| ||||||
|
![]() |
| |||||||
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| #25 | ||||
| ||||
| جحيــم بـــارد جحيــم بـــارد دعوة غداء حدقت الوجوه الثلاثة فى الشاشة الطبية الصغيرة وتجدد الصوت الرقيق فى الغرفة من جديد ، ألم أقل لكم ، كل شىء على ما يرام . رد طارق : ولكن يا دكتور ياسمين إنه يصاب بالإغماء وعندما يفيق يظل يهذى لأيام ويزعم أنه رأى أشياء مستحيلة . نظر طارق وياسمين إلى أمجد الذى لم ينطق بحرف وبدا عليه الشرود بعيدا عن هذا الحوار . تجدد صوت ياسمين من جديد لتؤكد أن أمجد بصحة قد تكون أكثر من عادية وأن نتائج تحاليل الدم وأشعة إكس وكل التحاليل تفيد أنه بخير وعلى ما يرام . لم تمحو هذه الكلمات نظرة الشك التى إرتسمت على وجه طارق لكنه سرعان ما عادت إلى وجهه إبتسامته المرحة ثم نظرإلى أمجد وقال : سأنتظرك بالخارج فعلىّ أن أطمئنهم فى البيت عليك فأسرتى تحبك ربما أكثر منى وتنتظر مكالمتى . ثم أغلق الباب خلفه وعادت لأمجد نظرته الحزينة الشاردة وقال لياسمين : لا تزعجى نفسك فأنا لست مجنون رغم أن ما أقوله هو عين الجنون . لكنى أرى أشياءا وأحيا فيها ثم أعود للواقع وكأنها لم تكن . نظرت إليه ياسمين وقالت : وأنا لا أظن أنك مجنون ، ما رأيك أن ترى طبيبا نفسيا ؟ ففى داخل كل منا عالم آخر من الظلام لا نعرف عنه شيئا . إبتسم أمجد وقال لها : بشرط ، أن تتناولى معنا الغداء اليوم ، فأنا لم آكل منذ أمس وسنذهب وطارق لتناول شىء ما ، ما رأيك ؟ إبتسمت ياسمين وقالت : أود ذلك ، لكن آسفة فأمامى أكثر من ساعة كما أنى لا أتناول طعاما خارج البيت فوالدتى تنتظرنى كل يوم . إذا سننتظرك حتى تنتهين فى الخارج وأما الوالدة فسنحضر لها معنا طعاما وسأعتذر لها بنفسى إن أردت ؟ نحن فى نفس الطابق وجيران منذ شهور والآن فقط تذكرت أننا لم نتعارف كما يجب . ياسمين : حسنا ، لكن عدنى أن تكون هذه المرة فقط ؟ أمجد : أعدك . هيا سأخرج لطارق وسنعود لك فى موعد إنتهاءك . خرج أمجد ليجد طارق ينتظره بإبتسامة عريضة قائلا له : فى عيونك هذا البريق المميز الذى أعرفك به ، قل لى ماذا فعلت ؟ إبتسم أمجد وقال له : دعوت ياسمين معنا اليوم لتتناول الغداء ولا تشرد بفكرك كالمعتاد . تعالت ضحكة طارق المرحة وقال له : كيف لا أشك فيك وأنت لست أنت ، أنا أعرفك جيدا فأنت لا تدعو غرباء على غداء وخاصة من الجنس الرقيق فما غيّرك هذه المرة ؟ إبتسم طارق بخجل وقال له : هى ليست كالنساء ، فلا تشرد بخيالك بعيدا . كما أنها ظلت معنا منذ يناير فى التحاليل وكل شىء ونحن الآن فى مارس وأردت أن أشكرها بشىء مثل هذا وخاصة أنها لا تقبل الهدايا من الغرباء . طارق : فهمت ، لكنك لا تفسر نفسك دائما إلا عندما تخفى شيئا ، أنا أعرفك ومع هذا سأمثل دور البرىء وسأدعوكما سويا على الغداء فى أرقى وأفخم المطاعم ما رأيك ؟ أمجد : أنت تعرف أنى لا أحب هذه المطاعم الفاخرة ، ما رأيك بمطعم كهذا الذى يجوب النيل ؟ طارق : أنت من يقول وأنا من ينفذ ، هيا أنا أعرف كافيتيريا قريب من المستشفى لنشرب فيه شيئا حتى وقت الغداء . تأمل أمجد النافذة المجاورة فى الكافيتيريا وشرد بذهنه بعيدا فصاح به طارق :"أين ذهبت بعقلك ؟ إلتفت أمجد وقال له : أتعرف أن ثورة العبيد ضد روما ، هل تصدق أن الرومان قد أعدموا خمسة آلاف عبد فى شوارع روما وعلى الطرقات وتم صلبهم جميعا فى وحشية غير مسبوقة . إنعقد حاجبى طارق ونظر بإستياء إلى أمجد وقال : وحشية وإعدام ، أمازلت تفكر فى هذا ؟ لقد مر شهرين لم تتوقف عن الحديث عن هذه الفترة كل يوم تقريبا ، هيا لقد تأخرنا فلنعد إلى المستشفى . ما رأيك فى المكان دكتور ياسمين ؟ سأل طارق . ياسمين : المكان رائع ، لم أكن أعرف أنكما تأتيان إلى هذه الأماكن الرقيقة وظننت أنكم تحبون المطاعم المزدحمة وليست الرومانسية الهادئة . طارق : فى الحقيقة ظنك صحيح ، فأنا آكل فى أى مكان ، لكن مركب النيل هذا فكرة أمجد وهو قليلا ما يقترح علىّ أى شىء فأنا دائما آخذه حيث شئت . إبتسم أمجد بخجل وقال : أنا أوافقك على كل شىء لأنك تعرف أنى أحب ذوقك لكن هذه المرة مختلفة فمعنا ضيف . إبتسمت ياسمين بخجل أيضا وقالت : وأنا لا أخرج أبدا مع غرباء لكنى أعرفكم منذ شهور وطبعا نحن جيران الدكتور أمجد وصراحة لو كانت الدعوة فردية لرفضت لكن رؤيتكما معا تجلب فى نفسى الراحة . أنا لم أخرج منذ الجامعة سوى للمستشفى وأعود سريعا لأمى فليس لى غيرها . طارق : إذا سأذهب للمطبخ وأعرف أسرار القائمة وأعود على الفور . غاب طارق خلف الطاولات