| ||||||
|
![]() |
| |||||||
| دوحة إضاءات نقدية: فنون الأدب القصة وغيرها |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #1 | ||||
| ||||
| السنين العجاف السنـــــــين العـــــجاف بقلم /د.يوسفى . 1 بضعة آلاف أو يزيدون من أهل البادية. منعوا القطر خمسة أعوام فجف الضرع والزرع, و ا غبرت أرضهم وهامت دوابهم وماشيتهم. هلكت منها قطعان كثيرة ،صارت طعاما لكل ذي ناب ومخلب في البيداء ،فسحت أبدانها وعافت الجيف , أما ما تبقى منها على قيد الحياة فسيق لسوق الماشية وبيع بأثمان بخسة . هجران البادية واللجوء لبلدة تربعت على صدر جبل ،كان أمر ما منه بد. هام القوم على وجوههم في شوارعها بحثا عن عمل يضمن لقمة تسد الرمق,انتشرت كلابهم الضالة في قطعان ،أضحي التجوال في الليل أمرا بالغ الخطورة ومهلكة.تهافت رهط منهم على شراء قطع من ألاراضى على تخوم البلدة بما تبقى لديهم من أموال و أقاموا عليها دورا و خيم من القش ،فنبت حي جديد، قطانه بدو رحل لا يقرؤون و لا يكتبون عشش الجهل في أدمغتهم . بين ظهرانيهم عاش عمى'' ابن دحمان'' ثلاثة أعوام و نيف يقارع غباء القوم بالكلمة الطيبة و جهلهم بالحجة الدامغة . رجل قوي البنية زاده الله بسطة في الجسم، يهابه اللصوص على بعد فرسخين أو ثلاث، لم تلد النساء مثله. تضرب إليه أكباد الإبل من كل فج للتداوي بالحجامة .حكمة ورثها أبا عن جد ،و ما لبث أن تخلى عنها حين انقبضت نفسه من دماء القوم و قد صارت اشد نتانة من ذي قبل. لم يكن يملك من متاع الدنيا غير خراف، بعدد أصابع اليد، كان يرعاها على ما أبقاه الجذب من أشواك و خشاش الأرض المنتشر على تخوم المدينة ، ثم يعيدها للزريبة إذا غربت الشمس ، و فرس لقبها "الشهباء" يمتطي صهوتها و يجوب البراري بحثا عن الكلأ ، أما الدار فينعدم فيها الفراش الوثير اللهم إلا قطع من الحصير وأثاث قديم على ميمها نصبت زريبة تضم "الخراف" يطوف حولها كلب لا يجد النوم لعينيه سبيلا البتة و لا ينطبق له جفن طوال الليل.ماكر لا يؤمن غدره قيل إن أصله من بلاد الألمان ، نباحه يصم الأذان، يزعج الجيران فيتمنى النفر منا هلاكه. سافر لبلاد الفرنجة مع أخ له غير شقيق سعيا وراء الرزق، فأقام هناك بين ظهراني بني الأصفر ثلاثا ثم عاد منها بخفي حنين، خالي الوفاض، لا يحمل إلا أخبار عن قطعان الروميات، و كيف كان يشرأب عنقه نحوهن .و هن يتسكعن في الأزقة و المحلات،كاسيات عاريات. لم يكن يفارق دكاننا فكانت أذن أبى تطرب لسماع حديثه و يشكو له ما يجد من الوجد و الهيام لجارتنا 'زبيدة '. بيد أن الوالدة سامحها الله و قد صارت في العقد الثانى من العمر وبدأت ملامح الشيخوخة تغزو وجهها، و لم يجدي معها طلاء أو زيت زيتون ، كانت تنكر عليه صحبة الشيخ ابن دحمان و ملازمته له كظله . لم تكن تتردد في استراق السمع لهما و تقول هذا الشيطان سيوقع أباكم في الهاوية و ما كنت افقه شيئا مما كانت تعنيه و يبدو أن حياتها مع الوالد كانت قاب قوسين أو أدنى من الطلاق و قد صار الوالد ياخد من أطراف لحيته في اليوم أكثر