوها وعدوه ، سوف يتخذه هدفا لضرباته القاصمة ، سوف تهبط عليه البطاقات من مجلس قفصة العدلي ، سوف يريه الخصام وفنونه " ( الرواية ص 29 ) .
    هكذا إذن بين غمضة عين وانفتاحتها يصبح الصهر عدوا يجب التنكيل به وجره إلى المحاكم . وتصبح " ديجة " وابنها " المكي " أسيرة بين جشع أخ همه الوحيد الاستيلاء على نصيب أخته من جنة النخيل ورعونة زوج لم يعرف كيف يحافظ على حليلته .
    " وكان حفة يدخل عليها من حين إلى حين ويحيطها علما بما جد في الخصومة : المقال والجواب والقيمة والاختبار ، ويعد بأم يأخذ زوجها أخذ عزيز مقتدر . فتشكره وتدعو له بالنصر . وبعد خروجه تعود على نفسها وتطلق العنان لهواجسها بمسمع من العطراء :
    - أنا ما طالبة شي . أما طالبه انروح .
    - قولي له
    - هات من يفهمك ، جيت انطل قعدت الكل .
    - ولاش لخصام آ ديجة
    - أنا حاجتي بالخصام ولا شاهياته ؟ يظل لا باس عليه . أنا نذكر كلمة المرواح والراجل يطير للسماء السابع . ( الرواية ص 100/101 )
    فما هو السر في هذا التباغض بين مواطني بلدة واحدة الذي جعل البشير خريف يقول في جزء آخر من الرواية على لسان المولدي الأخ الأصغر لحفة في حبه لتبر :
    إن حبهما اكتسى من العنف بقدر ما كان بين عرشيهما من عداوة ( الرواية ص 29 ) .
    إن المعروف عن بلاد الجريد أنها موطن مديني وسط الصحراء جمع أشتاتا كبيرة من الناس وجدوا عليه من جهات عدة من تونس ومن خارجها ، فجمعت بينهم صفة المواطنة عكس البدو القاطنين قريبا من هذه البلاد من قبائل وعروش كأولاد سيدي عبيد وأولاد سلامة وأولاد بويحي وبقية عروش الهمامة . فهؤلاء تجمع بينهم رابطة أخرى هي رابطة الدم لأن كل قبيلة من هذه القبائل تعود إلى جد واحد حتى قيل إن كلمة تفرقهم وقصعة كسكسي تجمعهم لكن الأمر يختلف مع متساكني الجريد . وسأضرب مثلا بسكان قرية صغيرة من قرى الجريد هي بلدة المحاسن ( كريز ) سابقا . هذه القرية تعد حوالي ثلاثة آلاف ساكن أصولهم مختلفة منهم أهل البلدة الأصليين ( أربعة عروش : الحمامدة والعثامنة وأولاد تريكي والتواتين ) انضاف إليهم ثلاثة عروش منذ أكثر من ثلاثمائة سنة هم : المحاحرة وأصلهم من السند والسعايدة وأصلهم من وادي ريغ بجنوب الجزائر والنبايلة وهم قوم يغلب عليهم السواد وفدوا مع الولي الصالح سيدي حمادي ويقولون إنهم من الساقية الحمراء .
    هؤلاء هم أصل القرية وقد ساكنهم منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، وحسب الأقدم فالأقدم ، التباسة ( من تبسة – الجزائر ) فالنفاوزة ( قبلي ) فالديوات ( جنوب شرق تونس ) ، فأولاد معمر ( قبيل من الهمامة ) ، وأخيرا أولاد حركات ( قبيل من أولاد يحي ) .
    والأمر لا يختلف كثيرا مع بقية قرى وبلدات الجريد .
    فهل لهذا الاختلاف في الأصول دور في عنف الصراعات التي تدور بين الجريدية . عنف قد يصل بهم إلى بيع أرزاقهم للتقاضي لدى المحاكم :
    دخل العربي وارتجل بلاغا حربيا مفاده أن حفة وعلي الزبيدي يتقاتلان ، فانهارت ديجة على الدكانة :
    - ما عادش تو ، ايهز ايده على حفه . أشومي ما عادش الخير في الدنيا ؟
    وألقت بلحفتها على رأسها وبقي ولدها على ركبتيها .
    و في الخارج رمى حفة عدوه بأهم أسهمه :
    - انبيعك في نخلك يا حلوف . ( الرواية ص 25 )

    الخاتمة :
    هناك ظواهر سوسيوثقافية كثيرة أخرى يمكننا أن نبحثها من خلال هذه الرواية مثل :
    * الإزدراء بالمقدس والنكتة الجريدية الرائقة .
    * وفود الطلبة الجوالة على الجريد لحفظ القرآن .
    * المبادلات التجارية مع الأعراب وغارات الهمامة على الجريد .
    * ظاهرة جمال المرأة : البياض والسمنة .
    * العمل في الجندية ومصائبها ، والتعويض عن الخدمة العسكرية .
    * شايب عاشوراء وعتروس البنقة .
    * التسميات وتحريفها مثل : حمة وباهي وديجة وبوكة ...
    وظواهر سوسيو ثقافية كثيرة أخرى حفلت بها هذه الرواية الرائقة التي كتبها البشير خريف ليؤرخ بها لبلاد الجريد أرضا وناسا .
    ولئن أمتعنا بقصه الجميل وحسن توظيفه للحوار باللهجة الجريدية ، فإنه سيفيد لا محالة الأجيال القادمة بهذا التراث الكبير الذي يختزنه الجريد أرضا وناسا .








    الزمن الجريدي من خلال رواية :
    الدقلة في عراجينها للبشير خريف


    في مراسلة للباي كتب علي الساسي قايد الجريد سنة 1869 ما يلي :
    " ... وأسباب الخلاص هذه السنة متيسرة لأن أهم الأسباب موجودة وهي صلاح الصابة وتناهي طيبها ، وكونها لم تمطر في هذه السنة . وربنا يتمم بأمن السبل لتقدم العربان للجريد لأن الناس في غاية التشوق والانتظار لقدومهم . فالمطلوب منكم أن تمدوا بالسعي في صدور الإذن لعروش إفريقية في السفر للجريد ليقع الخلاص إن شاء الله " .
    وفي السنة الموالية كتب ما يلي :
    " ... والذي يكون في شريف علم سيدي أبقاه الله هو أن أحوال الجريد اليوم في غاية ما يكون من الضيق والعسر من أجل الضنك في أحوال المعيشة والكساد الواقع في صابة التمور وبسبب التعطيل الواقع في الطرقات المفضي إلى عدم قدوم العربان لاكتيال التمر . فإلى الآن تمرهم كله معلق في رؤوس النخل ولم يبع منه شيئا من أجل هذا الكساد الذي لم يسبق . ومع ذلك إني لم أترك الخلاص بوجه ، ولم أسمع اعتذار معتذر في هذا الشأن .
    ولما وردت مكاتيبكم السعيدة ازددت نشاطا في الخدمة وبذلت مني غاية الجهد ... "
    هذا هو الزمن الجريدي ، معلق على سحابة خريف . وهذه بلاد الجريد مكان مسكون بالانتظار. فإن صلحت حال " الدقلة "، صلحت حالهم ، وإن فسدت حالها فسدت أحوالهم . خاصة في تلك السنوات البعيدة من القرن الماضي التي أرخ لها البشير خريف في روايته " الدقلة في عراجينها " . هذه الرواية التي لو تدبرناها كما يجب لوجدنا في طياتها مخبرا يمكن أن نستخلص منه كثيرا من الاستنتاجات والعبر . فعالم الجريد يمثل مجالا مناسبا لإجراء مختلف البحوث السوسيولوجية .
    والبشير خريف ، وهو يكتب تلك الرواية واع كأشد ما يكون الوعي بهذه المهمة . لذلك أرخت روايته لهذه البلاد ، لأرضها وناسها ، لعاداتهم وتقاليدهم ، لتراثهم البعيد الضارب في القدم الخارج من أعماق الماضي . أنظروا معي هذه الأمثولة :
    بين الجريد منجل ، وفي الأرض باطية وقنط يقدح به حمة الصالح النار كلما احتاج كما يفعل رجل العصر الحجري . ( الرواية ص 28 )
    فهل مازال من فلاحي الجريد من يتقن قدح النار بواسطة القنط ؟ ( والقنط هو عرجون التمر اليابس ) . أم أن هذه المهرة التي توارتها الآباء على الأجداد زالت بزوال أسبابها ؟
    وتعالوا معي إلى هذه الإشارة :
    " فمن العار الذي يسلب الأسرة جلباب الشرف ، أن يتزوج الفتى من امرأة عرفها قبلا . "
    ( الرواية ص 29 )
    ما الفرق هنا بين الحياة الاجتماعية في جريد القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وما كان سائدا في الجزيرة العربية في العصور القديمة حين كان الرجل يمنع من الزواج من امرأة تغزل بها وقال فيها شعرا ؟
    وتعالوا معي نسترق السمع لديجة الغضبانة في دار أخيها المولدي وهي تعاتب زوجته تبر :
    - انت ، واش بيك اتقول الراجلك المولي الساعة ؟
    - وخيتي غلبني لساني . هاني ما انقولش هكاكة قدام الناس . انت مانيش ع انقد انعس على فمي . ( الرواية ص 24 )
    فلزمن قريب كان من العيب على المرأة أن تسمي زوجها باسمه ، ومن العيب أيضا على الرجل أن ينادي حليلته باسمها الشخصي خاصة في حضرة الأهل والأقارب . فكانوا يتنادون ب "الآخر " و " الأخرى " أو ب " هاي أنت " ، وفي أحسن الحالات ينادي الزوج زوجته ب
    " بنت فلان " .
    هذه المرأة المشيأة يحكم عليها بالموت في أحيان كثيرة إذا مات زوجها . فمن العادات المشتثرية في تلك الأزمان ، عادة رهيبة تحتم على المرأة ارتداء ثياب الزوج المتوفى :
    " وبقيت تبر كالحمامة قطع جناحها ، فلم يعد يصلح الباقي إلا للتلويح به من الألم . ولم يطل بها الألم .
    وأعانتها عادة خبيثة تذكرنا بعادة القدامى من الهنود في إماتة المرأة بعد زوجها . وذلك أن على الأرملة في الجريد أن تلبس قميص زوجها ، فتجد الجراثيم عوضا عن جسم الرجل . فالتحقت بصفيها بعد أيام قلائل . ( الرواية ص 57 )
    فبلاد الجريد موطن لأمراض كثيرة معدية كالكوليرا والسل والتيفوس ، ومع ذلك يصر الأهل على أن ترتدي الأرملة ثياب المتوفى . هل هو الوفاء للميت أم هو قتل ما سابقية الإسرار والترصد ؟
    في الرواية أيضا ظواهر أخرى تحدثنا عن لباس وزينة ومأكل المرأة الجريدية في القرن الفائت .
    فعن اللباس مثلا هذه الشاهدة :
    " مد المكي يده يداعب الخرويطة واللماع الذين كانا معلقين مع الخلال في كتف أمه الأيسر "
    ( الرواية ص 74 ) .
    فاللماع المدور الصغير للزينة والاعتناء بالمظهر ، والخرويطة للدراهم . وقد عايشت شخصيا هذه الظاهرة حتى بدايات ستينات القرن الفائت . ولكن القليلات من الجريديات مازلت يحتفظن بهذه العادة .
    وعن أكل العبود والبركوكش بالحمائم :
    " استمرت النسوة في ناحيتي الحائط يفتلن العبود ويسرطنه وبينهن الساقية سبيلا للاتصال بالشواء المسوغ ومشروب الوزوازة والمنقوع .
    دخلت عيشة الشقماء :
    يا مساكم واش عشاكم
    هيا أعيشة أسرطي معانا عبيبيد ولا اثنين
    تمانعت زاعمة أنها تغدت عند ابنتها البركوكش بالحمائم ، ثم ثنت ركبتها وجعلت تعبد عبابيد مهولة وتقذف بها في جوفها . ( الرواية ص 82 )
    فلمن لا يعرف أن المرأة الجريدية ما كانت تقاسم الرجل أكله ، وإنما كان الرجال يأكلون أولا ثم تأكل النساء بعدهم ما فضل من الأكل . لذلك كن يملأن بطونهن بالعبود في العشية ويكتفين بالقليل مما فضل من الأكل .
    وعن الاعتناء بالديكور في المسكن هذا المسكن الذي يحمل كل بيت من بيوته اسمه الخاص : الظهرية والقبلية والشرقية والغربية ، به أثاث مجتمع حضري يساير العصر وطبيعة سكانه .
    عهدها بسدة للنوم وأثاث قديم متواضع مغبر . وإذا ألوان زاهية وأثاث عصري أنيق . القبو مزدان بالصور والأسفاط وفي عارضتيه خزانتان مزدانتان بالأخضر ومزوقتان بالأصفر وفي وسطه لوزنج به وردة حمراء . وفي الركن الأيسر سرير فيه صورة سطح في بادية ومروج وامرأتين وصبي يخطو خطواته الأولى ، وبجانب السرير مهد . وفي الركن الآخر صندوق كبير من خشب السرو . ( الرواية ص 37 )
    هذا هو أثاث البيت الجريدي : سدة للنوم وصندوق لحفظ الثياب وخزانة وصور تعلق على الحيطان للزينة وللاستعمال عند الحاجة ومغنية للموسرين و " أصحاب المحنة " .
    وقد اهتم البشير خريف في رواية " الدقلة في عراجينها " بالجانب الاقتصادي لبلاد الجريد في القرن الفائت وما سبقه وأرخ للعلاقات السائدة بين أهالي هذه الجهة والدولة المركزية في تونس مشرحا أزمة الاقتصاد التقليدي وارتباطه بالعوامل الطبيعية والمؤثرات المناخية وأمطار الخريف المتكررة دون أن يغفل عن ذكر ما عاناه الأهالي من الظلم والجور المسلط عليهم من طرف محلة الباي وقياد الجريد .
    وصادف أن توالت على الجريد سنوات مجاعة فأجحفت الدولة في تقدير قانون النخيل حتى تراكمت الديون وعجز الأهالي على الخلاص . فألح عليهم القايد علي الساسي وأرسل إليهم الباي المحلة . وتوللى المحتسب حسونة الجويني عمليات الجبر . واصطحب معه صندوقا بالسلاسل ليكبل العاجزين عن الخلاص . ولما أجروا الحساب وجدوا أن قانون القطعة من النخيل يقارب ثمنها فبات الملاكة ينكرون أملاكهم ويتبرأون منها تبرأ الطنبوري من نعله فيجلدون ويشدون إلى قرمة ويطرحون في الشمس حتى يعترفوا ومنهم من لا يعترف . فأعلن المحتسب أن من يخلص قانون غابة فهي له ملكا . ففي عقد إحدى الجنات أنها بيعت بريال الذي كان في ذلك الوقت ثمن صاع من القمح ، فضل بعد خلاص القانون . ( الرواية ص 30 )
    إن هذا النص وثيقة تاريخية في غاية الإفادة للدارسين للعلاقات بين الحاكم والمحكوم في فترة حكم البايات للبلد التونسية . ذلك أن الجريد كان يدر على خزينة الدولة الحسينية أموالا طائلة مؤتاها الضرائب المسلطة على الأهالي في سنوات الرخاء والشدة . فإذا حسنت الصابة دفعت تمرا وإذا فسدت عوضت نقدا أي ما يساوي خمسين ريالا للحمل الواحد . والحمل يوازي ثلاث قناطر .
    وبغية الترفيع في مداخيل الدولة وقع تحوير النظام الجبائي حتى يتسنى للبايات الاستفادة القصوى من منتوجات الجهات الحضرية في الإيالة خاصة بعد امتناع البدو عن دفع الإتاوات ورفع عصا العصيان في وجه الحاكم . فعوضت " اللزمة " وهي نظام يتمثل في وجود وسطاء من الأعيان المحليين يقومون بجمع الضرائب ، بنظام الاستخلاص المباشر وسن لتطبيق هذا الأمر قانون عرف ب "قانون النخيل " . وقام أعوان الدولة بتعداد أول لأشجار النخيل سنة1852 ، تبعه تعداد ثان سنة 1862 أي بعد عشر سنوات . فضخموا العدد السابق بنسبة كبيرة . فقد كان القانون الموظف على نخلة الدقلة ، ريال ونصف
    ( الريال هو العملة الرسمية للدولة الحسينية التي كانت تحكم البلاد التونسية قبل أن يتحول إلى الفرنك في عهد الاستعمار الفرنسي ، ثم إلى الدينار بعد استقلال تونس عن فرنسا ) وعلى نخلة المطلق ( عليق ،بسر ، شكان ، خلك ... ) نصف ريال و11 ناصري – والناصري هو عشر الريال - . فصار ريالين وأربعة نواصر على الدقلة الواحدة وريال وثمن ريال على نخلة المطلق .أي أن الترفيع كاد يوازي ضعف الأداء السابق .
    ولتخليص هذه الضرائب لجأ أعوان الباي كما جاء في الرواية إلى أبشع أنواع التعنيف والاضطهاد والتنكيل بالمواطنين .
    ورغم كثرة هذه الضرائب على نخيل الجريد وتنوعها والشدة في استخلاصها ، فإن دولة البايات ما كانت توفر لسكان الجريد في مدنه كما في قراه ومداشره أي حماية تجاه اعتداءات البدو كالهمامة وأولاد عزيز خاصة ، على الواحات . فقد جاء في الرواية ص / 138 :
    يقال إن قبيلة الهمامة أغارت على البلد فعاثوا فيها نهبا وسرقة ولم يسلم منهم إلا عرش المواعدة . فقيل لهم في ذلك فأجابوا : لم نجد منهم غفلة . أول الليل شبانهم يسمرون وآحره شيوخهم يتعبدون .
    أريد أن أختم هذه المداخلة بظاهرة أخيرة حدث عنها البشير خريف في الرواية هي ظاهرة المعاوضة أي دفع مبلغ مالي إلى خزينة الدولة عوض العمل في الجيش . وهي ظاهرة تمييز بين الشر خاصة في تلك السنين عندما كان العمل في الجيش يعني الموت في الحروب الاستعمارية الكبرى التي كانت فرنسا شريكا دائما فيها ، فكانت تزج بسكان مستعمراتها
    ( وتونس واحدة منها ) في أتونها وتدفع بهم في أغلب الأوقات إلى المواقع الأمامية في الخنادق وفي تفجير حقول الألغام مما جعل عدد القتلى بينهم كبيرا جدا . لذلك كان الموسر من الأهالي يدفع عوضا ، فيعفى من الخدمة العسكرية ويزج بالفقراء من أبناء الخماسة في معارك هذه الحروب .
    وها هو العربي ولد المولدي يبعث المؤدب صمد في وساطة بينه وبين عمه حفة ليدفع عنه العوض :
    كان حفة جالسا على دكانة يرتق جبته الزرقاء ، فأتاه الطالب صمد والتفت نحوه وسلم ، فرد عليه السلام وسأله :
    - مرحبا بيك " نعم سيدي " .
    - اكليمة شاهي انقولهالك .
    - مرحبا
    تلمس المكان وجلس على حافة الدكانة وقال :
    - ولد المولدي الله يرحمه حصل في العسكر . قالي كلم عمي في العوض .
    أوقف حفة الإبرة وحملق في الضرير وأعاد مستنكرا :
    - العوض .
    ثم – واش بيه باعثك إنت ؟ ياخي معاديني ؟
    ورجع إلى شغله وهو يقول :
    - يمشي يعاوض .
    - باش تعطيه المقدار اللي يعاوض بيه . ( الرواية ص 156 )
    وبعد أخذ ورد عاوض المولدي وأعفي من الجندية ، لكنه نكالة في عمه ذهب إلى الحرب فعاد برجل من خشب .
    إن البشير خريف وهو يكتب هذا النص قدم دعوة صريحة للمتلقي لزيارة هذه البلاد ، فهو :
    " لن ينتقل في المكان فحسب بل ينتقل في الزمان أيضا " ( الرواية ) .
    إن البشير خريف الروائي يمتلك حس المؤرخ وعالم الاجتماع لأنه عندما كتب هذه الرواية التي حوت من كل شيء بطرف . هذا النص الذي لو كلما تدبرته خرجت منه وأنت تعجب لعبقرية هذا الرجل الذي لم يكتف بإمتاعك بأحداث روايته وبالتأثير على أحاسيسك ومشاعرك أبلغ تأثير ، فتتوجع إذا توجعت ديجة وتطفر الدمعة من بين الجفون بدون إرادتك وأنت ترى العطراء تموت حسرة على " ليلة قفصة " . ولكنك أيضا تضحك ملء شدقيك من نكات الجريدية ومن فكاهاتهم . هذا التفكه الذي يحاربون به ضيقهم وألمهم والذي يصل بهم حد الازدراء بالمقدس والجليل من الأمور . فتضحك حتى البكاء وتمسح من على خديك دمعة أخرى هي دمعة الفرح واللذة هذه المرة .
    إن البشير خريف يبكينا مرتين في هذه الرواية ، مرة من شدة الحزن وأخرى من الغبطة والسرور . وما أصعب أن يصل الكاتب إلى شد قارئه بهذا الشكل . كل هذا وهو يمرر من خلال شخصيات هذا النص وأحداثه ، صنوفا من المأثورات الشعبية والعادات والتقاليد السابقة الخاصة ببلاد الجريد . يذكر بها اللاحقين من أهل هذه البلاد حتى لا تندثر وتتلاشى . فهل سيواصل الجريدية الاحتفال ب " المايو " وب " عتروس البنقة " وب " شايب عاشوراء " ؟ وهل مازال الأبناء قادرين على الاحتفاظ بهذا الموروث الشعبي ( ولو على شكل فولكلور ) ؟
    هذا الموروث الذي تخطى آلاف السنين وظل يعيش في هذه الأرض ليصنع خصوصيتها . خصوصية هذه البلاد التي ما عادت منزوية في ركن بعيد من الجنوب الغربي لتونس
    ( الرواية ) ، وإنما صارت مقصدا لكل راغب في الإمتاع والمؤانسة تحط على أرضها الطائرات القادمة من الأقاصي البعيدة ويتشهى زيارتها كل البشر .