فى حين نظر أمجد إلى ياسمين وقد تلاشت إبتسامتها . أمجد : أنا آسف ، سأعود به فوالله لم نقصد ترتيب الموقف هكذا . إبتسمت ياسمين وبدت أسنانها هذه المرة : أعرف أعرف ، تبدو مذعورا كأنك طفل صغير ينتظر عقاب مدرسه ، أنا أعرف أخلاقك وأخلاق طارق وأشكرك . ضحك أمجد ورد قائلا : شكرا على ماذا . ياسمين : شكرا لأنك لم تهن ذكائى وشكرا لأنك لاحظت تغير وجهى فأنا أيضا أفكر فى ماما التى ستتناول طعامها وحدها اليوم . أمجد : إذا فاسمحى لى أن أرفع لقب الدكتور من أمام إسمى وإسمك ، فقط قولى لى أمجد وأقول لك ياسمين . ياسمين : إتفقنا . عاد طارق مبتسما يحمل فى يده قائمة الطعام وفى الأخرى تفاحة عاد بها غنيمة من المطبخ ثم جلس مكانه ونظر إلى القائمة وقال : أتعرف يا أمجد لديهم هنا ضفادع للسائحين الفرنسيين ويقدمونها اليوم أيضا ، لو رأيتها لمت من الفزع والتقزز . أمجد : إحم ، طارق معنا ضيوف ، أنسيت ؟ نظر طارق إلى ياسمين وقد إتسعت عيناها من طريقة وصف طارق للأكلة الفرنسية الشهيرة ثم إنفجر ضاحكا هو وأمجد من ملامح وجهها فى حين ضحكت ياسمين لضحكهما ، وتعالت ضحكات الثلاثة . وفى لحظة ، برق الوميض اللامع فى عين أمجد وبدأ الصداع فى معاودته وقد لاحظ طارق وياسمين غير أنه أكد لهما أنه بخير وأنه فقط سيذهب ليتناول حبة مسكنة ويعود على الفور . ذهب أمجد بعيدا عن الأعين ممسكا برأسه فى حين ودعته نظرات صديقيه القلقة وفى غرفة هادئة فى آخر المطعم العائم أغلق خلفه الباب ، أمسك بحبة الدواء ورفعها إلى فمه غير أنها سقطت على الأرض وتبعها الجسد المرهق غائبا عن الوعى ، مرة أخرى . أفاق بطيئا ، تلاشى الصداع تماما لكنه شعر أن الأرض كلها تهتز وتميل من حوله وكان متيقنا أن ما يهتز هو عقله الضبابى . تحسس بعينيه المثقلتين ملمس الأرض الرطبة وأحس بغثيان ودوار لا يُحتمل ، كان ظنه أنها آثار الصداع المرهق لكنه لم يستطع أن يقاوم أكثر ووقف منتصبا على قدميه ، كان كل شىء فى عينيه مثل صورة الأشياء من خلف نافذة غمر المطر زجاجها ، لمح أشخاصا يتحركون من حوله وسور يبدو قريبا منه ، لكن الأرض ما زالت تهتز وتموج بشدة من حوله فأسرع إلى جدار السور كى يفرغ كل ما فى بطنه . لم تكن هذه الضجة آثار عقله المشوش ولم تكن الأرض تهتز من حوله كما يظن ، فلم تكن أرضا من الأساس . لقد كان فى عمق البحر . ليس هذا فحسب ، بل لقد كان على وشك خوض غمار أشرس معركة بحرية فى التاريخ . __________________ ![]() أخي إنني ما سئمت الكفاح * و لا أنا ألقيت عني السلاح وإن طوقتني جيوشُ الظلام * فإني على ثقة ... بالصباح |
| #26 | ||||
| ||||
| رسالة الموت رسالة الموت ثار الصوت الغاضب بشكل مخيف فى القاعة الصامتة ، حدقت العيون المذعورة فى وجه الملك فيليب الثانى ملك إسبانيا دون أن تنطق بحرف واحد . كيف ؟ كيف ترفض جنوة إقراضى نفقات حملتى المقدسة ؟ لقد بارك البابا سيكتيوس بابا روما حملتى فكيف ترفض جنوة مدّى بما أحتاج إليه من نفقات لتأديب ملكة إنجلترا ؟ تكلم أحد مندوبى الوفد العائد من جنوة : لقد ترامى إلى مسامعنا أن ملكة بريطانيا قد أرسلت تحذيرا إلى جنوة بخطورة إقراضنا أى مال ، وبأنها تعتبر إقراض ملك أسبانيا عملاً غير ودي موجها ضدها وضد إنجلترا . ومن أخبرها بالوفد ولا يعرف عنه سوى أنا وأقرب المقربين من وزرائى ؟ إبتسم القائد يوجينيو ووجه كلامه إلى الملك قائلا : إذا تسربت معلومة كهذه فى يد الإنجليز فهذا معناه شىء واحد . وصمت قليلا ثم قال : بيننا جاسوس داخل البلاط الإسبانى . أثارت كلمات يوجينيو سخطا وغضبا داخل القاعة غير أن الملك فيليب أمر على الفور بإعطاء يوجينيو كل الصلاحيات للقبض على هذا الجاسوس ، وقلب البلاد رأسا على عقب قبل أن تتحرك الحملة من ميناء لشبونة . وكان هذا من سوء حظ أمجد . ** "مرة أخرى" . ترددت كلمات أمجد فى حنق وذهول ، مرت ساعة بعدها أفاق أمجد من ذهوله وبدأ بالتفكير بعقل وهدوء فى موقفه هذا . إقترب من أحد البحارة واسمه باولينو وبدأ حديثا حاول فيه معرفة هذا الزمان وخط سير السفينة وكان مقررا لها الرسو فى ميناء لشبونة بعد ثلاثة أيام ، قرر خلالها أمجد العمل على ظهر السفينة كى يحصل على طعامه وقليل من المال . وفى غرفته أمسك يوجينيو ببعض الرسائل والتى تبدو من إسم مرسلها أنها من قلب باريس . لم يكن هذا الإسم على ظهرها سوى الإسم المستعار لأشهر جاسوس إسبانى والمعروف فى الأوساط الأوربية بـ "سير إدوارد ستافورد" سفير إنجلترا فى باريس . وفى لحظات حمل يوجينيو كل الرسائل إلى دوق مدينا