من مرة و يكثر النظر للمرآة ،و يتابع قصص العشاق في التلفاز، فينفرد به من دوننا ، ويزيد قلقها حين تراه يفرغ قنينة العطر في يومين و يبادر لاقتناء أجود أنواع العطور و أغلاها ثمنا ليوقع جارتنا ' زبيدة' في حباله . إنها امرأة ثيب لا تزال في عز شبابها و من أجمل ما رأت العيون، مات زوجها اثر مرض عضال أقعده الفراش عام. ترملت فتنافس المشايخ في طلب ودها، بعد أن شابت لحاهم و لم يعد لهم في ود الفتيات نصيب و لو تسنى لأحدهم لهتك أستار الجيران و هدم الحيطان. كانت إذا مرت برهط منهم افترسوها بأعينهم و كثر همزهم و لمزهم . تمشي مشي الحمامة ،مائلة مميلة ،تهز اردافها هزا خفيفا،فتخفق لها قلوب المشايخ . ترميهم بنظرة ازدراء، ما رأيت احدهم أغض طرفه و حفظ بصره، فلا تزال أنظارهم مشدودة إليها حتى يغيب عنهم طيف خيالها في الزحام . ,أقضت مضجع الحاج محمود ،جزار الحي،فكان يختلس النظر إليها بين الفينة و الأخرى عبر نافذة حجرته ثم يعوى كالذئب . قيل انه كاد يفصل إبهام يده اليمنى بساطور حين دخلت حانوته تبغي لحما،فجال ببصره في وجهها و لم يصرف نظره عنها حتى اشتد الم أصبعه و قد سال منها دم كثير .و قد حدثني أخي و قرة عيني الحاج علي ،أن هذا الجزار راود نسوة كثيرات في الحي عن أنفسهن فاعرضن عنه لذمامة في جهه و استعصى عليه استمالة قلب زبيدة له رغم إنفاقه مالا كثيرا . ذبحت والدي من الوريد إلى الوريد ، كانت إذا دخلت الحانوت و كشفت شعرها،ألقى ما في يده و جعل ينظر إليها ويمسح عيناه ليلتقط لها صورة أوضح ، يحتفظ بها في ذاكرته الضعيفة أياما ،و حين يغيب عنه طيف خيالها، يدخل الدار معكر المزاج، فيحمل علينا، يضرب هذا ضربا مبرحا و يسب ذاك من رأسه إلى أخمص قدميه،لأتفه الأسباب ، ثم ينزوي في غرفته و يشعل سيجارة ليرتشف دخانها و هو يدندن . كنت استرق السمع لحديث دار بين عمى ابن دحمان و بين أبي ذات ليلة ، فسمعته يقول، إن إحدى الروميات شتمته على ملاء من المارة و بلسان أعجمي فصيح ،فعجز أن يلقمها حجرا و لو بكلمة أو كلمتين تثلج صدره ،فأصابه الغم .انتابتني نوبة من الضحك لا عهد لي بها و لازلت اضحك حتى استلقيت على ظهري نقام والدي فضربنى بمرفقه على ام راسي جزاه الله عني خيرا. نكح ابن دحمان من نساء الحي امراتين و عشق منهن عددا لا يحصى. قيض الله له من الأولى ثلاث بنات و هي ثيب عشقها عشقا مبرحا و ورزق من الثانية أربع من البنين أصغرهم جذعا في الحول السابع ،ثم شغف شغفا عظيما بفتاة في الثامنة عشرة من العمر.يحكى انه كان يترصدها من درب، لدرب ،و يتلطف في الحديث معها . خطبها من أبيها فأبى أن ينكحها رجلا يكبرها بأربعين عاما ولازال يلح عليه و يبعث له الوفود تلو الوفود من شتى القبائل إلى أن أجابه إلى طلبه على مضض، و ما استطابت له الدنيا حتى أوقعها في شباكه فرضيت به بعلا و كان عمره آنذاك نحو ستين عاما و نيف. باع كبشا و قدم لها ثمنه صداقا.أولم بشاتين و أقام حفلا كبيرا ، عزفت فيه الأنغام و تسابق الفرسان على ظهور الخيل.