    الكتابة بين الإبداع والإتباع
    أو في الخروج عن إجماع الصحابة
    شهادة


    كلما هممت بالقرطاس والقلم واجهني هذا السؤال : لماذا تكتب ؟ فأهم بترك القلم والاستلقاء أمام شاشة التلفزيون والانهماك في البحث عن قنوات الترفيه والتسلية . فهذا السؤال الذي أسال كثيرا من الحبر في السنوات السابقة لسقوط حائط برلين أرى أنه ما عاد له من موجب هذه الأيام ، لأن عالم الكتاب في تلك السنين الخالية كان يتجاذبه قطبان :
    أن تكون أحمر أو أبيض ، تقدمي أو رجعي ، اشتراكي تحج إلى موسكو ، وبالتالي فأنت صديق للإنسانية . أو أنت رجعي متعفن بالرؤى والأفكار البورجوازية ، تأكل من فتاة الأسياد . وبالتالي فأنت عدو نفسك قبل أن تكزن عدوا لمجتمعك وللشعب الكريم .
    لو طرح علي السؤال في تلك السنوات التي صرت – على قربها زمنيا منا – أراها وكأن ملايين السنوات الضوئية تفصلها عنا ، لأجبت هكذا وبتواضع العالم الجليل :
    إنني أكتب لأغير العالم .
    ولكن ، وبعد هذه الهزات العنيفة التي تعرض لها العقل الباطن للأديب في كل بقاع الأرض . وساد فيها منطق روما الجديدة ، أقول : إنني أكتب لأحافظ على توازني النفسي . أكتب حتى لا أصاب بالجنون . أكتب حتى لا تلتهمني طاحونة الشيء المعتاد .أكتب حتى أكون قطرة ماء عذب في بحر الظلمات .
    أما عن سؤال : " لمن تكتب ؟ " فالأمر يختلف أيضا . فلأن كان الاختيار واضحا في سنوات الشد بين المعسكرين الشرقي والغربي ، فإن ذلك اختلف الآن . فالكتابة ما عادت ذلك العمل الواعي . وإنما صارت عملا مجنونا ينظر له فلاسفة نهاية التاريخ . والمرسل المهووس بكل ما يخالف السائد ، صار يبحث عن متلق أكثر منه جنونا . وإن كان الكاتب قديما يبحث عن أكبر عدد من القراء الذين يتفاعلون مع إنتاجه مثل السياسي الناجح ، فإن التعقيد الذي صاحب الكتابة الحداثية جعل عدد المتلقين لهذه الأعمال يقل .
    ولكن من نختار ؟
    أنا شخصيا أحلم بقارئ يرمي وراء ظهره بعقده الطارفة والتليدة . قارئ لا يخجل من عري سوأته ولا يسب اللغة حين تخز ضميره بمهماز الكلمات . قارئ يشاركني كتابة نصي ويملأ الفراغات التي أتركها ورائي حين يخونني القلم . لأن الكتابة مغامرة ، بحث في المجهول ، ارتياد لأقاصي النفس البشرية ، هيام بما يقال وما لا يقال .
    الكتابة عندي مغامرة في اتجاهين :
    * الأول : أن أكتب نصي في شكل يقطع مع المتداول حد الابتذال ، المكرر منذ مائة سنة . منذ أن وفد على الشرق نص الغرب ( قصة ورواية ) ، فهيمن النص الغربي على السرد العربي وأجهض إرهاصات نص عربي حديث بدأ في الظهور مع كتابات " المويلحي " و " أحمد فارس الشدياق " .
    إن الكتابة عندي هي عود إلى الشكل العربي القديم مع مزج الأساليب القديمة ( الخبر والطرفة والحكاية والخرافة والاستدارة الحكائية وتضمين قصة في قصة والاستشهاد بالشعر والاستطراد ... ) بمنجزات السرد الحديث للوصول إلى النص المفرد . لذلك يصدم هذا النص ذائقة المتلقي التقليدي لأنه يقطع مع عاداته القديمة في القراءة .
    * الثاني : أن أكتب النص الممنوع وأتجرأ على المحرم من المواضيع فألامس المدنس ( الذي نأنف من الحديث فيه جهارا لنمارسه في الخفاء ممارسة مرضية ) وألفت النظر إلى ما تراكم على المقدس من عادات وتقاليد تتنافى وجوهر الدين لأننا أمة قلدت الغرب في كل شيء سوى الخوض في المواضيع التي صفى معها فلاسفة الأنوار الحساب منذ مئات السنين .
    لكل هذا تتعدد مستويات السرد في نصوصي بتعدد حقل الدلالات فيها كما يلي :
    1 – في معجم التلفظ :
    لئن كنت أكتب بلغة سهلة ، فإن المعاني المطروحة تصبح ذات دلالات مختلفة للمتقبل حسب مستوى فهمه للكلام المرسل ، فتقرأ نصوصي قراءات متعددة ، مختلفة حد التناقض . وتذهب الآراء في فهمها مذاهب شتى . وهذا الاختلاف يفتح تارة باب التأويل وتارة أخرى يدعو إلى قراءة مضادة للمعنى المصرح به علنا في النص .
    2 – في معنى المعنى :
    ليس من السهل على الأديب العربي الخوض في غمار المحرم دون أن يكون قد جهز نفسه كما يجب ولبس ألف وجه ووجه ، وذلك باستحضار التراث تارة ليقول من خلاله الحاضر والأمثلة كثيرة سأكتفي بذكر ثلاثة منها : جمال الغيطاني وعزالدين المدني وسالم حميش . أو باستعمال الرموز والإتكاء على الأسطورة والخرافة والحكايات الشعبية تارة أخرى
    إن رواياتي مثلا ترتبط بخيوط كثيرة في المعنى والمبنى مع التراث والمعاصرة . ذلك أنني أملك مشروع قول أريده أن يصل إلى القارئ العربي . هذا المشروع يتمثل في ملامسة المحظور والاقتراب منه في كل واحدة من رواياتي قدر الإمكان .
    فلئن كانت روايتي الأولى " الدراويش يعودون إلى المنفى " قد لامست موقف المواطن العربي من حرب الخليج الثانية واهتمت بالسياسة الرسمية والشعبية التي سادت في تلك الآونة ، فإنها عادت بتلك الهموم إلى العهود السحيقة . فقد حضر مثلا في روايتي حنبعل المهزوم وشيوخ روما المنتصرة . كما حضرت شروطها في فرض الاستسلام على قرطاج . ولكن السؤال الجوهري الذي أردت الإجابة عنه هو : لماذا انهزم حنبعل وانتصرت روما القديمة ؟ وربطت ذلك بحرب الخليج الثانية وتداعياتها المختلفة .
    لقد أحضرت لهذا النص المغول والمماليك وشيوخ القبائل العاربة والمستعربة والدراويش والمتصوفة وكرامات الأولياء وهوس المنجمين .وحضرت أيضا روما الجديدة بكل ثقلها ودمارها ( قصف ملجئ العامرية مثلا في بغداد ) .
    وقد عرضت كل هذا الهم العربي بطريقة فانطاستيكية ، في نص متقطع الأوصال ، للتعبير من خلاله عن حالة التشرذم والقطيعة التي أصبح عليها هذا الوطن الكبير .
    أما في روايتي الثانية " القيامة ... الآن " ، فقد حاولت الاقتراب من هم آخر من همومنا الكثيرة وهو الحضور الطاغي للغيبي في حياتنا العامة والخاصة ومعايشتنا له بطريقة سوريالية . وحللت مدى تأثير هذا الغيبي على الحياة اليومية للمواطن العربي خاصة بعد هيمنة الفكر " الإسلاموي " على الساحة ومحاولته فرض نمط من التفكير الدوغمائي على سير حياة البشر ، مما يجعلنا نعيش القيامة قبل أوانها .
    لقد حاولت في تلك الرواية الاقتراب من " يوم القيامة " بعد أن أحضرت شروطها التي وردت في كتب التراث الديني : كظهور يأجوج ومأجوج ، والأعور الدجال ، والدابة ، والشمس التي تطلع من مغربها كل ذلك في قراءة جديدة للأحداث تختلف عن تلك الطريقة الواردة في موسوعة ابن الأثير " الكامل في التاريخ " . ولئن اشتركت قراءتي مع قراءة ذلك المؤرخ القديم في العلامات ، فإنها تختلف معها في مصائر الأبطال . فقد تحول عندي " الأعور الدجال " إلى ساحر يعرض فنه على المتفرجين في ملعب لكرة القدم . وصارت " الدابة " ، " القرد كينغ كونغ " في الفيلم الأمريكي المشهور . وأصبح عبث " يأجوج ومأجوج " في الأرض معادلا لاستهتار الأمريكان بمصير البشرية جمعاء . ثم في تخييل غرائبي جعلت مجموعة من أبطال رواية عبد الرحمان منيف " الآن هنا ... أو شرق المتوسط مرة أخرى " يشهدون أهوال يوم الحشر ليدعوا بعد ذلك للحكم لهم أو عليهم بالثواب أو العقاب .... فيودع طالع العريفي و عادل الخالي – وهما سجينات سياسيان- الجنة . ويقصف ب " سالم العطيوي " و" الشهيري " – وهما آمرا سجنين – في النار ، ليعذبهما الزبانية بمثل صنيعهما في الدار الفانية .
    الرواية الثالثة : " شبابيك منتصف الليل " ، هي رواية التناقض والانفصام النفسي الذي يعاني منه المواطن العربي حاليا بعدما سدت في وجهه كثير من أبواب الرحمة .
    وقد ركزت فيها على ثلاثة نماذج من الشخصيات :
    الشخصية الأولى ، رجل مهووس بالماضي حد المرض . والثانية ، شخصية مسكونة بالجنس ووهم الفحولة . والثالثة ، شخصية متدين لا يرى خلاصا لهذه الأمة إلا في العودة للجذور القديمة للمجتمع الإسلامي وتطبيق قوانين ذلك المجتمع دون المساس بها من قريب أو بعيد ، ودون تطبيق أي اجتهاد على مجتمع القرن العشرين للوصول بنا إلى حالة
    ( أفغانستان / طالبان ) على وجه المثال فقط .
    أما في روايتي الرابعة " أسرار صاحب الستر " فقد عدت مرة أخرى إلى التراث العربي المكتوب ( الأغاني – والموسوعات التاريخية القديمة كالكامل في التاريخ و" البداية والنهاية " و تاريخ بن خلدون ... )واخترت شخصية إشكالية هي الخليفة الأموي " الوليد بن يزيد بن عبد الملك " للحديث من خلاله عن واقع المجتمع العربي الإسلامي في تلك الفترة العصيبة ( قرب سقوط الدولة الأموية وقيام دولة بني العباس ) مع محاولة لإسقاط ذلك التاريخ على الزمن العربي الحاضر .
    لقد استحضرت شخصيات حقيقية جاء ذكرها في موسوعة " الأغاني " لأبي الفرج الأصفهاني للإيهام بواقعية المروي . ولكنني في الحقيقة كتبت نصا متخيلا هو نصي أنا حضر فيه الخلفاء والوزراء وقواد الجيش والثوار والإماء والنخاسة والمغنون وعامة الشعب الكريم للشهادة على الممارسات المرضية لخليفة للمؤمنين يجاهر بسكره وعربدته ومروقه عن الدين على رؤوس الأشهاد . لهذا جاءت الرواية صدامية لا تخشى الحديث عن هوس الأمير بالجنس وعن شذوذه وبالتالي شذوذ جلاسه وندمانه . وقد استلهمت عند كتابة هذه الرواية شكل كتب التاريخ القديم ، فاستعملت الأخبار واستثمرت الطرف والنوادر والأشعار وجعلت للرواية أبوابا معنونة وحولت التاريخ من قصور السلاطين إلى مشارح الأطباء وعيادات علماء النفس .
    إنني حين أشرع في كتابة نص ما ، أستحضر ما اختزنته ذاكرتي من حكايات الطفولة إلى آخر نص قرأته البارحة . فأنا أتبنى رأي نقاد الأدب القدامى الذين كانوا يطالبون من يحاول كتابة الشعر بحفظ عشرة آلاف بيت من الشعر لينساها لاحقا . فمن يحفظ هذا الكم الهائل من الشعر أو بعضه حتى لا نبالغ لا بد أن يصبح شاعرا بالفعل والقوة أيضا . وأنا أرى أن هذه النصيحة تصح أيضا على من يريد كتابة الرواية . على هذا الكاتب أن يقرأ حد التخمة نصوصا سردية ، من كتب التراث العربي حتى آخر إصدارات المطابع . وأن يحاول الإطلاع على الآداب الأجنبية من الصين واليابان مرورا بالهند وإفريقيا وصولا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية .
    كل هذه القراءات مع الخبرة في الحياة والمجتمع تصنع أدب الأديب وتجعله يكتب المختلف ويتفرد في النهج الذي يخطه لنفسه .
    إنني أكتب نصوصا يحضر فيها التراث بشدة ( شخصيات وطرق سرد ) . ولكنني أتمايز على هذه النصوص ولا أبقى أبدا أسيرا لسطوتها ، فاستحضار الشخصيات التاريخية عندي ضرورة يحتمها المعنى الذي أبغي إيصاله للمتلقي . فأختار من الشخصيات الإشكالي الذي لم يقع حوله إجماع أهل السنة وأبني به ومن خلاله نصي . إنني أستحضر هذه الشخصيات من غياهب الماضي لأجعلها تعايش واقعنا اليومي بروح العصر الحديث مع ما تحمله هي من عبق الأسطورة وسطوة التاريخ .
    إن الرواية الجديدة ما عادت ذلك النص الذي يقص المؤلف من خلاله قصة تشد القارئ بأحداثها الحزينة أو المسلية وبنهاية مأساوية أو على شاكلة الأفلام التي تنتهي بالزغاريد .
    الرواية الجديدة أصبحت رواية عالمة يكتبها راو مثقف يمزج الحكي التقليدي بالسرد الحديث والواقع بالأسطورة والتاريخ بالتجربة الحياتية الآنية .
    في الرواية الجديدة يستعرض المؤلف معارفه وتجاربه مؤالفا بين سرد الحكاية الإطارية وما يريد أن يضمنه داخلها من علوم حديثة ومعارف تراكمت في لا وعيه .
    الروائي الحديث هو اليوم ذلك العالم الكسموبوليتيكي الذي يمسك من كل شيء بطرف ليعيد صياغة العالم على هواه .
    لا أريد أن أنهي هذه الشهادة دون التعريج على ما أصطلح على تسميته بالمسألة الجنسية في كتابات إبراهيم درغوثي . فأنا لا أكتب روايات بورنوغرافية رخيصة تستدر عطف القراء وتفجر الدموع من العيون الكحيلة . ولا روايات تهيج المشاعر وتحرك السواكن ، وإنما أكتب نصوصا قد يستدعي بناؤها الفني ومعمارها اللغوي توظيف الجنس للتحريك والدفع بالأحداث إلى أقصاها . حينها لا أرهب الاقتراب من هذا المحظور ولا أدعو شخصياتي الورقية معلقة بين السماء والأرض وإنما أجعلها تمشي اليابسة وأشبع نهمها إلى أن تبلغ " الأورقازم " .
    إن في كثير من بقاع العالم المتخلف يعيش المبدع ازدواجية في شخصيته تصل في أحيان كثيرة إلى حدود المرض . ذلك أنه معرض في حياته العامة والخاصة إلى ضغوط تفوق حدود التصور . فهو مطالب حين يكتب بتجميل واقع قبيح – قد يصل في قبحه إلى حدود البشاعة - . إنه مطالب بأن يرى كل شياطين العالم ملائكة بأجنحة من نور وكل القذارات التي تغطي أديم الأرض زنابق ورياحين فواحة يعبق شذاها حتى تخوم السماوات العلى .
    ولكن هذا المبدع إذا قرر أن يفتح عينيه ليرى الأشياء على حقيقتها بدون رتوش ولا زينة ، يجلد بسياط من نار ويرجم بحجارة من سجيل وتتآكله النيران من كل جانب وتتكاثر عليه الأعداء ويقل نصيره . فملامسة الخطاب الجنسي مثلا وخلخلة المنظومة الأخلاقية السائدة والتعبير الجريء على الحياة الداخلية للإنسان وتسمية الأشياء بأسمائها بدون خجل المنافقين وتحدي النظم الأخلاقية السائدة منذ زمن الرق والإقطاع واستعمال القاموس البذيء والكلام العدواني واستفزاز القارئ المحتمل للأثر المكتوب – أيا كان هذا القارئ – رجلا أو امرأة ، كهلا أو شابا ، شيخا أو مراهقا ن متدينا أو عربيدا ، في تونس أو على ضفاف بحر العرب ، الآن أو بعد مئات السنين . يحتاج كل هذا إلى كثير من الشجاعة والصبر على الأذى والسكوت على هجمات الطهرانيين . لأنه ليس من السهل الاقتراب من ذائقة المتلقي الدينية والجنسية ومحاولة خلخلة مسلمات سكنت الذاكرة الجماعية لشعب من الشعوب .
    وقد اعترضتني بعد صدور روايتي " شبابيك منتصف الليل " نماذج تستحق العرض والتشريح لما في ذلك من دلالات على جميع المستويات
    النموذج الأول : مثقف يدرس الأدب الحديث في الجامعة التونسية ولا يقرأ هذه الرواية إلا بعد أن يغلق أبواب مكتبه بسبعة مفاتيح حتى لا يقبض عليه أطفاله بالجرم المشهود .
    النموذج الثاني : ناقد يقسم بالطلاق ثلاثا وتحريم أم أولاده إن هو وضع هذه الرواية الملعونة على رف مكتبته – خوفا من العدوى – ربما .
    النموذج الثالث : يتهمني بأنني أكتب للغرب حتى تتم ترجمة كتبي إلى اللغات الحية ، فأكسب من وراء طبعها في فرنسا وربما في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا آلاف الفرنكات والدولارات والماركات ...
    النموذج الرابع : يتهمني بالعمالة للإمبريالية والصهيونية العالمية
    وخامس يصرح لخلانه بأنني مفسد في الأرض ومقوض للأخلاق الحميدة والسنن النبيلة التي يجب أن نربي عليها الناشئة .
    ويصل السيل الزبى ، حين يستعدي " مثقفون " الرقابة على هذه الرواية فتأمر بجمعها من على رفوف المكتبات العمومية وبركنها في الأرشيف . كل هذا وأكثر ، لأنني استعملت في هذه الرواية – كما في أعمالي الأخرى – بعض الأسماء لأعضاء يمتلكها كل البشر . ويسرد عليك أصغر طفل من أطفال الروضة مرادفات لها تفوق الحصر . واستعملت بعض الحكايات التي وردت في الموسوعات العربية القديمة ك " الأغاني " و " الحيوان " و " الروض العاطر" و " تحفة العروس " و " نزهة الألباب " و " كتاب القيان " لتذكير قارئ اليوم بهذه الكنوز وحثه على العودة إليها والنظر فيما جاء فيها وتدبرها .
    إنني أتساءل ، ونحن نعيش نهاية هذا القرن الذي غزت إنجازاته العلمية : كالبارابول والفيديو والأنترنيت كثيرا من البيوت إن كان في الإمكان تغطية السماء بواق يمنع عنا بث الأقمار الصناعية ويحمينا من القنوات الفضائية التي ترجم الأرض على مدار الساعة بأفلام البرنو والجنس الرخيص .
    فماذا تساوي الآن رواية يوظف فيها المبدع الجنس لبناء أحداث قصته وسبر أغوار نفوس أبطاله والكشف عن احباطاتهم ومعاناتهم و أمراضهم وفشلهم و ... ( تطبع في ألف نسخة يركن معظمها في داخل المخازن ) مقابل ما نتلقى كل ليلة من بث بالألوان الطبيعية وعلى المكشوف من أفلام خليعة ، ودون حسيب ولا رقيب .
    إن المقارنة لن تكون في صالح الأديب ولو كان الكتاب " مدار الجدي " أو " الخبز الحافي " أو ... " شبابيك منتصف الليل " .











    حوار صالح البيضاني مع ابراهيم درغوثي
    لجريدة الثورة اليمنية


    أبدأ كلامي أولا بتثمين هذه المبادرة الكريمة التي وفرها لي الأخ صالح البيضاني للحديث إلى أعزاء على القلب في اليمن الحبيب. هذه البلاد التي نحلم بها كما يحلم العرب بتونس الخضراء والتي نكاد نجهل عنها كل شيء. وما هذا الأمر بشديد الغرابة في عالم العرب اليوم ، رغم ما شهدته وتشهده الدنيا من تطور في وسائل الاتصال فاق الخيال. ومع ذلك يظل العربي يجهل عن أخيه خاصة في بلدان الأطراف الشيء الكثير .
    هي إذن فرصة سعيدة حتى أبلغ للأشقاء في اليمن بعض ما يدور في نفس عربي أبعدته الجغرافيا عنهم ولكنه قريب منهم بعواطفه وشعوره وأحلامه وآماله في أن تتحقق في يوم من الأيام وحدة عربية ولو في أدنى مستوياتها تمكننا من التلاقي فكريا وأدبيا لبناء المستقبل للأجيال القادمة لعل وعسى ...


    1- بصفتك نائب رئيس اتحاد الكتاب في تونس.. هل تعتقد أن الاتحادات العربية قامت بما عليها من اجل خدمة المبدع العربي وتحقيق طموحاته في خلق هامش أكبر للحرية.

    اتحادات الكتاب في جل البلدان العربية مهمشة ، وأقصد هنا التهميش المادي أولا والتهميش المعنوي أخيرا ، شأنها شأن الكتاب المنتسبين إليها . فهي لا تقوم بالدور المنوط بعهدتها لأن الميزانيات المتوفرة لهذه الإتحادات لا تفي بالغرض وأنا هنا أتكلم من باب المطلع على الأمور . فما عدا " إتحاد الكتاب العرب " في سورية / وسأعود لهذا الموضوع بعد حين فإن البقية تكاد لا تقدر على توفير النزر اليسير للمنتسبين إليها فما بالك بالإشعاع على الغير .
    ففي هذا الزمن الذي صار كل شيء فيه لا يستوي حاله إلا بالمال أصبح من الصعب على الاتحادات العربية أن تصنع الكثير للمبدع العربي في أي باب من أبواب الحياة المادية والمعنوية.
    وبما أن هذه الاتحادات في أغلبها مرتبطة بالأحزاب الحاكمة في بلدانها فإنه يصعب عليها أن تخرج عن الخط السياسي السائد في تلك البلدان . أي يعسر عليها أن تستقل وأن تجانب المشروع المهيمن على الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية لتلك البلدان وإلا فإنها ستفقد وجودها إطلاقا .
    من هنا أرى أن المبدع العربي في غير حاجة إلى هذه المنظمات للفوز بهامش للحرية لأن بمقدوره أن يدافع عن المواقف التي يراها صائبة وثابتة انطلاقا من ذاته لا من خلال انتمائه لهذه الاتحادات . لأن الكاتب قادر عن ابتداع هوامش للحرية في نصه المكتوب شعرا أو نثرا والدفاع عنه
    إذا آمن أن للكلمة سلطة في هذا الزمن الذي ما عاد يؤمن إلا بكلمة السلطة لا بسلطة الكلمة .


    -2 ماذا عن دور الاتحادات في خلق التواصل بين الأدباء العرب؟

    كان من المفروض أساسا أن يقوم بهذا الدور
    " الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب " الذي مضى على تأسيسه عدة عقود من الزمن ، ولكنه أيضا كالاتحادات التي أسسته يشكو إعاقة عضويه فلا ينشط في الغالب الأعم إلا سنة المؤتمر لينام بعد ذلك نوم أهل الكهف .
    لا يعني هذا أن واقع الكتاب في دنيا العرب بهذه السوداوية التي ذكرت لأن هناك أمكنة مهمة للضوء لعل أهمها ما هو موجود في سورية .
    فإتحاد الكتاب في سورية يوفر للكتاب المجلات المختلفة ودار نشر مهمة تنشر في كل فنون الأدب والفكر والثقافة وراتبا تقاعديا للمنتسبين إليه .
    كما يساهم في ربط العلاقات مع الاتحادات الأخرى . وقد أنجزنا معه في الصائفة الفارطة اتفاقية تعاون من بين بنودها تبادل الزيارات بين الوفود والطبع المشترك للكتب و نشر ملفات عن الأدب في كلا البلدين في المجلات المختصة .
    وبهذه المناسبة ومن خلال هذا المنبر فإنني بصفتي نائبا لرئيس اتحاد الكتاب التونسيين أدعو الإخوة في اتحاد كتاب اليمن إلى مد يد التعاون مع إتحاد كتاب تونس . ولعل هذه المناسبة تكون فرصة للتلاقي بين جناحي الوطن الكبير حتى نمكن كتاب البلدين من الإطلاع على النهضة التي تعيشها الثقافة في هذين القطرين .
    ولنبدأ بإنجاز اتفاقية كما هو الشأن مع اتحاد كتاب سوريه . لأن المبادرات الفردية هي السبيل الوحيد لإنجاز طموحاتنا في التعارف والتعاون .


    - 3 هناك من يقول أن هناك شبه عزلة في التواصل مابين المبدعين العرب في المشرق والمغرب .. من المسئول عن هذا الأمر؟

    في العادة ، كنا لتبسيط الأمور نعزو أسباب هذا العزلة للاستعمار المباشر وغير المباشر بعدما استقلت البلدان العربية حتى أن فرنسا ودول حوض البحر المتوسط الشمالي بالنسبة لبلدان المغرب العربي كانت ولازالت فيما يخص التواصل الثقافي والاجتماعي أقرب إلينا من بلدان الأطراف العربية.
    ولكن الأمور اختلفت بعض الشيء الآن ، فما عاد للاستعمار ذلك القدر في الهيمنة على أقدارنا خاصة على أقدار المثقفين . ولكن دار لقمان على حالها . بل إن الأمور قد تطورت إلى الأسوأ .
    فليس من السهل إيصال تبادل الكتب بين المثقفين العرب لأن الكتاب هو في نظر الرقابة أخطر من الممنوعات الأخرى . واللجان المختصة بقراءة الكتب في منافذ الدخول إلى البلدان العربية فيما بينها تعمل بكفاءة عالية .
    لهذه الأسباب ولغيرها صار من الميسور على العربي أن يعرف كتاب الغرب وأعمالهم أكثر من معرفته لكتاب بني جلدته .
    وهي لعمري الطامة الكبرى لأن في قديم الأزمان عندما كان الكتاب ينسخ على الرق والورق يروج من عواصم الأندلس حتى عواصم الشرق ومن عمان حتى إفريقية . أما الآن فحين تسأل مثقفا يمنيا مثلا عن الأدب في تونس فلن يجيبك بأكثر من " الشابي " أما في تونس وفي أحسن الحالات وإذا صادفت مهتما مختصا فسيسمي لك " البردوني " دون أن يكون قد قرأ له شيئا من شعره .
    من المسؤول عن كل هذا ؟ – وهنا مربط الفرس – كما قال العرب القدامى .
    أنا شخصيا لا أبرأ سياسات الدول العربي من البحر إلى البحر وخاصة وزارات الثقافة التي كان من المفروض أن تقوم بهذا الدور .
    ولكن وزارات الثقافة في الغالب الأعم تسكت عن هذه المهمة لغاية في نفس يعقوب . وإذا فكرت في شيء من هذا القبيل فإن ذلك يكون في شكل فولكروري ليشارك فيه من لا صلة له بالثقافة والأدب .