سيدونا أشهر قادة الإسبان والذى كان على وشك قيادة أكبر الحملات وأشرسها فى تاريخ إسبانيا . واضطر الملك فيليب تعيينه بعد أن توفى الماركيز سانتا كروز قائد الحملة ومرشحها الأول قبل إنطلاقها بأربعة شهور . وصلت السفينة إلى ميناء لشبونة وودع أمجد باولينو بعد أن أخذ أجره من قبطان السفينة . وبعد أن خطا بقدميه أرض الميناء ، لم يعد يعرف أين يذهب وما عليه أن يفعله هذه المرة ، فقد يطول الأمر شهورا وقد يستغرق ساعات فى رحلة العودة إلى 2009 من جديد . وقف أمجد محدقا من بعيد فى السفن الضخمة الرابضة فى ميناء لشبونة على مسافة بعيدة وجالت بخاطره فكرة مخيفة لكنه سرعان ما أحس بالجوع فانشغل عنها واقترب من إحدى الحانات القريبة لتناول بعض الطعام . كانت الحانة هادئة شبه خالية ، فقد كان الجنود الإسبان يتجولون الطرقات بشكل دائم بحثا عن أى وجه يحمل ملامحا غير إسبانية عملا بتعليمات يوجينيو . كانت الحملة الإسبانية تحيطها سرية كبيرة وكان تسرب أى خبر عنها يفقدها عنصر المفاجأة ويقلل من فرص نجاحها لهذا عمل يوجينيو على تقفى اثر التجار الغير إسبانيين والإسبانيين على حد سواء . جلس أمجد على طاولة خشبية صغيرة فى آخر الحانة وبدأ يأكل بشراهة بعد أن ظل ثلاثة ايام يأكل الخبز والطعام الجاف فى وسط البحر . لمح فى الكرسى المجاور فتاة بدا عليها القلق والشرود فى حين رمقته هى بإبتسامة ثم ما لبثت أن حلقت فى شرودها من جديد . وبعد لحظات ثارت ضجة خارج الحانة صحبها دخول ثلاثة من الجنود الإسبان إلى الحانة متأملين كل الوجوه . إحتفظ أمجد بهدوئه وقرر الهرب سريعا من هذا المكان ، قام فى هدوء وإبتسم إبتسامة هادئة للجنود وإقترب من صاحب الحانة ليدفع ثمن الطعام . وفى طريقه للخارج إصطدم بالفتاة الإسبانية عندما إلتفتت فجأة هى الأخرى لكنه إعتذر لها بخجل وإبتسمت هى قابلة إعتذاره . أنت قف ! إلتفت أمجد إلى أحد الجنود الذى نظر إليه بارتياب محدقا فى ملامحه ، كانت ملامح أمجد – لحسن حظه – مشابهة للإسبان ذوى الشعر الأسود والبشرة المائلة إلى البياض لهذا لم يكن صعبا إنتحاله جنسية إسبانى . إلتفت أمجد فى هدوء مصطنع إلى الجندى واقترب منه فى حين سأله الجندى من أنت وماذا تفعل هنا ؟ أجابه أمجد بأنه أحد البحارة فى السفينة الرابضة فى الميناء وقد جاء لتناول بعض الطعام حتى ترحل السفينة من جديد . كان رده مقنعا فلم يثر شك الجنود الثلاثة وانصرف أمجد من الحانة ليتنفس الصعداء ويفكر فى خطوته التالية . كان عليه النوم أولا كى يفكر بوضوح فهو لم يزل يتأرجح على السفينة مذ ثلاث ليال كاملة حتى اعتاد دوار البحر لكنه لم يستطع النوم أبدا خلال الرحلة . وهنا إقترب من حانة أخرى وقد أوشك الغروب ليستأجر غرفة ضيقة فى الطابق الأعلى حتى الصباح ، وألقى بجسده المرهق على السرير الصغير. ** تتابعت خطوات رجل فى أوائل الخمسين تخترق بهو القصر الملكى البريطانى . إبتسمت الملكة إليزابيث حال رؤيته وإبتسم هو بدوره لتأمر كل من معها بالإنصراف فورا . لم يكن هذا العجوز سوى " فرانسيس ويلسنجهام" رئيس جهاز الخدمة السرية ومؤسس النواة الأولى لأول جهاز مخابرات إنجليزى فى التاريخ . كانت الملكة تشعر بالأمان كلما رأته وكان تفانى "ويلسنجهام" مذهلا إلى أقصى الحدود. لكن الملكة "إليزابيث الأولى" كانت بخيلة. ولكي يحصل على نتائج طيبة, اضطر إلى الإنفاق من جيبه الخاص, إلى أن أفلس ومات غارقا في الديون. ورغم شدة بخلها على ميزانية المخابرات إلا أنه ظل دائماً حريصاً على حمايتها بمظلة الأمان, فلم تنجح واحدة من مؤامرات اغتيالها العديدة في الاقتراب منها. لقد كان من أبرع الجواسيس وقتها وربما فى تاريخ هذا الفن . فقد تمكن من إنشاء شبكة تجسس خاصة داخل البلاط الملكي الفرنسي , حصلت على سلسلة من التقارير الهامة, عن المؤامرات التي كان يحيكها ملك فرنسا ضد الملكة. ومنذ عامين كانت "ماري تيودور" ملكة اسكتلندا قيد الاعتقال في إنجلترا لأن الملكة "إليزابيث الأولى" اعتبرتها خطرا على العرش الإنجليزي. كانت "ماري" على اتصال بمتآمرين كاثوليك معينين أرادو عزل الملكة البروتستانتيه عن العرش. ظلت "ماري" على اتصال بأعوانها عن طريق رسائل تكتب بالشفرة وتدس في براميل المؤن التي تصل إلى الملكة في سجنها. وكانت الملكة ترسل رسائلها بنفس الطريقة في البراميل الفارغة. دبر هذه الحيلة رجل اسمه "جيلبرت جيفورد", ولم تعلم "ماري" أن "جيفورد" كان يعمل لحساب "ويلسنجهام" رئيس جهاز الخدمة السرية الإنجليزي, الذي كانت تصله كل رسائل "ماري" أولا