في البلدان التي استيقظ فيها الربيع العربي, وفي تبسيط وسطحية يقارن البعض بين أحوال تلك البلدان اليوم وأحوالها بعد الثورة ليخلص إلى نتيجة سلبية مفادها: إن الأمور قبل الثورة كانت سيئة لكنها ليست أسوأ مما هي عليه الآن.
وهذا كلام ملتبس حجته المقارنة والقياس, طالما أن العقل العربي مولع بالقياس والمقارنة في حين كفت المعرفة البشرية عن اعتبار المقارن حجة منذ زمن قديم فالمثل الفرنسي يقول: "المقارنة ليست حجة" وأقول المقارنة أسوأ حجة.
ومنطق المقارنة هذا يستبطن لوما وتقريعا لطرف ما هو من ضغط الأزرار وحرك الشارع لإسقاط أنظمته الفاسدة, وكان ينبغي لهؤلاء وهم على ما يظنون أشخاصا أو ذواتا محسوسة, تأجيل أو إلغاء قرار الثورة والقناعة بما في أيديهم من نعم سابغة.
إن الثورة ليست قرارا إرادويا إنما هي حالة صنعها المستبدون قبل غيرهم, لأنهم لم يتركوا لمجتمعاتهم خيارات أخرى.
والنمط الآخر من التفكير المسطّح يعتقد أن للثورات مفعول السحر, فبمجرد أن تقوم الثورة سينقلب جميع الشياطين إلى ملائكة فتسير الأمور كعقارب الساعة متجاهلين إرثا من الاستبداد والفساد استوطن البلاد نصف قرن أو أكثر من الزمن, وأن جزءا غير يسير من أمراض القديم تحل في جسم الجديد, وقد تحتاج تلك المجتمعات إلى أكثر من ثورة لتعيد إليها توازنها وإن صداما عنيفا سيحدث بين أفكار متصارعة وقوى داخلية وخارجية كلّ له مخططه وأجندته, إلى أن ينهض الإنسان المسكين من حطامه ليقول: كفى, ويطرد الجميع من بيته, ثمّ يتلمّس طريقه بتؤدة ليعيد ترتيب البيت على مزاجه وحسب ما يعقل.
إن تعثّر الأحوال في دول الربيع العربي مردّها إلى حالة الاستعصاء التي وضعها الحكام المستبدون مجتمعاتهم فيها, فالتحكم الأمني الصارم والتضييق والتشديد يحمل هذا في طياته بديله الفوضوي, ومنطق هؤلاء الحكام إما أنا أو الفوضى إنما يعني الفوضى التي بيّتها وصنعتها لكم وسوف أحرقكم بها, لكن المجتمعات سوف تتلمس عاجلا أو آجلا طريقها نحو تنظيم ذاتها ويولد النظام من رحم الفوضى.
ويكفي تلك الثورات أن جبلا من الأوهام والشعارات قد سقط وأصبح قاعا صفصفا, وأنها طوت حقبة قاسية من عمرها إلى غير رجعة, وإن كانت الأثمان والتكاليف باهضة, إلا أن الشعوب استعدت لدفعها ولا أمل ولا خلاص لها بغير ذلك.