و دوت طلقات البارود في سماء البلدة،و زغردت النسوة فكانت فرجة لنا نحن غلمان الحى ،فسرنا نتراقص كالظباء على وقع عزف الناي و دقات الطبول حتى لاح الصباح . في غمرة ذاك الحفل بأهازيجه ، فرت العروس في اثوابها البيض و حليها ،فرار الأرنبة منثعلب ماكر و اختفت إلى يومنا هذا.ذكر شهود عيان أن الفتاة كانت تنوي قتل نفسها لكنهاترددت ، وجدوا في حجرتها قنينة سم، و مكتوبا بخط يدها باحمر الشفاه على الحائط ٌُ تركت لكم الجمل بما حمل " . كثرت الإشاعات حول قصتها و نسجت الأكاذيب و الخرافات فزعم بعضهم أن الفتاة سافرت لبلاد أخرى و لجأت لأحد الدور المشبوهة لتحترف الرذيلة مقابل دراهم معدودة.لكن صاحب شرطة البلدة توعد أباها بالعقاب إن تعرض لها باذا و قال : " سأخسف بك الأرض إن مسستها بسوء". حزن شيخنا لفراقها حزنا كبيرا ،هجر زوجاته شهرا كاملا. ضاقت عليه الدنيا بما رحبت ،فاعتزل الناس و لزم داره، و تناقلت النسوة أخبار ما آل إليه حاله . صار يقضى طرفا من النهار و زلفا من الليل قابعا تحت جدار بيته لا يحرك ساكنا و ربما وضعت حمائم الحي فضلاتها على كتفيه ظنا منها انه جدار أو عمود. مكث على هكذا حال أعوام لا يكلم أحدا من القوم و كأنه نذر لله صوما عن الكلام، أصيب بحزن شديد و هزال وزادته الفاقة سوءا فقسمت ظهره . تناهى لمسمعي من بعض غلمان الحي، خبر احتضار الشيخ ذات مساء من أيام شهر تشرين من سنة اثنان وثمانين وتسعمائة وألف . لم أكن أنداك قد سلخت العام السابع عشر من عمري بعد. دفعني الفضول وطيش الشباب لأتحين فرصة فألج داره على حين غفلة من أهله. تسللت عبر زقاق ضيق و مظلم فوطئت قدمي دجاجة لاادري ما أخرجها من خبها ذاك الوقت، لعلها كانت تجوب الزقاق ذهابا و إيابا بحثا عن مكان آمن تبيض فيه فباغتتها المنية تحت قدمي. نقنقت، و انتفضت،و تطاير ريشها، و ما لبثت أن سكنت. ترددت في الدخول، لكن لا مناص من أمر أقدمت عليه و إن كان فيه من المخاطرة ما يعرض للهلاك و لو برفسة قدم أتلقاها على حين غرة أو ضربة عصا . واصلت سيري خائفا أترقب حتى إذا أتيت غرفة أشبه بالقبو وجدت نفرا من أهله وطائفة ممن كان ينادهم ويلعب معهم لعبة " السيق " قد تحلقوا عليه حلقا على ضوء خافت لسراج قديم من العهد التركي، تتمايل شعلته الذهبية ذات اليمين و ذات الشمال و كأنها تودع شيخنا أو تتراقص طربا. لقد صار حاله من شدة الهزال أشبه ببعير هرم، أقعده المرض. قيل لي انه لم يبرح الفراش أياما معدودة وظلت يده الله ممدودة، لم يتناول تمرا أو يحتسي حساء مند البارحة عدا قدحا من اللبن ، انتفخ منه بطنه.فلم يتوقف عن الظراط طيلة الليل . وقف أبناءه أمام هذاا المصاب، في حيرة من أمرهم أيسلمونه لله أو يأخذوه لزيارة قبة ،زعموا أن أحد الصالحين كان في طريقه لبلاد الشام ،فعرج على البلدة منذ قرون خلت ، فوضع رحاله و توضأ و صلى و ربما قضى ليلته متعبدا الله في ذاك المكان ، فشيد الأعراب حوله دارا ، صارت مزارا تقصده النسوة ، كاسيات عاريات، متعطرات ، من كل حدب و صوب و تقام فيه الولائم، فتعزف الأنغام و تدق الطبول و