    4 - إلى أي مدى يتأثر المشهد الثقافي في المغرب العربي عموما وتونس على وجه التحديد بما يدور على الضفة الأخرى من المتوسط؟

    هناك ارتباط كبير بين بلدان المغرب العربي والضفة الشمالية لحوض البحر المتوسط منذ بواكير التاريخ .
    وتتراوح هذه العلاقات بين العداء الصريح والاقتتال الدموي أو الإخاء وحسن الجوار .
    فالجغرافيا حتمت على هذه الشعوب جوارا لا فكاك منه
    والتاريخ صنع مصير هذه الأمم . فمنذ العهد قرطاج حنبعل والصراع مع روما مرورا بالعصر الوسيط والحروب الكبيرة التي دارت بين الاسبان والأتراك العثمانيين مدعومين بمسلمي هذه البلاد وحتى القرن العشرين ظلت العلاقات بين جنوب وشمال البحر المتوسط تعيش بين المد والجزر .
    ففي أحيان تتجاور هذه الشعوب في سلام وإخاء وتسامح يسهل التبادل التجاري والثقافي والسياسي .
    وفي أحيان أخرى لا تسمع في هذه الجهة من الأرض سوى صلصلة السيوف و أصوات البارود .
    وآخر حلقة من هذه الحلقات في هذا التاريخ ، الاستعمار الفرنسي لبلاد المغرب العربي من تونس حتى موريطانيا .
    هذا الاستعمار الذي دام حوالي قرن من الزمن ترك لا محالة في أرض العرب آثارا كبيرة غيرت وجه هذه البلاد اجتماعيا وثقافيا خاصة . فمما لا شك فيه أن الفرنسيين أرادوا تحويل هذه البلاد لغتهم ودينهم وبذلوا من أجل ذلك قصارى الجهد .
    ورغم المقاومة الضروس والتضحيات الكبيرة التي قدمها أهل البلاد زمن الاستعمار المباشر لهذا المشروع الاستعماري الكبير إلا أنهم ما زالوا حتى الآن يحاولون التسلل إلى وجدان هذه الشعوب بكل الوسائل بما في ذلك دعم اللغة الفرنسية والتشجيع على تدريسها وتقديم التسهيلات لمن يتفوق فيها .
    كل هذا الزخم خلق حركية ثقافية كبيرة و شعبا يتقن الفرنسية قراءة وكتابة ويطالع الكتب والمجلات والجرائد الفرنسية التي تصل تونس في سهولة ويسر وفي أسرع الأوقات .
    فبينما تصل كل الجرائد والمجلات والكتب الفرنسية إلى تونس من المطابع طازجة فإن مثيلاتها من بلاد العرب تكاد لا تصل و قس على ذلك في بقية الميادين .
    إن عدد الجالية المغاربية في فرنسا فقط يقارب تعدادها الآن حوالي الخمسة ملايين . ويصل عدد المغاربيين في أوروبا إلى حوالي العشرة . كما أن السياحة مزدهرة جدا من أوروبا باتجاه دول المغرب العربي . فأكثر من خمسة ملايين سائح أوروبي يزورون تونس وحدها كل سنة مما يخلق حركية اجتماعية واقتصادية بين بلدان الشمال والجنوب.
    إن هذا الإرث التاريخي و الاقتصادي – الاجتماعي والثقافي يقرب بين شعوب هذه البلدان رغم اختلافهم في الدين والحضارة ويجعل العداوات القديمة والحديثة التي سادت بينهم في يوم من الأيام تذوب مع مرور الزمن فيتقاربون إلى الحد الأدنى على الأقل . بينما تزداد الشقة اتساعا بين العرب يوما بعد يوم لأن ما يربط بينهم صار في أدنى مستوياته في هذا الزمن الذي كان من المفروض فيه أن تكون وحدتنا قد أنجزت ولو على شاكلة ما أنجز الأوروبيون .


    5- في تجربتك الإبداعية عودة للتراث وحنين ظاهر لرموزه.. ما هو سبب هذا التأثر؟

    إنّ للمحيط الأسري دورا كبيرا في اهتمامي بالتّراث ولكنّ الدّور الأهم كان لاطّلاعي الواسع على الذّاكرة المهملة لهذه الأمّة، فالمدوّنة التّراثية العربيّة التي اهتمّت بالسّرد منذ البدايات حتّى نهاية القرن التّاسع عشر تحوي في طيّاتها عالما عجيبا ومخزونا ثريا من القصص والحكايات والأمثولات والطرائف والأخبار، والنّكات والوقائع والمقامات وغيره ممّا تفتّقت عنه الذّهنية العربية قبل ظهور الإسلام وبعده. فقبل ظهور الإسلام أي فيما كان يسمّى بالعصر الجاهلي، أنتج العرب كمّا هائلا من القصص لم يصلنا منها سوى القليل وهي القصص التي لا تتعارض مع مفهوم الدّين الجديد للحياة والمجتمع. ثمّ بعد ظهور الإسلام، بداية بالمدوّنة الخاصّة بسيرة الرّسول وقصص الفتوحات والغزوات، مرورا بطرائف الجاحظ والمقامات التي لم يشتهر منها سوى ما كتبه « الهمذاني » و « الحريري » ( مع العلم أنّ أكثر من ستّين كاتبا أبدعوا في هذا الفن )، ورائعة ألف ليلة وليلة التي اشترك في تأليفها المخيال الجمعي لهذه الأمّة على مدى قرن من الزمن، وسير عنترة العبسي وسيف بن ذي يزن وذات الهمّة والزّير سالم والظّاهر ييبرس، وأخبار الملوك والأنبياء والرّسل، وغير هذا كثير ممّا تحفل به بطون المخطوطات الرّاقدة في الخزائن الخاصّة والعامّة والتي لم تجد من يحقّقها وينفض عنها غبار النّسيان إلى حدّ الآن.
    إنّ هذه المدوّنة التّراثية التي أنتجها المخيال العربي ألهبت فكر قصّاصي أوربا. فقد ذكر بعض مؤرخي الأدب أنّ لقصص " الدّي كاميرون " الإيطالية التي تعتبر أم القصّ الأوروبي الحديث جذورا عربية وفدت عليها من خلال التّواجد العربي في جزيرة " صقليّة " كما أنّ « ثربانتس » صاحب « دون كيخوت » استلهم نصّه من خلال القصص الرّائجة في بلاد الأندلس قبل السّقوط النّهائي للعرب والمسلمين في تلك الأصقاع.
    وقد حاول المبدعون العرب في عصر النّهضة ( أي في نهاية القرن التّاسع عشر ) الانفتاح على تلك المدوّنة التّراثية بالتّوازي مع الاستلهام من النصّ الوافد من الغرب. وكان من أبرزهم: محمد المويلحي في « حديث عيسى بن هشام » وأحمد فارس الشّدياق في « السّاق على الساق فيما هو الفارياق ». ولكن الغلبة في الأخير كانت لطريقة السّرد الغربية بدعوى أنّ النّص القصصي وافد من الغرب وأنّ تقنيات الكتابة القصصيّة غير موجودة في التّراث النّقدي العربي وغير ذلك من الحجج المتهافتة. فكأنّ لا تقنية للكتابة السّردية سوى تقنيات « موباسّان » و « بلزاك » و « دوستويفسكي » أو « تشيكوف » و«والترسكوت »...
    إنّ قلّة من المبدعين العرب المعاصرين , وبعد أن اطّلعوا على المخزون الثّري للمدوّنة الإبداعية العربية التي سبق وأن ذكرت بعضها، جرّبوا كتابة مغايرة للسّائد. كتابة لا تقطع مع الجذور ولا تتناسى العصر الحديث. وقد جرّب هذا الشكل الفنّي في تونس مبدعون مسكونون بهاجس التّغيير والخروج عن الطّرق السّالكة التي عبّدها كتّاب الغرب. وأهمهم على الإطلاق « محمود المسعدي » و « عز الدين المدني » من الجيل السّابق و « فرج الحوار » و « صلاح الدين بوجاه » من الجيل الجديد.
    إنّ النّص الإبداعي الحديث نص مغامر بطبعه، لن تكتب له الحياة والدّوام إلاّ إذا خرج عن المألوف والمكرور وضرب بعيدا في أقاصي الإبداع .
    فالتّراث العربي الإسلامي الشّفوي والمكتوب يحملان أشكالا مختلفة من السّرديات فالنكتة والطّرفة تحملان كثيرا من مواصفات القصّة القصيرة جدّا أو قصّة الدّقيقة الواحدة كالتكثيف الشّديد والخاتمة الصّادمة. والأخبار هي قصص تتفاوت في حجمها طولا وقصرا. أمّا المقامة أو الحديث فهي شكل راق جدّا شبيه بالرواية الغربية الحديثة. وقد بلغ السّرد العربي أوجه مع الملاحم والسّير وخاصة رائعة " ألف ليلة وليلة " التي خلبت الألباب وأذهلت الغرب قبل الشّرق. ولكن المؤسف هو أنّ المبدعين العرب لم يلتفتوا إلى هذا التّراث السّردي لاستلهامه و النّهل منه إلاّ فيما ندر فركبوا السّهل وادّعوا أنّ التراث العربي لا يحمل في خباياه القصّة والرّواية والملحمة. وزعمهم صحيح إذا قسنا السّرد المقصود بميزان النّقد الغربي. ولكنّه يجانب الصّواب إذا نظرنا إلى تراثنا السّردي بعيون عربيّة.
    لكلّ هذا حاولت العودة إلى هذا التّراث لابتكار معان جديدة وأشكال طريفة من رحم هذا القديم دون الانقطاع عن فنون السّرد الحديثة.
    لقد حاولت تطوير شكل الرّواية الغربية وأعطيتها نكهة أخرى. فجاء نصّي يحمل الصّفات الحميدة لكلا الجنسين. فيه مقوّمات الرّواية الغربية ولكن فيه أيضا إضافات الشّكل العربي كالاستطراد والعنعنة والتّدوير والشّعر والاستشهادات. وتحضر فيه أيضا الطّرفة والخبر والشعر العامّي وهلوسات المتصوّفة وغير ذلك ممّا حوى السّرد العربي القديم.
    هي على كلّ حال تجربة تهدف إلى إحياء ثقافة الأجداد والتّمرد على ثقافة الغرب التي تنظر باستعلاء إلى الثقافات الأخرى. ولي شرف القيام بها. فإن نجحت فلي أكثر من أجرين وإن فشلت فعلى غيري إثم الكافرين بالتّراث.


    6- هل أنت راض عن واقع الحراك الثقافي في تونس؟
    وهل هناك صراع بين الأجيال والمدارس ؟

    تعيش تونس في هذه السنين ازدهارا منقطع النظير في ميادين الفكر والأدب . ذلك أن نصف قرن من التعليم قد أتى أكله الآن . فبينما كانت المطابع في ستينات القرن الماضي مثلا لا تخرج لعموم القراء سوى عدد قليل من الكتب الأدبية والفكرية . عدد لا يتجاوز عدد أصابع اليدين . فالروايات الصادرة في ربع قرن من سنة 1956 سنة الاستقلال عن فرنسا حتى بداية السبعينات كانت أقل من ثلاثين رواية . بينما صرنا الآن نطبع وننشر مثل هذا العدد وأكثر خلال سنة واحدة حتى أن عدد الروايات التي كتبها تونسيون تجاوزت الثلاثمائة رواية وعدد دواوين الشعر فاق الألف بكثير زيادة عما ينشر من كتب في النقد الأدبي والفكر والثقافة .
    أي أن الحراك الثقافي في تونس هذه الأيام كبير ومثمر وقد أبهر كل من جاء في زيارة ثقافية لهذه البلاد .
    كما أن هناك ظاهرة في تونس فريدة من نوعها هي الملتقيات الأدبية التي عمت كل جهات البلاد وغطت كل ميادين الأدب من قصة وشعر و رواية منها الجهوي ومنها الوطني والعربي والدولي .
    وهي ملتقيات أدبية تنظمها وزارة الثقافة والمحافظة على التراث أو جمعيات المجتمع المدني . زيادة عن الحراك الثقافي في الجامعات . كما أن كثير من الشركات الخاصة والعامة وأصحاب المال يدعمون هذا النشاط الثقافي ويشجعون عليه بإسناد الجوائز السنية السنوية و بتنظيم احتفالات لهذه الجوائز .
    أما عن الصراع بين الأجيال فهو شبه معدوم لأننا في تونس دخلنا الحداثة منذ بدايات الستينات
    فما عاد هناك وجود مثلا للحديث عن الشعر العمودي والشعر الحر بعدما صارت هيمنة مطلقة للجديد على القديم حتى أن الآباء سبقوا الأبناء في التنظير للتجريب والكتابة الحداثية .
    هل الأمور على هذا الحد من التكامل والتجانس ؟
    بالطبع لا . لأن القدامة ستظل تماشي الجديد المهيمن مدة من الزمن مما يعني أن هناك في تونس جزرا ما زالت إلى الآن تحاول التمسك بالتقليدي في كل الفنون ولكنها لا محالة إلى زوال في بلد آمن بالتجديد والسير في سكة التقدم .

    -7 ماذا يعرف المثقف التونسي عن المشهد الثقافي اليمني؟

    القليل القليل . فالبعد الجغرافي لبلدان الأطراف جعل التواصل شبه معدوم بينها . وهذا أمر بديهي لا يدعو للخجل في قديم الأزمان ولكنه مربك حد الفجيعة في الزمن الحاضر لأن إمكانيات التلاقي كثيرة . فالجرائد والكتب والمجلات والبرامج التلفزية المحمولة على كتف الأثير كلها قادرة على الفعل في الوسط الأدبي وقادرة على إيصال صوت المبدع من تونس إلى اليمن ومن اليمن إلى تونس . ولكن كل هذا من باب الأماني القابلة للتحقيق لو قيض لها من يسعى لتفعيلها .
    أنا شخصيا – على أن لا أتخد مقياسا – لم أعرف من الأدب اليمنى سوى :
    * بعض من أشعار البردوني
    *وبعض كتابات زيد مطيع دماج ومحمد عبد الولي القصصية والروائية وخاصة روايتي " الرهينة " و " صنعاء مدينة مفتوحة ".
    * وبعض الكتابات النقدية لعبد العزيز المقالح .
    هذا قليل من كثير أنتجه المبدع اليمني وخاصة في السنوات الأخيرة ولكن لم يصلنا منه إلا النزر اليسير .
    وأملنا كبير في الوسائط الجديدة لنقل الأدب من كلا البلدين إلى المتلقي في البلد الآخر .


    - 8 هل تعتقد أن الانترنت جعل المثقف العربي يتجاوز حاجز العزلة الثقافية التي عانى منها.. كما ساهم في توسيع هامش الحرية؟

    أعتقد جازما أن الأنترنت سيحدث ثورة عارمة في ميدان الاتصال بين الأدباء وإيصال انتاجاتهم إلى كل بقاع العالم من ذلك كل أجزاء الوطن العربي . وهناك منذ الآن بوادر تبشر بكل خير . فما يمكن لكاتب أن يبلعه من الشهرة خارج وطنه في عمر كامل قد يحدث في سنوات قليلة إذا كان هذا الكاتب على دراية بتسويق انتاجه الأدبي على " النات " خاصة إذا كان هذا الأدب يتوفر على أسباب التفوق والنبوغ . لأنه يمكنك بضغطة واحدة من السبابة على جهاز البث في هذه الآلة العجيبة أن تبعث بنصوصك القصصية والشعرية والنقدية إلى كل بقاع الأرض . فيطوف نصك عند القراء العرب وفي كل أصقاع الدنيا بدون حواجز جمركية ولا رقابة تفتش بين الأسطر عن المقبول والمرفوض مما يكتب المبدع العربي وغيره . فبهذه الطريقة يستطيع الكاتب أن يسوق انتاجه كما يشاء وأن يستغل هذا المنفذ الواسع إلى الحرية التي قد تضيق عليه في بلده أو في البلدان العربية الأخرى التي ترفع عاليا سيف الرقابة على كل ما لا يتماشى مع خطها السياسي والديني .
    إن الأنترنت هي الوسيلة التي ستخلق هذا التواصل الذي عجزنا عن تحقيقه بشرط أن تصبح في متناول الأغلبة ممن يحسنون القراءة والكتابة . هؤلاء الذين أصبحوا اليوم في عداد الأميين ما داموا غير قادرين على استغلال هذا العلم الجديد السابح فوق ذرات الأثير .














    حوار لابراهيم درغوثي
    مع إيمان الوزير لجريدة " أدبيات " الالكترونية



    س - 1 أبدأ لقائي من اللحظة التي تبدأ معها غواية اليراع ليعانق القرطاس متى تكون ولمن ؟

    ج 1 - صرت أعتبر الكتابة تدخل في باب تفريج الكربة عن القلب المهموم . فبعد سنوات طفرة الشباب ، عندما كنت أظن أن المبدع / أي مبدع كان : القاص والروائي والشاعر والمغني والرسام والمسرحي وبقية القائمة بمقدورهم أن يغيروا العالم إلى الأحسن وأن يصنعوا الجنة التي حلم بها المجاهد قديما على أرض الناس هذه المسكونة بالفواجع والآثام .
    ولكن وبعد سقوط هذا الحلم ما عاد يعنيني من الكتابة سوى أن أفرغ ما في قلبي على الورق . أقوله كما أريد أنا، لا كما يريد المتقبل . فأشبع نهمي إلى القول بطريقة الإشباع الجنسي أي حد الهمود والاسترخاء .
    لا يعنيني بعد ذلك أن تكون تلك الكتابة : جارحة , فاضحة ،هاتكة ،متهتكة ، منتهكة , منتهكة ( بفتح الهاء ) فاتحة ، مفتوحة ، ساقطة ، لا يهمني إلا قول الذي أراه يساهم في تبريد نار تضطرم في الأحشاء . كما لا يهمني احتجاج محتج أو تصفيق معجب .
    فالكاتب هذا الوقت يعيش غربة كتلك التي عبر عنها المتنبي منذ ما يزيد عن ألف عام حين قال :

    أنا في أمة – تداركها الله - * غريب كصالح في ثمود .

    نعم هذه الغربة لم ترتفع بالكاتب هذه المرة إلى البرج العاجي الذي طالما نظر له المهووسون برفعة الفنان عن بقية الخلق ولم تقده إلى الخلاء كشعراء الرمنطيقية ، وإنما حولته إلى كائن هش بلا دستور ينظم حياته ويشفي غليله ويداوي جراحه ليحوله إلى حقيقة الوجود الذي صار كالعدم في زمن حولت فيه أمريكا العالم إلى لعبة بين يديها تسلي بها من تشاء وتعاقب بها من تشاء .

    *****************

    س2 ـ قلتَ في أحد الحوارات السابقة معك ( أظن أن حرية المبدع المغيبة هي التي جعلته يهاجر بنصه إلى زمن المماليك خوفا من سيف الرقابة المسلط على الإبداع ) من الواضح أنك تعشق التراث وتعمل على توظيفه في قالب قصصي يقاطع بين الماضي والحاضر والمستقبل فهل هذا التقاطع نتاج لانعدام الحريات الإبداعية في الوطن العربي ، أم انه أسلوب قصصي جديد تخرج به عن النمط الكلاسيكي للقصة ؟

    ج 2 / إن اهتمامي بالتراث السردي العربي الإسلامي لا يعود فقط لاستعماله تقية ضد سيف الرقابة المسلط على الكاتب حين يجاهر بفكره في نصوصه الإبداعية فقط ( وسأعود لهذا الأمر فيما بعد ) وإنما لأنني أعتبر هذا التراث السردي ذخيرة للإنسانية جمعاء علينا كشفها وتقديمها لكل البشر لاستثمارها عند الكتابة القصصية والروائية. كيف لا والحال أننا ننظر بعين الرضا لردود أفعال الغرب حول مدونة " ألف ليلة وليلة " والصيت الكبير الذي نالته هذه المدونة منذ اكتشافها من طرف المستشرقين منذ مئات السنين هذا الاكتشاف الذي حول هذا النص إلى واحد من أهم إنجازات الفكر البشري على مر العصور مثله مثل الإلياذة والأوديسة لهوميروس اليوناني أو الإنياذه الإيطالية أو أعمال شكسبير وغيرها. فالتراث العربي – وما وصلنا منه بالتحديد – لأن ما وصلنا نزر يسير مما أبدع الكاتب العربي فالبقية الكثيرة إما أتلفت على مر الأزمان والدهور أو مازالت مخطوطة في المكتبات العامة والخاصة يعج بما لا عين رأت ولا أذن سمعت وما لا يخطر على بال . وكلما خرج منه إلى الضوء نص جديد إلا وأحدث رجة في وجدان المتلقي الحديث وما كتاب " الروض العاطر في نزهة الخاطر " للشيخ النفزاوي الذي عد من أهم الكتب التي تناولت محذورا جنسيا إلا واحدا من هذه الكتب .
    هذا فيما يخص المحتوى .
    أما فيما يخص الشكل فالأمر أيضا يدعو لإعادة النظر في هيمنة شكل السرد السائد اليوم في عالمي القصة والرواية . فهذا الشكل المهيمن وفد كما هو معروف من الغرب وهيمن على الساحة العربية والعالمية منذ عدة قرون حتى صار كل من لا يكتب على الطريقة الغربية يعد نصه خارجا على الأجناس . والحال أن لنا في ثقافتنا العربية طرائق سرد أخرى / ولعل المقامة أشهرها ، لم يقع استثمارها كما يجب في الكتابة القصصية والروائية العربية الحديثة .
    مع العلم أن محمد المويلحي ( في حديث عيسى بن هشام ) وأحمد فارس الشدياق ( في الساق على الساق في ما هو الفارياق ) جربا هذه الطريقة في نهاية القرن التاسع عشر في كتابتهما القصصية ولكنها لم تجد صدى في ذلك الوقت نظرا لانبهار العرب بالوافد من الغرب واستهجانهم لكل ما هو قديم .
    ولكن الأمر اختلف بعض الشيء في السنين الحالية فعاد بعض الكتاب العرب إلى التراث يستلهمونه ويستنبطون منه نصوصا تجريبية لا تقطع نهائيا مع الحداثة الغربية ولكنها أيضا تمتح من القدامة بعضا من أريجها المعتق .
    ولعلي واحد من هؤلاء الذين يريدون تأصيل النص العربي الحديث ضمن المنظومة الإبداعية الإنسانية

    *****************

    س3 ـ يرى البعض أن العودة للتراث واستحضاره بكل أشكاله جزء من الواقع العربي المليء بالخيبات لأن أدباءه لم يتمكنوا من استحضار إبداع جديد يقارعون به الأدب العالمي ...ما رأيك ؟

    ج 3 – أبدا ، فأنا أعتقد أن الكاتب العربي حين كتب بالأساليب السردية الغربية أجاد إلى حدود الكمال حتى أن الروايات والقصص القصيرة العربية التي حاكت في طريقة كتابتها النصوص الغربية وصلت عند بعض الكتاب العرب إلى حدود البديع .
    ولكننا حين عدنا إلى التراث لم يكن شاغلنا التعبير عن الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي العربي المتردي فقط وإنما كانت غاية كل من سلك هذه الطريق البحث عن تأصيل للكتابة الإبداعية العربية .
    فالرواية في الغرب وصلت إلى طريق مسدودة فالواقعية بأشكالها المختلفة ما عاد بمقدورها محاكاة واقع الغرب لذلك التجأ الكتاب الى حداثة في الإبداع لم تشفي غليلهم فذهبوا إلى ما أسموه ما بعد الحداثة . هذا بعدما جرب كتاب فرنسا صرعة جديدة في الكتابة الإبداعية سموها " الرواية الجديدة " تملص كتابتها من كل ما ورثوه عن الرواية البلزاكية وجربوا كتابة أخرى تقطع مع القديم وتبحث عن مساجد جديدة للتعبير عن خوالج النفس البشرية .
    لذلك حاول يعض الكتاب العرب في مشرق الوطن ومغربه تطوير الكتابة الروائية والقصصية العربية بطريقتهم الخاصة فوجدوا في التراث العربي القديم منذ ما سمي بالعصر الجاهلي حتى العصر الوسيط ضالتهم ، من القصص الشعبي مثلا وقد استثمره عندنا في تونس عزالدين المدني في مجموعة قصصية بديعة بعنوان " خرافات " إلى حكايات " ألف ليلة وليلة " فالأخبار والمقامات والمدونات التاريخية العظمى والأساطير والملاحم الشعبية .
    كل ذلك من باب تقديم الإضافة للإبداع العالمي لا أكثر ولا أقل .


    *****************

    س4 ـ يمتلك إبراهيم درغوثي مقومات لغوية وفنية تمكنه من الترجمة والنقل إلى العربية بصبغة خاصة به ........ما الذي دفعك إلى هذا الاتجاه وما الهدف الذي ترمي إلى تحقيقه ؟

    ج 4 - إن الترجمة باب من الأبواب التي تدفع بأدبنا العربي إلى واجهة العالم الحديث .
    والشعوب التي تحترم إرثها الحضاري تعمل بكل ما أوتيت من جهد على ترجمة أدبها إلى معظم لغات العالم .
    ولكننا في هذا الوطن الكبير الذي أبتلي بالجهل المركب لم نولي هذا الباب ما يستحقه من عناية ناهيك أن دولة متوسطة من دول أوروبا الغربية كأسبانيا تترجم من لغتها إلى لغات العالم أكثر مما يترجم العرب مجتمعين من محيطهم إلى خليجهم
    مع العلم أن ثمن طائرة من الطائرات الحربية التي تدفع فيها ملايين الدولارات والتي تذهب للخردة بعد بضعة سنين يكفي لدفع تكاليف آلاف الكتب من العربية إلى لعات العالم لو وجدت الإرادة المؤمنة بهذا الدور الكبير الذي تلعبه الترجمة .
    ولكن :
    قد تسمع لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي
    لكل ذلك حاولت بما أوتيت من جهد استثمار بعض ملكاتي الإبداعية وبعض ما اكتسبته من لغة فرنسية في نقل قصص قصيرة وأشعار أعجبتني ووجدتها تستحق الترجمة إلى الفرنسية لعلها تقع بين أيدي ممن يهتمون بالثقافة العربية الإسلامية فترفع عنا بعضا من الضيم ممن يضنون أننا شعب إرهاب فقط لا نجيد سوى لغة القتل والدمار
    وليعلموا أننا شعب يمتلك حضارة ولغة من أجمل لغات العلم . لغة تكتب الشعر وما يخفى داخل قلوب رهيفة كنسائم الصباح المعطر بأريج الزهور .