بأول لمدة ثلاثة أشهر, وظل على صمته متحفزا, ينتظر دليلا حقيقيا ضد "ماري". وهذا ما حدث في يوليو عام 1586 حيث كتب أعوانها عن تدبيرهم خطة لقيام ثورة كاثوليكية, واستعداد ستة رجال لقتل "إليزابيث" وتتويج "ماري" ملكة على عرش بريطانيا. أراد " ويلسنجهام " أن يعرف أسماء الرجال الستة. وبدلاً من توجيه الاتهام إلى الملكة السجينة في الحال كلف خبير الشفرة بتزوير فقرة أضافها إلى رد الملكة "ماري" تقول فيها: "سوف يسعدني أن أعرف أسماء وشخصيات الشبان الست الذين سينجزون المهمة, فربما أستطيع أن أدلى برأي نافع على ضوء هذه المعرفة" غير أن "ويلسنجهام" لم يعد محتاجا للأسماء, فسرعان ما أصاب المتآمرين الذعر وسلموا أنفسهم وحكم على "ماري" بالإعدام. أشارت إليه الملكة بالجلوس فى حين لم تفارق إبتسامته الواثقه شفتيه ، وبدأ حديثه قائلا : لقد كانت شكوكى فى محلها ، فالملك فيليب يعد أسطولا ضخما لغزو إنجلترا وقد إكتمل أسطوله بالفعل . تغيرت ملامح إليزابيث واسترسلت قائلة : بعد أن نجح فى الحصول على دعم البابا الكاثوليكى وإنتقاما منى لرفضى عروض الزواج منه ومساندتى لثورة البروتستانت فى هولندا ، كان متوقعا لكنى لم أظنه سيصل لحد حرب شرسة ، هو يريد أن تصبح أوربا كلها كاثوليكية وأنا لن أتخلى عن مذهبى البروتستانتى مهما كلفنى الأمر . وكيف أتصرف فى مواجهة كل أوربا ، كان علىّ أن أعطى ضوءا أخضرا للقراصنة والبحارة الإنجليز بالإغارة على السفن الإسبانية المحملة بالبضائع والذهب وأقتسم معهم غنيمتهم كى أملأ خزائن المملكة بما يمكنى من الدفاع وأضعف من شوكة إسبانيا ما استطعت . قل لى ، ما آخر أخبار هذا الأسطول ؟ لقد ألقينا فى طريق السير إدوارد ستافورد بمعلومات زائفة كالمعتاد وسيقوم بدوره بإيصالها إلى دوق مدينا سيدونا قائد الأسطول الإسبانى ، كما حصلنا من رسائله على معلومات وتفاصيل عن إعدادات الإسبان وتفاصيل غاية فى الدقة . والأهم ، ستصلنى رسالة من أهم عملائى فيها تفاصيل دقيقة عن الأسطول وكل شىء متعلق به . رائع ، أنت بالفعل رجل المملكة الأول ، قالتها الملكة فى حين إبتسم ويلسنجهام إبتسامة محارب منتصر ، وكان محقا . ** إرتمى أمجد على سريره المتواضع فى غرفة الحانة فى حين تحسس بيديه شيئا فى ملابسه ، دس يده فى جيبه ليجد رسالة صغيرة ، إندهش من وجودها وفتحها ليقرأ ما فيها وكانت تقول : حبيبتى فلورا ، لقد إنتهيت من إعداد حفلة عيد ميلادك وأنتظرك يوم 25 مايو من هذا العام 1588 . لقد إشتريت 108 زجاجة من أشهر الخمور ومن الحجم الكبير و22 صنف محتلف من أنواع الطعام وسيكون هناك من العائلات الشهيرة 18 ومن الأصدقاء 8 كما اتفقنا عليهم من قبل و ........ خطيبك المحب : بومبيو بليجريني كانت الرسالة طويلة وتحوى تفاصيل الحفل وأرقام كثيرة ، أصابت أمجد بالملل وقرر إلقاءها الرسالة بعيدا إلى أن لمح الإسم الموقع أسفلها ، عندها عاوده نفس الذهول الذى إعتاده كثيرا فى الشهور الأخيرة . إن ما بين يديه تحمل إسم رسالة الموت ، إنها من أشهر الرسائل فى التاريخ وقد يقتل كل طرف للحصول عليها ، إنها تحمل تفاصيل خطيرة عن أشهر أسطول بحرى فى التاريخ ، يحمل إسم ، "الأرمادا" __________________ ![]() أخي إنني ما سئمت الكفاح * و لا أنا ألقيت عني السلاح وإن طوقتني جيوشُ الظلام * فإني على ثقة ... بالصباح |
| #27 | ||||
| ||||
| على شواطىء لشبونة على شواطىء لشبونة طوى أمجد الرسالة كأنها لا تعنيه أبدا ثم أخفاها خلف لوحة زيتية معلقة على الحائط ، وألقى بجسده المنهك على سريره مرة ثانية ليطلق العنان لكل أفكاره المخيفة . فما الموقع أسفل الرسالة سوى أشهر جاسوس إنجليزى وقتها عرف فى فلورنسا بإسم" بومبيو بليجرينى" واسمه الحقيقى " أنتوني ستاندن" وهذه الرسالة المشفرة هى نسخة طبق الأصل من التقرير الذي قدمه الماركيز "سانتا كروزا" قائد أسطول "الأرمادا" إلى الملك "فيليب", ويحتوي على: عدد السفن وأسلحتها, والجنود وأسلحتهم, والبحارة, ومستودعات الأسلحة والذخائر والمؤن, ومواقع وحدات الأسطول, وموعد إبحاره لغزو بريطانيا, وأماكن رسوها للهجوم . وكل ما تحويه هذه الرسالة من أسرار سيقرر مصير إمبراطوريتى إسبانيا وبريطانيا معا . لم يطلع أحد على رسالة ستاندن لكن أمجد عرف كل ما تحويه من اسرار : " حبيبتى فلورا (ملكة إنجلترا) ، لقد إنتهيت من إعداد حفلة عيد ميلادك وأنتظرك يوم 25 مايو من هذا العام 1588 (موعد إبحار الأسطول) . لقد إشتريت 108 زجاجة من أشهر الخمور ومن الحجم الكبير (سفن تجارية مسلحة) و22 صنفا من الطعام (سفينة كبيرة) وسيكون هناك من العائلات الشهيرة 18 (18 ألف جندى) ومن الأصدقاء 8 (8 آلاف بحار) كما اتفقنا عليهم من قبل و ........ لم تمر دقائق حتى إستغرق فى نوم عميق ونام ليلته كأن شيئا لم يكن . فى الصباح أخرج رسالته المخبأة وقرر التخلص منها بأية وسيلة ، أحس بالنشاط يسرى فى عروقه فانطلق إلى الخارج ليتنسم هواء لشبونة النقى المنعش . لم يعرف أين يذهب لكنه لم يعد يهتم بتفسير ما يحدث له وقرر أن يمرح فى واحة التاريخ وهى أمنية طالما تمناها . تذكر سفن الميناء ، وقرر الذهاب لمشاهدتها من جديد وربما يبحر فى رحلة جديدة إلى أعالى البحار، لم يكن يفكر فى شىء تحديدا سوى أن يقتل الوقت قدر إستطاعته ، ساقته قدماه إلى الميناء وكأن شىء ما هناك ينتظره . تجول أمجد فى ميناء لشبونة ولم يلحظ أن أعينا تراقبه من بعيد ، لم تغفل عنه لحظة واحدة من لحظة خروجه من الحانة أمس. كان الميناء هادئا بشكل مخيف على غير العادة ، ومن بعيد لمح السفن العملاقة التى رآها بالأمس فاقترب منها كثيرا ليلقى نظرة عليها . لم تكن سفنا تجارية كما ظن ، بل هى سفن حربية كثيرة العدد ، إنه أسطول ضخم بمقاييس هذا الزمان ، من جديد تأمل ذاكرته التاريخية وإقترب من شبه تيقن أن هذا الأسطول لا شك هو ما يظنه ، الأسطول الشهير الذى لم تزل صفحات التاريخ حتى اليوم تكيل له الإعجاب رغم خسارته . أفاق على صوت حاد ، أنت من تكون وماذا تفعل فى هذه المنطقة المحظورة ؟ إلتفت أمجد فرأى إثنين من الجنود الإسبان شاهرين سيوفهم ولا شك لديه أنهما على إستعداد كامل لإستخدامها فى لحظات ، كان الإقتراب من هذه المنطقة ممنوعا ومحرما على كل البحارة لهذا أخلوا الميناء تماما فى هذه المنطقة سوى من بحارة الأسطول الذين يحمّلون السفن كل يوم بالمؤن والذخيرة ومن الجنود الإسبان . لم يجد أمجد على لسانه ما ينطق به خاصة أنه ما زال يحمل فى جيبه رسالة تفوح منها رائحة الموت . هل هناك مشكلة ؟ إلتفت الحارسان على صوت المتحدث فإذا بفتاة تبتسم فى ثقة مفرطة رغم خطورة الموقف . لا شأن لك ، إذهبى الآن وإلا ... لم يكد ينطق الجندى هذه الكلمة الأخيرة حتى طار سيفه فى الهواء فى حركة خاطفة إذ أخفت الفتاة سيفها خلفها ولما هددها الجندى بسيفه أطاحت به فى حركة متقنة تماما كالمحترفين . تأملها الجنديان فى ذهول فى حين رفعت هى حاجبها الأيمن وابتسمت إبتسامة أخرى أكثر ثقة ، إندفع الجندى الثانى نحوها شاهرا سيفه فى حين إلتقط الأول سيفه ولحق بزميله فى مبارزة غير متكافئة أبدا ، لم تكن بالفعل متكافئة فقد طارت سيوف الجنديين فى دقائق معدودة وحدقا فيها مذهولين ، كان أمجد بدوره أكثر ذهولا لكنه أفاق على صوتها تأمره بتقييد كلا الجندين فاستمع لها وربط الجنديين بالحبال ثم هربا سريعا من المكان . إقترب أمجد من الفتاة بعد أن تأمل ملامحها ثم صاح قائلا ، أنت تذكرتك ، رأيتك أمس فى الحانة تذكرين ، شكرا لك على إنقاذ حياتى . إبتسمت الفتاة وقالت : لا عليك نحن الآن متعادلين . كيف ، لم أفعل لك شىء فأنا مدين لك بحياتى . لست مدينا لى سوى بشىء واحد يخصنى ، رسالتى التى فى جيبك . أنت ، إنها أنت من دسها فى جيبى عندما إصطدمت بى أمس لحظة دخول الجنود ، كيف تجرؤين على فعلتك هذه . لم يكن أمامى خيار ، لقد أنقذت أنت حياتى وها أنذا أرد لك الجميل . قلت لك نحن متعادلين . كما أنك لم تغب عن عيونى لحظة واحدة منذ أمس كى تكون فى مأمن من كل خطر . أنا أم رسالتك من تحرصين أن يكون بمأمن تام ؟ أنت إذا فلورا صاحبة الرسالة . نعم ، أنا فلورا ورسالتى التى معك من خطيبى فى فلورنسا وهو من المعارضين لإمبراطور إسبانيا لذا أخفيت عن الجنود رسالتى . لست بهذه السذاجة ، أعرف من يكون "بليجرينى" وأعرف كل شىء فى الرسالة وأعرف عن الأسطول الضخم . إتسعت عيناها لكنها فى لحظات اشهرت سيفها حتى لامس عنق أمجد .. كيف عرفت كل هذا ، من تكون ؟ لست سوى شخص عادى القت به الظروف فى المكان الخطأ والوقت الغير مناسب ، صدقينى . لا أطلب منك أن تثقى بى لكن فقط أخرجينى من هنا فحتما ستأتى كل إسبانيا من خلفنا فى أية لحظة . صمتت فلورا لحظات ونظرت فى عيون أمجد التى لم تنطق سوى بالصدق ، فكرت هى ولم يكن لديها بديل سوى أن تصحبه معها فهو يعرف الكثير ووقوعه فى يد الإسبان قد يعرض مهمتها للخطر . من هذا الطريق ، أسرع إنطلقا يخترقان شوارع لشبونة حتى وصلا إلى الميناء من طرفه الآخر ، عندها رفعت فلورا الغطاء عن قارب مهجور متوسط الحجم وبدأت تعده للإبحار . سيحكم الجنود قبضتهم على الطرق البرية والسفن الضخمة وهذا الميناء مهجور ولن يتعقبنا أحد فى البحر حتى نصل إلى أقرب ميناء وننطلق على ظهر أقرب سفينة إلى فرنسا ومنها إلى إنجلترا . إنطلق القارب يخترق أمواج المحيط الأطلسى محاذيا لشاطىء البرتغال ، وكانت مهمة تحفها الأخطار تتعلق أولا بمصير ملكة بريطانيا ومصير إمبراطورية بأسرها . ** سيدى هناك أنباء سيئة ، بدت نبرة الغضب على صوت يوجينيو متحدثا إلى مدينا سيدونا . يجب أن نؤجل موعد إبحار الأسطول حتى يتم العثور على رجل وفتاة أظن أنهما جاسوسين خطيرين يحملان فى جعبتهما معلومات جدّ خطيرة وقد أرسلت نصف من معى لتعقبهما . نظر له القائد سيدونا بحنق قائلا : أنت لم تفهم بعد ، ليس للإنجليز طاقة بتحدى هذا الأسطول مهما بلغت براعتهم فى معرفة قطعه البحريه أو حتى تفصيلات الحملة كلها ، فمعرفتهم لن تجديهم شيئا أمام الأرمادا . قالها وانطلق فى ضحكة هيستيرية وحدق به يوجينيو الغاضب ثم إنطلق خارجا وهو يتمتم بكلمات لم يسمعها أحد : أيها المغرور الأحمق ** لكنى لا أفهم ، لماذا لم يرسل ستاندون رسالته من فلورنسا إلى إنجلترا مباشرة ، لما يتكبد عناء المخاطرة بإرسالها إلى قلب لشبونة ؟ إبتسمت فلورا ثم رفعت حاجبيها وقالت : لم يكن لنا أن نعتمد على تقرير الماركيز كروز فحسب بل كان لستاندون أن يتأكد بعينه من مطابقة ما فى الرسالة لحجم الأسطول الفعلى ، وكان لأهم ثانى عميل فى المملكة أن يقوم بهذه المهمة ، وإبتسمت قائلة : ملامحى شبه أسبانية لذا فقد تقدمت لهذه المهمة الخطيرة منذ شهور ولم يكن فى الحسبان أن تقع رسالة الماركيز فى يد ستاندون بل كانت الخطة أن أعاين بنفسى كامل الأسطول وأرسل تقريرا به إلى قلب لندن ،، الرائع أن رسالة ستاندن بها تفاصيل مذهلة لم أكن لأحصل عليها أنا أو غيرى وقد تحققت منها ووجدتها بالفعل مطابقة بشكل مذهل . لم تكن لى حاجة للرسالة بعد أن حفظتها عن ظهر قلب وأعدت إرسالها ثانية إلى لندن ، لكنى خشيت أن تؤذى أنت بسببها وأيضا خشيت أن تقع الرسالة فى أيدى غريبة . لم تقل لى بعد ، من أنت ؟ لن تفهمين إن قلت لك ، على الرغم من ذكاءك فلن تصدقى حرفا مما أقول . تخيلى أنك سافرت من هذا الزمن إلى الوراء مئات أو آلاف الأعوام لتشهدى مثلا زمن الملك آرثر فكيف تصارحين الناس وقتها بحقيقتك ؟ سخيف طبعا .. أنا من المستقبل ! قالها أمجد ممازحا . هناك تفسيران أحدهما صحيح : 1- أن تكون جاسوسا إسبانيا وكل القصة ملفقة كى تصل لشىء ما لكنى أعدك أن تكون طعاما للأسماك قبل كل شىء . 2- أن تكون صادقا فى قولك عندها سيتعين عليك أن تثبت لى كل هذا . إبتسم أمجد معجبا بهدوئها وطريقة تفكيرها ثم بدأ يحكى لها مطمئنا لذكاءها ، عن المملكتين وأمور وأسرار لا يعرفها حتى أبرع الجواسيس من كلا الطرفين . أخفت فلورا ذهولها لكنها ببراعة شديدة طوت ما بداخلها وبدأت فى الحديث عن نفسها قليلا ، وكيف أنها تفانت فى خدمة الملكة ووهبت روحها لخدمة البروتستانتية ، وعندما قابلت ويلسنجهام أول مرة ولمح فيها إعجابا بذكاءها ثم ما لبث أن قام بتدريبها على التجسس ثم ذهابها إلى باريس ونجاحاتها المتكررة فى البلاط الفرنسى ثم إسنادها لهذه المهمة الخطيرة فى قلب إمبراطورية أخرى وعدو أكبر خطرا . وكان "ويلسنجهام" يضم بعض الطلبة والكتاب إلى جهاز المخابرات بعد إخضاعهم لاختبارات معينة, ويرسلهم إلى الدول الأوربية, ليتجسسوا على المتآمرين الكاثوليك . ووسع "ويلسنجهام" شبكة مخابراته الخارجية خلال عام 1587 وصار له عملاء في بروكسيل, وليدن, والدانمارك, وداخل البلاط الأسبانى ، كما أحكم مخابراته في "كراكاو", ليرصد اتجاهات الفاتيكان نحو أسبانيا . وكلف بعض رجاله بالتجول في موانئ سواحل أسبانيا وفرنسا, وأستأجر الصيادين وبناة السفن لمعرفة تحركات وتطورات الأسطول الأسبانى . ** إسمى الحقيقى .. روزالين وأنا من ليفربول تعرفت على كريستوفر مارلو فى كامبريدج وهو من قدمنى إلى ويلسنجهام إن كنت صادقا فى قولك فستكون مكافأتك كبيرة إن وصلت هذه الرسالة بأمان إلى الملكة إليزابيث ،، فأسطولنا يتم بناءه منذ أعوام وهو غير ما يظنه الإسبان بل هو قادر على تحطيم الأرمادا ،، والأهم هم بحارتنا الشجعان ، أتعرف أنهم هم من أطلق على أسطول فيليب الأرمادا أى الأسطول العظيم تهكما وسخرية منه . صحيح ، كنت أظن أن الإسبان هم من أطلق عليه هذا الإسم ! ضحك أمجد وفلورا فى حين لمحا من بعيد سفينة تقترب من قاربهما بسرعة ، وما إن إقتربت أكثر حتى لمحا علم السفينة المميز ، إنها تحمل العلم الإسبانى ! __________________ ![]() أخي إنني ما سئمت الكفاح * و لا أنا ألقيت عني السلاح وإن طوقتني جيوشُ الظلام * فإني على ثقة ... بالصباح التعديل الأخير تم بواسطة محمد الحبشى ; 06-06-2008 الساعة 06:40 AM. |