ينقل إليه المرض . يتبركن بصعيدها الطيب ، و كنت أرى بعضهن يضعن الدرهم و الدرهمين في فجوة بأحد جدرانها و يشعلن الشموع و يعلقن قطع القماش الخضراء عليه. اعتكفت جدتي في تلك القبة ،يوما كاملا ، فتركتها حتى لا أقطع عليها خلوتها . كانت تبكي و تقبل ذا الجدار و ذا الجدار،ثم رأيتها عمدت للتراب فالتهمت منه ما تيسر لها ابتلاعه دون ماء ، و قد زين لها الشيطان عملها ، فرابني أمرها و استنكرت فعلها، فنهيتها ناصحا ، لكنها صبت جام غضبها علي، و رجمتني بالحجارة كما يرجم ابليس،و هي تقول ٌعليك دعوة الصالحين '. حاولت إفادتها بما فتح الله علي من أمور العقيدة الصحيحة و ما تلقيته على يد معلمي من تبيان لمظاهر الشرك بالله ، لكن جمجمتها كانت اصلب من أن تخترقها كلماتي و كنت كمن ينقر على الصخر الأصم، يحاول إحداث ثقب فيه. أقسمت يمينا لأغيرن على القبة بليل، فاسلب ما أجده فيها من مال و قماش . استعنت ببعض صعاليك البلدة ،ليشدو من أزري و يمنعونني من أذى مجنون لم يكن يغادرها، إلا لقضاء حاجته، و ربما قضاها في ركن من أركانها . ما خطر على بال أحد من أولائك الرهط أن يطلب الطبيب،و مسكنه على مرمى حجر منهم يدعى الدكتور التلمساني، قيل إنه أمهر حكماء البلدة، أوتى علما كثيرا و زاد عليه شيء من الشعوذة و علم الجان ، و قد ورث فن التطبيب أبا عن جد. يقصده البدو الرحل من كل حدب و صوب و تشد له الرحال من كل فج عميق لعلاج الأمراض المستعصية، كالتخمة و قلة الفهم و كثرة النوم و نحوها من العاهات المستديمة في القوم ، و ربما تعافى الأحمق منهم بلمسة يد يمررها على جيبه المتخم أوراق نقدية، يجهل تعدادها فيستل منها ما شاء . حدثني صديقي و قرة عيني" الحاج علي مكي" يوما و نحن قاعدان على باب بيته، نترصد كل حركة و سكتة في الحي ،وقت القيلولة، و الناس نيام فقال. " لقد ذاع صيت الرجل في بضعة أعوام ،إذ عرف من أين تؤكل الكتف، و أدرك كيف يلج إلي قلوب رعاة الشاة، و يسطو على جيوبهم بطريقة لبقة. صار من أثرياء القوم في بضع سنين، يشار له بالبنان" و يحسب مع ألأعيان''. لازال " ابن دحمان" ينتظر دواء الرحمان والقوم حوله و منهم من أسند ظهره لجدار من الطوب و استسلم لملك الرقاد و منهم من تقوقع داخل كساء فصار لا يرى منه سوى العينان كطائر البوم . لما عسعس الليل, صارت روح شيخنا المذعورة تتردد بين الخروج للأفق الرحب و البقاء داخل ذاك القفص من أضالع هشة، خلخلتها نوبات سعال كالرعد. كانت جرعات من الدواء" أو لسعة إبرة تنفث ترياقا يسري في كامل جسده كافية لينجلي عن صدره ذاك الصديد و الغبار و الأدران العالقة داخل رئتيه ، لكنه اكتفى بما جادت به قمم الجبل من شيح و أزير و أعشاب أخرى ،أعدتها له" الحاجة ميمونة" في قنينة ليحتسى منها قدحا كل صباح و مساء .زعم كبير أبناءه و القيم عليهم ، أن أن تابعا من الجن كان يأتي أباه كل يوم خميس، قبيل المغرب ، في صورة طائر أسود ،و أنه سمع أباه يكلمه ذات مرة، و قد مكث فيهم ذاك الطائر شهرا لا يبرح سقف البيت ، ثم اختفى .