    *****************

    س5 ـ تقول عن نفسك ( هل أنا رجل حالم في زمن لا يؤمن إلا بالدولار . شيء ممكن ) كيف يمكن للمثقفين العرب والأدباء ـ على وجه الخصوص ـ أن يستفيدوا من العولمة في إحياء ثقافة المغيب والمهزوم في عصر أصبح الدولار علما من إعلامه ؟

    ج 5 – تحاول السياسة الغربية عامة والأمريكية خاصة إسقاط الثقافة المأدلجة .
    فبعدما أسقطت الاتحاد السوفياتي وتوابعه ( الدول والأحزاب الشيوعية التي كانت تدور في فلكه ) وبعدما اعتبرت كل أدب يعادي الهيمنة الأمريكية على العالم أدبا إرهابيا أصبح من العسير على المثقف أن يتنفس بحرية إلا إذا تبنى ما تروج له أبواق الدعاية المرابطة بوكالة المخابرات المركزية
    حتى أن تلك المقولة الشهيرة التي روج لها في زمن الحرب الباردة " الفن للفن " صارت اليوم واقعا ملموسا. فما عاد للكاتب المشغول بهموم شعبه في البحث عن الحرية والكرامة الوطنية مكانة على ساحة الإبداع. إذ أن الكل يجري وراء الثقافة الهابطة فلا فن ولا موسيقى ولا مسرح ولا كتابة جادة في مقدورها اليوم أن تقف أمام السيل العارم من مما يروج له على شاشات التلفزيون وتدفع من أجله ملايين الدولارات لتهميش الجاد من ثقافات الشعوب وللإعلاء من شأن المتهافت .
    هنا يجد المثقف العربي نفسه شبه عاجز لأن كل الأبواب سدت في وجهه . فإما أن تسير مع القطيع للذبح بإرادتك أو تذبح رغم أنفك فتموت وأنت لا تقدر على رفع إصبعك التي تقول " لا " .
    إن العولمة على الشاكلة التي تريدها أمريكا لا تترك للأدباء ( وخاصة في البلدان المغلوبة على أمرها ، المقهورة بالفقر والجهل وبالسياسات القامعة للحريات العامة) من فسحة في التغيير نحو الأفضل .
    هل أنا متشائم إلى درجة العدمية ؟ ربما !!!

    *****************

    س6 ـ تقف الرواية العربية في منافسة مع القصة القصيرة والقصيرة جدا ، من وجهة نظرك لمن ستكون الغلبة في نهاية الأمر ؟

    ج 6 – العرب أمة لا تقرأ . أمة تعشش الأمية في بيوت أهلها . فأكثر من سبعين مليونا من العرب هم الآن أميون بالمعنى الحاف للكلمة أي لا يحسنون القراءة والكتابة وذلك حسب تقارير " اليونسكو " ، زد على ذلك الأمية المركبة أي أمية من يفك الحرف منهم . هؤلاء لا يقرؤون الكتاب بصفة عامة ، والكتاب الأدبي بصفة أخص . حتى أن دور النشر التي كانت تطبع في ستينات القرن الماضي من الرواية الواحدة خمسة آلاف نسخة وأكثر , صارت اليوم تكتفي بألف نسخة على أقصى تقدير و ذلك لأهم الكتاب العرب .
    في جو كمثل هذا أنا متشائم جدا ولا أمل لي في ازدهار أي جنس من الأجناس السردية إطلاقا.
    ولكن ومن باب التفاؤل الحذر جدا أظن أن جنس القصة القصيرة جدا سيجد بعض الازدهار. لأن هذا الجنس يمكنه أن يجد مكانه بسهولة في منابر النشر الإلكتروني و الورقي على حد السواء .
    كما يمكنه أن يجد قراء في عالم مهووس بالسرعة.
    أما عن ادعاء جابر عصفور بأن الرواية ستكون ديوان العرب في هذا القرن و في القرون القادمة فهو يدخل في باب الفذلكة لا أكثر ولا أقل .
    إن ديوان العرب القادم سيكون شاشات التلفزيون العملاقة التي تهتز فوقها الأرداف وتتراقص النهود
    وتتمايل قامات الغواني على نغمات الطبلة والمزمار .


    *****************

    س7 ـ سؤال يؤرقني طرحته سابقا وأعيده عليك اليوم بصفتك مارست مهنة التعليم إلى جانب الكتابة الأدبية .. لماذا يحبذ القاص استخدام لغة الشارع في مضمون سرده القصصي ألا يمكن أن ينتشل القاص هذه الشارع من إيقاع لغته إلى لغة أكثر سموا .......أم أن دور القاص يقف عند حد التعبير عما هو دارج دون تدخل في تهذيبه ؟

    ج 7 – التعليم والكتابة الإبداعية منظومتان ثقافيتان مختلفتان. ففي التعليم أنت ملزم بتبليغ برنامج سطرته الدولة كما هو دون أن تكون لك سلطة في تغييره. أما حين تخرج من جبة المعلم لتكتب نصك الخاص بك فإنك تتحلل من الواجب المهني لتكون أنت . فتكتب على هواك بدون قيد أو شرط.
    حينها فقط تكتب بحرية ما تعتقد أنه صحيح .
    فالأديب ليس رجل وعظ وإرشاد يقوم المعوج في الشارع العام .
    الأدب أكبر من هذا بكثير لأنه منظومة فكرية فلسفية سياسية اديولوجية يعبر من خلالها الكاتب على الوعي الجمعي لأمة من الأمم .
    وإذا كانت الأخلاق متغيرة ( فما هو مقبول في مجتمع من المجتمعات يكون ممجوجا لدى مجتمعات أخرى وما هو جميل ومرغوب فيه في أمة من الأمم يعتبر عن أمة أخرى قمة البربرية والتخلف ) فإن الأدب يعبر عن ثوابت لا تتحول .
    فالحرية هي هي منذ أن وجد الإنسان وكذلك الحال بالنسبة للعدل وكرامة الإنسان .


    *****************

    س8 ـ يصف بعض الرافضين للثقافة الرقمية بأنها ( ثقافة الساندويتش والـ .take away )
    بينما يراها منظروها بأنها ( نظرية الواقعية الرقمية التي ينبثق عنها أدبه من شعر وقصة ورواية ومسرح وسينما) ,,,,كيف تقيّم الحركة الثقافية الرقمية وهل ترى بأنها المستقبل القادم الذي سيعلن عن وفاة العالم الورقي ؟

    ج 8 – أبدأ أولا بالتأكيد بأن العالم الورقي لن يموت في القريب العاجل . وأقصد بالعاجل المائة سنة القادمة على الأقل .
    سيظل الكتاب الورقي يتلازم مع الثقافة الرقمية مدة أخرى من الزمن خاصة مع هذه الأجيال التي تحس بالحنين إلى خشخشة الورق عند القراءة والكتابة .
    بعد ذلك ، وخاصة لدى الشعوب التي سيتطور لديها هذا العالم الافتراضي والتي ستمتلك القدرة على إنتاجه واستغلاله سيزول الاستعمال للورق تدريجيا إلى أن يضمحل تماما شأنه شأن الوسائط القديمة التي استعملها الإنسان للكتابة كالجلد وورق البردي و عظام الحيوانات والحجارة المصقوله الخ ...
    فهذا العالم الالكتروني العجيب مدهش حد السحر الحلال لأن ما يتطلب حيزا كبيرا في المكان صار بمقدور الإنسان أن يختزله في حيز صغير / بضعة أقراص مضغوطة مثلا .وما يتطلب نقله في شاحنات أصبح يحمل داخل جيب جمازة . هذا من باب الحيز المكاني أما من باب القدرة على الانتشار السريع وبلوغ أقاصي المعمورة في بضعة ثواني فهذا العالم لا يمكن للعلم الورقي أن يجاري العالم الالكتروني بتاتا .
    لكل هذا أظن أن الثقافة الرقمية ستسود خلال السنين القادمة وسيكون للنص المنشور على الشاشات : قصة وشعرا ورواية انتشارا كبيرا لم يحلم به الكاتب مجرد حلم ولم يخطر على بال أحد من المشتغلين بالأدب والثقافة في يوم من الأيام .


    *****************

    س9 ـ لو تركنا جانبا الأدب واقتحمنا الوقع الاجتماعي العربي في علاقة شهريار بشهرزاد .....كيف تنظر إليها كمثقف ورجل شرقي عربي ؟

    ج 9 - جيلي في تونس تربى على الثقافة البورقيبية لذلك كانت نظرتنا إلى المرأة تختلف عنها في كل البلدان العربية والإسلامية تقريبا .
    فلعلمك أن الزعيم الحبيب بورقيبة تتلمذ على أفكار التنوير في أوروبا . من ذلك تحرير المرأة ومعاملتها معاملة الند للند مع الرجل . فسن مباشرة بعد الاستقلال سنة 1956 قوانين ثورية جدا في هذا المجال كمنع تعدد الزوجات مستندا على الآية " وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " ( وإلى حد هذه الساعة تعتبر تونس الدولة العربية الوحيدة التي يمنع فيها تعدد الزوجات منعا باتا ويعاقب على من يخترق هذا القانون بالحبس ) . كما مكن المرأة من التعليم في تلك السنوات التي كانت قبلها تمنع من الخروج من البيت . ومكنها من نفس الحق في الإرث وشجع على السفور . إلى غير ذلك من القوانين التي لو اتبعت في بقية دنيا العرب لحققنا ثورة كبرى في مجال الحريات العامة الخاصة والحقوق الخاصة بالمرأة العربية .
    لكل هذا صارت المرأة في تونس تمتاز على كل النساء العربيات بما تحقق لها من مكاسب في كل مجالات الحياة .فما عاد الرجل ينظر لها كشهرزاد الحكاية : امرأة للجنس والتفريخ فقط ، وإنما صارت شريكة حياة لها ما للرجل من حقوق وواجبات وعليها ما عليه .
    *****************

    س10ـ ابراهيم درغوثي أحد الأركان الرئيسية في موقع أدبيات ...ما الرسالة التي تود قولها لأدبيات عبر هذا الحوار
    ( دون مجاملة ) ؟

    ج 10 - أدبيات من المواقع التي تستحق التشجيع من كبار الكتاب العرب لأن المبدع يتمتع فيها بحرية كبيرة وآفاق واسعة لتحقبق الانتشار في دنيا العرب
    وهي تفتح أبوابها للجميع مبتدئين وراسخين في الأدب والثقافة ولا عجب في ذلك إذا كانت الأخت الرائعة إيمان الوزير هي من يسير دواليبها
    ويشرف على إنجازها بعين بصيرة وفكر خلاق .



    خالص احترامي وتقديري للأستاذ الفاضل إبراهيم درغوثي

    إيمان الوزير




















    إبراهيم درغوثي: أديب مجدّد تقاطعت في نصوصه السّرديّة الواقعيّة الجديدة والواقعيّة السّحريّة والفنطازيا الـمدهشة

    إعداد بوروي عجينة
    1 ـ مسيرته الأدبيّة:
    ولد في 21/12/1955 بقرية المحاسن (كريز سابقا) بولاية توزر بالجريد. (ويكتب لقبه الدرغوثي أيضا أو درغوث أحيانا). درس بكتّاب قريته. وزاول تعلّمه الابتدائي بها والثّانوي في مرحلته الأولى بالمعهد الثّانوي بتوزر ومرحلته الثّانية بدار المعلّمين بتونس ومنها أحرز شهادة ختم الدّروس الثّانويّة التّرشيحيّة (سنة 1975). فشهادة الكفاءة المهنيّة (سنة 1976).
    عمل - إثر التّخرّج - معلّما بجهة قفصة، وتدرّج في الرّتبة إلى معلّم تطبيق فمعلم تطبيق أول . سافر إلى السّعوديّة سنة 1984 ودرّس بها مدّة سنتين ثمّ عاد إلى تونس واستأنف التّدريس بجهة قفصة ثمّ عيّن مدير مدرسة ابتدائيّة بأمّ العرائس بولاية قفصة. وما زال يعمل فيها في الخطّة نفسها وهو متزوّج وله أربعة أبناء ويقيم بأمّ العرائس.
    انتسب إلى جمعيّات ثقافيّة جهويّة ووطنيّة منها اتّحاد الكتّاب التّونسيّين بصفته عضوا منذ 1990. ثمّ في فرعه بقفصة الذي ترأّسه . وأعدّ ندوات سنويّة عن القصّة القصيرة منذ أواسط التّسعينات ثمّ انتخب عضوا في هيئته المديرة بتونس منذ بداية الألفيّة الثّالثة وتولّى نيابة رئاسة الاتّحاد الوطني منذ دورة ديسمبر 2005 وتتواصل الدّورة 3 سنوات.

