قبل البدء بالحديث عن هذا الكتاب وهو دراسة بكر للقصة القصيرة جداً في النظرية والتطبيق لا بد من توضيح أمرين : أولهما : أننا لسنا ضد التجديد في الفن والحياة . وثانيهما : أننا سنحاول قراءة مصطلح القصة القصيرة جداً من خلال هذه المقاربة ثم نتساءل بعد ذلك : ما الذي أضافه هذا العمل التنظيري إلى العالم الادبي

أولاً وإلى القصة القصيرة جداً ثانياً وما مدى تأثير هذا الكتاب بالمحيط الادبي وما المنهج الذي سار عليه الناقد في عمله هذا . كما سنبين التداخل الواقع بين عناصر ق ق ج وعناصر القصة القصيرة .‏

ان الناظر إلى الاجناس الادبية قديمها وحديثها سيرى أن كل جنس من هذه الاجناس يتفرع ويتعدد كما تتعدد تسمياته اذ كانت لبعض ، أنواع الشعر العربي تسميات اصطلاحية فالمقطوعة الشعرية التي لا يتجاوز عدد أبياتها البيتين والثلاثة أطلق عليها النقاد مصطلح /الارجوزة / وأطلقوا على القصيدة الطويلة المتعددة الاغراض والمواضيع /المتعلقة / فضلاعن مصطلحات شعرية استخدمت في عصور أدبية كثيرة كالمربعات والمخمسات والمسدسات والموشحات .‏

أما في الشعر العربي الحديث والمعاصر فالامر مختلف فقد ظهرت أنواع جديدة للشعر فأطلق مصطلح /الشعر الحديث / على مجموعة القصائد التي لا تلتزم بالطريقة الخليلية ( العمودية ) بكتابة الشعر وأطلق مصطلح /الشعر الحر / .‏

/شعر التفعيلة / على الشعر الذي يلتزم نوعاً واحداً من التفعيلات دون التقيد بالاوزان الشعرية لبحور الشعر العربي القديم ومن ذلك أيضاً /قصيدة النثر / وهي القصائد التي لا تلتزم بالتفعيلة وأخيراً ظهر مصطلح /النص / الذي لا يقيم للتفعيلة والقافية والايقاع وزناً .‏

وقس على ذلك بقية الاجناس كالرواية والمسرح ولا نريد الخوض في ذلك ولو فعلنا لطال الحديث بنا ما يهمنا هنا هو جنس القصة فمصطلح القصة تشكلت ملامحه لدى النقاد منذ أكثر من خمسة عقود أو تزيد ذلك قليلافالنقاد اصطلحوا على تسمية القصة الطويلة ب ( الرواية ) وعندما تعددت أجزاؤها سموها /الرواية الملحمية / وكان هناك مصطلح القصة القصيرة ثم أطلت علينا مؤخراً أنواع جديدة من القصة أطلق عليها النقاد أسماء كثيرة نذكر منها القصة القصيرة جداً - القصة الومضة - القصة اللوحة - القصة الصورة - القصة الخاطرة .....‏

وغيرها وهذه المصطلحات التي أطلقت على القصص المتنوعة قد يكون نصها سطر ا واحداً أو عدة أسطر أو صفحة أو عدة صفحات وجميعها تندرج تحت مصطلح القصة القصيرة أو انها ولدت من رحمها .‏

اذاً نحن امام اسماء ومصطلحات خاصة بالقصة واخرى اختصت بها الاجناس الادبية عامة مما يبدو ان مصطلح القصة موجود وصفة القصر تلازمها منذ ولادتها فأين الجديد في مصطلح القصة القصيرة جداً أهو لفظ جداً فالحديث المطول عن المصطلح واشكاليته وعرض الآراء والنظريات الكثيرة واقحامها في هذا الكتاب والجهد الكبير المبذول حول هذا المصطلح واشكاليته وعرض الآراء والنظريات الكثيرة واقحامها في هذا الكتاب والجهد الكبير المبذول حول هذا المصطلح ق ج لا ضرورة له هنا في رأيي طالما ان مصطلح القصة القصيرة متبلور ومحدد منذ اكثر من صف قرن كما ذكرنا ولكن يبقى فضل السبق لنا قدنا احمد جاسم الحسين في وقوفه عند المصطلحات الكثيرة للقصة القصيرة جداً والبالغة ستة عشر مصطلحاً اذ عرف بكل نوع من هذه الانواع وحدد موقع مصطلح ق ق ج بينها ثم انتقل الكاتب بعد ذلك للحديث عن الاركان المؤسسة للقصة القصيرة جداً وعناصرها ولا ضير في ذلك بل على العكس هو جهد يشكر عليه لولا التداخل والتشابك بين عناصر القصة‏

القصيرة وعناصر ق ق ج كما حددها وهي:« الانزياح ، المفرقة ، التناص ، الترميز ، الانسنة ، الحيوان ، السخرية ....»‏