اقتفى أثره فلم يعثر عليه. و ما أظنه إلا أصاب الشيخ بسوء و عرج إلى السماء يسترق السمع. خرج الابن مهرولا يلتمس لأبيه رجلا يرقيه ، فدله أحدهم على مكان'' الطالب الغزالي''. كان عجوزا قد بلغ من الكبر عتيا،امتطاه الشيطان مند أعوام فغرر به ، علمه السحر و الدجل ; و صار قرينا له . اتخذ ملجأ خارج المدينة، وسط غابة موحشة، تعانقت أشجارها كأسنة البخت و ادعى أن جنية تأتيه بأخبار السماء، فهابه الناس و العجيب أن قرينته هذه لم تعد له بصرا أو تمنعه من ضرباتنا الموجعة نحن صبية الحي ، إذ كنا نجمع ما تيسر حمله من حجارة الوادي المسننة، فنكبر و نهلل و نقذفها بمقلاع محكم الحبك، كالمنجنيق نحو كوخه من حيث نراه و لا يرانا ، و ما كان عملنا ذاك إلا جهادا ابتغينا من وراءه ثوابا من الله، لنقض مضجع عدوه، فيسومه سوء العذاب بأيدينا، و لازلنا معه في كر و فر حتى أظهرنا الله عليه .لعن الله من ناوله دواة أو برى له قلما.كان يفرق بين المرء و زوجه . دخل المشعوذ و معه ثلاثة رجال شداد غلاظ، لا يعصون له أمرا ، أمرهم ببطح شيخنا أرضا وكبله من أطرافه الأربعة، وقد انكشفت عورته و بانت سوءته .تلمس الأذن اليمنى لشيخنا و ظل يتلو فيها تعاويذ و عزائم لا يفقهها العامة من الناس حتى خفت صوته و راح يضربه على أم رأسه، ثم عمد للبصاق في أدنه ثلاثا و خنقه حتى اصفر وجهه و أدمعت عيناه، ثم صاح بصوت أجش "إني آمرك أن تخرج أيها الجني من أصبع القدم اليمنى لابن دحمان ابن "رقية". ضغط بكل ما أوتى من قوة على الأصبع لكن شيخنا المبطوح أرضا باغته برفسة قدم مقاسها" 45" على البطن ، على حين غرة. فتدحرج المشعوذ للوراء يتأوه، و يشكو ألما مبرحا في أحشاءه ،كتمت نوبة ضحك هستيرية انتابتني . طلب المشعوذ الدجال شيء من ماء الورد و الزعفران و حفنة بيضاء ، و أخرج من حقيبته دواة و قلم .سحق عيدان الزعفران و مزجها بماء الورد ثم تناول االجفنة و خط فيها خطوطا و رسم مربعات و مثلثات، في كل مربع كتب حرفا، و قبل أن تجف محاها بالماء الشروب، فاستخلص محلولا أصفر . سكب المحلول في كفه و قد أصاب ثوبه الأبيض شيء منه، و راح يدهن به جبهة عمي ابن دحمان و قطر ما تبقى في منخاري الرجل، فجعله يعطس عطسة عظيمة أطفئت نور السراج ، دخل شيخنا على إثرها في غيبوبة أسوء مما كان عليه من قبل . شرع الرجال الثلاثة في قرع الطبول، و تلاوة التعاويذ، و المشعوذ يتخبط كان به مس من الجن،أخذت قرعات طبولهن تعلو شيئا فشيئا ،حتى حمى الوطيس، و صار كل من في الدار يهتز خشوعا أو طربا . أخد المشايخ يحذفونه بالدراهم حذفا منكرا ،وعلى صياحهم فأزعج الجيران، جعل العقل يقف على الباب حيران ، يتساءل أين نحن مما وصل أليه الأمريكان، من علم و ما نحن فيه من هذيان ، مجنون تتهاطل عليه الدراهم و ذا لب في ركن حيران. ورب الكعبة لن يعلو لنا بين الأمم بنيان، و سيطويننا النسيان، فنصير في خبر كان . مات. بلغ التعب من ذاك البهلوان مبلغا عظيما ، فتوقف و توقفت الطبول و خيم الهدوء ،في ذاك الظلام هنيهة من الوقت ،حبست فيها أنفاس الناس، انتظارا لما سيؤول إليه حال الشيخ. لم تؤتى تلك الشطحات و ذاك الهرج و المرج أكله ، فخسئ عمل المشعوذ زمرته .