    وقد شارك في ندوات وملتقيات أدبيّة في تونس والجزائر وليبيا ومصر وسوريا والعراق. ونالت روايته الأولى جائزة مجلّة "الناقد" في لندن ورواياته اللاّحقة جوائز في مستوى وطني.
    نظم الشّعر في شبابه ثمّ كتب القصّة القصيرة والخاطرة والرّواية والمقالة الأدبيّة والدّراسة النّقديّة.
    ونشر أعماله الأدبيّة ومقالاته في مجلاّت وصحف تونسية وعربيّة (منذ 1987) منها: "قصص" و"الحياة الثّقافيّة" و"المسار" و"لوتس" لسان اتّحاد أدباء إفريقيا وآسيا و"الآداب" بلبنان و"النّاقد" بلندن و"الصّباح" و"الصّدى" و"صباح الخير" و"الصّباح الأسبوعي" و"الصّحافة" و"الأنوار" و"الحرّيّة" و"الصّريح" و"الرّأي العام" و"الشّروق" و"أضواء" و"الجوهرة الفنّيّة" و"الملاحظ" و"اليوم السّابع" و"كتابات معاصرة" (اللّبنانيّة) و"الكاتب العربي" (مجلّة الاتّحاد العام للأدباء والكتّاب العرب) و"أخبار الأدب" (الصّحيفة المصريّة) و"عمّان" (الأردنيّة) و"الوفاق العربي"...
    وقد ترجمت روايتاه "الدّراويش..." و"شبابيك..." إلى الفرنسيّة.
    وفازت قصصه ورواياته بالجوائز التالية :
    1/ قصة تفاح الجنة : جائزة الطاهر الحداد / 1989
    2/ رواية الدراويش يعودون إلى المنفى : تنويه من جائزة الناقد اللندنية أجاز نشرها في دار رياض الريس / لندن –بيروت .
    3/ رواية أسرار صاحب الستر : جائزة الكومار الذهبي / لجنة التحكيم / تونس 1999
    4/ رواية وراء السراب قليلا : جائزة الكومار الذهبي / تونس 2002
    5 رواية مجرد لعبة حظ : جائزة المدينة /تونس 2004 .
    2 ـ مؤلّفاته:
    سرديّة ومقالات وشهادات ودراسات:
    له أربع مجموعات قصصيّة:
    - "النّخل يموت واقفا": (قصص). صفاقس. دار صامد للنّشر. ط. 1. 1989. ط. 2. 2000.
    - "الخبز الـمرّ": (قصص). صفاقس. دار صامد للنّشر 1990. صادرت الرّقابة هذه المجموعة القصصيّة بعد صدورها سنة 1990.
    - "رجل محترم جدّا": (قصص). تونس. دار سحر للنّشر 1995.
    - "كأسك... يا مطر": (قصص). تونس. دار سحر للنّشر 1997.
    من أقاصيصه المنشورة متفرّقة قبل جمعها (نشرها منذ 1987 ونشر أغلبها سنة 1988):
    *"ذراع الصّيد". "الصّدى". العدد 143. في 17/10/1987.
    *"النّخل يموت واقفا". "الصّباح". في 20/01/1988.
    *"زهور بين الأنقاض". "صباح الخير". في 25/02/1988.
    *"رزق اللّه". "الصّدى". في 13/02/1988.
    * "شمس فوق كفّ عزيز". "الصّدى". في 05/03/1988.
    * "جدّي". "الصّباح". في 12/03/1988.
    * "السّيف والجلاّد". "صباح الخير". في 31/03/1988.
    * "الكلاب". "صباح الخير". في 21/04/1988.
    *"كوابيس: 3 قصص قصيرة جدّا". "قصص". العدد 80. أفريل - جوان 1988. (51 وما بعدها)..
    * "مبروكة". "الصّباح". في 08/05/1988.
    * "أيّام للفرح ... أيّام للحزن". "صباح الخير". في 02/06/1988.
    * "أحلام المدينة". "صباح الخير". في 23/06/1988.
    * "الخاتم". "الصّباح". في 12/07/1988.
    *"حكايات القلب الجريح". "قصص". العدد المزدوج 81/82. جويلية - ديسمبر 1988. (63 وما بعدها).
    *"تذكرة سفر". "الصّدى". في 26/12/1988.
    *"القطط تسرق الأرانب ليلا". "قصص". العدد 86. أكتوبر - ديسمبر 1989. (94 وما بعدها).
    *"تاكسي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 106. جوان 1999. (108-110).
    * "الـمغنّي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 134. أفريل 2002. (92-96).
    *"عربة الدّرجة الممتازة". "الأدب العربي في تونس". ضمن ملف نشر في مجلّة "الكاتب العربي" الاتّحاد العام للأدباء والكتّاب العرب. دمشق. سورية. العدد 59/60. حزيران 2003. (263-266).
    *"المجنون". "الحياة الثّقافيّة". العدد 167. سبتمبر 2005. (105-108).
    وللمؤلّف ستّ روايات:
    - "الدّراويش يعودون إلى المنفى": (رواية ). ط. 1. لندن. دار رياض الريّس للنّشر 1992. ثمّ ط. 2. تونس. دار سحر للنّشر 1998. ثمّ ط. 3. تونس. الوكالة المتوسّطيّة للصّحافة 2006.
    - "القيامة... الآن": (رواية). ط. 1. سوريا. دار الحوار للنّشر 1994. ثمّ ط. 2. تونس. دار سحر للنّشر 1999.
    - "شبابيك منتصف اللّيل": (رواية). ط. 1. تونس. دار سحر للنّشر 1996. ثمّ ط. 2. سوسة. دار المعارف للنّشر 2004. (لم تجز الرّقابة هذه الطّبعة حتّى أفريل 2006).
    - "أسرار صاحب السّتر". صفاقس. دار صامد للنّشر 2002.
    - "وراء السّراب... قليلا": (رواية). ط. 1. سليانة. دار الإتحاف للنّشر 2002. ثمّ ط. 2. مصر. مركز الحضارة العربيّة 2005.
    - "مجرّدة لعبة حظّ": (رواية). ط. 1. الحمّامات. منشورات المدينة 2005.
    وقد ترجم أحمد الرمادي روايته "الدّراويش..." إلى الفرنسيّة. تونس - مرسيليا . دار أسود على أبيض 1999.
    وترجمت فتحيّة حيزم العبيدي روايته "شبابيك..." إلى الفرنسيّة. تونس - مرسيليا. دار أسود على أبيض 1999.
    وترجمت إلى الإنجليزية أقصوصته "تفّاح الجنّة" ضمن أنطولوجيا القصّة العربيّة. من إعداد الجامعة الأمريكيّة. القاهرة 2000.
    وقد ترجم المؤلّف أقاصيص منها:
    * "ثلاث قصص من الأدب الصّيني الحديث". "المسار". العدد 71. ديسمبر 2005 (155-160).
    وله أشعار منشورة متفرّقة في الصّحف لم يجمعها المؤلّف في كتاب.
    وله قصائد نظمها وغنّتها فرقتا "أولاد المناجم" و"الأرض" في الثّمانينات والتّسعينات من القرن العشرين.
    وله مقالات ودراسات منها:
    * "سيدي مرزوق وليّ من إفريقيا السّوداء". "المسار". العدد المزدوج 34/35. فيفري 1998. (200-204).
    * "الرّواية الجديدة وتجديد تقنيات السّرد". "الملاحظ". (الكرّاس الثّقافي). العدد 324. في 19/05/1999. (16).
    * "الأدب التّونسي في برامج التّعليم الأساسي بين الحضور والغياب". "المسار". العدد 38. ديسمبر 1998. (83-88). ثمّ في مجلّة "الكاتب العربيّ". الاتّحاد العام للأدباء والكتّاب العرب. سوريّة. السّنة 19. العدد المزدوج 51/52. حزيران 2001. (98-103).
    * "العولمة والثّقافة". "الملاحظ". العدد 398. من 01 إلى 07/11/2000. (40).
    * "عن رياضة النّخبة ونوبل للآداب". "الملاحظ". العدد 400. من 15 إلى 21/11/2000. (40-41).
    * "مكتبة الأسرة أو القراءة للجميع". "الملاحظ". العدد 401. من 22 إلى 28/11/2000. (37).
    * "الجوائز الأدبيّة والثّقافة". "الملاحظ". العدد 403. من 06 إلى 12/12/2000. (26).
    * "المؤسّسة الأروبيّة للثّقافة وذاكرة المتوسّط". "الملاحظ". (تونس). العدد 405. من 20 إلى 26/12/2000. (32).
    * "قراءة في تفاصيل يوميّات الحصار: "آه بيروت" نموذجا". "المسار". العدد 49. جانفي - فيفري 2001. (21-27).
    * ""قنديل باب المدينة" لعبد القادر بن الحاج نصر، أو الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون". "الملاحظ". العدد 407. من 11 إلى 16/01/2001. (40).
    * "عن الثّقب الأسود ومجلّة الآداب". "الملاحظ". العدد 408. من 17 إلى 23/01/2001. (42).
    * "في قلب الظّلام". "الملاحظ". العدد 409. من 24 إلى 30/01/2001. (40-41).
    * "بين إبراهيم سعدي وإبراهيم درغوثي". "الملاحظ". العدد 443. في 19/10/2001. (35).
    * "المؤتمر الحادي والعشرون الاتّحاد العامّ للأدباء والكتّاب العرب". "الملاحظ". العدد 412. من 12 إلى 20/12/2001. (38-39).
    * "جولة في أروقة معرض الكتاب بالكرم (دورة 2004)". "الملاحظ". العدد 580. في 01/06/2004. (36-37).
    * "الزّمن الجريدي من خلال "الدّقلة في عراجينها" [للبشير خريّف]". "المسار". العدد المزدوج 69/70. ماي - أوت 2004. (109-113).
    * "حرير الرّوح" لسلوى الفندري بين حرير الكلام ووخز الكلام". مجلّة "الملاحظ". العدد 625. من 26/01 إلى 01/02/2005. (26).
    * "نافذة على الشّعر الصّيني الحديث: الشّاعر "دونغ هونغ" أنموذجا" (تعريب). مجلّة "شؤون أدبيّة". (الإمارات). العدد 49. مايو 2005. (90-99).
    * مقال "في التّبادل الثّقافي بين المغرب والمشرق العربيّين. (ركن من هنا نبدأ). "الحرّيّة". (الملحق الثّقافي). الخميس في 12/01/2006. (1).
    من أعماله المؤلّف المخطوطة والـمعدّة للنّشر:
    ـ منازل الكلام: (مجموعة قصصيّة).
    ـ وراء السّراب... قليلا. ج. 2: (رواية).
    ـ وراء السّراب... قليلا. ج. 3: (رواية).
    عائلة الرشيد : (رواية).
    3 ـ مراجع بالعربيّة:
    إبراهيم بن سلطان: "حول المجموعة القصصيّة "النّخل يموت واقفا". "الصّدى". في 20/05/1989.
    محمّد بن رجب: "النّخل يموت واقفا". "الصّدى". في 20/05/1989.
    حاتم الأسود: "[قراءة] "النّخل يموت واقفا". "الصّدى". في 24/06/1989.
    ميزوني البنّاني: "الطّرح الواقعي في "النّخل يموت واقفا"". صحيفة "الأيّام". في 20/07/1989.
    عبّاس سليمان: "الموت في "النّخل يموت واقفا". صحيفة "الصّدى". في 14/10/1989.
    زهير بن النّاصر: "الواقعيّة في "النّخل يموت واقفا"". "صباح الخير". في 19/04/1990.
    علياء بن نحيلة: ""الخبز الـمـرّ"، دعوة لربط علاقة جديدة مع القصّة التّونسيّة". "الصّباح". في 18/05/1990.
    مقالة: [قراءة "الخبز الـمـرّ]. "الصّباح". في 18/05/1990. و11/07/1990.
    مسعودة بوبكر: " قراءة في "الخبز المرّ". "صباح الخير". في 05/07/1990. (18).
    صالح مصباح: قراءة "الخبز الـمـرّ". "الصّباح". في 31/07/1990.
    إبراهيم بن سلطان: "محاولة لتحديد شخصيّات "الخبز الـمـرّ"". "صباح الخير". في 16/08/1990.
    حسن بن عبد اللّه: "قراءة في مجموعة "الخبز الـمـرّ" لإبراهيم درغوثي، عودة إلى الواقع في حومة التّجريد". "اليوم السّابع". (باريس). في 22/10/1990.
    جلّول عزونة: "المسار". العدد 8. جانفي 1991. (124-136).
    محمّد الهاشمي بلوزة: "دراسة في البنية الحكائيّة لقصص إبراهيم درغوثي: حلاوة الخبز الـمـرّ". "الحرّية". في قسمين. ق. 1: في 11/04/1991. ق. 2: في 25/04/1991.
    مسعودة بوبكّر: "قراءة "الخبز الـمـرّ"". "صباح الخير". في 05/07/1991.
    مقالة: قراءة "الخبز المرّ". "النّاقد". سبتمبر 1991.
    الجلاصي: مقالة "حقائق". العدد 313. في 06/09/1992.
    فتحي شبيل: "... بل يموت النّخل يمشي". "قصص". العدد 97. جويلية - سبتمبر 1992. (97-103).
    عبّاس سليمان: "حول "الدّراويش يعودون إلى المنفى" للكاتب إبراهيم درغوثي". "الرّأي العام". في 10/07/1993.
    جنّات إسماعيل: "الدّراويش يعودون إلى المنفى". "الصّباح". في 26/08/1993.
    مقالة: "دفاتر عتيقة في "الدّراويش يعودون إلى المنفى". "النّاقد". لندن. العدد 56. أكتوبر 1993. (56-57).
    حسن بن عبد اللّه: ""الدّراويش يعودون إلى المنفى"، الرّواية التّونسيّة للكاتب إبراهيم درغوثي الصّادرة من لندن". "الصّحافة". في 18/01/1994.
    محمّد بن رجب: [قراءة] "الدّراويش يعودون إلى المنفى". "الصّباح". في 22/01/1994.
    محمّد صالح الجابري: "ويأتي الإبداع من كريز" (عن "الدّراويش..."). "الرّأي العام". في 10/12/1994.
    النّاصر التّومي: "الرّوائي إبراهيم درغوثي بمنتدى القصّاصين بعد إصدار روايته الثّانية ببيروت". "الصّباح". في 04/04/1995.
    محاورة المؤلّف [إبراهيم درغوثي]: "حين يصير الواقع أغرب من الخيال". (حاوره محمّد العايش القوتي وعبد الوهّاب الـملـوّح". "الصّحافة". في 19/05/1995.
    مجدي بن عيسى: "رواية "القيامة... الآن" لإبراهيم درغوثي، تخوم الكتابة السّرديّة". "الصّحافة". في 25/05/1995.
    بلقاسم برهومي: "رغبة التّجاوز في المجموعة القصصيّة "الخبز الـمـرّ" لإبراهيم درغوثي". "الحرّيّة". في 13/07/1995.
    مجدي بن عيسى: "الشّخصيّات تواجه نقيضها في مجموعة "رجل محترم جدّا لإبراهيم درغوثي". "الصّحافة". في 23/07/1995.
    يوسف عبد العاطي: ""القيامة... الآن" لإبراهيم درغوثي". "الصّباح الأسبوعي". في 31/07/1995.
    يوسف عبد العاطي: "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي". "الصّباح الأسبوعي". في 14/08/1995.
    محاورة المؤلّف: "الكتابة هي الشّبّاك الذي أطلّ منه على الدّنيا". (حاوره رضا الفاهم). "الحرّيّة". في 19/10/1995.
    حسن بن عبد اللّه: "رواية الدّراويش يعودون إلى المنفى". "المسار". العدد المزدوج 26/27. ديسمبر 1995. (140-144).
    خليفة الخياري: ""رجل محترم جدّا" والعودة إلى بداية التّجربة الإبداعيّة". "الحرّيّة". في 02/11/1995.
    حافظ محفوظ: ""القيامة... الآن" لإبراهيم درغوثي، نبض الواقع". "الصّحافة". في 02/11/1995.
    يوسف عبد العاطي: ""رجل محترم جدّا" لإبراهيم درغوثي". "الصّباح الأسبوعي". في 15/01/1996.
    عبد الوهّاب الـملوّح: "سيرة الموت في قهقهات القرنفل، التّقارب والتّنافر في نصوص إبراهيم درغوثي". "الجوهرة الفنّيّة" (سوسة). العدد 24. شهر مارس 1996.
    حياة الرّايس: [قراءة] "رجل محترم جدّا لإبراهيم درغوثي". جريدة "الصّحافة". في 29/03/1996.
    عبد الّرحمان مجيد الرّبيعي: "ماذا عن هذا الرّجل المحترم جدّا لإبراهيم درغوثي؟ شخصيّات ساخرة جدّا". "الصّحافة". في 30/03/1996.
    عمر حفيّظ: "مظاهر التّجريب عند الدرغوثي، "رجل محترم جدّا" نموذجا". "الحياة الثّقافيّة". العدد 74. أفريل 1996. (82-88).
    خالد التّومي: "الدّراويش يعودون إلى المنفى". "الحرّيّة" . في قسمين. القسم 1: في 18/04/1996. القسم 2: في 25/04/1996.
    المنجي السّعيداني: ""شبابيك منتصف اللّيل" رواية لإبراهيم درغوثي، لعلّها حكايات ما بعد منتصف اللّيل". "الصّحافة". في 07/04/1996.
    علي العشّي: "رواية إبراهيم درغوثي "القيامة... الآن" ومشاغل الرّواية العربيّة المعاصرة". "الصّحافة". في 12/04/1996.
    ناجي الظّاهري: "الزّمن الأسطوري والزّمن الواقعي في رواية "القيامة... الآن". "الصّحافة". في 07/06/1996.
    حسن بن عبد اللّه: "اكتشاف مناطق الصّحو في الذّاكرة الجماعيّة في المجموعة القصيّة "رجل محترم جدّا" للدّرغوثي". "الصّحافة". في 14/06/1996.
    كمال الشّيحاوي: "وجوه متعدّدة لسارد واحد، قراءة في رواية "شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي". "الصّحافة". في 23/06/1996.
    بلقاسم برهومي: "أثر المسكوت عنه في المجموعة القصصيّة "رجل محترم جدّا" لإبراهيم درغوثي". "الصّحافة". في 28/06/1996. ثمّ ضمن كتابه "قراءات نقديّة في الأدب التّونسي الحديث". تونس. نقوش عربيّة 1999. (81-84).
    يوسف عبد العاطي: "شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي". "الصّباح الأسبوعي". في 26/08/1996.
    خليفة الخياري: "رسالة إلى كاتب أحبطته حقائق نصوصه". مقالة عن الجنس في "شبابيك منتصف اللّيل"". "الحرّيّة" (الملحق الثّقافي). الخميس في 22/08/1996. (5).
    ردّ المؤلّف: "ما أكبر نصوصي.. ما أصغر ردودك". (ردّ على خليفة الخياري). "الحرّيّة" في 26/09/1996.
    خليفة الخياري: "الكلام على الكلام صعب لكنّه حقّ". (ردّ على المؤلّف). "الحرّيّة". في 26/09/1996.
    محمّد القاضي: "رواية "شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 80. ديسمبر 1996. (55-60).
    جنّات إسماعيل: "حفل شاي لدى "رجل محترم جدّا"، قصص قصيرة لإبراهيم درغوثي". "الإتحاف". العدد 74. ديسمبر 1996. (34-38).
    عمر حفيّظ: "التّجريب في الرّواية التّونسيّة الحديثة من خلال "القيامة... الآن" لإبراهيم درغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 91. جانفي 1997. (97-102).
    عبد الرّحمان مجيد الرّبيعي: ضمن "من سومر إلى قرطاج". سوسة. دار المعارف للنّشر 1997. مقالة: "ماذا عن هذا الرّجل المحترم جدّا لإبراهيم درغوثي؟". (21-25).
    خالد الردادي: "مغالبة الخفيّ وديمومة التّجلّي قراءة في "شبابيك منتصف اللّيل". "الجوهرة الفنّيّة" (سوسة). العدد 30. من 07/12/1996 إلى 07/01/1997.
    نصر الدّين الخليفي: "أطروحات الكتابة الجارحة قراءة في "رجل محترم جدّا" لإبراهيم الدّرغوثي". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 17/01/1997.
    عمر حفيّظ: "قراءة في رحلة السّندباد/ السّفرة الثّامنة لإبراهيم الدرغوثي: تقاطع الواقع والتّراث". "الصّحافة". في 21/02/1997. ثمّ "الإتحاف". العدد 77. مارس 1997. (39-42).
    مجدي بن عيسى: "المرايا المتناظرة، المصادر ودلالاتها في رواية "شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 88. مارس 1997. (126-130).
    محمّد علي جراد: "تجربة إبراهيم درغوثي في "رجل محترم جدّا". "الإتحاف". السّنة 12. العدد 79. ماي 1997. (32-36).
    سوف عبيد: "[قراءة] "كأسك يا مطر". "الصّباح الأدبي". في 27/05/1997.
    عبد الوهّاب الملوّح: "نصّ الفضيحة، كتابة بصدد "شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي". مجلّة "الإتحاف". السّنة 12. العدد 78. أفريل 1997. (38-34) ثمّ مجلّة "إبداع". (مصر). العدد 8. أغسطس 1997. (91-98).
    عمر حفيّظ: (شهادة عن المؤلّف): عن الرّوائي التّونسي إبراهيم درغوثي". "الصّباح". في 22/07/1997.
    عمر حفيّظ: "سأتدبّر الأمر أو الحلول المسكوت عنها، قراءة في قصّة "تفّاح الجنّة" لإبراهيم درغوثي". "الإتحاف". العدد 82. أكتوبر 1997. (36-40).
    إبراهيم بن أحمد: "الكتابة القصصيّة لدى إبراهيم درغوثي: بصمات سرياليّة". "الصّحافة". في 17/10/1997.
    عبد الرّحمان مجيد الرّبيعي: "تساؤلات حول "القيامة... الآن"". "الصّحافة". في 04/12/1997.
    مصطفى الكيلاني: "فعل التَّذكّر ومراجع الذّاكرة في نماذج من الأدب الرّوائي التّونسي.". "الحياة الثّقافيّة". العدد 91. جانفي 1998. (12-21). حلّل "الدّراويش يعودون إلى المنفى". (18-20).
    محسن بن ضياف: دراسة "مدخل إلى دراسة البطل في الرّواية التّونسيّة المعاصرة". "الحياة الثّقافيّة". العدد 91. جانفي 1998. (36-47). درس ضمنها "شبابيك..".
    محاورة المؤلّف: "بعض الكتّاب مرضى ورواياتي أكثر شعريّة من بعض الشّعراء". (حاوره الطّيّب شلبي). "الرّأي العام". في 09/01/1998.
    فوزية العلوي: "وعاء قديم... رحيق جديد، قراءة في رواية "القيامة... الآن" لإبراهيم درغوثي". "الصّباح". في 27/01/1998.
    عمر حفيّظ: "شعريّة السّرد في "كأسك يا مطر لإبراهيم درغوثي". صحيفة "العرب". في 16/02/1998.
    محاورة المؤلّف: "لا أشكو الإهمال النّقدي". (حاورته مفيدة بن إبراهيم). "الحرّيّة". في 23/02/1998.
    الصحبي بن منصور: "جينالوجيا الزّمن في "كأسك يا مطر". "الصّحافة". في 13/03/1998.
    محمّد شوقي محاري: "فسحة في عالم إبراهيم درغوثي الرّوائي أو الولوج إلى عالم اللّغة العارية". "الرّأي العام". في 10/04/1998.
    شهادة المؤلّف [إبراهيم درغوثي]: "إبداع الكاتب بين الحقيقة والأسطورة". "الرّأي العام". في 11/04/1998. وقدّمها في ملتقى الأدباء العصاميّين في دورته الخامسة. المركز الثّقافي محمد معروف بسوسة. 10 و11 و12/04/1998.
    حسن بن عبد اللّه: "كأسك يا مطر" وقصص أخرى لإبراهيم الدرغوثي". "الصّحافة". في 12/06/1998.
    مصطفى إبراهيم الضبع: "آليات الواقعيّة في القصّة القصيرة التّونسيّة". "الصّحافة". في 30/06/1998.
    شهادة المؤلّف (درغوثي): "إبداع الكتابة بين الحقيقة والأسطورة". "الملاحظ" (الكرّاس الثّقافي). العدد 280. في 15/07/1998. (2-3).
    عمر حفيّظ: "الدّراويش يعودون إلى المنفى أو حرّيّة الكتابة وقهر الإيديولوجيا". "المسار". العدد المزدوج 36/37. سبتمبر 1998. (48-62).
    محمّد النّاصر العجيمي: "التّلفّظ ـ إرباك القراءة التّقليديّة، الدرغوثي نموذجا". "كتابات معاصرة". بيروت. العدد 35. تشرين 1 - تشرين 2. 1998. (89-98).
    كمال الشيحاوي: ""أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي لعنة كاشف الأسرار". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 30/12/1998.
    منيرة رزقي: "والدّراويش يعودون" [للدرغوثي]. "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 30/12/1998.
    عمر حفيّظ: "التّجريب في كتابات إبراهيم الدرغوثي القصصيّة والرّوائيّة". صفاقس. دار صامد للنّشر والتّوزيع 1999. (في 134 ص).
    الهاشمي بلوزة: قراءة رواية المؤلّف "الدّراويش يعودون إلى المنفى". انظر ملخّص المداخلة ضمن كتاب النّاصر التّومي "مطارحات أدبيّة". تونس. منشورات "قصص" 1999. (93-99).
    محمّد نجيب العمامي: "العالم الحكائي في "الدّراويش يعودون إلى المنفى". "الآداب". بيروت. العدد المزدوج 1/2. كانون الثّاني- شباط (جانفي - فيفري) 1999. (89-98).
    عمر حفيّظ: "أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي، أسرار الكتابة". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة. في 15/01/1999.
    آسيا السخيري: "قراءة في رواية "أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي، ماذا يحدث عندما يهتك صاحب السّتر أسراره؟". "الصّباح". في 26/01/1999.
    نجاة العدواني: "أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي، عندما تعيد الرّواية المعاصرة إنتاج وقائع تاريخيّة موثّقة". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 05/02/1999.
    محمّد النّاصر العجيمي: "مدخل إلى قراءة القصّة الحديثة، الكتابة القصصيّة عند إبراهيم درغوثي أنموذجا". "المسار". العدد المزدوج 41/42. مارس - جوان 1999. (21-56).
    حسن بن عبد اللّه": "قراءة في رواية "صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي". "الحرّيّة". في 18/03/1999.
    كمال الشّيحاوي: "رواية "أسرار صاحب السّتر" للدرغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 104. أفريل 1999. (126-129).
    عبد اللّه أبو هيف: "الرّواية العربيّة في تونس، التّقليد والتّحديث، "القيامة... الآن" و"شبابيك...". مجلّة "الكاتب العربي". الاتّحاد العام للأدباء والكتّاب العرب. سورية. العدد 44. أيار/مايو 1999. (95-104).
    مصطفى إبراهيم الضّبع: "فاعليّة النّصّ العصيّ عند الدرغوثي، "أسرار صاحب السّتر". "الغد العربي". (مصر). العدد 14. مايو 1999. (62-63).
    مصطفى إبراهيم الضّبع: "آليات الواقعيّة في القصّة القصيرة التّونسيّة، إبراهيم درغوثي نموذجا". تونس. مجلّة "رحاب المعرفة". السّنة 2. العدد 9. ماي - جوان 1999. (32-38).
    نجاة العدواني: ""القيامة... الآن" لإبراهيم درغوثي: رواية كونيّة تؤسطر الواقع". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 07/05/1999.
    سيّد الوكيل: [قراءة] "كأسك يا مطر". "الشّرق". (قطر). في 17/05/1999.
    محسن بن ضياف: ضمن دراسته "مدخل إلى دراسة البطل في الرّواية التّونسيّة المعاصرة". "الحياة الثّقافية". العدد 91. جانفي 1998. (36-47).
    المنصف الوهايبي: "رواية الأمس بلغة اليوم في "أسرار صاحب السّتر"". "الصّباح". في 03/06/1999.
    علي بن نصيب: "قلق التّراث وأوجاع الذّاكرة حول رواية "أسرار صاحب السّتر" للدّرغوثي". "الصّحافة" في 18/06/1999.
    محاورة المؤلّف: "الرّواية أرحب من الشّعر". (حاوره نور الدّين بن الطّيّب). جريدة "الشّروق". في 23/12/1999.
    "حداثة التّماسّات - تماسّ الحداثات في القصّة والرّواية لدى إبراهيم درغوثي". تونس. دار سحر للنّشر. 2000. (جماعي). في 155 ص. كتب ضمنه فرج الحوار "الفاتحة: بؤرة الشّرّ". (5-17) ومحمّد القاضي: عن "شبابيك منتصف اللّيل". (18-32) ومصطفى إبراهيم الضّبع عن "آليّات القصّة القصيرة" لدى المؤلّف (33-43). ومحمّد النّاصر العجيمي عن "القصّة القصيرة الحديثة والكتابة القصصيّة عند درغوثي" (44-91). وفوزيّة العلوي عن "القيامة... الآن"(89-92) . ومجدي بن عيسى عن "شبابيك.." (100-112). ونجاة العدواني عن التّاريخ في رواية "أسرار صاحب السّتر" للمؤلّف (113-121). ومحمّد نجيب العمامي عن "الدّراويش.." (122-154).
    النّاصر التّومي ضمن: "الأسطورة والفولكلور في القصص الحديث". "قصص". العدد 112. أفريل - جوان 2000. (69-79). درس نصوصا قصصيّة لإبراهيم درغوثي (77-78).
    محمّد بوحوش: "ظلّ الآخر في مدوّنة إبراهيم درغوثي السّرديّة". "الصّحافة". في 07/04/2000.
    شهادة المؤلّف: "في الخروج عن إجماع الصّحابة". "الملاحظ". العدد 370. في 12/04/2000. (50-51).
    محاورة المؤلّف: "أطمح إلى ملامسة المحظور والاقتراب منه". (حاوره البشير عبيد). "الوفاق العربي" ( تونس). السّنة 1. العدد 11. ماي 2000. (70-71).
    فرج الحوار: "جدليّة التّراث والتّجريب في مسيرة إبراهيم درغوثي الإبداعيّة، "شبابيك منتصف اللّيل"". "رحاب المعرفة". السّنة 3. العدد 17. سبتمبر - أكتوبر 2000. (81-87).
    محمّد مفيد بركان: "جماليّة التّيه في رواية "شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 122. فيفري 2001. (136-140).
    عزّ الدّين المدني (شهادة): "إبراهيم الدّرغوثي يترجم إلى الإنجليزيّة". "الصّحافة". في 09/03/2001.
    مصطفى إبراهيم الضّبع: "تقنيات المغايرة، مفتتح لقراءة النّصّ العجائبي "الدّراويش يعودون إلى المنفى". مجلّة "القصّة". (مصر). العدد 104. أبريل - مايو - يونية 2001. (80-84).
    محاورة المؤلّف: "الرّجل يموت مرّة واحدة". (حاوره الصّحبي بن منصور). جريدة "أضواء". في 19/06/2001.
    فتحي أولاد بوهدّة: ""شبابيك منتصف اللّيل" بين النّضال والفراش". "الإتحاف". العدد 125. سبتمبر 2001. (32-34).
    عبد اللّه أبو هيف: "التّعالق النّصّي في الرّواية التّونسيّة، إبراهيم درغوثي نموذجا في "القيامة... الآن" و"شبابيك منتصف اللّيل"". "الشّاهد". (قبرص). العدد 194. أكتوبر 2001. (96-97).
    بلهوان الحمدي: "أسرار صاحب السّتر" وهم التّاريخ أم لعبة الحلم والواقع؟". "كتابات معاصرة". بيروت. العدد 45. تشرين 2 - كانون 1. (نوفمبر- ديسمبر) 2001. (114-116).
    نبيل سليمان: "التّجريب في الرّواية التّونسيّة، "الدّراويش يعودون إلى المنفى". مجلّة "عمّان". (الأردن). العدد 87 . حوالي 2001. [؟].
    أحمد السّماوي: "التّطريس في القصص إبراهيم الدرغوثي أنموذجا". المؤلّف. صفاقس. مط. التّسفير الفنّي 2002. في 164 ص. (درس التّطريس في روايات المؤلّف وأقاصيصه).
    نظيرة الكنز: "عنف المكبوت وسلطة المكتوب، قراءة في قصّة "رجل محترم جدّا" لإبراهيم درغوثي، نموذجا". "الحياة الثّقافيّة". العدد 131. جانفي 2002. (129-133).
    محاورة المؤلّف: "حوار مع إبراهيم درغوثي حول الرّواية والتّاريخ". (حاوره إبراهيم سعدي). "قصص". العدد 119. جانفي - مارس 2002. (67-76). ثمّ في جريدة "اليوم" (الجزائر). في قسمين. ق. 1: في 05/09/2002. ق. 2: في 12/09/2002.
    فرج الحوار: "كتابة الخطيئة في "شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي". المسار". العدد 55. جانفي - فيفري 2002. (123-127).
    شهادة المؤلّف [إبراهيم درغوثي]: "الكتابة بين الإبداع والاتّباع أو في الخروج عن إجماع الصّحابة". "الحياة الثّقافيّة". العدد 132. فيفري 2002. (74-77).
    محاورة المؤلّف: "الرّوائي إبراهيم درغوثي: الآن تذكّرت سقوط غرناطة". (حاوره رياض خليف". جريدة "العرب". الأربعاء في 19/06/2002. (14).
    سيّد الوكيل: "وراء السّراب... قليلا". "الشّرق". (الإمارات). في 29/07/2002.
    عبّاس سليمان: "قراءة في "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 08/11/2002.
    محاورة المؤلّف: "حوار مع الرّوائي إبراهيم درغوثي". (حاوره كمال الرّياحي). مجلّة "عمّان" (الأردن). (العدد 90) كانون الأوّل (أي ديسمبر). 2002. (34-42).
    نظيرة الكنز: "جمع في صيغة مفرد أم مفرد في صيغة جمع؟، قراءة في رواية "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي". مجلّة "علامات". (المغرب). العدد 18. 2002. (2-32).
    عبد الرّزّاق سليم: "السّرد الرّوائي والسّرد الخرافي في "وراء السّراب... قليلا" للدّرغوثي". "الملاحظ" (تونس). في 13/11/2002. (32).
    مصطفى الكيلاني: ضمن "زمن الرّواية العربيّة: كتابة التّجريب". سوسة. دار المعارف للنّشر 2003. دراسة "فعل التّذكّر ومراجع الذّاكرة في نماذج من الأدب التّونسي". درس ضمنها "الدّراويش.." (48-54).
    عفاف عبد المعطي (من مصر): ضمن كتابها "حاضر الرّواية في المغرب العربي". سوسة - تونس. دار المعارف للطّباعة والنّشر 2003. دراسة: ""الدّراويش يعودون إلى المنفى"، بطل إشكالي ووجهان لعملة واحدة". (37-58).
    عثمان بن طالب: ضمن "الخيال السّردي وأسئلة الكتابة". (كتاب جماعي) تونس. سليانة 2003. دراسة عثمان بن طالب "من القصّة إلى الرّواية". تحدّث ضمنها عن "رجل محترم جدّا". (120-133).
    مجدي بن عيسى: "الذّاكر والذّاكرة المضادّة، سؤال الهويّة في رواية "أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 141. جانفي 2003. (144-148).
    محمّد بن عبد السّلام مرزوقي: "اختراق الحواجز وردّ الاعتبار لسيادة الماضي من خلال رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". في قسمين. ق. 1: "الحرّيّة" في 17/04/2003. ق. 2: "الحرّيّة". في 24/04/2003.
    شهادة المؤلّف: "الرّوائي التّونسي إبراهيم درغوثي في شهادته الرّوائيّة: الرّواية بين التّاريخ والتّراث". مجلّة "عمّان" (الأردن). العدد 98. آب/(أوت). 2003. (34-37).
    أيمن بكر: "نحو تحليل ثقافي للسّرد، قراءة في مجموعة "كأسك يا مطر". لإبراهيم درغوثي". "قصص". العدد 123. جانفي - مارس 2003. (63-75). ثمّ في "رحاب المعرفة". السّنة 6. العدد 34. جويلية - أوت 2003. (79-86).
    بسمة البوعبيدي: "الجميل ليست له علاقة بالفنّ، قراءة في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 21/03/2003.
    كمال الشيحاوي: "من سيرة الدّراويش إلى ملحمة عمّال المناجم". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 26/04/2003.
    سعيد يقطين: "اللّعب والزّمن والدّلالة في "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي". "رحاب المعرفة". السّنة 6. العدد 33. ماي - جوان 2003. (69-74).
    محاورة المؤلّف: "الكتابة مغامرة وبحث في المجهول". (حاورته مريم كافية). "الحرّيّة". في 15/05/2003.
    رياض خليف: "رواية لكلّ الطّقوس، "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". جريدة "الشّروق". في 30/05/2003.
    خالد الأسود: "وراء السّراب... قليلا" رواية المتاهات". "الحياة الثّقافيّة". العدد 148. أكتوبر 2003. (137-140).
    (محمّد) سعد برغل: "الشّعريّة والسّرد، نماذج نصّيّة من "كأسك يا مطر" لإبراهيم درغوثي". "الصّحافة". في 10/10/2003. وكان ألقاها ضمن ندوة "القصّة القصيرة "الشّعريّة في القصّة القصيرة التّونسيّة والمغاربيّة". قفصة. أيّام 4 و5 و6 أفريل 2003.
    محمّد الباردي: "الواقع والإيديولوجيا في "الخبز المرّ" لإبراهيم درغوثي". "قصص". العدد 126. أكتوبر - ديسمبر 2003. (109-116).
    محمّد نجيب العمامي: ضمن دراسة "من مظاهر التّجريب في القصّة القصيرة التّونسيّة". "قصص". العدد 126. أكتوبر - ديسمبر 2003. (99-108). درس أقصوصتي المؤلّف ""تفّاح الجنّة" و"وقائع من حياة رجل قال لا". (101-103).
    محمّد عبد السلام مرزوقي: "من مرجعيّات الموروث إلى تفاصيل الحاضر، قراءة في رواية "أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي". "الإتحاف". العدد المزدوج 141/142. 2003. (64-71).
    محمّد صالح بن عمر: دراسة "من الشّعريّ إلى السّردي، استراتيجيّات التّأسيس والتّوليد والتّحويل في أدب إبراهيم درغوثي القصصيّ". نشرها في مجلّة "عمّان". (الأردن). العدد 95. ربيع 2003. وكان ألقاها ضمن ندوة "القصّة القصيرة "الشّعريّة في القصّة القصيرة التّونسيّة والمغاربيّة". قفصة. أيّام 4 و5 و6 أفريل 2003.
    حنان معالي: "حين يسقط الدّرغوثي في تمجيد الذّات". صحيفة "الشّروق". في 19/12/2003. (5).
    صلاح الدّين بوجاه: ضمن كتابه: "كيف أثبت هذا الكلام". (قراءات نقديّة). تونس. المؤلّف. مط. الشّركة التّونسيّة للنّشر وتنمية فنون الرّسم 2004. دراسة "من بدرة القصّة إلى أفق الرّواية من خلال "رجل محترم جدّا" لإبراهيم الدرغوثي" (47-60).
    عمر حفيّظ: ضمن كتاب عثمان بن طالب: "مختارات تونسيّة في النّقد والفكر". منشورات اتّحاد الكتّاب التّونسيّين 2004. سلسلة ضفاف. فصل: "إبراهيم درغوثي والأدب التّجريبي". (113-119). وهي مقدّمة كتاب عمر حفيّظ "التّجريب في كتابات الدّرغوثي". صفاقس. صامد 1999.
    عمر حفيّظ: "متخيّل المناجم في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". مجلّة "رحاب المعرفة". العدد 37. جانفي - فيفري 2004. (63-70).
    فتحي الصّيفي: "النّصّ القصصي بين السّيرة الذّاتيّة والوثيقة التّاريخيّة، "رجل محترم جدّا" لإبراهيم درغوثي نموذجا". جريدة "الشّروق" في 23/01/2004.
    محاورة المؤلّف: "دروب الكتابة". (حاوره بلهوان الحمدي). "كتابات معاصرة" (لبنان). العدد 52. مارس 2004. (105-108).
    محاورة المؤلّف: "المبدع الحقيقي يعرف كيف يتلاعب بشروط المسابقات". (حاوره محمّد الـمـي). جريدة "الصّريح". في 31/03/2004.
    رمضان العوري: "سرديّة الحواريّة وكتابة الخرق في "القيامة... الآن". "المسار". العدد المزدوج 69/70. ماي - أوت 2004. (102-108).
    محاورة المؤلّف: "هربت من الواقعيّة إلى عالم الفنتازيا والعجيب والغريب". (حاوره رحيم الجماعي). "الصّباح". في 03/06/2004. (13).
    عبد القادر بن سالم: "حدود الواقع ورمزيّة العجائبي في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". "المجلّة الصّادقيّة". تونس. العدد 35. جويلية 2004. (36-42).
    شادية شقروش: "دراسة سوسيو نصّيّة لرواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 159. نوفمبر 2004. (67-73). ثمّ بعنوان آخر هو "جدليّة العبث والانبعاث على مقولات بيار زيما في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". في مجلّة "كتابات معاصرة". بيروت العدد 57. آب/أيلول 2005. (119-123).
    شادية شقروش: كتاب "الخطاب السّردي في أدب إبراهيم الدرغوثي". تونس. دار سحر للنّشر 2005. في 145 ص. درست "رجل محترم جدّا". و"شبابيك...". و"وراء السّراب... قليلا". و"الخبز المرّ" و"القيامة... الآن"...
    محمّد القاضي: ضمن كتابه "في حواريّة الرّواية"، دراسة في الرّواية التّونسيّة". تونس. دار سحر للنّشر 2005. درس أعمال أدباء تونسيّين منها رواية "شبابيك منتصف اللّيل": (175-190).
    صلاح الدّين الحمادي: "دليل الكتّاب التّونسيّين، أعضاء الاتّحاد". تونس. منشورات اتّحاد الكّتّاب التّونسيّين 2005. (135-136).
    عبد الحميد المنتصر: "الخطاب السّردي لإبراهيم الدرغوثي: بين التّطريس والتّجريب". "الصّحافة" (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 13/01/2005. (3).
    محمّد صالح بن عمر: "تجدّد أسئلة الإبداع السّردي في القصّة التّونسيّة المعاصرة". "رحاب المعرفة". السّنة 8. العدد 43. جانفي - فيفري 2005. (21-28).
    رمضان العوري: "سرديّة الحواريّة وكتابة الخرق" في "القيامة... الآن". مجلّة "رحاب المعرفة". العدد 43. فيفري 2005. (77-83).
    بوشوشة بن جمعة: التّجريب وجماليّة المفارقة السّرديّة في رواية "الدّراويش يعودون إلى المنفى". مجلّة "عمّان". (الأردن). العدد 116. شباط/ فيفري 2005. (75-83).
    محمّد كمال السّخيري: "مذلّة الانعتاق واستعباد الحرّيّة في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 162. فيفري 2005. (139-142). ثمّ ضمن كتابه "قراءات نفسجديّة لنصوص إبداعيّة". المؤلّف. سوسة. مط. شركة المطبعة الفنّيّة. سيدي عبد الحميد 2005. (155-168).
    الكيلاني بن منصور: ""تاكسي الدرغوثي في مدينة الشّكلانيّين الرّوس، ثورة الأخلاق أم أخلاق الثّورة؟". "الحياة الثّقافيّة". العدد 164. أفريل 2005. (116-122).
    عبّاس سليمان: "حول تجربة إبراهيم الدرغوثي القصصيّة والرّوائيّة".. "العرب". (لندن). في 03/04/2005.
    الهادي غابري: "العجائبي في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 166. جوان 2005. (12-20).
    عمر حفيّظ: "الكتابة التّأنيث، إشكاليّة التّسمية إشكاليّة القراءة". مجلّة "عمّان". (الأردن). العدد 123. أيلـول. 2005. (82-87). وانتقـد مواقف خليفة الخياري ومحسن بن ضياف من حضور الجنس في أدب إبراهيم درغوثي. الهامش رقم 26. (ص 87).
    فرج الحوار: "خطيئة الإحالة في نصوص إبراهيم درغوثي الرّوائيّة وفي "شبابيك منتصف اللّيل" بصورة خاصّة". "رحاب المعرفة". السّنة 8. العدد 47. سبتمبر - أكتوبر 2005. (9-21).
    محاورة المؤلّف: "لست شيخ طريقة ولا قطب أقطاب". (حاوره ساسي جبيل). "الملاحظ". العدد 651. في 12/10/2005. (28-29).
    محاورة المؤلّف: "ثلاثة أسئلة (من طرح المحسن بن هنيّة). "الملاحظ". العدد 658. في 10/11/2005.
    محاورة المؤلّف: "أنا هانئ في قريتي... فلماذا أبحث عن وجع القلب في العاصمة؟". (حاوره نور الدّين بالطّيّب)."الشّروق". في 17/11/2005.
    صلاح الدّين بوجـاه: "وجوه الائتلاف والاختلاف بين الرّواية التّونسيّة المكتوبة بالعربيّة والـمكتوبة بالفرنسيّة". رسالة دكتوراه دولة. تونس. كلّيّـة الآداب بمنّـوبـة إشراف د. محمود طرشونة (2004). درس ضمنها روايات تونسيّة منها "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهبم درغوثي. طبعت الأطروحة تحت عنوان: في الألفة والاختلاف بين الرواية العربية والرواية المكتوبة بالفرنسية في تونس / نشر مشترك بين : كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان ودار الجنوب للنشر /تونس ط 1 /2005 .