وهذه العناصر لا تختص بها الـ ق ق ج وحدها بل تكاد ان تشترك بها جميع الاجناس الادبية والسؤال الذي يدور في الذهن هنا : لماذا تحدث الكاتب عن الاركان المؤسسة للقصة ق ج قبل الحديث عن عناصرها ؟ ثم عاد وافرد عنواناً لخصائص القصة ق ج ومن هذه الخصائص « الطرافة ، الادهاش ، الايقاع » والتي لا تختص بها ق ق ج ايضا ثم نراه يجعل من اركانها « الجرأة والتكثيف » وهما عنصران من عناصر العمل الادبي أو لم لا نقول عن الاعمال الفنية بشكل عام ما نريد ان نقوله هنا : ان معظم ما ذكر باحثنا من اركان وعناصر وخصائص ليس حكراً على فن القصة ق ج فلم كل هذا الاحتفاء بعنصري الجرأة والطرافة وهما عنصران مبذولان لكل الاعمال أو الاجناس الادبية والفنية ؟‏

لقد كان الاولى به ان يقدم الحديث عن العناصر والتقنيات على الاركان والخصائص حتى تتضح الصورة لدى القارئ ولا تتداخل الاركان مع العناصر والخصائص لكن يبدو ان التعجل وسرعة العصر والاقتصاد وشدة الحاح هذا الموضوع على ذهن الكاتب كل ذلك جعله يقع في هذا التداخل فضلاً عن التقسيمات والعنونات الاكاديمية والمنهجية الصارمة التي كان حريصاً عليها جداً زاد من التداخل والتشابك حيث ألزم هو نفسه « بمنهج علمي يحيا في كنف ثلة من المناهج النقدية المتواشجة مع رؤية نقدية تكاملية » على حد قوله .‏

هذا عن النظرية ماذا عن التطبيق ؟‏

لقد اختار الباحث مجموعة (أحلام عامل المطبعة ) لـ مروان المصري ليقوم بالتطبيق وقد عنون القسم بـ (المضمون الذي يخلق شكله قراءة تحليلية تأويلية في مجموعة (أحلام عامل المطبعة ) وسنتوقف وقفة غير طويلة عند هذا العنوان ولاسيما عند لفظتي التحليل - التأويل .‏

إن معنى التحليل الذي ورد هنا يعني لنا إعادة النص الى عناصره الأولية ليتحرى الناقد عناصر القص النظرية في النص القصصي .‏

أما التأويل في رأينا مناقض للتحليل فهو منهج من مناهج البحث يطبقه الباحثون والدارسون على كافة النصوص أو لنقل هو يصلح لدراسة جميع النصوص المكتوبة حتى الدينية منها .‏

لكنه هنا لايخدم النص القصصي كون نظرة ناقدنا الى نصوص مجموعة القاص مروان المصري (أحلام عامل المطبعة ) نظرة مسبقة أراد من خلالها بيان مدى انطباق النظرية على هذه القصص لذا نقول لاتأويل في القراءة لهذه النصوص .‏

أضف الى ذلك أن التأويل منهج رؤيوي يتيح للباحث استشفاف الرؤى المبثوثة في أعماق النصوص سواء أكانت مجتمعة أو منفردة وباحثنا قام بجهد مكثف ليتوصل الى حقيقة هي : أن المجموعة تجربة في القصة ق ج استفادت أو طبقت النظرية الى حد بعيد .‏

أما القسم الأخير من الكتاب فقد عنونه الكاتب بـ قراءة في تاريخ ق ق ج : التجربة السورية ) حيث توقف فيه عند مجموعات قصصية كثيرة نذكر منها (الدهشة في العيون القاسية) لـ وليد إخلاصي (الرقص فوق الأسطحة ) نبيل جديد (الخيمة ) ل طلعت سقيرق (الأفعال الناقصة ) لنضال صالح (دفقة أخيرة وقمر على بابل ) لمحمد إبراهيم صالح (إيحاءات ) ضياء قصبجي وقد حاول الكاتب قراءة نصوصها قراءة نقدية تاريخية متتبعاً ومتحرياً عناصر وأركان وخصائص فن (ق ق ج) في تلك المجموعات .‏

واللافت في هذه الدراسة غياب نصوص وقصص رائد القصة السورية الحديثة والمعاصرة الأستاذ زكريا تامر على الرغم من نشره العديد من النصوص القصصية القصيرة جدا منذ سنوات خلت على صفحات مجلة الناقد ومن ثم أصدرها مجموعة وكذلك لم يأت على ذكر أحد كتابها المتحمسين لها جدا وهو د. أحمد زياد محبك (حيث أصدر أكثر من مجموعة ق ق ج) .‏

بقي أن نعرج على ملحق الكتاب الذي احتوى على نماذج جديدة من (ق ق جداً) لـ نبيل صالح - عماد نداف - أحمد الحسين - ثائر زعزوع - أيمن الحسن .‏

نختار من بينها قصة بعنوان (ثكنة ) لـ أيمن الحسن :‏

(اعترضني مع زملائي للتحقق من هوياتنا ثم أوقف سيارة عميد الكلية فيما رحت كلما واجهته عند الباب الحديدي أؤدي له التحية العسكرية ).‏

في النهاية نتساءل هل استطاع كتاب أحمد جاسم الحسين ذو الجهد العالي المحشود بالمصطلحات الأدبية والاقتباسات النقدية المزدحم بأسماء المجموعات القصصية والمختارات القصصية القصيرة جدا والمقسم الى أقسام كثيرة جداً المفرع الى فروع وعناوين صغيرة أن يضيف الى العالم النقدي جديداً أو يهيئ الساحة الأدبية لنظرية (ق ق ج ).‏