| #28 | ||||
| ||||
| رد: الـمــســــــافــرون وغرقت الأسطورة إقتربت السفينة الإسبانية حتى إلتصقت مجنبتها بالقارب الصغير فى حين اشهر الجنود الإسبان بنادقهم وخطا الضابط الإسبانى إلى القارب الصغير قائلا : أيها الأصدقاء ، هناك من يود التحدث معكما ،، وابتسم إبتسامة ماكرة فقد أعلن يوجينيو مكافأة ضخمة بين جنوده لمن يعثر على الجاسوسين الفارين . قيد الجنود أمجد وفلورا واقتادوهما إلى السفينة الإسبانية فى حين أمر الضابط بإحراق القارب الصغير وأبحرت السفينة الإسبانية مرة أخرى لكن هذه المرة عائدة إلى لشبونة ، إلى قلب الجحيم . ** فى خليج باسكاى جلس اللورد إفينجهام قائد الأسطول الإنجليزى مع القادة لوضع خطة لإعتراض الأسطول الإسبانى فى هذا الخليج وأمر بإنتشار السفن الإنجليزية والهولندية الحليفة فى أماكنها حسب تقارير الجواسيس وعلى ضوء رسالة ستاندون التى وصلت له منذ يومين من فلورا بعد أن أكدت كل ما تحويه الرسالة من أسرار . وعلى عكس دوق مدينا سيدونا قائد الأرمادا فقد إستعان إفينجهام ببحارة ذوى خبرة واسعة وتفانى مذهل وشجاعة لا تحدها حدود . رغم ضخامة السفن الإسبانية وقوتها وبينها ما يعرف بالغلايين وهى سفن عملاقة مخيفة للغاية ، إلا أن إفينجهام إصطحب معه السفن الصغيرة الأسرع مناورة والأخف حركة فأصبحت ضخامة الأرمادا وقوة سفنه وبالا عليه . كما تبنى أسلوب القوارب النارية المحملة بالزيت والأخشاب الجافة والمواد سريعة الإشتعال وكانت مهمتها هى توجيهها نحو سفن العدو والإصطدام بها لتشتعل النار فى كليهما . وقبع الأسطول الإنجليزى رابضا فى خليج باسكاى منتظرا فريسته فى الظهور . ** ما العمل ، ماذا سيحدث لنا ؟ نظرت فلورا إلى أمجد فى برود ثم قالت : أنت لا تعرف يوجينيو ، سيفعل أى شىء كى ينتزع كل ما لدينا . تحرك الجنود الإسبان على ظهر السفينة بشكل مريب وبدا عليهم التوتر ، فى حين بدأ الضابط الإسبانى فى إعلان حالة الطوارىء والإستعداد بعد إقتراب سفينة منهم بسرعة مذهلة ولا تبدو نواياها بعد . لم يتمالك أمجد فضوله ونهض واقفا وما زالت يديه مقيدتان خلفه فى سارية السفينة الإسبانية ، تأمل السفينة المقتربة من بعيد والتى لم تصيبها أيا من مدافع السفينة الإسبانية لسرعتها المذهلة ، إقتربت أكثر ،، عندها لمح أمجد شعار السفينة المارقة ، إنها تحمل العلم الأسود ذو الجمجمة والعظام ، إنها سفينة قراصنة . إلتحمت سفينة القراصنة بسفينة الإسبان وأغار البحارة على الجنود فى ضراوة ولم تمض دقائق حتى سيطر القراصنة تماما على السفينة الإسبانية والقوا بمن فيها فى البحر ، وخطا قائدهم مقتربا من الأسيرين وأمر بفك قيودهما ، إبتسمت فلورا وانحنت فى تحية ثم صافحته بحرارة ونظرت لأمجد : أمجد ، هذا فرانسيس ديريك ، أشهر البحارة الإنجليز وأشهر قراصنة الأطلسى ، إنه فى مهمة وطنية بأوامر من الملكة إليزابيث بإعتراض السفن الإسبانية وحمل بضائعها وكنوزها إلى خزائن المملكة ، ثم إقتربت هامسة فى أذنيه : وله فى قلب الملكة مكانة خاصة جدا . من جديد أبحرت سفينة القراصنة تتبعها سفينة الإسبان المسلوبة صوب خليج باسكاى ، فقد كان إفينجهام فى إنتظار فلورا لتصف له قوة الأسطول الإسبانى رغم رسالتها التى أرسلتها إليه لكنه رغب أن تصف له وجها لوجه ، فلديه أسئلة لا تستوعبها مئات الرسائل . وعلى سفينة إفينجهام كان لقاءا جديدا بين فلورا وقائد الأسطول الإنجليزى وصفت له بدقة متناهية كل ما رأته فى لشبونة فقد بلغ حجم الأرمادا 22 من السفن العملاقة و 108 من السفن التجارية المسلحة وكان إفينجهام سعيدا بما سمعه فقد برزت نقاط ضعف كثيرة فى أقوى اساطيل العالم وقتها ، وقد حان الوقت لتحطيم الأسطورة ، إلى الأبد . ** إنطلق دوق مدينا سيدونا على رأس أسطوله الشهير فى حملة رأى أنها اسهل ما تكون ، كان مقررا للأسطول الإسبانى أن يلتقى بدوق بارما فى القناة الإنجليزية إلا أن الأخير تم إعتراضه بواسطة قوارب الأسطول الإنجليزى والتى حالت بينه وبين لقاء سيدونا . تأخر ظهور الأرمادا فى خليج باسكاى بسبب الطقس السىء مما أعاق 5 غلايين عملاقة من اصل 8 عن اللحاق بكامل الأسطول بينما حوصر الأسطول الإنجليزى فى بلايموث بواسطة نفس الطقس السىء . وفى الليل أبحرت 55 من سفن إفينجهام تحت قيادته لإستغلال الطقس السىء فى صالح سفنه