    أمال البجاوي : "الرّواية والتّاريخ "أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي". "الصّحافة". (ورقات ثقافيّة). الجمعة في 27/01/2006.
    عبد الرّزّاق سليم: "مستويات "التّناصّ" في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". "قصص". العدد 135. جانفي - مارس 2006. (81-90).
    مصطفى إبراهيم الضّبع: "ابراهيم درغوثي والتّراث". "رحاب المعرفة". العدد 49. جانفي - فيفري 2006. (61-74).
    مراجع أخرى: بحوث جامعيّة لم تنشر بعد:
    نورة يحياوي وأمّ العيد سعيداني: "التّجريب في الرّواية العربيّة الحديثة: "القيامة... الآن" لإبراهيم درغوثي نموذجا". بحث لنيل شهادة اللّيسنس في الأدب العربي. إشراف شادية شقروش. جامعة بشّار. الجزائر. 2001/2002. (47 ص).
    فاطمة الزّهراء العيرج: "الشّكل الفنّي في رواية "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي". بحث لنيل شهادة اللّيسنس في الأدب العربي. إشراف لحسن كرومي. جامعة بشّار. الجزائر 2001/2002. (80 ص).
    فريدة لكحل وعائشة بوزرارة: "البناء القصصيّ في قصّة "رجل محترم جدّا" لإبراهيم درغوثي". بحث لنيل شهادة اللّيسنس في الأدب العربي. إشراف نظيرة الكنز. جامعة باجي مختار بعنّابة. الجزائر 2001/2002. (130 ص).
    فاروق برهوم ونور الدّين حملة: "التّركيب العاملي لقصّة "وقائع من حياة رجل قال.." لإبراهيم درغوثي". بحث لنيل شهادة اللّيسنس في الأدب العربي. إشراف شادية شقروش. جامعة العربي التّبسّي. تبسّة. الجزائر. 2002/2003. (73 ص).
    عواطف سليماني: "دراسة سيميائيّة لرواية "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي". بحث لنيل شهادة اللّيسنس في الأدب العربي. إشراف شادية شقروش. جامعة العربي التّبسّي. تبسّة. الجزائر 2002/2003. (120 ص).
    جمعة ويس ووهيبة بن الطّاهر: "البنية السرديّة في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". بحث لنيل شهادة اللّيسنس في الأدب العربي. إشراف د. محمّد تحريشي. جامعة بشّار. الجزائر 2003/2004. (61 ص).
    فاطمة الزّهراء عبد الحيّ ونصيرة محيي الدّين: "التّناصّ في الرّواية العربيّة: "القيامة.. الآن" لإبراهيم درغوثي نموذجا". بحث لنيل شهادة اللّيسنس في الأدب العربي. إشراف شادية شقروش. جامعة العربيّ التّبسّي. تبسّة. الجزائر. 2003/2004. (70 ص).
    عبلة جاباللّه وصباح بوترعة: "جدليّة التّراث والحداثة في رواية "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي". بحث لنيل شهادة اللّيسنس في الأدب العربي. إشراف شادية شقروش. جامعة العربي التّبسّي. تبسّة. الجزائر 2003/2004. (50 ص).
    آمال البجاوي: "الرّواية والتّاريخ في "أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي". رسالة ماجستير (إشراف د. محمّد القاضي). ناقشتها بكلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات. منّوبة في 07/01/2006. (ما زالت مرقونة).
    4 ـ مراجع بالفرنسيّة:
    [؟] مختـار: "الـنخل يموت واقفا" لإبراهيم درغوثي، أقصوصة تخفي أخرى". "لو طون هبدو". « Le Temps Hebdo » في 15/05/1989.
    رضا الكافي: [قراءة] "الخبز الـمـرّ". "لو طون". « Le Temps » في 08/08/1990.
    جان فونتان: "نظرات في الأدب التّونسيّ". تونس. سراس للنّشر 1991. « Regards sur la littérature tunisienne... ».. ((123).
    صالح بن حمّادي؟: ""القيامة... الآن" مشاهد أخرويّة". "لو طون". « Le Temps » في 22/06/1994.
    منـصـف شرف الدّيـن: "رجـل محترم جدّا" لإبراهيم درغوثي: أسلوب أخّاذ". "لو طون". « Le Temps » في 06/03/1996.
    كمال بن ونّاس: "شبـابيـك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي: روح الكـائنـات". "لو طون". « Le Temps » في 10/08/1996.
    جان فونتان: "أحاديث عن الأدب التّونسيّ المعاصر". تونس. دار الجنوب 1998. « Propos sur la littérature tunisienne contemporaine... ». (70-72).
    فرج الحوار: "تحوّل أم حيلة؟ مسيرة إبراهيم درغوثي". "لو رونوفو". « Le Renouveau » في 03/12/1998.
    فرج الحوار: ""شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم درغوثي". "لو رونوفو". « Le Renouveau » في 13/12/1998.
    جان فونتان: "تـاريخ الأدب التّونسيّ". تونس. سـراس للنّشر 1999. ج 3. « Histoire de la littérature tunisienne...». أشار إلى أعمال المؤلّف (250-251).
    مرتضى العبيدي: ""أسرار صاحب السّتر"، عودة ثابتة إلى المحلّي". "لا براس". « La Presse » في 08/02/1999.
    كمال بن ونّاس: "أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي، كيف يُكتب الواقع". "لو طون". « Le Temps » في 03/03/1999.
    فرج الحوار: ""أسرار صاحب السّتر" لإبراهيم درغوثي". "لو رونوفو". « Le Renouveau » في 19/03/1999.
    برهان بن ميلاد: "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي، صرخة قلب... ملكة فنّيّة مدهشة". "لا براس". « La Presse » في 09/08/1999.
    برهان بن ميلاد: "وجه وقفا". "لا براس". « La Presse » في 09/08/1999.
    صفيّة بوسّيس قدّوس: "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي: "من المحاكاة السّاخرة إلى السّخرية". "لا براس". « La Presse » في 22/09/1999.
    حبيـب صالحـة: "وراء السّراب... قليـلا" لإبراهيـم درغـوثي، سراب الرّواية". "لا براس". « La Presse » في 05/05/2003.
    مالك بن عمر: "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي، عندما يتداخل المأسوي والعجيب". "لو كوتيديان" « Le Quotidien ». في 27/08/2003. ثمّ في كتاب: "بحوث في الأدب التّونسي". تونس. نوافذ [للنّشر] 2005. بعنوان: "وراء السّراب... قليلا" لإبراهيم درغوثي، عندما يتداخل المأسوي والعجيب". (85-87).
    فرج الحوار وحافظ الجديدي: "منتخبات من القصّة القصيرة التّونسيّة". منشورات اتّحاد الكتّاب التّونسيّين 2003. سلسلة ضفاف. « Anthologie de la nouvelle tunisienne ». وترجما للمؤلّف أقصوصة "جدّي": (117-120). وكان نشرها في مجموعة "النّخل يموت واقفا". 1989.
    فرج الحوار وحافظ الجديدي: "منتخبات من الرّواية التّونسيّة". منشورات اتّحاد الكتّاب التّونسيّين 2004. سلسلة ضفاف. « Anthologie du roman tunisien ». وترجما للمؤلّف قسما من "أسرار صاحب السّتر": (151-155).
    عمر حفيظ: ضمن كتاب عثمان بن طالب: "مختارات من النّقد الأدبي والفكر والعلوم الإنسانيّة". منشورات اتّحاد الكتّاب التّونسيّين 2004. سلسلة ضفاف. « Anthologie critique littéraire, pensée et sciences humaines». وترجم له فصل "إبراهيم درغوثي والأدب التّجريبي". (113-119). وهي مقدّمة كتاب عمر حفيّظ "التّجريب في كتابات الدّرغوثي". صامد 1999.
    مصطفى حبيبي: "لقاء مع القصّاص والرّوائي إبراهيم درغوثي". "لو رونوفو". « Le Renouveau » في 01/10/2004.
    مرجع آخر بالفرنسيّة:
    يحيى محمّد هادي: "زمن التّاريخ وزمن الخطاب في الرّواية: "الدّراويش يعودون إلى المنفى" لإبراهيم درغوثي". أطروحة شهادة التّعمّق في البحث. إشراف سعيد يقطين. جامعة جون مولان. ليون 3. فرنسا. السّنة الجامعيّة 2003-2004.
    مراجع أخرى:
    جذاذة أدبيّة حرّرها المؤلّف في 22/01/2002. و‌أخرى في 09/09/2005.
    قائمة مراجع مرقونة تكميلية أرسلها لنا المؤلّف (مؤرّخة في 28/09/2005).
    مراجعة المؤلّف هذا الملفّ. في 20/04/2006.
    5 ـ شهادة إبراهيم درغوثي
    قال المؤلّف متحدّثا عن تجربته في الكتابة ضمن إحدى شهاداته [سنة 1998]: "بما أنّني مغرم بالذّهاب بعيدا في كلّ شيء فقد شدّني [في عهد الشّباب أي بين 1975 و1985] الفكر الماركسيّ حدّ الجنون. وتطبيقا لأفكار معلّمي "جدانوف" كتبت أشعارا كثيرة تمجّد ثورات العالم وتتغنّى بسواعد العمّال والفلاحين... ولكنّني لم أكن راضيا كلّ الرّضا عن تلك الأشعار، فقد كنت أحسّ أنّ القصيد كان أضيق من أن يسَع كلّ ما رُمتُ تبليغه، إلى أن كان شهر أوت من سنة 1987، في تلك السّنة كتبت قصّتي القصيرة الأولى... وبما أنّني كنت أملك مخزونا يكاد لا ينضب من القصص، كانت الجرائد تنشر نصوصي في كلّ أسبوع تقريبا. وبعد سنة من نشر نصّي الأوّل في الجرائد نشرت مجموعتي القصصيّة الأولى "النّخل يموت واقفا"، وهي قصص احتفيت فيها بالطّفولة وأعدت كتابة ما اختزنته ذاكرتي من حكايات الأجداد، مع الاهتمام بواقع أعجب من العجب في قرى مناجم الفوسفاط بولاية قفصة.
    وواصلت على نفس الوتيرة، فكانت مجموعتي القصصيّة الثّانية "الخبز المرّ" التي واصلت فيها الكتابة على الطريقة "الجدانوفيّة" [نسبة إلى جدانوف المذكور أعلاه]. كتبت قصصا تمجّد كفاح الإنسان من أجل حياة أفضل، انتصرتُ فيها للفقراء والمهمّشين على أعداء الإنسانيّة بمختلف أشكالهم. ثمّ جاءت بداية التّسعينات وسقوط المنظومة الاشتراكيّة وحرب الخليج الثّانية وتغيّر العالم. وفي هذا الخضمّ المتلاطم الأمواج تغيّرت أمور كثيرة. فما كان، إلى عهد قريب، ثابتا، تزعزع، وما كان لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه صار موضع شكّ. وهكذا انتقلت من الكتابة على هدي الواقعيّة الاشتراكيّة إلى طرق أخرى تداخَلَ فيها فنّ القول عندي وامتزجت الأجناس الأدبيّة امتزاجا عجيبا. وصار همّي الأوّل قول الحقيقة وملامسة الممنوعات التي سكت عنها غيري".
    [وأضاف]: "أنا متّهم ضمنيّا بقول الحقيقة كلّها حين حاولت في كتاباتي فضح النّفس البشريّة وتركها عارية على خشبة المسرح أمام جمهور حاولت شدّه إلى قولي بشتّى الطّرق".
    [وقال أيضا]: "لقد اقتربت في روايتي "شبابيك منتصف اللّيل" كما في رواياتي وأعمالي القصصيّة الأخرى من التّراث القصصيّ العربيّ دون أن أقع في فخّ التّقليد. إذ كان همّي الاستفادة منه لإعادة إنتاجه من جديد في نصوص حديثة. لذلك استعملت كثيرا في قصصي ورواياتي التّضمين والتّناصّ فتجاورت عندي الحكايات القديمة مع الشّعر الحديث، والخرافات والأساطير مع نصوص الكتّاب المحدثين عربا وأعاجم".
    من شهادة المؤلّف: "إبداع الكاتب بين الحقيقة والأسطورة". "الرّأي العامّ". في 11/04/1998.
    6 ـ من أقوال النّقّاد والدّارسين:
    قال فتحي شبيل في خاتمة قراءته مجموعة المؤلّف القصصيّة الأولى "النخل يموت واقفا" [1989]: "الكتابة عنده استفزاز ورفض يقتضي التّحرّر من كوابيس الظّلم وجحيم الجور ويقتضي أيضا أن يكون لنا ما نتوكّأ عليه لإبلاغ ما نريد.
    إنّ إبراهيم درغوثي من خلال هذه المجموعة واقعيّ النّزعة، ممجّد للإنسان المكافح من أجل الغد المشرق [...].
    لقد خطَّ لنا حكايات عن أناس نعرفهم جميعا لأنّهم "نحن"... في لغتنا اليوميّة وحياتنا الدّائبة وحلوقنا الجافّة وراء لقمة العيش... إنّهم "نحن"... المتكوّمون على جمر رمال الصّحاري، الحالمون بالمال وراء الحدود وبمواطن الشّغل... إنّهم "نحن" وظلال الفرحة ما زالت باهتة فوق شفاهنا... إنّهم "نحن" الذين نعاني من الحضارة، والحضارة أمّنا الكسولة [كذا] التي لم تعد قادرة حتّى على طبخ الطّعام!.. "نحن" الذين نترنّح في الشّوارع الصّغيرة الملآنة [كذا] حفرا وبالوعات ثمّ لا نملك إلاّ أن نحسّ بدوار شديد باحثين عن شبّاك الفنّ الذي سيحمينا من العواصف والأنواء... ويحمينا من أن نموت واقفين... أو أن نموت نمشي...".
    "بل يموت النّخل يمشي". "قصص". العدد 97. جويلية ـ سبتمبر 1992. (102).
    وقال حسن بن عبد الله في خاتمة قراءاته رواية "الدّراويش يعودون إلى المنفى [1992]: "رغم التّقسيم الذي اعتمده الكاتب إبراهيم الدّرغوثي في حبكه هذا العمل الرّوائيّ الأوّل فإنّ السّرد كان مسترسلا ومتماسكا بحيث تخرج من الباب لتجد نفسك مجبرا للدّخول إلى الباب الذي يليه. وقد التزم إلى حدّ كبير الكتابة بأسلوبه القصصيّ الذي تسيطر عليه عادة التأزّم النّفسيّ والعوامل الباطنيّة الأليمة، مستعملا لغة بسيطة في متناول كلّ قارئ، بعيدا عن الصّياغة التّقريريّة للأحداث". [...].
    [وأضاف]: "وقد وفّق إلى حدّ كبير في ترويض أفكاره وزرعها حسب المشاهد الدّراميّة ووزّعها على الشّخصيّات التي توزّعت هنا وهناك، بالإضافة إلى إضفاء هالة من الشّعر ومن الكتابة الرّاقية للتّعبير عن المواقف بالاعتماد على أصوات أخرى... أصوات نابعة من كيان الكاتب".
    [قراءة] "رواية الدّراويش يعودون إلى المنفى لإبراهيم الدّرغوثي". "المسار". العدد المزدوج 26/27. ديسمبر 1995. (144).
    وقال محمّد القاضي في سياق حديثه عن رواية المؤلّف "شبابيك منتصف اللّيل" [1996]: "حين ندخل هذه الرّواية يشدّنا إليها هذا التّداخل بين الأشكال والرّؤى والأساليب والنّصوص. ومن هذا التّداخل تَتَسَلَّلُ إلينا فكرة الحداثة بما هي تجسيد للمتحوّل المستمرّ وبحث دؤوب لا يني عن مَثَل أعلى لا يتحقّق في حيّز زمنيّ أو مكانيّ محدّد، وإنّما هي توق متجدّد أبدا ومساءلة لا تتوقّف، فالحداثة إذن نقيض السّكون والتّسليم والأحادية".
    [وأضاف]: "إنّ هذه الرّواية تغدو بهذه الصّورة مجموعة من القصص القصيرة التي ينطوي كلّ منها على معنى في ذاته (55) وعلى معنى آخر حين ينضمّ إلى أمثاله. فالوحدة الظّاهرة تنهض على التّعدّد الخفيّ.
    إنّ هذا العالم المتخيّل الذي ينشُد من خلاله اندراجه في الجنس الرّوائيّ إلى سنّة مستحدثة يتجاذبه قطبان على طرفي نقيض: هما التّاريخ والخرافة". (56).
    [...] "فالإحالات التّاريخيّة وما يجري مجراها تشدّ الرّواية إلى رسْنِها وتحكم عليها أن تحذو التّاريخ حذو النّعل بالنّعل وأن تكون ظلاّ له باهتا.
    على أنّ القطب الثّاني وهو الخرافة يأتي كاسرا لهذه الصّورة الامتثاليّة فـ"شبابيك منتصف اللّيل" ليست تاريخا، ولا هي رواية تاريخيّة، ولا حتّى رواية واقعيّة تستند إلى خلفيّة تاريخيّة، ذلك أنّها تفتح شبابيكها على عالم العجيب وتقطع الصّلة مع مبدإ المشاكلة La vraissemblance الذي هو قوام الواقعيّة في الفنّ.
    [وأضاف]: "إنّ حداثة "شبابيك منتصف اللّيل" تنبجس من هذا التّماسّ بين الواقعيّ والتّاريخيّ والعجيب. فكلّ مجال من هذه المجالات يأتي مُوقفا المجاليْن الآخرين. وفي هذه المتابعة المحمومة لتنقّل الكتاب بين المصطلحات يولد النّصّ من الحركة والفعل". (56).
    [...] "والدّرغوثي لا يسجن روايته في قالب شكليّ واحد. وإنّما يراوح فيها بين أشكال متعدّدة من أهمّها شكل الخبر. فهو يعمد في مناسبات شتّى إلى قطع كلام شخصيّته وإحلال كلام غيرها محلّه باستخدام أسلوب شبيه بالإسناد. [...].
    كما يستخدم الشّعر بطريقتيْن، إحداهما موغلة في التّقليد، تتجلّى في ترصيع النّثر بالشّعر [...] والأخرى مقتحمة غمار التّجديد، تظهر في ملابسة الشّعريّة للنّصّ النّثريّ. [قال الرّاوي]:"كانت السّاعة حوالي منتصف اللّيل والمدينة التي تعجّ بالحياة طوال النّهار تنام باكرا. الشّوارع خالية من المارّة. وظلال الجدران تهبط ثقيلة على الأرض وكأنّها الأشباح الفارّة من قيودها" (الرّواية ص 10). (57) يظهر ذلك في كتابة النّثر كما يكتب الشّعر.
    إنّ هذا التّماسّ متنوّع الأشكال يصدم الحساسيّة التّقليديّة التي تتّخذ فيها الأشياء حدودا مضبوطة لا تتعدّاها. ومن ثمَّ فإنّ التّقلّب المستمرّ والتّنقّل المتواصل بين الأجناس والمذاهب يستفزُّ في القارئ رغبته في تدجين هذا النّصّ النّفور والوقوف على كنهه. أهو نثر أم شعر، رواية أم تأريخ، واقعيّ أم عجيب؟ فلا يكاد يستقرّ من ذلك على رأي".
    [وأضاف]: "إنّ التّعدّد في أصوات الرّواة يدخل بعض الارتباك على مقروئيّة النّصّ. فلا نكاد نحقّق هويّة المتكلّم حتّى يأتينا غيره أو يأتينا هو نفسه في صورة أخرى جديدة [...].
    إنّ هذه المراوحة بين السّرد والمونولوج، بدون وسائط لفظيّة، ليست وليدة الأدب وإنّما هي مستعارة من تقنياتالسّينما، وهي تنهض على ضرب من اللّعب على حبال متعدّدة، يتقدّم النّصّ من خلال تظافرها...". (57).
    [وختم محمّد القاضي بقوله]: "إنّ هذه الرّواية رفض للموقف الانكفائي سواء أَتَوَكَّأَ على التّراث أم ضرب في مَهَامِهِ الاستلاب أم تقوقع في محّارة الصّفويّة الرّوحانيّة. ولم يكن هذا الرّفض ليظهر لولا تماسّ الحداثات. فهذا النّصّ وليد عصره، ولكنّه ليس سجين مصره. وهذه القيم التي تتخلّله ليست إقليميّة وإنّما هي كونيّة. بهذا نفهمُ موقف الكاتب من المرأة، وعداءه للحرب، وإيمانه بالمساواة، ودفاعه عن البيئة، ورفضه للتّطرّف، واحتفاءه بالعلم. وهي قيم لم يُفصح عنها وإنّما ألقاها في ثنايا الرّواية إلقاءً. وبهذا يخرج النّقيضُ من نقيضِه: فموتُ الخلفاء إيذان بحياة الأَخلافِ، و"شبابيك منتصف اللّيل" تُبشّر بأنوار النّهار، وحداثَةُ التّماسّات مَعْبَرٌ لتماسّ الحداثات". (60).
    "رواية شبابيك منتصف اللّيل" لإبراهيم الدّرغوثي". "الحياة الثّقافيّة". العدد 80. ديسمبر 1996. (55-60). ثمّ ضمن كتاب جماعي: "حداثة التّماسّات - تماسّ الحداثات في القصّة والرّواية لدى إبراهيم درغوثي". تونس. دار سحر للنّشر. 2000. (18-32).&
    وقال عمرحفيظ متحدّثا عن "الدّراويش يعودون إلى المنفى" [1992]:"هي رواية إبراهيم الدّرغوثي الأولى. وإنّنا نعتبر كتابتها مغامرة بالنّسبة للمؤلّف. والوجه الأهمّ في المغامرة أنّه قد تحوّل من كتابة القصّة القصيرة بمواصفاتها المتداولة والمتعارف عليها باعتبارها نصّا يقوم على التّكثيف والتّركيز إلى الرّواية باعتبارها نصّا يحتمل توسيع العالم المصوّر والمتخيّل، وباعتبارها كذلك نصّا لا شكل له، لأنّه قادر على احتواء كلّ الأشكال وتذويبها وإعادة صياغتها وتركيبها. ولذلك اعتبرنا تحوّل الدّرغوثي من تلك إلى هذه مغامرة، بل هي مغامرة متواصلة لأنّ الرّجل ما فتئ يكتب في الجنسيْن باقتدار لافت... شأن من حرص على تجويد نصّه وتنويع مراجعه وارتياد آفاق جديدة في الكتابة".
    من دراسة "الدّراويش يعودون إلى المنفى" أو حرّيّة الكتابة وقهر الإيديولوجيا". "المسار". العدد المزدوج 36/37. سبتمبر 1998. (48 و49 و50).&&&
    وقال عمر حفيظ متحدّثا عن تجربة المؤلّف: "إنّ الكتابة السّرديّة عند الدرغوثي ذات خصائص متعدّدة منها الجمع بين الواقع المعيش والأسطوري والعجيب والغريب والمحاورة بين الأزمنة على نحو يفاجئ ويربك". (7).
    [وأضاف]: "إنّ إبراهيم الدّرغوثي وهو يكتب يريد أن يخرجنا من أنفاقنا وأن ينزع عنّا نفاقنا وكبرياءنا الكاذب، إنّنا نعيش الواقع متفاعلا متحرّكا بما فيه من قيم وضيعة تحطّ من إنسانيّة الإنسان، ولكنّنا حين تتحوّل إلى الورق نبحث عن النّقاء والنّضارة". (8).
    "التّجريب في كتابات إبراهيم الدرغوثي القصصيّة والرّوائيّة". صفاقس. دار صامد للنّشر والتّوزيع 1999. (7 و8).
    وقال الهاشمي بلوزة إثر قراءته "الدّراويش يعودون إلى المنفى" [1992] ما ملخّصه: "إنّ الدرغوثي من أولئك الذين توصّلوا إلى كشف سرّ الكتابة المختزلة ذات الإيحاءات المتعدّدة، الموغلة في التّراث من جهة والمشيرة إلى حاضرنا المعاصر بكامل تأزّماته دون الإحساس باهتزازاته، وهو ينتقل بك عبر الدّهور والأحقاب من أعمق أعماق الأسطورة والأمكنة المتباعدة ليشير لك بعصا سحريّة إلى النّقاط السّاخنة والعليلة في حاضرنا المعيش بكامل سخافاته وآلامه".
    [قراءة] "الدّراويش يعودون إلى المنفى". من ملخّص مداخلة ضمن كتاب النّاصر التّومي "مطارحات أدبيّة". تونس. منشورات "قصص" 1999. (96).
    وقال جان فونتان [سنة 1999] متحدّثا عن أعمال المؤلّف: "يتّسم إنتاجه بانتظام متواصل غير مألوف، ذلك أنّه نشر سبعة مؤلّفات تخييليّة خلال سبع سنوات.
    وفي "الخبز المرّ" [1990] يتعلّق الأمر بصياغة أدبيّة قصصيّة للانتفاضة التي رافقت ارتفاع ثمن الخبز سنة 1984، وبظاهرتي الفساد والرّشوة في بلدان الخليج التي دفع التّونسيّون إلى الهجرة إليها لأسباب اقتصاديّة. ونجد [في المجموعة] أيضا إشارات قاسية لعدد من مظاهر الانحراف والشّذوذ في مجتمع اليوم".
    [وأضاف فونتان]: "في "الدّراويش يعودون إلى المنفى" [1992] وضع المؤلّف مباشرة قضيّة السّارد. وقد شعر المؤلّف أيضا بالحاجة إلى تبرير مشروع كتابته الأدبيّة. أضف إلى ذلك أنّه نهَل من الموروث التّاريخيّ والأسطوريّ العربيّ أيضا ليغذّي نثره.
    وتظهر الرّواية في شكل تضمينات أو استطرادات. وأشير بسرعة إلى وجود فصل كامل يتكوّن من مجموعة مقتطعات من الزّخارف [والكرامات] منسوبة إلى الأولياء الشّعبيّين.
    ويجد القارئ نفسه من خلال الرّواية مبحرا في فضاء عجيب. إذ الإطار الحقيقيّ الحاضر في الحكاية يقتصر على وجود فرنسيّ لعلّه مخبر في إحدى الواحات بالجنوب التّونسيّ. أقام فيها وتساءل عن جميع مظاهر الحياة الاجتماعيّة المحلّيّة هناك.
    والانطباع العامّ من المجموع كلّه أنّ الأمر يتعلّق بالأحرى بمجموعة أقاصيص. فليس النّفس وتماسك الرّواية حاضرين في المؤلّف [المذكور].
    [وقال متحدّثا عن رواية "شبابيك منتصف اللّيل" [1996]: "يتدخّل ثلاثة أعمام للسّارد ويتعلّق الأمر هنا بقضيّة القسوة في معاملة الحيوانات ومعاشرتها [؟] Zoophilie وبالمعتقدات والأساطير المحلّيّة والجنّ الذي يفرّ من دواميس مناجم الفوسفاط في بداية عهد الاستعمار [الفرنسيّ] وبمصائر مأسويّة تجاذبها الجنس والورع الشّعبيّ والتّطوّر الاجتماعيّ نتيجة النّهضة الاقتصاديّة [في البلاد]. (تعريبنا).
    "تاريخ الأدب التّونسيّ" « Histoire... ». سراس للنّشر 1999. ج 3. (251 و252).
    وقال فرج الحوار متحدّثا عن المؤلّف وخصائص أعماله الأدبيّة ومسارها: "والدّرغوثي في اعتباري مثال للكاتب القلق (ولا معنى للكتابة إذا هي صدرت عن الاطمئنان والسّكينة والدّعة) وهو عكس الكاتب الذي يتوهّم أنّه نبيّ أو داعية. والدّرغوثي من طينة القلقين لأنّه لا يستقرّ أبدا على نهج ولا يكنّ ولاءً لمدرسة دون أخرى، وهو ولاء كثيرا ما يتحوّل عند غيره إلى تقديس وعبادة. فلا غرابة إذن أن نراه يتحوّل من الواقعيّة في أشدّ مظاهرها التزاما ـ كما نلمس ذلك في مجموعتيه "الخبز المرّ" و"النّخل يموت واقفا" ـ إلى الواقعيّة السّحريّة أو العجائبيّة كما يعبّر عنها البعض.
    ومع هذا التّحوّل برزت لدى الدّرغوثي ظاهرة توظيف التّراث، وهي من السمات التي لم تخلّ منها نصوصه الأولى، ولكنّها بلغت في تجاربه اللاّحقة ـ والرّوائيّة منها على وجه الخصوص ـ أبهى تجلّياتها، فاكتسبت بذلك أبعادا لم تكن لها في النّصوص السّابقة.
    والدّرغوثي لا يهجّن من مسيرته ما انقضى منها انتصارا لحاضرها، ولا يفاضل بين نصوصه، فكلّها تعبّر عن هموم حقيقيّة وأصيلة لديه، وإن بدت في الظّاهر مختلفة".
    من كتاب "حداثة التّماسّات تماس الحداثات في القصّة والرّواية لدى إبراهيم درغوثي". دار سحر 2000. من دراسة فرج الحوار التّمهيديّة للكتاب أو الفاتحة: "بؤرة الشّرّ". (7).
    وقال محمّد النّاصر العجيمي متحدّثا عن طريقة المؤلّف في الكتابة: "تعتمد الكتابة القصصيّة عند إبراهيم الدّرغوثي القصّ بصيغة المتكلّم إجمالا مجارية بذلك نمط القصّ التّقليديّ ومحقّقة في الظّاهر أحد الشّروط الواجب توفّرها... وهكذا ينتصب عون التّلفّظ في الكتابة المعنيّة فاعلا بالقول، واثقا بنفسه، مظهرا امتلاكه سلطة معرفيّة... لا يدّخر وسعا في استنفار قيم الصّدق والأمانة فيما ينقل، فيعمد إلى توثيق الأحداث المنقولة، مستدلاّ على صحّتها بالإحالة على مصادرها وإسنادها إلى أصحابها المنقول عنهم مشافهة أو عن طريق القراءة المباشرة، ويتّفق في حالات أخرى أن يؤكّد اطّلاعه العينيّ عليها ومعايشته لها أو انخراطه فيها ومشاركته بدور فاعل في تجربتها& [...] ويبدي موقفه من بعض الأحداث التّاريخيّة... ولا يتردّد في الطّعن في بعض المصادر.
    لكن ما أن تطمئنّ إلى ذلك وتتوفّر عندنا قناعة بأنّ الكتابة تجري مجرى السّنن المعهودة في رواية الأخبار، وفي وصل العلاقة بين عون البثّ والمتلقّي وفق عقد ائتماني يضمن اتّصال البلاغ في مستوى القطب التّلفّظيّ ويتحقّق بمقتضاه التّماسك، حتّى تطرأ عوامل تشويش تنسف مصداقيّة البثّ وتلغي اتّساقه".
    من كتاب "حداثة التّماسّات تماسّ الحداثات في القصّة والرّواية لدى إبراهيم درغوثي". تونس. دار سحر للنّشر 2000. (45 و46).
    وقال النّاصر التّومي في سياق حديثه عن حضور التّراث في نماذج قصصيّة تونسيّة: "... كان إبراهيم الدّرغوثي تعامل مع التّراث بتاريخه وأساطيره وحكاياته، وإن كان هروبه واضحا من الواقعيّة لاصطلائه بنارها. وهو يلتجئ إلى التّورية بالنّهل من سحر الماضي البعيد مستوحيا من التّاريخ روايته "أسرار صاحب السّتر" [1998] التي كان بطلها أبو العبّاس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان. ورغم أنّ الدّرغوثي قد حافظ على ما جاء في بعض كتب التّاريخ من وقائع رغم ما وقع تهويله من طرف الرّواة إلاّ أنّه حاول أن يجعل من تلك الشّخصيّة مسخا آخر غير الذي وصلتنا عنه أخبار السّلف.".
    [وأضاف]: "وتعامل الدّرغوثي في مجموعته القصصيّة "رجل محترم جدّا" [1995] مع التّراث الشّعبيّ بشكل مغاير، فقد جعل من بعض الرّموز للحكي القديم بهارات، يضعها كيفما شاء للقطع مع الرّتابة السّرديّة ويحيل الذّهن إلى مرجعيّات قديمة".
    ضمن دراسة: "الأسطورة والفلكلور في القصص الحديث". "قصص". العدد 112. أفريل ـ جوان 2000 (77).
    وقال عمر حفيظ في سياق حديثه عن الرّمزيّة محلّلا أقصوصة "رجل محترم جدّا" لإبراهيم درغوثي خاصّة: "إنّنا نعتقد أنّها تستجيب دون غيرها لقراءة تنتهي إلى الإقناع بأنّها قصّة رمزيّة رغم إسرافها في الإحالة على الواقع المعيش أحداثا وأزمنة وأمكنة" (54).
    [وأضاف]: "إنّنا إزاء ترميز للمكان يجعل المتلقّي أميل إلى اعتبار السّرد في القصّة لا يحكي سيرة هذا الرّجل المحترم جدّا وإنّما يحكي سيرة حلم جماعي أو حلم جيل على الأقلّ، أراد أن يعبر من عالم الامبرلياليّة بما فيه من خسارات وعذابات إلى عالم آخر يراه أفضل من الأوّل. لكنّ العبور لم يتحقّق، فقد تفرّقت المظاهرة في شارع فرنسا، وكم من أحلام بدّدها الغرب الامبرليالي بعد أن أتلف أصحابها في إنشائها عقولهم ووجدانهم.
    وإذا جاز لنا أن نقدر أنّ ضياع الحلم يورث القلق والتّوتّر فهل يجوز أن نقول إنّ القصّة موسومة هي أيضا بالقلق والتّوتّر من خلال المراوحة المنتظمة والمتواترة بين زمني الماضي والحاضر؟
    إنّ قصّة "رجل محترم جدّا" نصّ جامع لشتات من الأحداث والأزمنة والصّور بواسطة خيط ناظم يشدّ هذه المكوّنات إلى بعضها [بعضا] ويؤسّس للسّخرية ممّا حدث وما يحدث ومن الذّات والآخرين، ذاك الخيط النّاظم هو تلك اللاّزمة التي تكرّرت في النّصّ 15 مرّة، وتكرارها لم يكن من قبيل الصّدفة أو الاتّفاق وإنّما هو مقصود أنشأه الدّرغوثي عن وعي بوظائفه في النّصّ "وأنا رجل محترم جدّا". (55).
    "الرّمزيّة في القصّة التّونسيّة". "الحياة الثّقافيّة". العدد 123. مارس 2001. (54 و55).
    وقال أحمد السّماوي [سنة 2002] في سياق حديثه عن "التّطريس" [أي التّناصّ] لدى المؤلّف: "كان هدف مجموعة من الرّوائيّين العرب ومن بينهم إبراهيم الدرغوثي الإسهام في تأسيس شكل للكتابة السّرديّة يحيي أجناسا سرديّة وأدبيّة تراثيّة ويخلّص الرّواية العربيّة من الأنموذج الغربي" (81).
    [واستنتج]: "كانت كتابات إبراهيم الدرغوثي ضاربة بسهم في الحداثة وبآخر في التّراث" (144).
    [وقال أحمد السّماوي في خاتمة دراسته مظاهر من التّطريس في أعمال درغوثي الرّوائيّة والقصصيّة ومنها العبارة المكرّرة واعتبرها النّاقد نصيّة ذاتيّة]: "والتّطريس إذ يتّخذ النّصّيّة الذّاتية هذه يدلّ على أنّ الكاتب، وهو يجمّع متناصّاته من هنا وهناك، بمثابة الـمرمّق الذي يحسن وضع القطع المتناثرة، الواحدة إلى جوار الأخرى، من أجل حصوله على نصّ أوفى هو نصّه النّاسخ.
    وهكذا كان درغوثي في رواياته وأقاصيصه، فهو لا يترك جنسا سرديّا إلاّ استوعبه، غير مبال بحجم ولا بقاعدة، ولكنّه يصوغ هذا الجنس الأدبيّ أو ذاك بكيفيّة وبمقدار؛ ممّا يدلّ على أنّ شعريّة الأقصوصة تتحقّق لا فقط بإيجازها وتكثيفها وإيقاعها، بل أيضا بقدرتها على هضم الأجناس الأدبيّة المختلفة ضمن جنسها هي المحدود. فإذا هي استعارة تمثيليّة تارة، وحكاية وسيرة وترجمة تارة أخرى. وإذا هي محاكاة ساخرة تحرّف ما هو أخلاقيّ لتنقله إلى السّياسيّ، أو ما هو خبر بالمفهوم الأجناسيّ إلى ما هو خبر بالمفهوم الإعلاميّ.
    وهكذا تفلح الأقصوصة، بالتّحايل، في الإيفاء بشروط الجنس الأدبيّ وبشروط التّطريس في آن معًا، وإن كانت أكثر ميلا لتمثّل (154) النّصوص المصادر فيها إلى الالتزام بقواعد الجنس الأدبيّ لأنّها غير معنيّة أصلا بها، فخطابها الأدبيّ أكثر قُدرة على التّطاول على الجنس من غيرها من الأجناس الأخرى، وخاصّة منها الرّواية التي يدعوها جنسها إلى أن تنفتح على النّصوص والفنون جميعها" (155).
    "التّطريس في القصص، إبراهيم درغوثي نموذجا". صفاقس. مطبعة التّسفير الفنّي 2002. (81 و144 و154 و155).
    وقالت نظيرة الكنز في سياق قراءتها مجموعة المؤلّف "رجل محترم جدّا" [1995]: "أسّس إبراهيم الدّرغوثي تضاريسه الخاصّة، إذ تحتضن خطوط الطّول في مشروعه الـقصصيّ الـيـوميّ الـواقعيّ والاجتمـاعيّ والنّفسـيّ، أمّا دوائر العرض فإنّها في حركة لا متناهية مفتوحة على الدّين والأسطورة والتّاريخ. وباختصار شديد تُعبّر معظم المشاهد المقدّمة عن عنف المكبوت وسلطة المكتوب. وقد أعطى القاصّ البعد الإنسانيّ في صورة مكثّفة". (129).
    [وختمت قائلة]: "تحتاج هذه القصّة [رجل محترم جدّا] من القارئ الدّخول في فهم الأسطورة والتّاريخ والفكر، وأن يتفاعل مع التّراث الشّعبيّ. ورغم ارتباطها بالهمّ الجماعي، إلاّ أنّ التّوظيف القصصيّ المميّز جعل للّغة سلطتها ومشروعيّتها وقدرتها على التّوحّد في الأنا الجمعيّ، رغم أنّها "أنا" مفردة. هكذا هي لغة الدّرغوثي مفردة لصيغة جمع، ترفض التّشرنق داخل الأشياء، وتسعى دوما لأن تكون عنيفة وعارية وهادئة في الآن نفسه. فالمواضيع التي تناولها تبدو للجميع محضورات أو ممنوعات لكنّها نصّيّا تحوّلت إلى ممكنات تسمح لأيّ منّا من أن يحوّل مكبوته إلى مكتوب، فالمكبوت في هذه القصّة (المرأة/السّياسة) أضحى مكتوبا جليّا فاضحا". (131).
    "عنف المكبوت وسلطة المكتوب" قراءة في قصص إبراهيم الدّرغوثي "رجل محترم جدّا". الحياة الثّقافيّة" العدد 131. جانفي 2002. (129-133).
    وقال محمّد نجيب العمامي في سياق حديثه عن تجزئة الأقصوصة إلى فقرات في مجال التّجريب من خلال نماذج قصصيّة تونسيّة إحداها للدّرغوثي: "قد تكون التّجزئة خلافا للمتوقّع أداة من أدوات الوضوح في الأقصوصة. ففي "وقائع من حياة رجل قال: لا..." حكاية تقليديّة البنية (هدوء فاضطراب فهدوء). وما كانت هذه البنية لتمسّ [القارئ] لو قرّر القاصّ الاستغناء عن العنونة الفرعيّة، ولكنّه لم يفعل لأنّه لو فعل لغيّب بعض أهمّ مقاصد السّرد المعنويّة. فالأقصوصة تحبّب& إلى رجل من عامّة النّاس استطاع أن يقول "لا" في عهد صارت فيه "اللا" مصدرا لكلّ بلاء، وهو رجل اختلف النّاس كثيرا في اسمه. وقد استغل القصّاص تعدّد أسماء الرّجل ليجعل كلاّ منها عنوانا لواقعةٍ وليُكسب الاسم كلّ مرّة دلالة تكشف ملمحًا من ملامح صاحبه".
    "من مظاهر التّجريب في القصّة القصيرة التّونسيّة". "قصص". العدد 126. أكتوبر ـ ديسمبر 2003. (103). ثمّ ضمن كتابه "بحوث في السّرد العربيّ". صفاقس. مكتبة علاء الدّين 2005. الدّراسة بالعنوان نفسه. ( )&
    وقال محمّد الباردي: "تسعى قصص إبراهيم الدّرغوثي من خلال هذه المجموعة "الخبز المرّ" [1990] إلى تشخيص هذا الكيان المستقلّ، ولكن أيّ شكل من أشكال التّشخيص اختارت؟ إنّه تشخيص النّموذجيّ من الأحداث والشّخصيّات والمكان والزّمان. فالسّارد ينتقي من واقع الحياة أكثر الأحداث اختزالا لحياة النّاس وأكثرها إثارة وأغزرها دلالة". (111).
    [وأضاف]: "إنّ عمليّة التّحويل والنّقل من الدّنيويّ إلى الأدبيّ، أو من الواقع إلى المتخيّل، تقوم على انتقاء دقيق، فالمؤلّف لا يختار من الأحداث في أغلب الأحيان إلاّ تلك التي تتّصل باللّحظات التّاريخيّة أو الزّمنيّة المتوتّرة، شأن أحداث بداية الثّمانينات في "الخبز المرّ" [...] وهو اختيار واعٍ ومقصود لا شكّ. وهذا يعني أنّ الكاتب لا يُغرب ولكنّه أيضا لا يجاري الحياة العاديّة اليوميّة، بل يبحث عن أكثر الأحداث دلالة سياسيّة واجتماعيّة تكون بمثابة نقاط ارتكاز يشترك فيها الكاتب مع قارئه الفعليّ المعاصر له" (113).
    [وختم بقوله]: "أمّا عن طبيعة هذه الإيديولوجيّة التي يعتني بها السّارد فهي إيديولوجيّة ترى الواقع فاسدا وترفض السّلطة بأشكالها المختلفة وتبشّر بمجتمع أنقى وأعدل وأسعد يحلو فيه طعم الخبز". (116).
    "الواقع والإيديولوجيا في "الخبز المرّ" لإبراهيم الدّرغوثي". "قصص". العدد 126. أكتوبر ـ ديسمبر 2003. (111 و113 و116).
    وقال محمود طرشونة متحدّثا عن روايات المؤلّف وقد أدرجها ضمن تيّار "رواية توظيف التّراث": "يكاد إبراهيم الدرغوثي يتخصّص في هذا الصّنف برواياته الأربع "الدّراويش يعودن إلى المنفى" (1992) و"القيامة... الآن" (1994) و"شبابيك منتصف اللّيل" (1996) و"أسرار صاحب اللّيل" (1998)".
    ضمن دراسة "واقع الكتابة الرّوائيّة في تونس". "قصص". العدد 130. أكتوبر - ديسمبر 2004. (ص 66).
    وقالت شادية شقروش في ممهّدة دراسة أعمال المؤلّف القصصيّة والرّوائيّة: "يبدو أنّ نصوص [إبراهيم درغوثي] تحمل في طيّاتها استراتيجيّة مضادّة للقارئ وتنفتح على آفاق القراءة والتّأويل". (5).
    "تتحرّك الشّخصيّات السّرديّة لهذا القاصّ في واقع متعفّن. لذلك يعمد هذا الأخير من خلال الشّخصيّات إلى الكشف عن العالم الخارجي ليفضح الممارسات اليوميّة التي تبعث على الغثيان، مستندا في ذلك إلى ذاكرة مثيولوجيّة منصهرة بالمقدّس والمدنّس، مزدحمة بالمواقف والصّور العجائبيّة المدهشة".
    [وأضافت]: "أسّس هذا القاصّ إمبراطوريّته الإبداعيّة الخاصّة به، فهو يريد سردا بلا أوهام، فظّا فظاظة الواقع المعيش، لذلك يتّبع طريقة الصّدمات، فهو بطريقة أو بأخرى يصدم المتلقّي ويحدث له خلخلة عقليّة تجعله يسهم في إعادة بناء هذا الواقع العفن من جديد.
    نصوص إبراهيم درغوثي صدمات كهربائيّة. وهي تشبه في ذلك السّلاح في معركة التّوعية والتي هدفها الحقيقة العارية بأسلوب قبيح متمرّد على المقدّس/ المحرّم (الدّين، السّياسة، الأخلاق)". (6).
    [وقالت في سياق حديثها عن مجموعة "رجل محترم جدّا" [1995]: "يتنزّل مشروعه القصصيّ في إطار التّجريب من أجل بناء الأفضل والمختلف، فهو مبدع وقارئ ممتاز، له خلفيّة معرفيّة نامية يكتشفها القارئ عندما يبحر في غياهب نصوصه ويتوه فيها...".
    "يعمل إبراهيم درغوثي على تجميل الرّوح المتوحّشة، فتصبح الحداثة في إبداعه أصيلة وليست إملائيّة نقليّة، منطلقا في ذلك من النّواة المؤسّسة لنظريّة القصّ، مرتكزا على النّتاج السّردي السّابق له الثّابت منه والمتنامي، واضعا أقدامه على أرض صلبة، مشكّلا بذلك حلقة أخرى مضافة إلى الإبداع المعرفيّ في سلسلته الحلزونيّة، أو صرحا آخر يضاف إلى هرم أدب الأمّة". (12).
    [واستنتجت]: "النّصّ القصصي الدرغوثي يجمع بين التّوجّه العربي القديم والحديث والتّوجّه الأمريكي والرّوسي، ويتجرّأ على هذه العناوين وغيرها في كامل مشروعه الإبداعي ليعلّق القصّة بالرّواية، فتتطاول القصّة عند هذا المبدع على الرّوايـة وتتجاوزهـا إلى الحداثـة وما بعد الحداثة، وهـذه المغـامرة لعمري صعبـة، إذ تمتزج الأجنـاس فيمـا بينهـا ليُخلق اللاّ جنس عند هذا القصّ الذي يمتلك جرأة في الأخذ والتّحوير وجرأة على السّخرية من المثقّف السلبي". (13).
    [وقالت متحدّثة عن "وراء السّراب.. قليلا" [2002]: "ولا شكّ أنّ تجربة درغوثي في رواية "وراء السّراب... قليلا" متورّطة تورّطا عميقا مع التّاريخ والمجتمع والإيديولوجيا، يحاول من خلالها الرّوائي رؤيا العالم بعين بصيرة، فتتحوّل الكتابة إلى "عالم أسطوري يتمّ فيه خلق الوحدة التي انتهكتها" تناقضات الماضي والحاضر". (41).
    "الخطاب السّردي في أدب إبراهيم الدرغوثي". تونس. دار سحر للنّشر 2005. (5 و6 و12 و13 و41).
    ونقول: كتابات إبراهيم درغوثي تندرج في سياق بحثه عن صيغ جديدة من الكتابة إذ يستمدّ مادّتها من الواقع اليومي ويستلهم التّراث الشّعبي الشّفوي ومؤلّفات التّاريخ القديمة وينشئ بها مادّة تخييليّة في سياق تناصّي ثريّ جدّا. وهي تندرج ضمن مزيج من الواقعيّة الجديدة والواقعيّة السّحريّة والفنتازيا المدهشة، وتدلّ على جرأة صاحبها في الكشف عن المسكوت عنه وعرضه قضايا متنوّعة بنبرات ساخرة من الغير ومن الذّات ونفس شعريّ وخيال خصب.
    لقد ولّد كلّ ذلك مشاهد مألوفة وغريبة وصورا مدهشه عجيبة غير متوقّعة بقدر ما تنطلق من المحلّيّة تعانق قضايا إنسانيّة معاصرة. وهي كتابة جديدة حداثيّة إلاّ أنّها تخفي غنائيّة مأساويّة ساخرة تنفتح على دلالات ذات أبعاد نفسيّة وحضاريّة عديدة. وهي مجال فسيح للدّراسة والبحث والاستقصاء باعتماد اتّجاهات نقديّة معاصرة وأدوات تحليل حديثة. ورغم ما كتب عنها من دراسات عديدة فهي لم تكشف عن كلّ خفاياها وأسرارها بعد.




