ظننت انه سيأتي بمعجزة تجعل' ابن دحمان' يعود لوعيه فيستوي قائما، و يرحب بالحاضرين حوله ، فينقلب الحزن إلي فرح و تدق الطبول و تعزف الأنغام و ترقص و تغني القينات، و ربما تشرب أقداح من الخمر العتيقة حتى الصباح، احتفاء بشفاء الشيخ. لم يفلح عمل المشعوذ، فأوجس في نفسه خيفة، و خشي أن يدركه ملك الموت فيسلبه بعض ما تبقى له من أعوام ،و آثر الانصراف في ذاك الظلام المدلهم حافي القدمين. استيأست من حال شيخنا، و كنت غير بعيد عن جسده المسجى و الناس حوله في حيرة من أمرهم ،و قد انتابتني حالة من الحزن و الأسى على فقيد حارتنا، وبطل لعبة' السيق' الذين لا يشق له غبار، إذا شمر ساعدا وجثي على ركبة و نصف. قلت في نفسي، و أنا انظر إليه بعين الشفقة، و ألوك قطعة لبٌان : إيه يا عم ! أنت حلقة وصل بين البداوة و الحضر, بين الأمس و اليوم، أنت آخر حلقة سينفرط بعدها العقد كله، و يخلو الجو لرعاة الشاة. ساورني قلق شديد لا عهد لي به على حالة الشيخ, تذكرت كيف كان يجمعنا حوله، و نحن صبية لا يتعدى عمر الواحد منا السادسة و يقص علينا قصصا، عن فرسه حين يسابق الريح عدوا، و عن غزو بني الأصفر، كيف دخلوا أرضه و استباحوا زرعه و أبادوا بهائمه. مرٌ امام ناظري شريط من ذكريات ،منها مزاحه و مداعبته لفرسه الشهباء، و هي تتمرغ تحت ظل تلك الشجرة العظيمة أمام البيت، و ها أنذا أقف أمامه اليوم وقفة العاجز عن المساعدة. أخذت نفسا عميقا ثم انبعثت الآهات تلو الآهات من أعماق قلبي الجريح حزنا على الشيخ المليح . ودنوت من القوم زحفا حتى جثوت على ركبتي وقد صار الفقيد قاب قوسين أو أدنى مني. بينما نحن قعود عند رأسه في خشوع ،و كأن على رؤوسنا الطير، إذ أقبلت علينا" زليخة " ابنته، تحمل إناء ليقضى فيه أباها حاجته، و يفرغ مثانته في دار الدنيا. دخلت ،على حين غفلة منا، و قد أسفرت عن وجه كأنه القمر. لم تكن تبرزه لأحد من قبل ، لها عينان كبيرتان رماديتا اللون كعيون ألمها ، غائرتان في محجريهما ، ذواتا لهيب عجيب ، تلويان شعاعهما كعقافة كلاٌب على القلب فتضمه، إن أبحرت في تلك الأحداق، فلن يتحول بصرك إلا ليبحث عن شامة في الوجنة، تعرج بخيالك في عالم الأحلام.ينعقد لسانك فلا تعد قادرا على الكلام . .إيه ، إيه يا ذاك الزمان، لما لا تعود إلينا أطيافك و لو مرة واحدة ؟ ، فتبتسم إذ ذاك الأفكار أمام ناظري، و يتمايل قلمي تمايل شجرة الصفصاف قرب الغدير، و وددت لو كتبت عنها ألف بيت لكنني، مثقل بالأحزان كالبركان بالحمم. رأيتها و قد اتشحت ثيابا سود، و أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها، كانت من أحسن فتيات الحي وجها، أطولهن إذا قامت ، و أعظمهن إذا قعدت أكثرهن ميلا للعزلة. أوتيت من فنون الطبخ الكثير، فكانت اذا صنعت طعاما جودته . علٌمت صويحباتها كيف تحظر أكلة'' الزر يزري'' الشهية، 'و'' الرفس''، ''وخبز المسمن''. وقفت واجمة و قد عقد لسانها ما آل