الخفيفة الحركة مقارنة بالسفن الإسبانية العملاقة ، ونجح فى إغراق سفينتين إسبانيتين . وبدأ الأسطولين فى مناوشات إلى أن وصل الأسطول الإسبانى إلى جزيرة وايت وبدء تشكيل دفاعى داخل المياه إنتظارا لأسطول بارما ، فى حين تفرق الأسطول الإنجليزى إلى أربعة تشكيلات صغيرة لتشتيت الأرمادا قدر الإمكان . ومع إستمرار الطقس السىء وعدم وجود موانىء آمنة فى قلب مياه العدو إضطر سيدونا إلى الإنسحاب إلى الشواطىء الفرنسية والإنتظار . لقد إتضحت تماما لدى إفينجهام نقاط ضعف الأرمادا خلال المناوشات الخفيفة فى القناة الإنجليزية ، لقد إستهلك الإسبان كثيرا من البارود خلال المطاردات كما أثبت الجنود الإسبان قلة خبرتهم وكفاءتهم ، والطريف أنهم لم يتدربوا على إعادة حشو البنادق فقد كانوا يطلقون مدافعهم وبنادقهم ثم ينطلقون إلى أعلى السفينة إستعدادا للإنقضاض على السفينة المقتربة لحظة الإلتحام فقد كانت قوة الإسبان "الماسكوتيرز" الأولى فى الإلتحام وجها لوجه وقد حرمهم الإنجليز من الإقتراب منهم بل كانت القوارب الإنجليزية تغرى الأرمادا بالإقتراب من مدى المدفعية ثم الهروب سريعا لتهدر سفن الأرمادا ذخيرتها دون فائدة ، عندها تعاود السفن الإنجليزية الهجوم لتحدث أضرارا فى السفن الإسبانية . يوما بعد يوم بدأ الطقس والقوارب الإنجليزية فى إضعاف الأرمادا وبدأ العطش والإجهاد يتسلل إلى الإسبان . وأجبرت الأرمادا على التحرك إلى أقصى الشمال إثر مطاردات السفن الإنجليزية التى لا تهدأ . وفى تيلبورى أصرت الملكة على إلقاء خطاب حماسى على جنودها البواسل ، ووقف أمجد مع فلورا يستمعان للخطاب الشهير وكلمات إليزابيث القوية : " I know I have the body of a weak and feeble woman; but I have the heart and stomach of a king - and of a king of England too" قد يكون لدى جسد إمرأة ضعيفة ، لكنى أملك قلب ملك ، بل وملك إنجلترا أيضا " نظرت فلورا إلى أمجد وابتسمت قائلة : إن كنت كما تزعم من المستقبل ، فما مصير هذه الحرب وهذا الأسطول المخيف ؟ إبتسم امجد إبتسامة أكبر وقال لها : أظنك تعرفين بالفعل . *** تابعت الأرمادا هروبها إلى الشمال فى حين لاحقتها القوارب الإنجليزية ملحقة بها الخسائر تلو الأخرى ، وعلى شواطىء أسكتلندا التحم الأسطولين من جديد وألحق الإنجليز خسائر كبيرة بالأرمادا بلغت 26 سفينة ، وبدأ الإسبان فى الرد والإنتقام ، أمطرت الأرمادا سفن الإنجليز بوابل من القذائف وكانت سفينة أمجد فى خط المواجهة فأصابتها قذيفة مدوية أطاحت بمؤخرتها وقفز كل من فيها إلى الماء ، قفز أمجد من فوق السفينة الغارقة وما إن لامس وجهه سطح الماء حتى غاب عن الوعى تماما . إنتشلت السفن الإنجليزية بحارتها من سطح الماء وبحثت فلورا عن أمجد لكن البحارة أبدوا دهشتهم من إختفاءه تماما بعد أن كان بينهم منذ لحظات ، واصل البحارة الإنجليز بحثهم فى الأعماق لكن لم يكن له أدنى أثر . عندها إبتسمت فلورا قائلة لهم ، دعوه يرقد فى سلام ، وتمتمت قائلة : لقد عاد . *** أفاق أمجد ليجد نفسه ملقى على أرضية غرفة المطعم العائم ، حيث غادر صديقيه . أسرع للمرآة فرأى ملابسه كما هى ، كل شىء لم يتغير سوى أن وجهه كان أكثر شحوبا . نظر فى ساعته فوجدها متأخرة خمس دقائق فقط منذ ودع صديقيه . خرج مسرعا إلى صالة المركب حيث رأى صديقيه فى إنتظاره ، وفى إبتسامة هادئة كأن شيئا لم يكن ، عاد إلى طاولته مداعبا صديقيه وأكمل الصحاب غداءهم بكل هدوء . مر الأمر بسلام ، هكذا تمتم أمجد فى سره ، لكنه لم يلمح هذه النظرة المريبة فى وجه ياسمين ، لقد كانت من داخلها تعرف أن هذا الذى أمامها لم يكن ابدا هو من رحل منذ خمس دقائق ، لم تدرك لحظتها أن القدرعلى وشك أن يلقى بين يديها بالحقيقة ، كل الحقيقة . __________________ ![]() أخي إنني ما سئمت الكفاح * و لا أنا ألقيت عني السلاح وإن طوقتني جيوشُ الظلام * فإني على ثقة ... بالصباح |
| #29 | ||||
| ||||
| رد: الـمــســــــافــرون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية . موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية . كيف حالك إن شاء الله دائما بخير ؟ ألف مبروك .. لقد سعدت بهذا الخبر |
![]() |
| أنشر هذا الموضوع عالمياً في مواقع النشر (المفضلة) |
| لتسهيل البحث عن الموضوع في محركات البحث العالمية أضف الكلمات الدلالية (Tags) الآن بالضغط على تعديل الكلمات الدلالية على اليسار |
| الـمــســــــافــرون |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |