إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

هل انطلقت ثورة الشباب العربي؟

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • هل انطلقت ثورة الشباب العربي؟

    تفجرت ثورة الشباب في أوروبا في أواخر الستينات من القرن المنصرم, منطلقة من جامعات باريس حين دخلت الشرطة لاعتقال طالب من الحرم الجامعي, فانتفضت الحركة الطالبية في عموم فرنسا لتصبح ثورة اجتماعية بكل المقاييس, ولقد أفرزت لها قيادات جديدة, متجاوزة الأحزاب التقليدية وزعاماتها الشائخة. وسرعان ما عمت الثورة أرجاء أوروبا والعالم, سقطت إثرها الحكومات وتراجعت الأحزاب التقليدية, وجرفت بطريقها الجنرال ديغول رجل فرنسا العجوز.
    لقد كان لثورة الشباب في أوروبا أثرها البالغ على مجمل ثقافة ذلك العصر وخاصة في السينما والمسرح و الموسيقى, وبرز التيار التروتسكي و الغيفاري مواكبا ومتناغما مع الحدث, حتى نافس الأحزاب الشيوعية التقليدية المترهلة والمأسورة في حضن المؤسسة السوفييتية ولغتها الخشبية.
    لم تسلم دول الديمقراطيات الشعبية المغلقة في أوروبا الشرقية, ومعها دول العالم الثالث من الظاهرة, فبرزت على السطح حركات انشقاقية, واجهتها سلطات تلك البلاد بعنف غير محدود, وبتدخل خارجي من الاتحاد السوفييتي (الأخ الأكبر) وفق تعبير جورج أورويل, كما حدث في المجر وبولونيا, وبدت سلطات تلك البلاد أنها غير مستعدة لفتح الحوار مع العقول الشابة قالبة لها ظهر المجن.
    أن ثورة الشباب في تونس اليوم ستترك بصماتها على القرن من بدايته, وستفعل فعلها مستعيدة دورا يشبه دور الثورة الفرنسية التي كنست الإقطاعيات المتداعية رغم انغلاقها الشديد على ذواتها, لقد فتحت ثورة الشباب في تونس مخزن التراكمات المغلق, لتخرج منه, شأنها شأن كيس الساحر خفيف اليد, أدوات وحيوات لم تكن تخطر على بال المؤسسة الأمنية, وذلك بشعارات بسيطة ومطالب معقولة عبرت عما يريده الناس من تغيير تأخر كثيرا, ثم هذا الجهد الضخم لكنه المنظم بذكاء منقطع النظير, منع من اندساس القوى الخفية لحرف الثورة عن مسارها, وعن أهدافها وتطلعاتها لتأسيس دولة المواطنة, على أنقاض الدولة البوليسية.
    كيف استطاع هذا الشباب المتحمس أن يلتقط الجذوة من جسد بوعزيزي الملتهب, ليحولها إلى محرقة, لدولة الفساد والاستبداد, بإمكانات بسيطة مستفيدا من ثورة المعلومات؟
    لقد قطـّعت السلطات الحاكمة أوصال مجتمعاتها وأغلقت عليها المنافذ في جزر يسهل السيطرة عليها, مانعة بفضل قوانين الطوارئ أي اتصال بين الإنسان والإنسان, وبين قوى المجتمع مع بعضها البعض, ولم تفتح السلطات حوارا جادا مع قوى المجتمع الحية, حتى انفرط عقده ولم يعد مجتمعا.
    لكن الشباب احتال على الرقيب الخرف وصنع لنفسه مجتمعا بديلا افتراضيا إن على الجوالات و البلوتوث أو على الشبكة العنكبوتيـّة, فرسائل الsms القصيرة وتبادل الصورة والصوت ومقاطع الفيديو, وإن كانت موضوعاتها غير سياسية, لكنها خلقت تضامنا والتحاما جديدا من وراء ظهر قوانين الرقابة على الناس, فتبادل الشباب الهواجس والتطلّعات, بإتقان متفرد لمفاتيح تلك التقنيات الحديثة, وللحقيقة فإنني أجد نفسي عاجزا عن فهم لغة التقنية الحديثة حين يتحدث الشباب فيما بينهم فالمعطيات الجديدة والابتكارات الحديثة لا أعرف منها سوى أزرار التحدث, لقد أمست وأصبحت الصورة و اللقطة تنتشران بسرعة البرق ثم تخزّن في تلك الآلات المكروية صغيرة الحجم بالغة التأثير حتى لتجد وسائل الإعلام المختلفة, من صحافة و إذاعات و تلفزة, نفسها متخلفة عن ركب الحداثة وعن مواكبة اللحظة الخاطفة, كما عجزت المعارضات التقليدية من مجارات الشباب في تطلعاتهم ولم تتفهم خطورة الصورة واللقطة, وظلت أسيرة للنشر الورقي المتخلف, بينما يتبادل أصحاب العقول المرنة كل أنواع الصورة واللقطة, سياسية كانت أم جنسية (رغبة في خدش حياء الفضيلة الكاذب في مجتمع متفكك). ثم جاء الإنترنت ليصنع بشبكته العنكبوتية عالما جديدا يتجاوز الحدود بإمكانات هائلة, وبوسائل بسيطة للتواصل والانتظام بتؤدة وخفاء خلف الستار الحديدي, معطلا بسرعته التي تجاري العصر, قوانين الرقابة المتخلفة عقليا والتي لا تتقن سوى وسائل الحجب المضحكة والتي لا تصمد أمام قدرة العقول اللدنة على الابتكار, ولسان حالها يقول: احجبوا ما شئتم وامنعوا ما شئتم الاجتماعات والمنتديات, فنحن خلقنا لأنفسنا المجتمع البديل.
    لا يبدو أن الأنظمة العربية على عجلة من أمرها لتتنازل عن كبريائها وصلفها لتلتقي مع الشباب في منتصف الطريق, فالشباب يريد أن يصنع مستقبله بنفسه, ويريد أن يتدخل في السياسات التي ترسم مصيره, ويريد أن يلقي عن كاهله أبواب الحجب و المنع الموصدة في وجهه, ولتعلم السلطات وفئاتها الحاكمة أن ستار الأسرار الذي تسربل بها ذاتها قد هتك وغدت فضائحها تنتقل بالصوت والصورة بين يدي أقل المراهقين عمرا والذي أصبح قادرا على الدخول إلى أجهزتها الشخصية ليأخذ منها ما شاء, بهدف الانتقام من حال الفقر و الفساد والاستبداد, وحجب وسائل التواصل من فيسبوك وتويتر ويوتوب وغيرها, التي غدت أحزابا بديلة عن أحزاب السلطات الهرمة.
يعمل...
X