إليه حال أبيها ، فنكٌس القوم رؤوسهم إجلالا لها، و قد عرفناهم ثلة من الأشرار، لا تعرف غض الأبصار،و تظل عاكفة على لعب القمار، تتتبع عورات الناس من دار لدار ، تعبد الدرهم و الدينار لا تبالي إلا بملء بطونهاو لو من الخنشار ، أما أنا فقد أوغلت فيها ببصري،فأمعنت النظر حتى سال لعابي كالمطر، كانت نظراتي بريئة ، براءة الذئب من دم يوسف ابن يعقوب، لكنها انقلبت وبالا علي في الدنيا قبل الآخرة، فما لبثت أن تهاطلت علي نظرات الشزر من شيخ يمقتني مقتا مريرا ، رأيت الشرر يتطاير من عينيه مذ وضعت منكبي حذو منكبه ، ثكلته أمه،فأخذ يقذفني بوابل من نعال القوم. أصابني بعض تلك النعال إصابة مباشرة، كاد يهشم أنفي و تطاير بعضها الأخر هنا و هناك و كنت اتقي ضرباته متترسا بظهر عجوز في السبعين، أو نحو ذاك، كان متقوقعا أمامي ،نال هو الأخر حظا من تلك النعال ،فتدرجت شيبته بالدم .قامت ضجة عظيمة، و أطلت الفتنة برأسها، لولا لطف الله بنا لاختلط الحابل بالنابل . لازلت في حيرة من أمري ، أأكتم غيضي على هون أو أصب على ذالك الأحمق جام غضبي، فأنغص على العم 'ابن دحمان' هجعته .رأيت انه من الأجدى أن ابتلع غضبي، لكن لي كبرياء ما أحببت أن تذبح بين القوم و إن كنت أضعفهم عودا ،و قد قرع الشيطان عليه لعنة الله ،طبول الحرب في أذني، فما أحسست إلا و صوتي يرتفع مدويا. قلت:ـ لما يمقتني هذا الشيخ من بين غلمان الحي؟ ـ معتوه و رب الكعبة. ـالآ يرى إن الموقف جلل و ألا سلطان لي على عيناي حبيستا هذا الزجاج. ـإن هي إلا نظرات إعجاب أفلتت منهما فما الضير في ذالك . نكست رأسي و قد فاضت عيناي بالدمع و انتابنى شعور بالغبن . سمعت صوتا يقول'' أنج بنفسك يا غلام فوا لله لنكأني به يتبعك كأنه بعير أكل مرار''ا . إلتفت خلفي فإذا هو يمشى نحوي مسرعا ثم مد ذراعيه و هم بالتقاطي من بين المشايخ ليرميني خارج الغرفة . امسك كبير القوم'' الحاج محمد قدور'' على يده وأنتهره بعنف و جذبني من يدي ثم أجلسني الى جنبه درءا للفتنة فأحسست بشيء من الدفء و الحنان و الأمان في حضنه، وانتشت نفسي بعد ضيق أصابها برائحة المسك المنبعثة من تلابيبه و لحيته البيضاء المسبلة على صدره ،قال : لا عليك يا عبدا لقادر، و ضمني ضمة لصدره، كادت تختلف لها أضلاعي و ينقطع نفسي، ثم أرسلني و اشتغل بإماطة الأذى عن عمي'' ابن دحمان'' . سمعت لذاك الأعرابي فحيحا كفحيح الأفعى و ما لبث ان خنس وتقوقع داخل كساءه، فكفى الله المؤمنين القتال و لو لا رحمة الله لتفرق دمي بين القبائل تلك الليلة ، أغضوا الطرف عنى إلا لحظوة كانت لأبي عند كبيرهم'' الحاج محمد قدور'' صاحب الكلمة النافدة فيهم . في تلك الآونة ،هبت ريح صرصار، عاتية على البلدة الآمنة،كادت تجتث حيطان البيت، ففتحت الأبواب على مصراعيها،و أخذت ستائر الغرفة ترفرف فوق رؤوسنا ،اندفع الغبار و الأتربة إلينا، فملأ صدورنا و عيوننا ،ثم انطفأ السراج فصرنا نسبح في ظلام مدلهم . ساد سكون رهيب و بلغت القلوب الحناجر من الخوف فكنت لا أسمع ألا عطاس القوم أو سعالا |