    7 ـ قصّة لإبراهيم درغوثي:
    ـ وقائع من أوجاع امرئ القيس( )
    إلى زكريّا تامر ثانية( )
    ترك امرؤ القيس( ) دروعه عند السّموأل( ) وذهب إلى اسطنبول. قال سأستجير بسلطان البَرَّيْن وخاقان( ) البحريْن، الـملك الذي أتته الخلافة منقادة إليه تجرْجر أذيالها. ولن يخذلني هذا الـملِك وستكون هديّتي له سخيّة، سأجعل من نصف مملكتي مَصيفًا له ولجواريه.
    في الطّريق، تنكّر في لباس راعي غنم، وركب سيّارة أجرة حتّى لا تكتشفه عيون( ) الـملك الجديد الذين بثّهم في كلّ مفارق الطّريق. وحين أحسّ بالأخطار تحوم حول السّيّارة اكترى ناقة، ركبها وقطع بها الفَـيَـافِي والقفار إلى أن وصل عاصمة الخلافة العثمانيّة( ) فقصد نُزْلا فاخرا ترفرف أمام واجهته مئات الأعلام. في الباب، استقبلته ثلاث بنات: واحدة شقراء والثّانية سمراء والأخرى بين بين. رأى في وجه السّمراء حبيبته "عُنيزة". وقف مبهورا أمام زينتها فقالت له إنّها في الأصل نوميديّة ولكنّها تحبّ كثيرا العرب الذين يزورون أنْزال( ) تركيا. ولتعبّر له عن إعجابها بهم قرأت له نُتَفًـا من:
    "قِفَا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللّوى بين الدّخول فحوْمل"( ). وسألته إن كان يقصد بالـمنزل نزل "الكونْتينُنْتالْ" أو نزل "الأنْترْناسيُونالْ" ؟ قال: "لا هذا ولا ذاك، وإنّما قصدي كان نزل الْـ"بَالم بيتشْ"، وطلب منها أن تعطي علَفا للنّاقة.
    في الغد، ذهب امرؤ القيس لـمقابلة ملك القُسطنطينيّة. وجد أمام القصر طابورا( ) طويلا من الـمترقّبين. أراد أن يتخطّاهم فزجره حارس وطلب منه أن يقف مع الواقفين. قال إنّه أمير وإنّه لا يجوز له الوقوف مع الرّعاع. فقال الحارس: "سيّدي أنت في بلد ديمقراطيّ، لا فرق فيه بين عبد وأمير". فكّر امرؤ القيس في سيفه وفي تأديب هذا الرّجل، لكنّه أرجأ الأمر قائلا إنّه غريب وإنّ هذا الحارس سيندم حين يعرف من هو. ووقف مع الواقفين إلى أن انتصف النّهار، ولـم يصل دوره، فطلب منهم عون الأمن مغادرة الـمكان والعودة في يوم آخر.
    رجع الشّاعر إلى النّزل وأعطى لصرّاف البنك خمس ليرات ذهبيّة فأبدلها بليرات تركيّة ودولارات أمريكيّة، وذهب إلى غرفته. استحمّ وطلب غداءه بواسطة الهاتف الرّاقد بجانب سريره. جاءته مضيّفة بالغداء إلى سريره وسألته إن كان يريد أشياء أخرى. سألها إن كانت تعرف قَيْنة ابن الرّومي( ) فقالت له إنّها أختها، وبدأت تغنّي، فأطربه صوتها حتّى إنّه طلب منها أن تغنّي له بعض الألحان التي وضعها الأخَوَان "رحباني" وغنّتها "فيروز"، وغنّت لفيروز فأجادت وأمتعته فطلب منها أن تعود بعد القيلولة. قالت: "حاضر أفندم" وخرجت.
    ونام كما لم ينـم من قبـل !
    وفي الغد، ذهب مبكّرا قبل أذان الفجر. ركب "تاكسي"، وقصد قصر الحكومة. وكالعادة كان الطّابور( ) طويلا. وقال إنّه أمير، وقال له الحارس: "هنـا في القسطنطينيّة لا فرق عندنا بين أمير وغفير( )". فوقف مع الواقفين. وأطردهم البوليس عند منتصف النّهار.
    في اليوم الثّالث، لم ينم. سمع نشرة الأخبار الـمسائيّة. سمع الـمذيع يحكي عن عاصفة( ) وصحراء وفرسان تُحشد وصواريخ وقنابل نوويّة والأمم الـمتّحدة وقبائل مُضر وعدنان وقحطان( ). ولم يفهم شيئا، قال هذا أمر لا يعنيني، وذهب إلى القصر. وجد الطّابور كما في الأيّام الخالية فأعطى رشوة إلى الشّرطيّ الـمكلّف بالحراسة والنّظام فوعده خيرا. قال له: "عد في الغد على راحتك".
    ذهب امرؤ القيس إلى النّزل، سهر في "الديسْكُوتاك"( ) وراقص القينة أخت صاحبة ابن الرّومي، وشرب "الويسكي" و"الرّيكار" إلى أن طلع النّهار.
    حين وصل في الغد أمام قصر الحكومة استقبله الشّرطيّ هاشّا باشّا، وطلب من الحاجب أن يدخله على مولانا السّلطان. ومن باب إلى باب ومن حاجب إلى حاجب وصل امرؤ القيس إلى قاعة اجتماعات حكومة مولانا القيصر. وقف "بوستانيوس"( ) إجلالا للأمير العربيّ وسأله عن أبيه وعن أحوال مملكة "كِندة" فقال له: "أبي أعطاك عمرَه، وأحوالُ الـمملكة من سيّء إلى أسوإ". وحكى له كيف جاءه النّعي وهو في مجلس شراب فقال: "اليوم خمر وغدا أمر". وها هو الغد قد وصل، وها هو يعرض أمرَه.
    قال: "سيّدي! إنّما جئتُ طامعا في معونة لأستعيد عرش أجدادي، ولك منّي حين أستردّه نصف منتوج الأرض من القمح والشّعير ونصف غلال الأشجار، التّفّاح والرّمّان والتّين والزّيتون والأناناس واللّيمون والـموز والخوخ والكُمثرى، وما حوَت الأرض في باطنها من الذّهب والحديد والرّصاص والبترول والغاز الطّبيعيّ، وألف أَمَة( )، وسأدفع أجور الجند بالدّولار الأمريكيّ".
    لم يردّ قيصر اسطنبول في الحين، وإنما طلب مشورة مجلس الوزراء الذي سيُعقد بعد أسبوع، مباشرة بعد صلاة الجمعة. قال للأمير العربيّ: "هكذا هي الدّيموقراطيّة يا أخي، فأنا لا أستطيع الإفتاء في شيء قبل مشورة المجلس وإقرار النّوّاب لتلك الفتوى ثمّ صدورها في الرّائد الرّسميّ لدولتنا الـموقّرة". وسأله عن مقرّ إقامته فقال: "نزل "الـميريديان". هزّ الامبراطور رأسه هزّا خفيفا وقال لحاجبه: "اِعتنِ بالضّيف العربيّ! لعلّ اللّه يجعلها غمامة !"
    حين خرج امرؤ القيس طلب السّلطان مَشُورة وزير الـميمنة الذي لا يبخل في العادة على مولاه بالنّصح فقال:
    "سيّدي! كما تعرف، حالنا هذه الأيّام في سوء، ودولتُنا في حرب مع الفرس، وهجمات حزب العمّال الكردستانيّ تكاثرت، ولم يفلّ مع الثّوّار الحصار والتّجويع. أرى سيّدي أن تماطل هذا الأمير حتّى ترى فيه رأيك".
    وطلب رأي وزير الـمَيْسَرة فدافع بقوّة على إعطاء الـمعونة للأمير حتّى يستردّ عرض أجداده وحتّى يكون عونا لـمولانا السّلطان في ذلك الجزء من الأرض، خاصّة بعد أن وقع اكتشاف البترول في صحرائه.
    ودعا السّلطان مجلس النّـوّاب للتّصويت على اقتراح إرسال قوّة مع امرئ القيس، فتعادل الفريقان، ولم يَحسم السّلطان الأمر لأنّه ككلّ سلاطين الدّنيا ديموقراطيّ بطبعه. ووقع تأجيل البتّ في الـموضوع إلى جلسة قادمة. قال السّلطان: "... حتّى يختمر الـموضوع أكثر في أذهانكم".
    ومرّت الأسابيع تَـتْرَى( )، ولم يحسم مجلس الوزراء أمره. كان فريق الصّقور وفريق الحمائم( ) يتعادلان في كلّ مرّة إلى أن ضجر السّلطان فطلب مشورة درويش باشا كاهن الامبراطوريّة، الذي طلب منه أسبوعا للتّفكير والبحث عن أَصْوب السبل حتّى يبرّ السّلطان بوعده للأمير العربيّ الذي قال له أوّل يوم التقاه: "لعلّ الله يجعلها غمامة !"
    سأل درويش باشا أعوانه عن امرئ القيس فذهبوا يبحثون عنه. قالوا بما أنّه أمير فسيُسلّي نفسه بزيارة الـمتاحف وقاعات العروض الخاصّة باللّوحات الفنّيّة والـمسارح والـمواقع الأثريّة وقاعات السّينما.
    بحثوا في تلك الأماكن فما وجدوا له أثرا.
    قالوا ربّما ذهب في زيارة للمدن الدّاخليّة في الـمملكة. وترقّبوا عودته. ولم يَعُدْ. ذهبوا إلى كلّ مكان ظنّوا أنّه يخطر على بال الأمير، ولكن كان ظنّهم في كلّ مرّة يخيب.
    وحين يئسوا من العثور عليه، قال لهم الـمفتّش الـمتربّص درويش أفندي: "عندي فكرة! لـماذا لا نزور "الكازينوهات" وبيوت اللّيل والحانات وقاعات الـرّقص ؟"
    ردّوا بصوت واحد: "فكرة صائبة! كيف غابت عنّا كلّ هذه الـمدّة ؟".
    وفي غمضة عين تدرّج درويش أفندي إلى رتبة باي ووقع تكليفه بالبحث عن الـملك الضّليل.
    زار درويش باي تلك اللّيلة كلّ الأنزال الفاخرة. وجلس في قاعات الرّقص. بحث بعينيه التي لا تكلّ عن امرئ القيس فوجده يراقص القينة أخت صاحبة ابن الرّومي. كانا يرقصان على أنغام "الرّوك اند رول"( ). تريّث حتّى عاد الهدوء إلى الـمرقص. وذهب الشّاعر إلى طاولته الـمنصوبة في ركن قَصِيٍّ من القاعة فحيّاه قائلا:
    "سيّدي الأمير ! أريدك في حاجة أكيدة، فأنا مبعوث مولانا السّلطان !"
    قال امرؤ القيس: "السّلطان ! أيّ سلطان ؟"
    قال درويش باي: "سلطان البرّيْن وخاقان البحريْن، مولانا الـمعظّم صاحب القسطنطينيّة".
    قال امرؤ القيس: "وماذا يريد منّي ؟"
    ردّ الدّرويش: "يريدك في أمر يخصّ مملكة كندة".
    قال امرؤ القيس: "قل له لقد طويت صَفْحًا( ) عن ذلك الـموضوع". ثمّ تدارك وهو يضحك ويرفس الأرض برجليه:
    ـ "قل للسّلطان أن ينصّبني ملكا على حانات اسطنبول".
    وأصابت البهتة درويش باي.
    وعادت الـموسيقى إلى العزف، فقام الأمير إلى الرّكح تتبعه القينة الرّاقصة.
    ولم يقل وداعا لدرويش باي !
    الهوامش:
    الهامش الأوّل:
    "... ولَمَّا تولّى عرش السّاسانيّين كسرى أنوشروان بن قُباذ سنة 531 م أرجع إلى اللّخميّين نفوذهم وأعاد الـمنذر إلى عرش الحيرة، ففرّ الحارث الكنديّ هاربا بذَوِيه فطارده الـمنذر حتّى قتله وجعل يدسّ الدّسائس لأولاده فقُتل سلمة وشُرحبيل، وتنكّر بنو أسد لحجر والد شاعرنا، وأمسكوا عن دفع الأتاوة( ) له فحاربهم وأعمل في رقابهم السّيف، وحبس أشرافهم حتّى شفع فيهم شاعرهم عبيد بن الأبرص فعفا عنهم، ولكنّهم عادوا إلى التَّـمـرّد حتّى قتلوه، فانقرضت بموته دوله نشطت إلى مناظرة الحيرة وإلى منازعتها البقاء. وهبّ امرؤ القيس بن حجر يحاول دعم ذلك العرش الـمنهار واسترجاع جانب من ميراثه الضّائع، فأخفقت مساعيه".
    تاريخ الأدب العربيّ
    حنّا الفاخوري
    الهامش الثّاني:
    مات امرؤ القيس بسكتة دماغيّة. وكان يعبّ من قارورة "ويسكي". حين أحسّ بصداع شديد، أمسك رأسه بيديه وجلس على الأرض. مات وهو يردّد: "ضيّعني أبي صغيرا وحمّلني دمه كبيرا". ثمّ أسلم الرّوح فدُفن في مقابر الغرباء خارج أسوار مدينة اسطنبول. وقبرُه معروف فيها يزوره السّيّاح العرب في هذه الأيّام.
    ـ وماذا عن: "أجارتنا إنّ الـمزار قريب( )...؟
    ـ تلك حكاية من وضع حمّاد الرّاوية، نسج الخيال الشّعبيّ حولها أساطير كانت تُروى للملوك والأمراء للعبرة.
    وقد أنكرها النّقّاد.
    الهامش الثّالث:
    ذهب الرّجل الذي نصّب نفسه ملكا على كندة بعد مقتل حجر والد شاعرنا إلى السّموْأل، وطلب منه أن يردّ له الدّروع والسّيوف والخيول التي تركها عنده امرؤ القيس قبل ذهابه إلى القسطنطينيّة.
    امتنع السّموْأل في حصنه ورفض ردّ الدّروع إلى الـملك الجديد. وصادف أن كان ولَدُه خارج الحصن فأسَره الجند، وهدّد الـملك بقتله إن لم يُعطَ الدّروع.
    ولكنّ السّموْأل أصرّ على رأيه مضحّيًا بابنه.
    قال له الـملك: إنّ امرئَ القيس مات في حانة ولن ينفعك في شيء، وهذا ولدك بين يديّ فماذا تراك صانعا بالدّروع بعد قتله ؟
    قال السّموْأل إنّه عاهد الشّاعر وإنّه لن يخلف وعده وإنّ التّاريخ سيُخلّد ذكره وسيُضرب الـمثل بوفائه.
    وهمّ الـملك بذبح الولد. ساعتها أطلّت امرأة من أعلى أبراج السّور قائلة إنّها زوجة السّموأل وطلبت مفاوضة ملك كندة.
    ذهب كبير الـمفاوضين إلى داخل الحصن فأعطته الدّروع وطلبت منه أن يُطلق سراح الغلام على أن يُذبح في الغد تحت السّور عبدٌ ويَدَّعِي الـملك أنّه ذبح ابن السّموأل فيُخدعُ التّاريخُ ويحتفظ زوجُها بمروءته.
    وقد انطلت الخديعة على الـتَّـاريخ.













       معلومات الموضوع / المقال - المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    العنوان ابراهيم درغوثي : كتاباتي / حوارات - شهادات - دراسات نقدية
    الكاتب / الكاتبة ابراهيم درغوثي
    رابط المقال ابراهيم درغوثي : كتاباتي / حوارات - شهادات - دراسات نقدية
    المصدر المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
    حقوق هذا الموضوع / المقال محفوظة مالم يكن الموضوع منقولاً إلى منتديات المعهد العربي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الدولة
    الجمهورية التونسية - مدينة صفاقس
    المشاركات
    6,824
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    46

    رد: ابراهيم درغوثي : كتاباتي / حوارات - شهادات - دراسات نقدية

    بسم الله الرحمن الرحيم
    * سهرة رمضانية ممتعة قضيتها(افتراضيا) في ضيافة المبدع ، الصديق إبراهيم درغوثي. لقد تحدث بتلقائية ووضوح وبحس أدبي عميق.
    * يصر المبدع على التشبث بالإقامة في قرية أم العرائس، تضيف أمومة أخرى تحضن بحنان إبداعا حقيقيا لا يضارب و لا يتخذ إلى الانتشار سبل الوساطة والتوصية. نحن إزاء نصوص قادرة على فرض ذاتها ولونها بمعزل عن اسم صاحبها. ولنحاول على سبيل التجربة نشر نص لإبراهيم درغوثي دون ذكر اسمه وسيتفطن العارفون إلى خصائص أسلوب الكتابة عنده.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    قفصة / تونس
    المشاركات
    1,528
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    21

    رد: ابراهيم درغوثي : كتاباتي / حوارات - شهادات - دراسات نقدية

    الغالي علي بن يوسف

    سعدت بكلماتك
    سعدت بلطفك وتقديرك
    لك وافر وافر المحبة

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    الدولة
    Palestine, Illinois, United States
    المشاركات
    39,655
    المخالفات
    0/0 (0)
    معدل تقييم المستوى
    215

    رد: ابراهيم درغوثي : كتاباتي / حوارات - شهادات - دراسات نقدية

    [frame="7 80"]
    كانك انا
    بكل شيء فيك
    كانك انا
    وحين تحزن احزن
    وحين تفرح افرح
    وان غبت للحظة
    اشعرها
    سنه
    كانك انا
    ***
    وعندما تتكلم
    كانني اتكلم
    وعندما تتالم
    هو
    جرحي يتالم
    واقسم
    لو اقسم
    كانك انا
    ***
    فقلي اين تبدء
    و اين تنتهي
    كي
    اعرف يا سيدي
    اينا
    انا[/frame]
    [frame="9 80"]
    هكذا أنا


    http://www.yacoub-y.com/
    [/frame]


المواضيع المتشابهه

  1. ابراهيم درغوثي / رجل محترم جدا / دراسة نقدية ل د . صلاح الدين بوجاه / تونس
    بواسطة ابراهيم درغوثي في المنتدى الدراسات الأدبية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 12-15-2009, 09:15 PM
  2. ثلاث تجارب من الشعر التونسي الحديث / د. نقدية / ابراهيم درغوثي / تونس
    بواسطة ابراهيم درغوثي في المنتدى دوحــة الـنــقـد الأدبــي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-25-2008, 06:10 PM
  3. زيارة وفد مركز دراسات الخليج للمعهد العربي
    بواسطة إدارة المعهد في المنتدى أنشطة المعهد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-05-2007, 11:06 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 02:25 PM







Powered by vBulletin™ Version 4.2.0
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.